المجتمع المدني والدولة السياسية في الوطن العربي - توفيق المديني

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:07 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الخامس

أولاً: الاطار المفاهيمي للثورة الديمقراطية،‏

كسيرورة نمو المجتمع المدني والوحدة القومية‏

لابد في البدء من تعيين حدود مفهومي المجتمع المدني والثورة الديمقراطية للكشف عن علاقات الترابط الضرورية بينهما، نقصد بالثورة القومية الديمقراطية في الوطن العربي جملة من المتغيرات البنيانية التي تؤدي إلى تحرير الأراضي العربية المحتلة، وتصفية آثار التبعية، وتحقيق الوحدة القومية، بما يحقق مطامح أوسع قطاعات الشعب العربي في التقدم، وتوفير الأساس لاستقلال حقيقي، وتنمية حقيقي، وتحقيق حرية الإنسان العربي، وصون كرامته في وطنه.‏

إذا كان مفهوم الثورة الديمقراطية هذا يذكرنا بالثورة الديمقراطية التي أرست في غربي أوروبا وشمال أميركا أسس المجتمع الحديث والدولة القومية، وأطلقت ديناميات النمو والتقدم فيهما، فإن مفهوم الثورة الديمقراطية في الوطن العربي يعني تصفية البنى والتشكيلات والعلاقات ماقبل القومية، وبقايا الاقطاع والقبلية والطائفية، ومخلفات القرون الوسطى، وتبني المجتمع الموحد الذي يضمن الحرية والمساواة في ضوء التقدم الحاصل في العالم، وفي ضوء الأسس المعرفية التي انتهجتها الثورة الديمقراطية البرجوازية ذاتها، وفي ضوء حاجات التقدم العربي والشروط الذاتية، والموضوعية لتلبية هذه الحاجات.‏

إن الثورة الديمقراطية في الوطن العربي أكثر تعقيداً منها في غربي أوروبا القرن التاسع عشر، أو الثامن عشر. ففي أوروبا كان إنجاز الثورة الديمقراطية يتطلب الاطاحة بسلطة الاقطاع والكنيسة المتحالفين، وكانت هذه مهمة كل الطبقات الأخرى. أما في وطننا، فقد كان الوضع يقتضي الاطاحة باحتلال غاشم أولاً، كان عثمانياً وبريطانياً، وفرنسياً، وإيطالياً، وإسبانياً، ثم انهارت الامبراطورية العثمانية فصار احتلالاً غربياً منذ نهاية الحرب العالمية الأولى.‏

وكان وضعنا في ذلك يشبه وضع إيطاليا قبل 1820، وأوروبا الشرقية قبل 1917، إلا أن مازاد وضعنا تعقيداً، كوننا نواجه الكولونيالية التي تحولت إلى امبريالية مع أواخر القرن الماضي، وبدايات القرن العشرين.‏

كانت المشكلة الأولى مشكلة الاحتلال الكولونيالي الذي تحول إلى احتلال امبريالي. ولم يكن ممكناً أن ننجز ثورة ديمقراطية، مع بقاء هذا الاحتلال، فقد كان هدف الاحتلال إبقاء الشعب متخلفاً، واستغلاله واستغلال موارده. لذلك أجرى الامبرياليون التغييرات اللازمة الضرورية لضمان مصالحهم، وأبقوا كل شيء على حاله.‏

وأوجدت الامبريالية الغربية الكيان الصهيوني، ليظل عصاها الغليظة، عندماأخذت تتراجع عسكرياً لمصلحة الاستعمار الجديد، وقد بيننا سابقاً كيف أوجدت الامبريالية الظروف الملائمة لاستمرار الارتهان بها، على الرغم من الاستقلال الذي حصل في معظم الأقطار العربية. ولم يستطع النضال العربي أن ينجز الاستقلال الجذري الشامل، وهذه عقبة كأداء مازالت تقف في سبيل ثورتنا الديمقراطية. ونحن الآن لا نستطيع أن نفكر بإنجاز الثورة الديمقراطية، دون أن نفكر بالوجود الصهيوني، وبأشكال التبعية المباشرة وغير المباشرة.‏

أما المشكلة الثانية، فهي أن الوجود الامبريالي والصهيوني يتعهد مخلفات القرون الوسطى، ويزودها بمقومات البقاء والاستمرار لأنه يرى فيها الضمان الحقيقي لبقاء حالات التمزق والتبعية والتخلف الراهنة، ولذلك ليس غريباً، أن يشهد الوطن العربي منذ نهاية الخمسينات حتى الآن محاولات يائسة من بقايا القوى الوسطى، لزيادة دورها السياسي، ولبناء وجودها الاجتماعي والعسكري، ومنذ الحرب الطائفية في لبنان سنة 1985، والحركة الارتدادية والتعصب المذهبي يتفاقمان. وها نحن نرى ما أحدثاه في لبنان، وفي باقي البلاد العربية. وقد شارك تدفق النفط وازدياد عائداته في خلق دول يحكمها شيوخ وأمراء من بقايا القرون الوسطى، وتحتل هذه الدول موقعاً مهماً في الحياة العربية الحديثة.‏

ولقد حاول النضال الاستقلالي أن يوحد بين كل القوى، بمافيها الاقطاعية والطائفية والرجعية، لإنجاز أهدافه. ولذلك كان برنامج الاستقلال دائماً برنامجاً من نقطة واحدة، الاستقلال، ولذا ظلت الاتجاهات المساومة هي الغالبة عليه، فهو لم يكن برنامج الجماهير الشعبية، وقواها الطليعية، بل كان برنامج الأقطار والبرجوازية، وإن كانت الجماهير الشعبية تسنده.‏

وحين ازداد دور الجماهير، وتفاقمت مشاكلها الاجتماعية، بدأت الانقلابات والانتفاضات، أخذت القيادات الجديدة، تضرب المصالح الأجنبية ثم الطبقات الوسيطة، والاقطاع، ولكنها مع ذلك لم تكن تملك مفهوم ثورة ديمقراطية شاملة، ولم تكن تتبنى قيماً وتقاليد ديمقراطية، وكانت أجهزتها وأنظمتها قمعية ومحافظة إن لم تكن رجعية.‏

وهكذا نستطيع القول أننا حققنا استقلالاً إلى هذه الدرجة أو تلك على صعيد الأقطار، ولكن لم نحقق استقلالاً قومياً جذرياً شاملاً، ونستطيع أن نقول أننا ضربنا بعض المصالح الأجنبية، ومصالح الطبقات الكمبرادورية الوسيطة في عدد من الأقطار، ولكننا لا نستطيع أن نقول أننا عممنا المدارس في معظم أرجاء الوطن العربي، ولكننا مع ذلك حافظنا، ومازلنا على كل مخلفات القرون الوسطى. ومع ذلك كله، فإننا نستطيع أن نقول جازمين أننا لم ننجز ثورة ديمقراطية قومية، ولا حتى ثورة ديمقراطية في جزء من الوطن، وهذه قضية الثورة الديمقراطية.‏

وتختلف ثورتنا الديمقراطية عن الثورات الديمقراطية الأوروبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كما أنها تختلف عن ثورات الاتحاد السوفياتي والصين وفيتنام الخ.... وهي تختلف عن الثورات الأوروبية، لأن الثورات الأوروبية، قادتها البرجوازية، وإن كانت قاعدتها من العمال والفلاحين والطبقة الوسطى. والبرجوازية في وطننا ليست طبقة قائدة، لأنها جزء من الرأسمالية العالمية نمت على هامشها، وفي ظلها، وترتبط بمصالحها، ولذلك فإن دورها لا يعدو أن يكون ثانوياً ولأن اعتمادها الأساسي لا يكون على جماهيرها، بل على القوى الرأسمالية العالمية. كما أنها تختلف عن ثورات الاتحاد السوفياتي والصين وفيتنام، لأن تلك الثورات قادها حزب شيوعي، فحولها إلى «ثورة اشتراكية».‏

أما على الصعيد العربي فالبرجوازية ليست مؤهلة، ولا مستعدة، ولاتعتبر هذا دورها، أما الطبقة العاملة، فما زالت محدودة القوة والفعالية، ولذلك فإن ثورتنا الديمقراطية، ستكون بقيادة تحالف العمال والفلاحين والشرائح الثورية والديمقراطية من الطبقة الوسطى، وهذا يعطيها شعبيتها، ويجعل لها قاعدة شعبية واسعة من كل القوى ذات المصلحة.‏

ليست الثورة الديمقراطية العربية جمعاً حسابياً للثورات الوطنية الديمقراطية في كل قطر على حده كما كان ينظر لها تيار اليسار الجديد العربي، الذي حول مفهوم الثورة القومية الديمقراطية إلى مفهوم ثورة وطنية ديمقراطية، وانحاز سياسياً إلى قانون الدولة القطرية على قاعدة الصراع واستبدال سلطة بسلطة في مرحلة أولى، وعلى قاعدة التعايش مع البرجوازية الكولونيالية وإعادة مأزق الدولة القطرية في مرحلة ثانية، حيث سقط مفهوم الثورة الوطنية الديمقراطية المعزولة عن قانون التطور التاريخي، قانون تحقيق واستكمال الثورة القومية الديمقراطية. وليست الثورة الديمقراطية تصميماً لدولة قومية تتجاوز الكيانات القطرية الراهنة، بل هي في الواقع سيرورة نمو المجتمع المدني، والدولة الوطنية القومية، والتنمية، والسوق القومية والديمقراطية، واستكمال السيادة القومية، بالتلازم.‏

الثورة الديمقراطية منظور إليها من منظار السياسي / تاريخ ترى في إنتاج السياسة في المجتمع انتاجاً يدفع إلى تماهي هوية الدولة مع هوية المجتمع القومية، بصرف النظر عن كون هذه الدولة في قطر واحد، أو دولة في قطرين أو أكثر، وبعبارة أخرى توفير الشروط الموضوعية والذاتية التي ينتج المجتمع في ضوئها حياته السياسية، أو شكل وجوده السياسي. وهذا يعني واقعياً تحويل الدولة القطرية القائمة تحويلاً ديمقراطياً تدريجياً إلى دولة وطنية، إذ الفارق بين هذين النمطين من الدولة، فارق نوعي يتعلق بآليات انتاج او منتوج كل منهما أولاً.‏

فالدولة القطرية، سواء التي كان على رأسها فئات البرجوازية الكمبرادورية التي ارتبطت بنيوياً بالامبريالية والنظام الرأسمالي العالمي، وفق معادلات الجغرافيا السياسية عن تقسيم سايكس بيكو الخاصة بكل قطر، أو تلك التي سيطرت عليها فئات الطبقة الوسطى التي انتهجت أشكال رأسمالية الدولة في الاقتصاد والمجتمع، وبنت أنماط من السلطة التسلطية في الداخل، يعاد إنتاجها بفعل ضرورات الاستحقاقات الخارجية، كمجرد وكيل سياسي أمني تقليدي للبرجوازية الكمبرادورية في الداخل والامبريالية الغربية معاً.‏

وفي ظل تبعية الدولة القطرية الموضوعية للنظام الرأسمالي العالمي ولاسيما مع تعميق عالمية الرأسمالية وإطلاق آليتها المزدوجة، تزداد آلية الدمج والاقصاء، أو الاحتواء والتهميش، التي بموجبها تدمج الدول القطرية في الوطن العربي، وكذلك الدول التابعة الأخرى في نظام العولمة الرأسمالية الجديدة، وتطرد منها بصفتها دولاً وطنية، وتحاول بالتالي وظيفتها الكمبرادورية بين الداخل والخارج. في حين تنتج الدولة الوطنية بفعل العوامل الداخلية بصورة أساسية، أي تكون الدولة تعبيراً عن نسبة القوى الاجتماعية وحيويتها وحيوية هذه القوى.‏

ولما كانت الدولة القطرية تعبيراً «عن متطلبات الاستراتيجية الامبريالية في جانبها السياسي، فقد خدمتها في جانبها الموضوعي الاجتماعي، وشكلت بنيتها القطرية الموضوعية أخطر تجلي أو تجاوب مع القانون العام لهذه المتطلبات والقائمة على تعزيز جوانب الوحدة الرأسمالية فيما بين مراكزها المتعارضة ضد الجنوب العالمي مقابل إطلاق قانون الصراع بين بلدان الجنوب نفسها داخل قانون الوحدة وبالأحرى الإخضاع للشمال العالمي وقد تعرض الوطن العربي إلى أخطر هذه المظاهر»(1)، فإن آليات إعادة إنتاج الدولة القطرية على أرضية اتفاقية سايكس - بيكو التي شكلت ولا تزال الأساس الموضوعي - الاقتصادي السياسي للمأزق العربي الراهن، وازدياد تعمق هذا المأزق مع دخول الكيان الصهيوني على خط التقسيم الامبريالي الدولي للعمل في المنطقة العربية، وطرح بناء النظام الشرق أوسطي الجديد الذي تحتل فيه البرجوازية الصهيونية مركز القيادة باعتبارها وكيلاً سياسياً واحداً للرأسمالية العالمية، هو أقرب ماتكون إلى الدولة الحصرية، أي الفئوية دولة العشيرة، أو العائلة، أو الطائفة، أو الحزب الواحد المهيمن. وعلى نقيض هذا النمط من الدولة القطرية، تكون الدولة الوطنية دولة الكل الاجتماعي تتيح بنيتها ووظيفتها معها إمكانية تداول السلطة بين القوى الاجتماعية بحسب نسبة القوى الموضوعية في المجتمع المدني.‏

وتكتسي عملية التبعية التي تتعمق باضطراد طابعاً يعبر عن المضمون الاقتصادي للتبعية، حيث كشفت «التطورات الدولية الأخيرة ودخول الامبريالية العالمية مرحلة الاحتكارات والشركات فوق القومية والقفز فوق المرحلة الكينزية ورأسمالية الدولة، إلى المزيد من تحرير التجارة واقتصاد السوق المفتوح بالمطلق، فانعكست عربياً، بصورة أسوأ فأسوأ، بسبب غياب الشرط التاريخي لدولة السوق القومية وحضور هذا الشرط في نقيضه القطري العاجز أولاً عن الاندماج في السوق الرأسمالي العالمي شروط تسمح له بالتطور داخل هذه السوق، والعاجز ثانياً عن فك التبعية عن هذه السوق من خلال تحولات اجتماعية لا توفرها البنية ا لقطرية، فانكشفت كذبة التطور الرأسمالي عند عرب الغرب كما انكشفت كذبة التطور اللارأسمالي عند «اشتراكية مصر والجزائر»(2).‏

فالدولة القطرية بحكم صفاتها الآنفة الذكر، تطلق أيضاً آلية دمج وإقصاء للقوى الاجتماعية كتلك الآلية التي حددت موقعها في النظام العالمي، فهي تمتص قوة المجتمع وتسيطر على موارده المالية والبشرية والروحية، وتدمج قوى المجتمع في عالمها بصفتها عناصر قوة اقتصادية وثقافية وإيديولوجية، وتطردها من عالمها في الوقت عينه، بصفتها قوى اجتماعية لها مصالح متباينة، وتطلعات سياسية معينة. وينشأ من جراء هذه الآلية عالمان مختلفان ومتنابذان، عالم السلطة - والأحزاب السياسية التي ألغت نفسها إيجابياً باندماجها في عالم السلطة، وذوبانها فيها، أو سلبياً، بمعارضتها إياها على أساس برنامجها ذاته ورؤيتها ذاتها بصفتها جزء من عالمها (اي عالم السلطة) - ومجتمعها، وعالم الشعب المهمش والمحروم من إنتاج حياته السياسية.‏

وقد أدت عملية إلغاء إنتاج السياسة في صلب المجتمع العربي كله، إلى حصر السياسة في دائرة السلطة، الدولة، أو الدولة / السلطة، وإلى زيادة الطابع الاستبدادي للدولة القطرية، الذي لم ينجم فقط عن طبيعة القوى الاجتماعية أو الفئة الاجتماعية المسيطرة على الدولة، بل ينجم عن بنية الدولة ذاتها ومن وظيفتها وميلها إلى مزيد من التفسخ والعودة إلى البنى الاجتماعية الاثنية ماقبل القومية في إطار المزيد من التبعية.‏

أما الدولة الوطنية فهي من هذه الزاوية دولة ديمقراطية بمعنى كونها دولة المجتمع التي يشعر كل مواطن بأنها صورته السياسية وملاذه، وضامن حقوقه، وحريته.‏

إذاً، الثورة الديمقراطية هي جملة العمليات والفاعليات الثقافية والسياسية والاجتماعية الاقتصادية التي تجعل من الدولة القطرية دولة وطنية، والدولة الوطنية هي جنين دولة قومية، أي أنها تقبل الاندماج في مشروع وحدوي، بغض النظر عن الشكل السياسي لهذه الوحدة، سواء اندماجية في دولة وحدة مركزية، أو فيدرالية، أو كونفدرالية، أو تعاون أو تكامل اقتصادي الخ.... والاندماج في المشروع الوحدوي يعني واقعياً حرية انتقال عوامل الانتاج من دولة إلى أخرى، أو بين الدول العربية الأخرى، ونشوء نوع من تقسيم عمل قومي تحدده الشروط الموضوعية والمصالح الحقيقية لشعوب الدول العربية، وهذا يؤدي موضوعياً إلى نشوء سوق قومية قادرة على إقامة علاقات ندية أو متوازية مع التكتلات الاقتصادية الاقليمية، ومع السوق العالمية بوجه عام.‏

هذا المدخل الواقعي للوحدة القومية هي الصيغة التي تتحدد في ضوئها مهمات الثورة القومية الديمقراطية في كل قطر على حده، وهي مهمات معقدة ومتداخلة، آثرنا أن يكون تحويل الدولة القطرية ديمقراطياً وقومياً مدخلاً إليها. وإذا كان من الضروري إيضاح الخطوط الرئيسية للثورة القومية الديمقراطية، فإن هذه الخطوط هي:‏

أولاً: تحقيق الاندماج القومي في كل قطر على حدة، في الوطن العربي بوجه عام، ويقصد بالاندماج القومي تصفية البنى والعلاقات ماقبل القومية، والانتقال من مفهوم الجماعة إلى مفهوم المجتمع المدني، ومن مفهوم الملة الديني إلى مفهوم الأمة العلماني والديمقراطي، ومن وضعية التكسر المجتمعي وتحاجز فئات المجتمع إلى الوحدة المجتمعية السياسية -وسيرورة الاندماج القومي هذه هي ذاتها سيرورة نمو المجتمع المدني العلماني، وسيرورة بناء الدولة وفق مقتضيات العقل ومطلب الحرية. والاندماج القومي المجتمعي خطوة ضرورية منطقياً وتاريخياً للوحدة القومية، التي قد يفرض التطور الموضوعي أن يكون الوصول إليها عبر أشكال وسيطة مختلفة منها مثلاً صيغة السوق المشتركة، أو التعاون والتنسيق بين دولتين أو أكثر، أو قيام تجمعات إقليمية وجهوية التي يتحدد طابعها القومي الوحدوي بمدى وطنية الدولة في كل قطر بالمعنى الذي أشرنا إليه.‏

ثانياً: انجاز الوحدة القومية. تعتبر الوحدة العربية أهم عناصر الثورة القومية الديمقراطية، لأن الامبريالية العالمية مازالت قوية، وكانت قد خرجت منتصرة من الحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم مما أصاب بريطانيا وفرنسا من إنهاك فإن الامبريالية الأمريكية كانت ومازالت في عنفوانها، وإذا كان ضعف بريطانيا وفرنسا، وطموح الامبرياليةالأمريكية، يسمح باستقلال قطري جزئي، فإن عملية الاستقلال هذه، لم تكن تعني أن الوحدة الشاملة مقبولة، فقد كان ضرورياً للامبريالية أن يبقى الوطن العربي هامشاً تابعاً، وإن بصيغ جديدة.‏

وكانت الطبقات والفئات التي نمت ضمن الاطار الكولونيالي، ذات مصالح قطرية محدودة، وكان كل مطمح هذه الفئات أن تعدل شروط علاقتها بالامبريالية، لا أن تنهي هذه السيطرة تماماً. وقد أخذت العلاقة، من الثلاثينات إلى أواخر الخمسينات، شكل الاستقلال المقيد، بمعاهدة، ثم أخذت شكل الاستقلال غير المقيد ظاهرياً، لأن العلاقات التي نشأت، بين الطبقات البرجوازية الكمبرادورية الحاكمة والمالكة في هذه الأطراف، والمراكز الامبريالية، قوية إلى درجة لا تحتاج معها إلى فرض اتفاقيات رسمية.‏

أما البرجوازية الوطنية المتعارضة مصالحها مع الامبريالية، فلم تنم أبداً، لأن كل نمو رأسمالي كان على هامش السوق الرأسمالية العالمية، ولذلك فإن التعارضات التي كانت تحصل كانت تعارضات ثانوية أيضاً - وعليه، فإن التناقض لم يكن أساساً تناقض البرجوازية المحلية مع القوى الاستعمارية المهيمنة.‏

وكانت الفئات القائدة الداعية إلى الوحدة القومية مازالت قاصرة نظرياً وعملياً، ويعود ذلك إلى مايلي :‏

أ - كانت الطبقة العاملة مازالت جنينية،وغير مؤهلة لافراز قيادة وقوة موحدة حتى نهاية الخمسينات، وكانت الأحزاب الشيوعية التي نشأت على هامش الكومنترن، أوروبية الفكر والطابع، فلم تستطع أن ترى الطبقة ضمن الأمة، ولا الصراع الطبقي ضمن إطار الصراع ضد الامبريالية،والاقطاع والكومبرادور. وهو نقيض ماحد ث في الصين وفيتنام وكورية.‏

وكانت الطبقة الوسطى (العصرية)، مازالت محدودة أيضاً ومتخلفة، ولم تستطع أن تكون قيادة شعبية ولا قيادة فكرية، لأنها كانت ومازالت نصف إسلامية نصف عصرية، فانشغلت بالتوفيقات والمصالحات، ولم تستطع بلورة برنامج نظري سياسي محدد، هذا بالإضافة إلى أنها بنت أحزاب مطالبة لا أحزاب كفاح، ووزعت نفسها بين أحزاب اليمين والوسط واليسار، ولم تعط اهتمام جاد لقضية التنظيم والكفاح المسلح.‏

وكانت جماهير الشعب في تناقض مع الامبريالية، ولكنها كانت خاضعة لهيمنة الاقطاع والقيادات القبلية والوجاهات والقوات الاستعمارية، وموزعة بين قيادات حضرية وريفية وعصرية وقبلية، علمانية ودينية، ومدعوة دائماً إلى برامج تمثل كل هذه الاتجاهات.‏

ولقد قاد هذا كله، لا إلى هزيمة المشاريع الوحدوية فحسب، بل إلى تراجع القضية القومية في النظرية والممارسة، فمن ناحية المشاريع الوحدوية، باتت الجماهير والقوى الوطنية، لا تُؤمل بها كثيراً، فقد فشلت كل المشاريع الوحدوية منذ عام 1962، وحتى الآن. ومن ناحية النظرية، نما منذ أوائل الستينات تياران متناقضان، ولكنهما يطرحان نفسيهما، ومن موقعين مختلفين، على أنهما غير قوميين، وهما : الاتجاه الماركسي اللينيني، والاتجاه الاسلامي.‏

وقد نما هذان الاتجاهان في أوساط المثقفين والمتعلمين، وفي بعض القطاعات الشعبية، وبينما قدم الاتجاه الاسلامي رؤيته للوحدة الاسلامية، وأطروحاته لدحض الفكرة القومية، فإن الاتجاه الماركسي اكتفى برفض قومية الرجعيين، ولكنه أسقط من حسابه القضية القومية، واستنكف عن أن يطرح بديلاً لها، وماطرح لا يدل على فهم الجوهر الثوري للقضية القومية طبقياً في وطننا، ولعلاقتها بالثورة الديمقراطية وأهمية الثورة الديمقراطية في تأسيس الوعي الاشتراكي.‏

وقضية الوحدة القومية العربية قضية الزمان والمكان، فهي قضية الوجود العربي ونمائه، لأنها الشرط الضروري اللازم، وغير الكافي للتحرر والتقدم العربي، وهي قضية الصراع مع الامبريالية والصهيونية، في عصر يناقض الامبريالية الأمريكية. وهي قضية الطبقات والفئات الكادحة والمستغلة، لا قضية البرجوازية إذ لا يرجى تقدم أو تحرر في ظل الكيانات القطرية المتناثرة والمتنازعة، ولاسيما أن شروط التقدم في عالمنا المعاصر أصبحت أكثر تعقيداً إذ لم يعد من دور أو أهمية للكيانات القطرية، الصغيرة في ظل عالم يميل إلى إقامة تكتلات اقتصادية كبيرة.‏

ولهذه الأسباب جميعاً، فإن قضية الوحدة تزداد تعقيداً، فقد خلقت الهيمنة الامبريالية والتبعية الاقتصادية أشكال سلطة متعددة ارتبطت مصالحها الخاصة بالدفاع عن وجود الدولة القطرية، وليس لأي منها مصلحة في الوحدة، لأنها لا تعكس إرادة أوسع قطاعات الأمة من جهة،ولأن مصالحها الاقتصادية لا تحتاج إلى السوق القومية، بل إلى اتساع العلاقات الخارجية من جهة أخرى. ومادامت الدولة القطرية تصدر خامات وتستورد سلعاً فإن السوق القومية ليست مطلوبة، ويزيد الارتباط بالسوق الرأسمالية العالمية من تفاقم هذه الظاهرة.‏

ولكن هذ الظاهرة عينها، ظاهرة اتساع التبعية الاقتصادية، والارتباط بالسوق الامبريالية، تؤدي شيئاً فشيئاً إلى ظاهرتين أخريين: أولهما: انهيار أنماط اقتصاد الكفاف والحياة القبلية والقروية المتخلفة، ودخول عالم رأس المال في أواخر القرن العشرين، وهذا مايزيد فقر الجماهير الواسعة، ويسقط أنماط علاقات الكفاف، والعلاقات القبلية والقروية.‏

وثانيهما : نقل أزمة النظام الرأسمالي العالمي إلى المجتمعات التابعة وكشف أزمة الأنظمة الحاكمة في هذه الأقطار لأنها تعجز عن حل الاشكالات المتفاقمة، سيان في صراعات هذه المجتمعات مع أعدائها، أو حتى في حل إشكالاتها الداخلية كالعمل والغذاء والتعليم والصحة الخ.‏

إن القضة القومية، هي قضية وجود الأمة، وبالتالي فإن مُحاربة التجزئة، وتحقيق الوحدة، مهمة كل الوطنيين، ولكن الظروف الملموسة تجعل العمال والفلاحين والشرائح الثورية والديمقراطية من الطبقة الوسطى، أصحاب مصلحة حقيقية في تحقيق الوحدة، ولذلك فإن هؤلاء هم قوتها الأساسية. ثم إن الدعوة للوحدة، وطرح قضية العرب القومية، ليس لها علاقة من قريب أو بعيد بالدعوات القومية العرقية المتعصبة، أو بالدعوات القومية الرجعية، لأن سياق الحركة التاريخية لوحدة أمتنا سياق ثوري وتقدمي، ولأن المفاهيم التي نطرحها مفاهيم ثورية وديمقرطية، تقوم على الاعتراف بحق كل الأمم في السيادة، وبرفض سياسية التوسع والعدوان... كما أنها تقوم على التعاون والتكامل بين جميع الأمم لمصلحة كل البشر، وضد التوسع والعدوان والاضطهاد والسياسات العرقية والفاشية.‏

ولما كانت الأمة ليست نقيض للطبقة، فإن الطبقات تنمو ضمن إطار الأمم، والقضايا القومية لا تلغي الطبقات.وقد كانت قضية تكون الأمم قضية ثورية، ضمن الاطار التاريخي وهي في عصرنا جزء من تصفية المرحلة الامبريالية وبدء عصر جديد. ولذلك فإننا لا نطرح الأمة مقابل الطبقة ولا نطرحها لطمس الصراع الطبقي، بل نطرحها لخوض الصراع من أجل خلق الظروف الملائمة لتطور العرب التاريخي.‏

وحتى التفاوت الذي خلقته اختلافات السياسات الامبريالية، أو مصالح الطبقات والفئات الكولونيالية المرتبطة بالتجزئة، لا يجعل القضية القومية ملغاة، ولا يفرض علينا حلولاً تليق بمخططات الماضي الامبريالي، والحاضر المرتبط به.‏

إن التفاوتات موجودة،حتى داخل البلدان الموحدة،منذ أكثر من مائةعام مثل إيطاليا، وهي ظاهرة تتطلب الدراسة والفهم، ولكنها لاتطرح حلاً غير الحل القومي الديمقراطي، والذين يظنون الحلول القطرية هي الجواب، مطالبون بتوزيع كل قطر من أقطارهم إلى أقطار، لأن التفاوت عينه موجود في كل قطر، مابين منطقة وأخرى. إن مصلحة الأمة كلها، والجماهير العربية الكادحة تتطلب الوحدة، وهذا هو المعيار،وبمقدار ما يزيد التغلغل الامبريالي، ويزيد بؤس الكادحين من جراء ذلك، وتتفاقم أزمة الطبقات الحاكمة في الأقطار التي يراد ـأن تكون لها أمماً، تتسع قاعدة الوحدة، وتتضح أهمية القضية القومية.‏

ثالثاً: من مهام الثورة القومية الديمقراطية أيضاً بناء اقتصاد قومي مستقل ومكتفي ذاتياً، وقادر على الثبات في وجه التحديات الاقتصادية الاقليمية والعالمية. وفي هذا السياق يبدو التمرد على تقسيم العمل الدولي مدخلاً ضرورياً للفكاك من شباك التبعية التي فرضها هذا النمط من التقسيم.‏

وتندرج مسألة عقلنة الفكر والسياسة وديمقراطيتهما في المشروع القومي الديمقراطي بوصفها المدخل الضروري للاندماج القومي والوحدة العربية ولبناء الاقتصاد المستقل. ويصبح تحرير المرأة ومساواتها بالرجل شرطاً لاغنى عنه، لتحديد بنيان المجتمع والخروج من عالم الثنائية الجنسية : عالم الحريم وعالم الرجال أو الذكور، كما تشكل مسألة سيادة الشعب ركناً أساسياً من أركان الثورة القومية للديمقراطية.‏

المجتمع المدني هو التجسيد الواقعي لمفهوم الأمة‏

في ضوء هذا التحديد لملامح الثورة القومية الديمقراطية يتعين مفهوم المجتمع المدني الذي هوموضوعنا الأساسي في هذا الكتاب، وتتضح الروابط المنطقية والتاريخية بين المجتمع المدني والثورة القومية الديمقراطية، وذلك من خلال مايلي: أولاً : المجتمع المدني في أصل مفهومه وفي واقعه التاريخي سواء في التاريخ العربي أوحيث يشهد تمامه وكماله في الغرب الرأسمالي، هو التجسيد العياني لمفهوم الأمة. إذ لا يستطيع البحث الموضوعي أن يغفل حقيقة أن نشوء المجتمع المدني الحديث في الغرب هو نفسه نشوء الأمم الحديثة، ونشوء الدول القومية الليبرالية،قبل أن يتضخم فيها العنصر الامبريالي، وتتحول إلى أمم امبريالية. فالأمة العربية التي يهدف المشروع القومي الديمقراطي إلى توحيدها، وإطلاق سيرورات نموها وتقدمها لا تتجسد واقعياً إلا في المجتمع المدني، الذي تقوم وحدته على تعدد أفراده وفئاته وقواه، واختلاف مصالحهم ومصالحها، والذي يتخذ وجوده السياسي شكلاً داخلياً هوالدولة، وشكلاً خارجياً هو القومية، يقوم على التعدد والاختلاف. وهذان الأخيران واقع طبيعي قبل أن يكونا واقعاً اجتماعياً سياسياً، وهما يفرضان الديمقراطية ليس بوصفها شكلاً للحكم فقط، بل بوصفها محتوى العلاقات الضرورية والارادية بين الأفراد والفئات والقوى والتيارات والأحزاب الخ... وإذا كانت القومية هي التعبير عن نزوع أمة من الأمم إلى الاستقلال والتقدم، والفضاء السياسي المشترك بين مختلف مكونات الأمة بما في ذلك شعوب الأقطار والأقاليم في حالتنا العربية، فإنه يبدو واضحاً الترابط الضروري بين مفهوم الأمة ومفهوم المجتمع المدني والدولة القومية. فنحن إذ عندما نتحدث عن المجتمع المدني، والدولة، والقومية، إنما نتحدث عن الأمة العربية في واقعها الموضوعي، وفي التاريخ، وفي العالم اليوم.‏

وحين تكون الدولة متخارجة وضد الأمة يسهل اختراقها معاً، ونكون إزاء استلاب سياسي مضاعف : استلاب إزاء السلطة السياسية للدولة القطرية قوامه انفصال المجتمع عن المجال السياسي الذي هو من نتاجه، وسيطرة هذا المجال السياسي الذي هو اغتراب ناجز عن المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وإعادة إنتاجها بدلالة مصلحة السلطة التي ألغت الدولة بإلغائها أساسها الاجتماعي أولاً، وبإلغائها القانون ثانياً، وبإلغائها الشعب وامتصاص قوته واحتكارها في المحصلة ثالثاً، واستلاب إزاء القوى الخارجية قوامه ضياع الهوية القومية وهدر الامكانات وضمور المشاركة حتى في صيغتها السلبية في الحياة الدولية، وتحول الأمة إلى موضوع لفعل القوى الامبريالية الكبرى وسماد لتاريخها، رابعاً.‏

إن نقل الخطاب الفكري السياسي من مستوى الأمة المجرد إلى مستوى المجتمع المدني المعين هوالخطوة الأولى لتأسيس السياسة بدلالة مشروع الثورة القومية الديمقراطية.‏

فقد درج الفكر القومي التقليدي والرومانسي على النظر إلى الأمة بوصفها حقيقة ذهنية منفصلة عن المجتمع العربي القائم اليوم، وبذلك جردها من طابعها التاريخي والواقعي، وجعلها أقرب ماتكون إلى حقيقة هيولية متعالية لا تخضع لسنن التغير والتطور، ولا لقوانين التشكل والانحلال. أما النظرة الواقعية فترى أن التاريخ كان ولا يزال تنويعة على أشكال الاجتماع، وإن المجتمع العربي في الماضي يجسد معنى أكثر غنى وثراء، فلم تعد الأمة تتماهى مع ماضي متخيل يبعث على الحنين، ولا شيئاً تصنعه الذات القومية النقية أو الوعي القومي الخالص.‏

إن مفهوم الأمة التقليدي والرومانسي بتحويله الأمة إلى جوهر غيب حقيقة أن الأمة نسيج اجتماعي وثقافي وسياسي واقتصادي تاريخي لأفراد، وجماعات، وطبقات، وقوى وأحزاب الخ.‏

لذلك كانت جوهريته مثالية خاوية لأن إلغاء الفردي والخاص هو إلغاء للكلي والعام.‏

إزاء تلك الرؤية الجوهرية للأمة والقومية تقوم على رؤية واقعيةتنطلق من الفرد الواقعي الأساس الطبيعي للمجتمع والدولة، وتنطلق من الأوضاع المجتمعية الراهنة وماتنطوي عليه من عوامل جذب وتوحيد، وعوامل نبذ وتمزيق في الوقت عينه. رؤية ترى أن السياسية هي رافعة توحيد المجتمع وتوحيد الأمة. إن محاولتنا ربط فكرة المجتمع المدني بفكرة الأمة وبمشروع الثورة القومية الديمقراطية العربية، تقتضي وضع مقولة المجتمع المدني تحت مقولة السياسة، بصفتها (أي السياسة) الشيء العام أو الشأن العام المشترك بين جميع الأفراد، والذي يؤلف ماهيتهم وجوهرهم حسب إلياس مرقص.‏

والشيء العام والمشترك بين الفئات الاجتماعية والتيارات، والأحزاب السياسية، التي تنتمي جميعها إلى هذا الكل الاجتماعي السياسي، وبدون هذا الانتماء إلى الكل ليس لأي منها من محتوى حقيقي.‏

إن الكل الاجتماعي هو الذي يحدد عناصره وأجزائه، وهو الذي يوصف الأفراد ويكسبهم طابعهم الوطني والقومي وخصائصهم الذهنية والنفسية والثقافية والاخلاقية. إن مقولة المجتمع هي مقولة الكلية التي لا تتجسد واقعياً إلا في الأفراد والجماعات والمؤسسات. وليس من معنى للمجتمع المدني بمعزل عن مقولة السياسة. لأن السياسة هي فاعلية المجتمع الذاتية المرافقة أو الملازمة لفاعليته الانتاجية فمثلما ينتج البشر وجودهم الاجتماعي وثروتهم المادية والروحية ينتجون أيضاً حياتهم السياسية.‏

فالسياسية بوصفها فاعلية مجتمعية واجتماعية تعكس مبادؤها وتظاهراتها مستوى تطور المجتمع ونمط علاقاته. إنها التماثل القائم على الاختلاف والوحدة القائمة علىالتعارض، والمجتمع الذي ينتج السياسة بصفتها شكل وجوده، إنما ينتج وحدته واندماجه القومي.‏

التعارضات الاجتماعية الملازمة للكينونة الاجتماعية تتخذ في صورتها الاجتماعية المباشرة أو الخام شكل تنافس ونزاع بين الأفراد والجماعات، تنافس ونزاع لا يهددان وحدة الجماعة فقط، بل حياة الأفراد أيضاً، لذلك اقتضت الضرورة التاريخية ضرورة عيش الفرد في الجماعة أن تتخذ التعارضات الملازمة أشكالاً أخرى غير شكلها الاجتماعي الخام، هذه الأشكال تتبدى ثقافياً حيناً، وايديولوجية حيناً آخر، وسياسية حيناً ثالثاً. والشكل السياسي لتلك التعارضات هوأرقى هذه الأشكال وأكثرها مدعاة للوحدة والائتلاف والتوافق والانسجام.‏

والسياسة بهذا المعنى تحيل على مفهوم الحق ومفهوم القانون. فحق الفرد يبقى منقوصاً ومهدداً مالم يتخذ طابعاً قانونياً يعبرعن توافق الأفراد واعتراف كل منهم بحق الآخر،وهذا المستوى الحقوقي القانوني هوالأساس الذي تقوم عليه السياسة. وإذا كان القانون في المستوى الوضعي الطبيعي هو التماثل في الظاهرات، فإن القانون بصفته السياسية هوالتعبير عن التماثل لدى الأفراد والفئات الاجتماعية والطبقات، وهو لذلك ضمان وحدة الجماعة وتماسكها الداخلي.‏

ثانياً: إعادة الاعتبار لدولة الحق والقانون‏

لاتنفصل عن سيرورة بناء المجتمع المدني‏

إذا كانت الديمقرطية كما أشرنا هي اتساق الشكل السياسي مع المضمون الاجتماعي، أي وحدة الشكل والمضمون، فإن هذه الوحدة المنشودة لا تتحقق إلا عبر توسطات، ومن خلال سيرورة تحولات متآخذه (مُعّشّقّه).ومتكاملة.أهم هذه التوسطات التي تبدو في منظور تاريخي، مرحلة لازمة وضرورية لبلوغ الديمقرطية هي دولة الحق والقانون.‏

وإذا كان مفهوم الحق ينطلق أساساً من حق الملكية المرتبطة تاريخياً بعملية الانتاج الاجتماعي بوصفها نتيجة من نتائجها،ومظهراً من مظاهرها في الوقت عينه، فإن حقوق التملك بوصفه إنتاجاً تتعين واقعياً بجملة من القوانين والاعراف تنطلق من اعتراف متبادل بحق التملك للجميع، وضمانة حقوق التملك التي تتفرع عنها سائر الحقوق الأخرى. والدولة باعتبارها الشأن العام، أي بوصفها الجهة العامة التي يفوضها كل فرد صلاحية حماية الملكية وتحديد علاقاتها المتبادلة، التي هي في الحقيقة علاقات الأفراد والجماعات المتبادلة. وهنا تبدو الملكية الخاصة استلاباً ناجزاً تحل فيه العلاقة بين الممتلكات محل العلاقات بين البشر.‏

ويبدو القانون الوضعي تعبيراًعن هذا الاستلاب الناجز، غير أن هذه الصيغة الاستلابية للحق والقانون، أي لحق الإنسان الذي تحول إلى حق الملكية، والقانون الناظم لعلاقات الأفراد في نطاق الجماعة المؤنسنة، الذي تحول إلى قانون ناظم لعلاقات التملك، يعارض دائماً بمفهوم الحق المجرد والقانون المجرد اللذين يحيلان على الأصل الطبيعي للعلاقات الاجتماعية بماهي علاقات بين البشر.‏

وإذا كانت القوانين النافذة تقوم على الملكية الخاصة هي التعبير الحقوقي عن الاستلاب الناجز، فإن القانون بصفته المجردة يحد هذه القوانين النافذة، ويفتح إمكانية تغييرها إلى مالانهاية. لذلك ترتبط فكرة القانون بصفته العامة والمجردة بالديمقراطية أوثق ارتباط. فالديمقراطية لا تتعين واقعياً إلا في مجتمع يحكمه القانون. وبهذا تفصح البنية المجتمعية الصناعية (التي انتجها البشر ) عن حقيقتها الجدلية بوصفها وحدة الفوضى والانتظام، وحدة الفرد والجماعة.‏

فمفهوم القانون المرتبط بالديمقراطية هذا الارتباط الذي لا ينفصم، مرتبط أيضاً بمفهوم المجتمع المدني ارتباط لا ينفصم أيضاً، فليس من ضامن حقيقي لوحدة المجتمع وتماسكه سوى سيادة القانون.‏

ولماكان المجتمع وحدة الاختلاف والتعارض، يتألف من قوى اجتماعية مختلفة المصالح اختلافاً يتدرج من التنافس إلى الصراع، فإن كل فئة اجتماعية تملك واقعياً من الحق بقدر ماتملك من القوة. القوة المستمدة من الكثرة العددية أولاً، ومن مزايا التنظيم ثانياً، ومن ملكية الموارد المالية ثالثاً، ومن الهيمنة الايديولوجية أخيراً. ومن هنا يكون القانون النافذ والمعمول به غالباً هو اللاقانون بالمعنى العام المجرد للقانون، فكل فئة اجتماعية لا تتحدد بالكل الاجتماعي، وتنفك مصالحها جزئياً أوكلياً عن مصلحة المجتمع العام، مصلحة الأمة، تتحول إلى فئة لا قانونية. واللا قانونية لا تستطيع أن تضع القوانين إلا لمصلحتها الخاصة الحصرية النافية لمصالح الآخرين.‏

إن إشكالية الديمقراطية في المجتمع العربي تنطلق من هذه الواقعة. إذ تسيطر على الحكم فئات اجتماعية انفصلت مصالحها عن مصلحة مجموع الشعب،وعن المصلحة القومية وباتت تعبيراً صارخاً عن اللاقانونية واللا شرعية... ولذلك نراها تعطل الدساتير وتعلق القوانين إما بالأحكام الفرعية وقوانين الطوارئ المزمنة، أو باستبدال الأعراف العشائرية بها .‏

هذه الواقعة المنافية للسيادة الشعبية بوصفها المبدأ الأول للحق في المجتمعات الحديثة، والتي تنشأ منها جميع الحقوق الأخرى، وتستمد منهاالدولة تسميتها الديمقراطية، تطرح على الفكر السياسي العربي ضرورة ربط المسألة الديمقراطية بدولة الحق والقانون، انطلاقاً من أن كل نظام على الاطلاق إنما يقوم على قوة تأسيسية هي على الأصل والأساس ديمقرطية. لأن النظام، أي نظام هو قوة المجموع، قوة المجتمع، والشعب.وبهذا تبدوالدولة الحصرية منافية للقانون ومتعارضة مع الحق، والطابع العام المساواتي للقانون، إنماينبع من تلك القوة التأسيسية للدولة، أي قوة المجتمع، التي هي نتاج البعد الاجتماعي للفرد، إذ لا تتحقق حرية الفرد ولا تصان حقوقه إلا في نطاق المجتمع، وإلا كنا في الانتكاس إلى الحالة الغريزية الحيوانية.‏

إن قوة المجتمع مفهومة على هذا النحو، أي على أنها نتاج البعد الاجتماعي - الانساني للفرد، أو للشخصية بالتعبير الهيغلي التي هي مناط الحق وموضوع الحرية، إن قوة المجتمع هذه لا تنفي بأي حال من الأحول حرية الفرد وحقوقه. فالمجتمع هو الصيغة الثورية التي تحول الحق الطبيعي للفرد إلى حق سياسي تضمنه الدولة، والدولة من هذه الزاوية هي مملكة الحقوق وتجسيد الحرية.‏

إن العلاقة بين الحق والقوة في المجتمع هي العلاقة بين الشيء الموضوعي (القوة)، والنزوع الذاتي نحو الأفضل والأحسن (الحق).‏

فالحق هو الصورة الذاتية للقوة،والقوة هي التحقيق الموضوعي للحق، والقانون هو وحدتهما الديالكتيكية.‏

لذلك كان كل مجتمع على الاطلاق يحمل امكانات التحول إلى مجتمع ديمقراطي،ويملك القوة التي تساعده على إنتاج حياته السياسية، ودولته المتسقة مع مفهومه للحق، والحرية، أي دولة القانون.‏

وتتأسس رؤيتنا للدولة في نطاق المشروع القومي الديمقراطي النهضوي على مفهوم دولة الحق هذه. والدولة الديمقراطية التي يطنب الوصافون في وصفها، ليست سوى الصيغةالمتكاملة لدولة الحق والقانون، ذلك لأنها تتأسس على مفهوم المجتمع المدني في صيغته العامة التي تموضعت تاريخياً في أشكال مختلفة من الاجتماع البشري، كان المجتمع البرجوازي في أوروبا الغربية صيغتها الأكثر تقدماً،ولكنها (أي صيغة المجتمع البرجوازي ) لا تستنفذ المفهوم، ولا تصلح أن تكون نموذجاً يحتذى به.‏

وتعارض رؤيتنا القومية الديمقراطية على طول الخط، رؤيتين شائعتين في الفكر السياسي (العالمي والعربي ) إحداهما تنسب نفسها إلى الماركسية، وترى في دولة الحق والقانون معطى برجوازياً رأسمالياً مرفوضة، لأنها لا ترى في الدولة إلا جانباً من جوانبها، ووظيفة واحدة من وظائفها، لا ترى فيها سوى أداة قهر طبقية، في حين أن هذه الصفة، وهذه الوظيفة الواقعية لا تستنفذ مفهوم الدولة،لاسيما الدولة الديمقراطية. هذه الرؤية الماركسوية الاشتراكوية برفضها دولة الحق والقانون، إنما ترفض بوجه خاص مبدأ الدولة بوجه عام، ومبدأ الدولة الديمقراطية بوجه خاص. وتراها تقبل بنموذج الدولة الشمولية (التوتاليتارية) تحت عنوان «ديكتاتورية البروليتاريا» أو«دولة الحزب الثوري»أو دولة «الديمقراطية الشعبية»، وحذف التنافس بين الأفكار باعتبارها جريمة سياسية،وإلغاء تعددية القوى والأشكال السياسية (أي التعددية الحزبية)، وحرية التعبير، وصراعات الإرادة، وتعددية مصادر الإعلام.‏

ويحلل لنا ادغار موران في كتابه مقدمات للخروج من القرن العشرين كيف أن الدولة الشمولية الستالينية مارست اختزال التعددية أي الديمقراطية من خلال رفعها شعار : «لا حرية لأعداء الحرية»، حين يقول : «إن احتكار الحقيقة والاعلام واحتكار السلطة السياسية من جانب حزب يؤلفان جهاز التضييق على لعبة الحقيقة والخطأ ومثلها وتدميرها. إنهما ينفذان القمع المفترس لكل معارضة وكل نقد، لكل وسيلة لبيان الحقيقي أو إظهاره. إنهما يسمحان بإنتاج مستمر للوهم والاكذوبة فنحن نرى، إذن، أن مسألة الديمقراطية / الديكتاتورية/ التعددية/ الاحتكارية السياسية التي تعرض طيلة التاريخ الغربي، من خلال بنى اجتماعية مختلفة وأنظمة اقتصادية متنوعة، مسألة رئيسية لأنها تتحكم، بصورة موازية، بمسألة الحريات والاضطهادات ومسألة لعبة الحقيقة والخطأ.‏

«وليست الرقابة واحتكار الاعلام نتيجتين للاستبدادية. إنهما يؤلفان جوهر هذه الأنظمة. فالسيطرة والاستعباد يتضمنان، بالضرورة إلغاء الشروط التعددية/ الجدلية للتحقق، للنقد، للمناقشة وقمعها. وتفعل الايديولوجية الاستبدادية كل شيء من أجل أن لا نعي هذه المسائل. فهي تؤكد أن حقيقة الحزب ذات طبيعة علمية، وبالتالي يجب أن لا تخضع للمناقشة، «ومع ذلك، فإن خاصة «الحقائق»العلمية هي إمكان إعادة وضعها موضع المساءلة). وهي تؤكد أن الاجتماع الشعبي يبلغ درجة لا حاجة معها، لتقديم منافسين لمرشحي الحزب. وهي تؤكد أن حرية الصحافة البرجوازية لن تستخدم إلا لتخريب الاشتراكية، هي تخرب فعلاً هذه الاشتراكية - والمأساة هي أن هذه الذرائع قد صُدقّتْ من جانب مثقفين وعلماء بارزين في فنونهم أو علومهم، ولكنهم يعانون المرض الرهيب الذي عانته الانتلجنسيا: التدين/ الطفولية في السياسة ... وهذه الاوهام تتبدد اليوم، إلا أنه يبقى الوهم الاساسي القائل أن مسألتي حرية التعبير والتعددية السياسية قانونيتان بالقياس مع المسائل السكانية والغذائية والاقتصادية.‏

«إلا أننا نستطيع أن نكون متأكدين الآن، من أن الصين والاتحاد السوفياتي لن يحلا مسائلهما الغذائية الحيوية بحذف التعددية الحزبية واحتكار وسائل الاعلام: لقد منعا الحديث عنها ومنعا من معرفتها. وهكذا، عرفت صين ماو عدة مجاعات بعد عام 1958، أي بعد أن ألغت المجاعات نهائياً».‏

«إن تملك الحقيقة والتنديد بالخطأ وحق الخطأ وحتى مجرد الاعتراف بالاخطاء (إن ضروب النقد الذاتي للحزب التي تعترف بأخطائه تثبت تفوقه بصورة مؤكدة) وضبطها هماحجر الزاوية في الاستعباد والديكتاتورية الاستبدادية بصورة خالصة. وعلى العكس من ذلك، لا تملك الديمقراطية التعددية حقيقة : أو أن حقيقتها هي، بالاحرى إنها تؤلف الشروط التي تسمح بالتعرف على الخطأ وكشف الاكثرية والبحث عن الحقيقة.‏

ويضيف : وضبط الاعلام الذي يجدي التذرع به لبناء اشتراكية «واقعية»، هو بالضبط، مايسمح بانتاج اشتراكية زائفة، وبتقنيع هذا القناع في الوقت نفسه. إن السيطرة النخبوية والاستغلال اللذين تكونا من جديد في الاتحاد السوفياتي يحتاجان إلى تملك وسائل الاعلام من جانب الحزب. وهذا التملك نفسه هو الذي يسمح بتقديم مجتمع تقدمي حيث لايوجد حق إضراب ولا حرية تعبير ولا خيار سياسي،وحيث يوجد جواز مرور داخلي ومراقبة بوليسية متضخمة ونظام اعتقالي. ومنذ ذلك الحين، وفي ضوء هذه «الشيوعية» تكون النتيجة جذرية قاسية، محزنة، مطمئنة: لا يوجد تقدم للحريات المسماة واقعية في فقدان الحريات المسماة شكلية، وكل قمع في الاعلام والراي يترجم إلى قمع في المجتمع، بل أن لدي شعور بأن هناك تلازماً سياسياً بين القدرة على الكذب والقدرة على القمع.‏

نحن نعرف النقد الماركسي للحريات «البرجوازية» أو «الصورية». ولنذكر بأن هذه الحريات لم تكن، في نظر ماركس، مفرطة، بل غير كافية، ولم يكن يفكر البتة، في إلغائهما ليحل محلها الحريات «الواقعية» الايهامية. وكان يظن أن الاشتراكية تتضمن نمو الحريات، إلا أن الصيغة التي نشرتها الستالينية أعلنت العقيدة القائلة أن الحريات «الصورية» حريات زائفة مكرسة لتقنع الاستغلال أو لترجيح أعداء الشعب وأنه يجب إلغاؤهما لإقامة الحريات «الواقعية»(3).‏

ولقد كانت نتيجة رفض دولة «ديكتاتورية البروليتاريا» أي ديكتاتورية الحزب الوحيد المهيمن الذي تركز فيه كل السلطات: السلطة السياسية، والسلطة البوليسية والسلطة القضائية والسلطة العسكرية، لدولة الحق والقانون قبول بأسوأ دولة تمارس التملك الاحتكاري للحقيقة، والضبط الاستبدادي لكل قطاعات المجتمع وأبوابه، ولعل ازورار هذه الرؤية عن الثورة الديمقراطية البرجوازية التي تحمل إمكانات حقيقية للتحول إلى ثورة اشتراكية بإرسائها الأسس المعرفية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية لهذا التحول. فقد أثبت التاريخ وإن بصورة دراماتيكية مؤلمة أن الثورة الاشتراكية غير المؤسسة على منجزات الثورة الديمقراطية البرجوازية هي قيصرية مُحَدّثة تبنى دولة استبدادية تملك الأمة، وتمارس أسوأ العنف السياسي والاستعباد ضد كل ادعاءاتها بالامتلاك الحصري للقلعة الانطولوجية للبروليتاريا كطبقة رسولية، وضد الشعب السيد، وضد حركة التاريخ.‏

والثانية الرؤية الليبرالية الجديدة الأمريكية التي تصدر إلينا اليوم تحت عنوان الديمقراطية وحقوق الانسان، والتي اختزلت الليبرالية العظيمة إلى حرية المشروع الاقتصادي، وحرية قوانين السوق العمياء، وترى في النموذج الأمريكي غاية التطور ونهاية التاريخ.‏

هذه الرؤية الليبرالية الجديدة تنفي واقعياً مفهوم دولة الحق والقانون، وتستبدل بها صيغة أوليغارشية للحكم انتهجها التطور الرأسمالي الامبريالي، وتركز القوة والثروة في أيدي فئة قليلة في المراكز الرأسمالية المتقدمة، مكنتها الثورة العلمية والتكنولوجية الحديثة، وعملية العولمة الرأسمالية الجديدة التي تتعمق باضطراد، بسط سيطرتها على العالم.‏

إن حق الأقلية الأوليغارشية هذه، هو نفي حق المجتمع المدني في بلدانها، وحق الأمم والشعوب في البلدان التابعة والمتأخرة، وحريتها غير المحدودة المسلحة بأحدث ما انتجته الثورة العلمية من أسلحة الدمار الشامل، ووسائل صناعة الرأي العام، هي نفي الحرية على الصعيد العالمي. ويمكن القول دون الخوف من المبالغة أو الغلو أن هذه الدولة أصبحت نقيضة مبدأها ذاته، أي أنها لم تعد مؤسسة قائمة على قوة الكل الاجتماعي، بل على قوة الطبقة الميهمنة، ولم تعد مؤسسة قائمة على مبدأ الانسان والفرد الاجتماعي، بل على مبدأ الفرد المنفلت من كل عقال، والذي أصبحت حريته غير المحدودة لاغية للبعد الاجتماعي والإنساني.‏

أن المجتمع الأمريكي (امجتمع الفرص الفردية) والدولة الأمريكية خير نموذج عن هذه الصيغة وهي وإن كانت بلد الحريات السياسية، إلا أن هذه الحريات لا يجوز لنا أن تخفي عنا الطبيعة العنصرية والرأسمالية والامبريالية السائدة في المجتمع الأمريكي، مثلما لا يجوز لنا أن تخفي عنا أيضاً بأن الرأسمالية ليست فقط منافسة حرة، وحافزاً اقتصادياً، ولكنها أيضاً استغلال طبقي في الداخل ومنع تجذر الحركات الطبقية والعرقية، وامبريالية في الخارج تسيطر على بلدان العالم الثالث، وتدعم الديكتاتورية التابعة في كل من أميركا اللاتينية، وآسيا، وإفريقيا، والعالم العربي. الليبرالية الجديدة التي تصدر إلينا في صيغة الاقتصاد الكمبرادوري في صيغته العالمثالثية، والاقتصاد المافياوي في كل بلد على حده، وفي صيغة تحرير التجارة والمبادلات وفق رؤية البنك الدولي، وهما مؤسستان أمريكيتان عملياً، وفي صيغة أنظمة الحكم العسكرية والتسلطية، كما وصفها الدكتور خلدون حسن النقيب، هذه الليبرالية الجديدة مناوئة على طول الخط لدولة الحق والقانون والديمقراطية سواء بسواء. وحري بالرؤية القومية الديمقراطية أن تتأسس على نقد هاتين الرؤيتين الاستبداديتين الستالينية والليبرالية الجديدة الأمريكية.‏

في ضوء ذلك تصبح مسألة إعادة الاعتبار لبناء، دولة الحق والقانون من منظور جديد ضرورة ملحة للأسباب التالية:‏

1- كون الثورة المعلوماتية الخارقة أصبحت تعطي جهاز الدولة المركزية البيروقراطية البوليسية والعسكرية والميتولوجية السياسية، إمكانية السيطرة/ الضبط العلمي والتقنية والمعلوماتية والبيو -كيميائية لاخضاع الطبقات والرهوط والأفراد، وإحداث تراجعات على صعيد الحريات الفردية للأشخاص، وحقوق الإنسان عامة، حيث أن الدول - الأمم في الغرب عامة، التي كانت إحدى مكتسبات الثورة البرجوازية، أصبحت لا تعترف بأي قانون يعلو إرادتها البربرية في الهيمنة على عالم الجنوب، وهي التي تأتي منها التهديد الأقصى (سواء باستخدام أقصى أشكال العنف المسلح، أو بالحصار الاقتصادي، أو باستخدام حق النقض في مجلس الأمن)، الذي يرزح تحته دول وشعوب عالم الجنوب.‏

2- أن المشروع التنويري الغربي حقق قطيعة كبرى مع عصر اللاهوتية الأوغسطينية، حيث كانت دولة الحق والقانون إحدى ثمرات تطوره خلال جدلية الصعود البرجوازي إلى أعلى البنية ا لاجتماعية الجديدة، حين أعادت تشكيل بصورة جذرية للعلاقات الطبقية في المجتمع الرأسمالي بحراسة أوضاع الانتاج والعلاقات الرأسماليتين، وأعطت للتنوير الغربي أرضية مادية تجسدت فيما اصطلح على تسميته بالنظام الرأسمالي في الاقتصاد، واالليبرالية في الاجتماع، والديمقراطية في السياسية. لكن هذا المشروع التنويري الغربي سقط في مأزقه التاريخي بين إيديولوجيا الطبقة البرجوازية السائدة بكل مالديها من قوى الانتاج الجديدة، ودولة الحق والقانون التي تحولت في ظل شمولية النظام العقلاني في الغرب إلى أداة استغلال واستبداد جديد تفصل بشكل تعسفي بين شمولية العقل التي تنادي بقيم احترام حقوق الانسان والديمقراطية والتوزيع العادل للثروة، وبين أقلوية الفئة الاجتماعية الطبقية التي تملك وسائل الانتاج داخل المجتمعات الرأسمالية وبين يوتوبيا المعرفة التنويرية على حد قول مطاع الصفدي. «لقد اشترط التنوير منذ قيام ثورته الأولى أن يحلّق خطاب التقدم بجناحي العلم و(السعادة) معاً. أن تأتي السعادة تعبيراً عن تحرر شامل للإنسان من ضغط الحاجة سواء جاء تقنينها من قبل الطبيعة أو المجتمع (نظام التوزيع فيه). لذلك كانت القطيعة مع النظام اللاهوتي وانعكاساته الهرمية على أنظمة الأفكار والقيم والتنضيد السلطوي والطبقي، تشكل المدخل الوحيد الذي لابد من تحقيقه من أجل بناء نظام اجتماعي سياسي آخر مطابق تماماً للمبادئ العقلانية. غير أن مفكري العصر عادوا إلى المناداة بتنويرمعاصر جديد بعد أن شعروا أن القطيعة الحاسمة مع النظام اللاهوتي القديم لم تحرر العقل من استبداد نجم عن وقوع العقل بنفسه تحت سيطرة لا عقلانية حديثة مقنعة، فرضها تناقض نظامي الانتاج التقني والانتاج المعرفي، كما كشف ذلك جيل كامل من فلاسفة الغرب صدمته أحلام ثورة التنوير، التي أصبحت في هذا العصر ثورة مغدورة». (4).‏

في الوضع العربي الراهن لانعاني من شطط دولة الحق والقانون كما في المجتمعات الغربية الحديثة، بل نعاني من افتقادنا (العرب) للمشروع التنويري أولاً، ومن غياب دولة الحق والقانون، أو لنقل من غياب الدولة ثانياً. ذلك لأن الدولة، أية دولة يعلق فيها الدستور، وتستبدل القوانين المدنية فيها بقوانين الأحوال العرفية تكف عن كونها دولة، وتتحول إلى مجرد سلطة غاشمة. ولذلك علينا أن نختار أولاً بين الدولة واللادولة، لكي يكون لنا حق الاختيار، بين هذا النمط أو ذاك من أنماط الدولة. الدولة الديمقراطية هي بوجه عام دولة الحرية، وهي بوجه خاص الضامن لحرية الفكر، وتأكيدنا على حرية الفكر في وضعنا العربي تنبع من قناعتنا بأن المدخل إلى إعادة إنتاج السياسة في المجتمع هو مدخل معرفي فكري من أجل بلورة مشروع تنويري عربي يجسد القطيعة مع ماقبلية التاريخ، هذه الحقبة اللازمانية التي جعلت التنوير العربي إما ينساح للإنكفاء على الموروث الماضوي تحت تأثير صدمة المواجهة مع العملقة الغربية أو يتماهى مع شخصية الغرب من موقع عقدة الشعور بالنقص. وهذا الانكفاء وهذا التماهي بالغرب باعتباره نموذجاً يحتذى به، يمنعان عملياً بلورة مشروع تنويري عربي قادران أن يحقق نهضة تحديثية عبر المواجهة التاريخية مع الذات (أي ثورة الذات العربية على ذاتها) والآخر (أي الغرب) في آن معاً.‏

لذلك نرى أن حرية الفكر لا تدخل في نطاق سلطة الدولة المجسدة لما هو عام ومشترك بين الأفراد، وليس لما هو خاص ويختلف من فرد إلى آخر. فمع أن الأطر الاجتماعية تحدد المعرفة والفكر إلا أن أفراد المجتمع يفكر كل منهم بحرية تامة وهم في ذلك مختلفون أشد الاختلاف.‏

إن عقلانية الدولة في هذه الزاوية، هي تلك العقلانية الحقيقية التي تجسد العقل المفتوح، الذي يعترف بأن هناك وقائع تكون في الوقت عينه عقلانية وغيرعقلانية، والذي يعتبر التحاور مع الوقائع ضرورة مطلقة، باعتباره حاجة ماسة لمحاربة أعدائه الداخليين: المنطومات المتماسكة من الأفكار أو النظريات التي تنزع إلى التصلب في مذاهب منغلقة، وتصبح منذ ذلك الحين معقلة. حيث أن التعقيل على حد قول ادغار موران: «يتخلى عن المنهج العقلاني ( الحوار مع الوقائع) يعالج منطق المنظومة المذهبية التي تعتقد أنها مبرهن عليها إلى الأبد»(5).‏

العقلانية المنفتحة هي ضمان حق الاختلاف، ولا تكون الدولة عقلانية مالم تضمن هذا الحق، كما أن حرية الفكر والرأي لا تدخل في إطار النظام الاجتماعي، ولذلك لا ينبغي أن تدخل في إطار سلطة الدولة.‏

تطلب الدولة انقياد أعمال الأفراد بقراراتها ولا تطلب الاجماع المستحيل في الارادة المتنوعة دوماً والحرة بالضرورة. ومع أنه لا شيء يمكن أن يمنع الدولة من تجاهل حرية الفكر والرأي، فإن تجاهلها هذا في غير مصلحتها، لأنه يجعلها بغيضة بلا مقابل، وليس من جدوى في القوانين المنغلقة بقضايا الفكر والرأي.‏

تكمن عقلانية الدولة في وعيها أنها تستطيع أن تحكم بالعنف والاكراه، وأن ترسل المواطنين إلى السجن أو الموت لأتفه الأسباب، إلا أن ذلك ليس في مصلحتها، وليس من سلامة العقل أن تفعل ذلك. فحق الدولة لايتجاوز قوتها الفعلية، وكل ماسمحت أن تتجاوز قوتها الفعلية، تكون قد فتحت باب التمرد والعصيان على سلطتها. فهي لا تستطيع مخالفة أسس وجودها، وقوانين بقائها التي هي قوانين طبيعتها الخاصة، وأهمها مراعاة حقوق مواطنيها ورعايتهم ومراعاة القوانين التي تحدد الحقوق من دون أن تعرض بقائها ذاتها للخطر.‏

الديمقرطية بوصفها حقيقة نظام الحكم تقوم على مبدأ النظام العام، قبل أي شيء آخر، النظام في معارضة العشوائية والفوضى (اي النظام في معارضة حرية الأفراد واختلافهم وتعارض مصالحهم). وإنه لمن المتعذر إيجاد تفسير مقنع لتنظيم المجتمع غير تنظيم العمل والانتاج الاجتماعي. فإذا كان الالتقاط والصيد والزراعة والحرفة والصناعة درجات في سلم نمو العمل البشري، فإن التنظيم الاجتماعي الحديث هو انعكاس تنظيم العمل في المجتمع الصناعي القائم على الملكية الخاصة لوسائل الانتاج، على الرغم من اتساع دائرة ملكية الدولة الرأسمالية والمرسملة في الأطراف. وعلى أساس العمل الأجير أحدث الأشكال العبودية والاستغلال، وأكثرها غموضاً وخفاء، هذه الأشكال التي تجد تعبيرها في الاستلاب السلعي (السلعة صنم) وصورته الرمزية (السلطة صنم). «الفوضى هي قانون المجتمع المدني المنعتق من الامتيازات العامة المعاصرة، مثلما الحالة الحقوقية العامة المعاصرة تشكل من جهتها ضمانة هذه الفوضى، وهما يشترطان أحدهما الآخر بنفي القدر والبرية اللذين تناقضان بها أحدهما الآخرى» (نص ماركس انجلز العائلة المقدسة).‏

هذا النظام العام أو التنظيم تفرضه في المجتمع المدني الضرورة الطبيعية أولاً، وخواص الكائن البشري ثانياً، والمصلحة أي كانت الصورة المغتربة التي تظهر بها ثالثاً، ولذلك فإن المجتمع هو الذي ينتج النظام، وليس النظام هو الذي ينتج المجتمع، إلا بالمعنى الذي تتحول معه النتيجة إلى سبب.‏

إن النظام العام المعبر عنه واقعياً بالقانون هو مبدأ وحدة المجتمع وانتقاله من نظام الامتيازات والواجبات إلى نظام الحقوق، من نظام الجماعات المغلقة والمتحدات الاجتماعية، التي تعزل الفرد عن الكل الاجتماعي إلى المجتمع المتحرر من سلاسل الأعراف والتقاليد وأطر الفئات المغلقة. هذا التحرر الذي على الرغم من طابع الفوضى والعشوائية الناجمين عن تحرر الأفراد هو عملية الاندماج في الكل الاجتماعي وفي النظام العام.‏

تشكل الثورة الديمقراطية من هذه الزاوية تحريراً للأفراد من أطر التشكيلات ماقبل القومية، تحريراً تاماً، وهذا التحرير هو شرط اندماج هؤلاء الأفرد الأحرار في هذا النظام العام وفي المجتمع المدني، وسيرورتهم أعضاء في الدولة.‏

والعضوية هنا سواء في المجتمع أو الدولة تعني الفاعلية والمشاركة مع المساواة. إن حرية الفرد الاجتماعي وحقوق الإنسان بوصفهما مقدمتين ضروريتين للمجتمع المدني، مشروطتان بالمساواة، ولكن المساواة لاتزال بعد نظرية وهمية، على الرغم من أساسها الانطولوجي الطبيعي وسندها الأخلاقي المؤكد بقوة في الدين التوحيدي.‏

وعلى الرغم من أساسها الواقعي المستند إلى تساوي العمل البشري المعبر عنه بقانون القيمة، لذلك كان أول تحقيق فعلي للمساواة هو المساواة أمام القانون في دولة الحق والقانون، والمساواة أمام القانون لا تستطيع أن تكون إلا ذات طابع سياسي لأنها لا تعني المساواة في توزيع الثروة، ولا في الموقع الاجتماعي، من حيث النفوذ والجاه، لكنها مع ذلك الشرط الضروري للانتقال إلى المساواة الاجتماعية والاقتصادية، لأن النضال في سبيل ذلك مشروط بالحرية السياسية التي توفرها دولة الحق والقانون.‏

وليس خافياً أن ثمة تعارض بين سيادة القانون وسيادة الحاكم. فدولة الحق والقانون ليست الفردوس الذي يرنو إليه البشر، إذ أن هذا التعارض هو تعبير واقعي مباشرعن التعارض بين حقيقة الدولة المادية الموضوعية وشكلها السياسي حسب كارل ماركس. ولو كانت الدولة الديمقراطية ممكنة منطقياً وتاريخياً من دون المرور بدولة الحق والقانون لكانت مطلباً مباشراً للجميع. إن مانتطلع إليه في محاولة إعادة بناء دولة الحق والقانون في الوطن العربي، يقتضي الامساك بالحلقات الأساسية في هذا المشروع.‏

أولاً: في عالم متأخر يعاني نقصاً في الاندماج القومي، وغياباً للموسساتية السياسية الفاعلة، وانعداماً للمشاركة السياسية من جانب الشعب، ووصول السلطة السياسية فيه إلى درجة عالية من الاستبداد المحدث، كالعالم العربي، حيث تفاقمت مشكلة القمع فيه المتمثلة في مصادرة حرية الرأي والاجتماع والاضراب وتكوين الأحزاب وإصدار الصحف، وفي إطلاق سراح قوى القمع لممارسة الاعتقال التعسفي، ومصاردة جوازات السفر، والطرد من العمل، وسحق الاضرابات، وتعذيب السجناء، وقتل المعارضين الخ.. في عالم مثل هذا يجب إعادة الاعتبار لبناء دولة الحق والقانون، والتأكيد عليها في مواجهة سلطة العائلة، والعشيرة الأضيق أفقاً، وهذا يتطلب من قوى التغيير أن تمتلك مشروعاً على درجة عالية من الراديكالية من أجل إقامة الدولة الحديثة الملتزمة بحكم القانون، حيث يعمل الحكام فيها لأجل المصلحة العامة، ولصالح النظام العام. وتكون هذه الدولة متمايزة عن الدولة التسلطية العربية السائدة، بمستوى عال من المشاركة السياسية، وتماسك المؤسسات السياسية الجديدة في المجتمع القادر على التكيف مع متطلبات السياسة العصرية، التي تقتضي وجود أحزاب سياسية حديثة تقوم بعملية تسييس الشعب، وترسي بنياناً ديمقراطياً للممارسة السياسية، تحقق التواصل الديمقراطي الحقيقي بين المجتمع والدولة، تواصل يجد تجسيداً له في مؤسسات ديمقراطية فاعلة تضمن استمرار هذا التواصل عبر ضمان المشاركة السياسية وتحقيق الاستقرار السياسي،وتمنع تحول النظام السياسي إلى مجرد غطاء شكلي يقنع الاستبداد.‏

ثانياً : مقاومة جميع أشكال الامتيازات التي نجمت عن نظام الحكم التسلطي، وقسمت المجتمع إلى مجتمع السلطة صاحب الامتيازات المتباينة، ومجتمع الناس المهمشين المحرومين. وهذا يعني العمل على تحرير الفرد من هيمنة السلطة الشمولية، وأدوات هذا التحرير هي أدوات معرفية - فكرية، أولاً، وسياسية ثانياً، بالتلازم.‏

ثالثاً: تحرير الأفراد من أطر المتحدات الاجتماعية التقليدية، وإطلاقها في الفضاء الاجتماعي العام كبدوة أولية لدمجهم في الفضاء السياسي العام للمجتمع، وهذا المسعى مرتبط أوثق الارتباط بعملية الاندماج القومي التي هي عملية مزدوجة تعني تهديم الأطر الاجتماعية ماقبل القومية وإعادة بنائها على أسس حديثة علمانية وديمقراطية.‏

رابعاً: استقلالية الفكر والثقافة عن السياسية بالمعنى الضيق للكلمة على الرغم من وحدتهما الجدلية، ذلك لأن عملية تحديث المجتمع تبدأ بتحديث الفكر والسياسة، وعقلنتهما، وديمقراطيتهما. وعبء هذه العملية يقع بصورة أساسية على كاهل المثقفين وكتلة الانتلجنسيا، التي تتولى صياغة إيديولوجية تنسجم في آن معاً مع بناء دولة الحق والقانون والمجتمع المدني بالتلازم، ومع سيرورة تقدم المجتمع العربي نحو التحديث الشامل والتحرر من إرث المجتمع التقليدي.‏

خامساً: استقلالية مؤسسة المجتمع المدني ولاسيما النقابات والجمعيات، والاتحادات المهنية والوظيفية، والأحزاب السياسية، والصحافة، ولجان حقوق الإنسان، وأجهزة الاعلام، ودور العبادة، عن هيمنة السلطة.‏

سادساً: فصل السلطات، ومركزية السلطة التشريعية، ورقابتها على السلطتين التنفيذية والقضائية. السلطة التشريعية التي تسن القوانين وتعد لها وتطورها، هي التعبير المباشر عن الكلية الاجتماعية، وهي من هذه الزاوية هي الدولة السياسية ومرجعية السلطتين التنفيذية والقضائية، والمشاركة فيها هي مشاركة في الدولة، وبها يحقق الفرد وجوده السياسي بصفته عضواً في الدولة.‏

سابعاً : تحرير المرأة ومساواتها بالرجل .‏

ثامناً : إعادة النظر بدور المؤسسات التقليدية والتربوية وإعادة بنائها على أسس علمانية وديمقراطية.‏

وأخيراً، توفير الشروط الموضوعية اللازمة لإعادة بناء الاقتصاد العربي على أسس قومية توفر له فرص الفكاك من هيمنة المراكز الرأسمالية الاحتكارية عليه، وربط التنمية الاقتصادية بالتنمية الاجتماعية والبشرية والنهضة الفكرية والعلمية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244