المجتمع المدني والدولة السياسية في الوطن العربي - توفيق المديني

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:08 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ثالثاً

تطرح قضية العلاقة بين الديمقراطية والمجتمع المدني في الوطن العربي في سياق اتجاه عام أو نزوع عام إلى الأخذ بمبدأ الديمقراطية التمثيلية، منذ نهاية الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفييتي، وحرب الخليج الثانية التي طرحت قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان في البلاد العربية، وشاع الاحتفاء بهما في أوساط المهتمين بالشأن العام، على اختلاف مشاربهم ومرجعياتهم الفكرية والايدولوجية. وفي سبيل التعرف على هذا الاتجاه،واختيار مقولاته نحاول معارضته بمقولة المجتمع المدني، الذي ينتج حياته السياسية أو وجوده السياسي في سياق إنتاج وجوده الاجتماعي، وثروته المادية والروحية، لكي لا تظل مسألة الديمقراطية برانية ووافدة من الخارج، تحملها مصالح القوى الكبرى وارتساماتها في الوطن العربي.‏

فالنزوع إلى استعادة اللحظة الليبرالية والديمقراطية التمثيلية يكاد يشمل اليوم مختلف القوى الاجتماعية والأحزاب السياسية في بلادنا، حيث جعلت هذه الأخيرة من الديمقراطجية أدلوجة وشعاراً، ومعياراً أخلاقياً قيمياً تقوم في ضوئه أنظمة الحكم، وبنى الأحزاب، وأنماط السلوك والعلاقات الاجتماعية السياسية. وحتى الأحزاب التي انفردت بالسلطة أصبحت هي ذاتها تتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان حين تتضارب المصالح، على الرغم من أنها حكمت وماتزال، وأعادت مؤسسات الدولة وفق رؤيتها الحزبية الواحدية الضيقة، أي مركزية السلطة، ونفي مبدأ المؤسسات، ومبدأ التداول أو المشاركة. فطبعت الدولة بطابعها الايديولوجي الشمولي، وباتت أيديولوجيتها بمنزلة دين جديد للدولة يستبعد سائر الايديولوجيات الأخرى،ويقمعها. وقد انعكس ذلك على بنية المجتمع العربي في البلدان التي خضعت لحكم الحزب الواحد، لجهة سيادة أنظمة الحكم الشمولية المنتهكة لحقوق الإنسان، التي تقودها «الزعامات الملهمة»، والتي أخضعت مؤسسات الدولة لسلطة الحكم، حيث اقتصر دور السلطلة التشريعية والسلطة القضائية وأجهزة الاعلام والقوات المسلحة، وغيرها على حماية النخب الحاكمة والترويج لسياستها، نماذج العراق، وتونس، والجزائر.‏

وقد تحول المجتمع العربي بعد اختراقة وتكييف أو تنسيق بناه الاجتماعية -انطلاقاً من ارتباط أنظمة الحكم العربية بمراكز الرأسمالية الغربية، واختيارها طريق التنمية الاستهلاكية المشوهة التابع في إطار البقاء كجزء تابع للاقتصاد الرأسمالي العالمي، حيث أدى ذلك في ظل العلاقات الاقتصادية غير المتكافئة إلى وقوع الدول العربية في أزمات اقتصادية خانقة تحمل الطبقات الشعبية إسقاطاتها السلبية والمدمرة، في ظل توزيع غير عادل للدخل القومي، والانفاق المتزايد على التسلح، وانخفاض شديد في معدلات الانتاج، وعدم اهتمام أنظمة الحكم العربية بالمشاركة السياسية، وتدهور الديمقراطية وانتهاك حقوق الانسان حين تركزت السلطة في أيدي الأقلية السمتغلة التي تستخدم أسلوب القمع والقهر للحفاظ على سلطتها وتكريس استغلالها للحفاظ على مصالحها الخاصة -تحول هذا المجتمع إلى جمع أو حشد غير منتوج من أفراد استلبت فعاليتهم السياسية، وصاروا مربوطين بالدولة - السلطة، رباط الأمن أولاً، وبالصفة التوزيعية غير العادلة للدولة التي احتكرت مصادر الثروة والقوة والسلطة في المجتمع ثانياً.‏

وكان من الطبيعي أن يقود ذلك كله إلى سيادة حالة الاستلاب السياسي التي يعيشها المجتمع العربي، الذي تهمشت قواه الاجتماعية، وفقد فاعليته السياسية، وانخرط في نمط الاستهلاك الذي عممته الرأسمالية الحديثة المتوحشة، وبات أقرب إلى المجتمع الجماهيري منه إلى المجتمع المدني المنتج.‏

لذلك يأتي النزوع الديمقراطي بل الليبرالي على قاعدة المجتمع الجماهيري، والسلطة المتسيدة، التي تتبنى بدورها جوانب من هذا الخطاب الليبرالي، وتمارس بعض الطقوس الكاريكاتورية والمصطنعة للديمقراطية الفوقية والمراقبة، كالقيام باالانتخابات المزورة التي أصبحت وظيفتها إضفاء شرعية لذات النخب الحاكمة، وذلك في إطار غياب الديمقراطية الفعلية، وتجميل وجه بعض النظم الشمولية التسلطية.‏

وأمام إخفاق الأحزاب السياسية الحاكمة والمعارضة في صنع العملية الديمقراطية - باعتبارأن الديمقراطية قضية مجتمعية، وبسبب من بنية هذه الأحزاب التي «تجعل النفوذ فيها يبدأ من القمة متجهاً إلى القاعدة، وهذا وضع مقلوب من الناحية السياسية والدستورية من شأنه أن يجعل نفوذ الزعماء في الحزب على الكتلة الشعبية مطلقاً أو شبه مطلق، ولا يسمح للجماهير هنا بمناقشة الزعماء والحساب». (6).‏

أصبحت هذه الأحزاب موسومة بالسلبية السياسية، سواء من حيث ذوبانها في السلطة واندماجها في عالمها،أو من حيث معارضتها لها على أساس برنامجها ذاته، ورؤيتها ذاتها.‏

هذه السلبية تتصدى اليوم لانتاج خطاب ديمقراطي لا يخرج من دائرته النخبوية الضيقة، ولابد من الكشف عن مقوماته ومبادئه لتحديد العلاقة بين الديمقراطية والمجتمع المدني، وإن بصورة سلبية في المرحلة الأولى.‏

ولعل من أهم مقومات الخطاب الديمقراطي الشائع لدى الحركة السياسية العربية عدم وضع الديمقراطية في المجتمع المدني، أي وضعها في العلاقة الديالكتيكية بين المجتمع المدني والدولة الوطنية - القومية.‏

ذلك لأن هذه الحركة السياسية باستثناء حركة الاسلام السياسي التي تراوغ في مسألة الديمقراطية، وتهرب من استحقاقاتها، والتي اتخذت من الديمقراطية اسم الشورى الذي لا يفصح عن دلالته، وحمولته الايديولوجية،إلا في معارضتها، قد كفت عن كونها تعبيراً عن المجتمع، وباتت جزء من السلطة التي احتكرت العمل السياسي.‏

ولذلك تجدنا أمام مشكلة نظرية وعملية، قوامها خروج القوى السياسية ذات الايديولجيا العصرية والمناهج الحديثة من عالم المجتمع، وذوبانها أو إلغاء نفسها إيجابياً أو سلبياً في عالم السلطات الحاكمة، وبزوغ حركة سياسية إسلامية عميقة الجذور في المجتمع تطرح في الغالب أهداف ثورية (كالصراع ضد الامبريالية الأمريكية، والوجود العسكري الأمريكي في الخليج، ومقاومة العدو الصهيوني،وتحرير فلسطين)، وتتبنى في الوقت عينه مناهج تقليدية، وإيديولوجيا تقليدية، ونستثني من هذه الحركة: الجماعات الاسلامية المتطرفة التي تمارس العنف ضد المجتمع، والتي تعبر بهذاالخيار عن أزمتها بوصفها حركات التعصب والعنف التي هي دون السياسية وخارج عالم السياسة، أو لنقل هي التعبير اليائس المتوفر عن حالة الاستلاب السياسي التي يعيشها المجتمع العربي، والتي ترى «أن، من غير الممكن إجراء أي تفاهم لا مع «الحكام الكفرة» ولا مع ديمقراطية «غربية» تقوم على مجموعة من المبادئ، التي ينبغي للمسلمين رفضها وهي : أولاً الأفكار الخاصة بسيادة الشعب (خلافاً لسيادة الله)، ثانياً : البرمانات «التي تشرع خارج نطاق شريعة الله» (خلافاً لشريعة القرآن الكاملة والبالغة الكمال)، ثالثاً: المساواة بين المؤمنين وغير المؤمنين باسم التسامح (وفي هذا مافيه من عفو عن الردة، وهي جريمة أسوأ من الكفر)، رابعاً: المساواة بين الرجل والمرأة مما يؤدي إلى تفسخ المجتمع العربي وتغلغل الجراثيم الغربية فيه، خامساً: التعددية السياسية التي تضع على قدم المساواة «حزب الله» الحق (ولا يستعمل شرعاً مصطلح «الحزب» إلا في هذا الصدد)، مع الأحزاب التي تنبثق عن «المشاركة» السياسية المزعومة التي ترتبها الدولة ذاتها، سادساً: المفهوم المرفوض الخاص بحكم الأغلبية والقائم على الفكرة الزائفة التي تقول بأن قضايا الحق والعدل يمكن قياسها بالكم و أن العدل الأكبر من الأصوات يمكن اعتباره بمثابة موقف أخلاقي أرفع شأناً» (7).‏

وثاني مقومات هذا الاتجاه العام هو الشعور المرير لدى الحركة السياسية العربية بشقيها الماركسي والقومي، بإخفاق المشروعين القومي والاشتراكي، ورؤيتها المتأخرة أن غياب الديمقراطية عن المشروعين فكراً وممارسة، كان في أساس إخفاقهما، وحيث يتسع خطابها حول الديمقراطية بما يمكن تسميته بخطاب الديمقراطية المفوتة التي تتداخل في عدة نزعات، الأولى: النزعة التي تطالب بالمراجعة ونقد الذات، وهذا هوجانبها الايجابي، والثانية : النزعة العدمية التي تقول بسقوط الايديولوجيات، والثالثة هي التي تطالب بإحلال الديمقراطية محل القومية أو الاشتراكية، أي تحويل الديمقراطية إلى أيديولوجية بديلة، تغيب عنها التحديات الموضوعية والتاريخية للمجتمع والأمة، وتغيب عنها الرؤية المستقبلية للمسألة الاجتماعية في الوقت عينه.‏

وكلتا هاتان النزعتان العدمية والاحلالية اللتين تعبران عن مستويين في الخطاب السياسي العربي، هما ردتا فعل على أزمة عميقة وواسعة النطاق، وردتا فعل على إخفاق المشروعين القومي والاشتراكي،وتتقاطعان مع الليبرالية الأمريكية الجديدة وتصبان فيها.‏

في معارضة اتجاهين شائعين حول الديمقراطية، اتجاه الليبرالية الجديدة الأمريكية القادمة إلينا مع نمط الاستهلاك الأمريكي، ومع الانتهاك الامبريالي، والذي يتجلى في خطاب السلطات العربية الحاكمة،باعتباره خطاباً يعبرعن حالة الاستلاب السياسي للمجتمع العربي، ويقوم علىحصر السياسة في دائرة الأقليات الحاكمة،ويخفض السياسة إلى تأييد أو معارضته،ويتبنى أيديولوجية الليبرالية الجديدة الأميركية،متجاهلاً مسألة الامبريالية والمسألة القومية في عصر الامبريالية، ومتجاهلاً حقيقة أن الامبريالية الأميركية لا تسعى إلى الديمقراطية بل إلى السيطرة على مقدرات الأمة العربية، ويتبنى بالكامل خطاب الليبرالية الجديدة الاميركية القائمة على مبدأ الفرد، لا علىمبدأ المجتمع، وعلى مبدأ الاستهلاك لا علىمبدأ الانتاج، وعلى مبدأ النفعية الآنية لا على مبدأ التاريخ وفكرة التقدم، واتجاه الخطاب الديمقراطي للحركة السياسية العربية الذي حددنا أبرز مقوماته وأهمها، في معارضة هذين الاتجاهين، تجدنا معنيين بالكشف عن الروابط الضرورية المنطقية والتاريخية بين الديمقراطية والمجتمع المدني، من أجل وضع الديمقراطية في سياقها المنطقي، أي في سياق المشروع النهضوي العربي، وأهدافه القومية والاجتماعية، أي كشف الروابط بين الديمقراطية والمسألة القومية من جهة وبين الديمقراطية والاشتراكية من جهة أخرى.‏

نقطة الانطلاق الأساسية الفارقة بين الخطاب الديمقراطي النهضوي، والخطاب الشائع حول الديمقراطية بشقيه الليبرالية الجديدة الأميركية، وخطاب الحركة السياسية العربية المأزومة، هو خطاب الفكر السياسي الراديكالي الذي يربط أو يضع الديمقراطية تحت مقولة السياسية بوصفها فاعلية اجتماعية، وإنتاجاً لحياة المجتمع السياسية، أي حياته القومية، ويقوم على منطق الممارسة (البراكسيس)، أي على الديكالكتيك منطق الصيرورة وعقل الواقع. وضع الديمقراطية في هذا الوضع يعني ربطها بعملية الانتاج الاجتماعي التي تشكل وتعيد تشكيل المجتمع المدني في الزمان والمكان، أي ربط الفاعلية السياسية بالفاعلية الانتاجية، بماهي مظهر أساس من مظاهرها، وبعد هام من أبعادها. فالمجتمع المدني قبل أي تحديد آخر هو مجتمع الانتاج بكل المعاني الممكنة لهذه الكلمة، يعني إنتاج الثروة المادية، وإنتاج الفكر والفكر والثقافة والأدب والفن، والحياة الروحية، والعلاقات الاجتماعية والسياسية، وإنتاج السياسة بصفتها محصلة ذلك كله، وتعبيره النوع الأرقى. في هذا السياق تتمفصل المسألة الديمقراطية مع الملكية التي هي أساس الحقوق ومناطها، ومع التعارضات الاجتماعية الملازمة للوجود الاجتماعي، وفي سياق العلاقة الجدلية بين المجتمع والدولة، التي هي تشكل الوجود السياسي للمجتمع،وتجسيد الحرية بقدر ما تتفق مع مطالب العقل، أي بقدر ماتكون عقلانية.‏

ومعروف جيداً أن البشر الذين ينتجون وجودهم الاجتماعي هوشكل حياتهم الاجتماعي- السياسي، وثروتهم المادية، إنما ينتجون بذلك أنفسهم في العالم وفي التاريخ. وهذا الانتاج يصبح استلاباًلماهيتهم وحريتهم كلما استطاعت قوة اجتماعية أو سياسية أن تسيطر على مقدرات المجتمع، وتحتكر قوته.‏

فالديمقراطية من هذه الزاوية تندرج في النزوع الانساني التاريخي لنفي الاستلاب بكل أشكاله، وليس لنا نحن العرب اليوم أن نعزل الديمقراطية عن مشروع نفي الاستلاب القومي، وهو استلاب مضاعف يتعين في التجزئة القومية أولاً، وفي الانتهاك الامبريالي - الصهيوني ثانياً، بقدر مايتعين في الانظمة القطرية الاستبدادية التي باتت استلاباً ناجزاً لفاعلية المجتمع السياسية.‏

إزاء هذا الاستلاب يتحتم أن تتأسس الديمقراطية في الوطن العربي، لا على استنساخ تجربة بعينها، مستفيدة من ذاك المجتمع الحديث أو ذاك بل على حرية الفرد الاجتماعي المنتج وحقوق الانسان والمواطن أولاً، وعلى مفهوم الكلية الاجتماعية التي تتقوم وحدتها واندماجها القومي بالتعدد، والاختلاف، والتعارض، وتنأى عن السعي إلى تطبيق نظرية مسبقة الصنع، ناجزة ونهائية ثانياً. فالديمقراطية فكراً ووممارسة،أو مفهوماً وواقعاً عملياً تنطلق من الوجود الاجتماعي المعين الراهن من حالة المجتمع العربي اليوم والشكل السياسي لوجوده، ولا تجد بنيتها المناسبة إلا في رحاب المجتمع المدني، ومؤسساته، كالنقابات، والجمعيات، والنوادي والمنتديات،والأحزاب السياسية، أي في مؤسسات المجتمع المدني التي تتخذ في إطارها التعارضات الاجتماعية صيغ ثقافية وأيديولجية وسياسية، هي عامل نمو المجتمع المدني وتقدمه.‏

وهذه المؤسسات التي تأطر التعارضات الاجتماعية، وتحولها إلى عامل توحيد بدل من كونها عامل تنافس وتذرير تقتضي آليات ديمقراطية كالتمثيل،والاقتراع العام، تعبر عن نسبة القوى الاجتماعية في كل مرحلة من مراحل تطور المجتمع، مما يضع مبدأ تداول السلطة وتغيرها المستمر، هذه الآليات التي تنتج السلطة السياسية منبثقة عن الشعب، تعبر عن سيادته أولاً، أي عن إرادته السياسية، وعن اختياراته الاجتماعية على الصعيدين المحلي والكوني ثانياً.‏

وجدير بالذكر أن مؤسسات المجتمع المدني بفاعليتها السياسية تشارك أو تنتج فرص المشاركة في الدولة من خلال المؤسسة التشريعية أولاً، والمؤسسة القضائية ثانياً، ومن خلال سلطة الثقافة والاعلام ثالثاً، وهذه جميعاً قيود وضعها المجتمع للحد من هيمنة السلطة التنفيذية، ففصل السلطات هوأهم مظاهر الدولة الحديثة، ولنظامها الديمقراطي لأنه ليس من سبيل يتيح للشعب مراقبة السلطة التنفيذية والحضور في قراراتها وخياراتها سوى هذا السبيل.‏

في الوطن العربي، نعني بالمجتمع المدني، المجتمع غير العسكري، وغير الإكليركي، أي غير الخاضع سياسياً لسلطة دينية، والذي لا ينظر أفراده إلى الحياة على أنها تجربة دينية صرفة، المجتمع الذي يستقل فيه مجال الإيمان عن مجال السياسة، وتنفصل فيه السياسة عن اللاهوت، سواء كان هذا اللاهوت دينياً أم علمانياً، ويستقل فيها الإيمان الفردي والضمير الفردي عن الإيمان الكنسي الاكليروسي أو الإيمان المؤسس، مجتمع لا يفرض على أعضائه شيئاً سواء في أمور دنياهم أم في أمور دينهم، ويجسد في علاقاته الاجتماعية والسياسية حرية الفرد، واستقلاله، وكرامته، ويصون حقوقه،ويحول أو يصعّد ميوله وأهدافه الفردية إلى ميول وأهداف اجتماعية وإنسانية، وذلك عن طريق التربية والثقافة، ويجعل الأكثرية ذات الثقافة الشفوية للأقلية أو النخبة ذات الثقافة الكتابية التي تحتكر سلطة المعرفة، وحق التأويل والتشريع، وتكون فيه الدولة محايدة إزاء الأديان ولالمذاهب، والايديولوجيات، فضلاً عن تمثيلها مختلف فئات المجتمع.‏

في هذه الحيثية، المجتمع المدني هو المجتمع المندمج قومياً، أي المجتمع الذي ينتج آليات داخلية عقلانية تحل مشكلة الأقليات، سواء منها الاقليات الأثنية أو الدينية أو المذهبية، فالاندماج القومي هو سيرورة نمو المجتمع المدني، وتحرير الأفراد من قيود البنى والعلاقات التقليدية ماقبل القومية والتزاماتها. إن تحرير المجتمع من الأطر ماقبل القومية هو محصلة تحرير أفراده، فكلماانعتق الفرد من واحد من هذه الأطر كالعائلة الممتدة أو العشيرة أو المذهب الطائفي ... الخ، يزداد اندماجه في الفضاء الاجتماعي المشترك، لذلك تبدو العلاقة وثيقة بين النظام الديمقراطي وتصفية البنى والتشكيلات والعلاقات ماقبل القومية، فتحرير الأفراد من الأطر الاجتماعية التقليدية هو المدخل الضروري لاكتساب صفة المواطنين، صفة الأعضاء في المجتمع والدولة، والعضوية هنا تعني الفاعلية والمشاركة السياسيتين.‏

لقد أشرنا في ثنايا هذا البحث إلى ارتباط الديمقراطية بنظرية المعرفة، بموضوعية العالم ونسبية الحقيقة، وقابلية المجتمع للتغير، ونود أن نؤكد أن الديمقراطية من هذه الزاوية هي عملية تحديث الفكر والسياسة وعقلنتهما، في موازاة تحديث المجتمع والدولة، وشرط هذا التحديث، وهي سيرورة نمو المجتمع المدني والدولة القومية أي سيرورة نمو الأمة وتجديد بنيانها، وتعزيز حضورها في التاريخ وفي العالم،وسيرورة نمو القومية بوصفها المجال السياسي أو الفضاء السياسي العام للأمة وتشكل وجودها السياسي إزاء الخارج وإزاء الآخر.‏

الديمقراطية على هذا الصعيد هي استقلال الأمة وذاتيتها أي حريتها، والحرية هي وعي الضرورة الداخلية أي علاقة المجتمع المدني بالدولة، والضرورة الخارجية أي علاقة الدولة القومية بعالم الدولة والأمم والشعوب، أي وعي علاقة الأمة بذاتها، وعلاقتها بالآخر.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244