المجتمع المدني والدولة السياسية في الوطن العربي - توفيق المديني

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:08 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

رابعاً

إن وضع الديمقراطية في المجتمع المدني وربطها بعملية الانتاج الاجتماعية لا يستقيم من دون ربطها بالقوى الاجتماعية الفاعلة، وفي هذا المجال لابد من ملاحظة أن التحولات العميقة التي جرت في معظم الأقطار العربية (نستثني هنا مايسمى بالسلطات التقليدية)، كانت نتاج صعود فئات الطبقة الوسطى إلى قمة الهرم الاجتماعي والسياسي بعد الاجهاز على شبه البرجوازية - الاقطاعية التي سادت بعد الاستقلال. وكان صعود فئات الطبقة الوسطى في أحد جوانبه تعبيراً عن اندياح السياسة في دوائر واسعة من المجتمع، وتعبئة قوى اجتماعية هائلة في مشروع الاستقلال والتحرر والتحديث، لكن فئات الطبقة الوسطى التي سيطرت علىمقاليد الحكم بأداة عسكرية غالباً ألغت طابعها الاجتماعي - الطبقي في السلطة، لأنها حولت السلطة إلى سلطة حزب يستعد غيره من أحزاب الفئات الوسطى نفسها من حق المشاركة السياسية، مما أدى إلى تشظي الحقل السياسي سواء بفعل التنافس على المغانم والمكاسب والامتيازات داخل الأحزاب الحاكمة، أو بفعل استبعاد أو إقصاء الأحزاب الأخرى عن المشاركة في السلطة. حين كانت جميع شرائح الفئات الوسطى في الوطن العربي خاضعة لاستغلال واضطهاد مزدوج من السيطرة الامبريالية الخارجية، وسيطرة الاقطاع وكبار الملاكين والعقاريين، والبرجوازية التقليدية، كان من مصلحتها أن تصارع كلها مع العمال والفلاحين لإسقاط الهيمنة المباشرة الخارجية، والسلطة القمعية الداخلية التي كانت تقمع الجماهير. وكانت مشكلة فئات الطبقة الوسطى الأساسية أنها متصارعة مع كبار الملاكين العقاريين، ومع البرجوازية التقليدية، ومع الاستعمار الخارجي، وبالتالي أخذت وجهاً «ديمقراطياً وثورياً»، ثم استطاعت بهذا التحالف أن تنهي أشكال الاستعمار أو الامبريالية المباشرة، وأن تصل إلى السلطة.‏

ولذلك عندما وصلت هذه الفئات الوسطى إلى السلطة واستفردت بها، أرادت أن تنهي في الوقت عينه تحالفها مع الشرائح الثورية والديمقراطية من الفئات الوسطى، ومع العمال والفلاحين، عبر سيطرتها شبه الكاملة على الحقل السياسي في معظم الأقطار العربية، وإحالتها دون تشكل سياسي خاص للطبقة العاملة أو الفلاحين، أو لفئات المنتجين، حيث وسمت الحياة السياسية بميسمها، وبعد أن انتصرت في معركتها على الإقطاع، والبرجوازية التقليدية، تعرضت هذه الفئات الوسطى لامتحان السلطة، التي شقتها من الوهلة الأولى، وتكون تدريجياً مجتمع سلطة يستقطب الأفراد بصفتهم الحزبية الفردية الاجتماعية الطبقية، سواء في مؤسسات الدولة أو في النقابات والاتحادات أو الجمعيات، التي جعلت منها السلطة مؤسسات دولتية، فعطلت بذلك الحياة السياسية للمجتمع. فالسلطات القائمة في الوطن العربي على الرغم من تحدرها من فئات الطبقة الوسطى طردت الفئات الوسطى بوصفها قوى اجتماعية من عالمها أي أن المشاركة في السلطة لم تعد ذات طابع اجتماعي بل ذات طابع حزبي وفردي بالحصر لذلك تهشم هذا الكيان الطبقي للطبقة الوسطى، وتشظى، وانهارت تدريجياً شرائحه العليا إلى مستوى الشرائح الدنيا، وتحولت شرائحه الدنيا إلى جماعات مهمشة، وكان تشظي الحقل السياسي أبلغ تعبيراً عن ذلك.‏

وبفعل السياسات القمعية التي مارستها السلطات الاستبدادية، فضلاً عن فرض أيديولوجيتها على المجتمع وتوظيف وسائل الإعلام المختلفة في عملية الفرض هذه، إضافة إلى ممارستها وظيفة اقتصادية مكنتها من السيطرة على ثروة المجتمع وقوته،لم تسمح بنشوء فئات اجتماعية جديدة، باستثناء الفئات الكمبرادورية المرتبطة بها وبروابط المشاركة أو تبادل المنافع الاقتصادية، أي أن هذه السلطات دمرت القوى الاجتماعية وشلت عملية الإنتاج الاجتماعي، وحصرت عملية الرسملة والتحديث في إطار دولتها أو على هوامشها، ولم تفلح فقط إلا في إنتاج فئة كمبرادورية سمسارة، تحالفت مع القوى الرجعية في الداخل، ومع بقايا الإقطاع وكبار الملاكين العقاريين والبرجوازية التقليدية، ومع الأنظمة الرجعية العربية في الخارج، ومع الدول والقوى الامبريالية في الخارج أيضاً، وشاركت في عملية تحويل البنى الاقتصادية وفق املاءات المؤسسات الدولية الكبرى (صندوق النقد الدولي)، واملاءات السوق الرأسمالية العالمية.‏

لذلك لا تزال الفئات الوسطى المطرودة من السلطة بصفتها الاجتماعية، والفئات المهمشة، والعمال والفلاحين هي القوى الاجتماعية المؤهلة لحمل المشروع السياسي الديمقراطي، على الرغم مما أصابها من ضعف وتهتك، وعلى الرغم من الاتجاهات التقليدية التي استقطبت معظم الفئات المهمشة.‏

وماتزال هذه الفئات تؤلف مايمكن تسميته بالكتلة التاريخية بالمفهوم الغرامشي، التي تشكل تحالف حقيقي بين الشرائح الثورية والديمقراطية من الفئات الوسطى، والعمال والفلاحين الفقراء ضد الشرائح العليا التي أصبحت شرائح قمعية وكمبرادورية من طبيعة جديدة، إلا أن القوى الاجتماعية التي تشكل قوام حركة سياسية شعبية وتحالف ديمقراطي عريض، تنحصر في أربع اثنان منها تنطويان على تعدد واختلاف أيديولوجي وسياسي، وعلى ميل واضح نحو التحديث والعصرنة السياسية، في صيرورتهما الطبقية، وهما الفئات الوسطى، ولاسيما كتلة الانتلجنسيا، واثنان أخريان تنطويان على ضرب من وحدة إيديولوجية، وعلى ميل إلى المحافظة والتقليدية، ناتج عن تأخر الوعي، هما العمال والفلاحين.‏

ويقع الفلاحون في الترتيب الأخير، إذ جعلت السلطات القائمة منهم قوة اجتماعية أساسية لها، بحكم طابعها الريفي، لذلك لابد أن تتصدى الفئات الوسطى على وهنها، وكتلة الانتلجنسيا لقيادة المشروع القومي الديمقراطي النهضوي العربي، وعلى مدى نجاحها في إعادة إنتاج وعي سياسي حديث ديمقراطي، وعلى مدى جسارتها، تستطيع أن تستقطب العمال والفلاحين والفئات المهمشة لمصلحة تحقيق تحالف ديمقراطي، وشل تذبذب العناصر الوطنية من الفئات البرجوازية العليا المتحالفة مع السلطة.‏

إن الدولة التي تنبثق عن المجتمع لابد أن تكون محايدة إزاء الإيديولوجيات على اختلافها، وإزاء النظريات السياسية أيضاً، لكن حيادية الدولة هذه لاتمس الفضاء الثقافي والحضاري للأمة، والذي هو فضاء عربي إسلامي، إلا أن كون المجتمع المدني مجتمع الإنتاج في ظل الرأسمالية يحتم قيام العلاقلات الاجتماعية - السياسية على مبدأ المنفعة والربح، واستغلال فائض القيمة، أي يحتم أن يكون المجتمع المدني العربي متقاطعاً مع المجتمعات الأخرى في الحيثية الرأسمالية، التي تجعل من العلاقات الرأسمالية الواقيعة ديناً واقعياُ للمجتمع، ومن الإسلام التاريخي المستنير فضاءاً روحياً معارضاً لهذا الدين الواقعي القائم على الاستلاب والاستغلال. فالمجتمع المدني من هذه الزاوية مجتمع روحه الإسلام، ودينه الرأسمالية .‏

هوامش الفصل الخامس:‏

(1) موفق محادين : مقال : كيف تكون الحرية وعياً تاريخياً للضرورة القومية - صحيفة المجد الأردنية- 3 أيار 1996.‏

(2) المصدر السابق عينه.‏

(3) إدغار موران - مقدمات للخروج من القرن العشرين - ترجمة انطون حمصي - منشورات وزارة الثقافة دمشق 1993، ( ص 191- 192 - 195 - 196).‏

(4) مطاع صفدي - نقل العقل الغربي - مركز الانماء القومي 1990- (ص71).‏

(5) ادغار موران - مصدر سابق (ص 253 - 254).‏

(6) عثمان خليل عثمان - الوضع الدستوري للاتحاد القومي.‏

(7) د. غسان سلامة - معد الدراسة : ديمقرطية من دون ديمقراطيين سياسات الانفتاح في العالم العربي الإسلامي - مركز دراست الوحدة العربية - الطبعة الأولى كانون الثاني / يناير 1995 (ص44).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244