الفصل
الأول: سنوات العمر الأول
(1)-
ميلادي: الشك واليقين
لا
أدري كيف أبدأ الكلام على حياتي وعلى المراحل التي
مررت بها، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه. ولكن، من
المعتاد أن يبدأ المرء بالحديث عن ميلاده، وأن
يتابع حديثه عن مراحل حياته مرحلة مرحلة، وأن يضمن
كل مرحلة منها الأحداث التي يعدها معالم بارزة على
طريق هذه الحياة، والتي يراها هو ذاته معبرة عن
تطوره أصدق تعبير. وقد رأيت أنه لا بأس عليّ، إذا
اتبعت أنا أيضاً ما درج عليه كتاب السير الذاتية،
على ألا يمنعني ذلك من الخروج عليه، كلما اضطررت
إلى إبراز جانب خاص من حياتي وتطوري.
كانت
ولادتي في بيت جدي الشيخ محمد زاهد بن حسين شيخ
الأرض، 20 البحرة السوداء، ميدان شاذلي 9، وهو بيت
ككل البيوت الدمشقية في ذلك الزمن، بني من دورين
على الطراز القديم. كنت الابن الرابع لأحمد شيخ
الأرض، والابن الثالث لنديمة حناوي، إذ سبق لوالدي
أن تزوج من خالتي زكية التي توفيت وهي تضع ولدها
الأول. وعندئذ تزوج من والدتي التي أنجب منها عدداً
من الأبناء والبنات، كنت ثالثهم ترتيباً، وثانيهم
حياة، إذ أن أخي الثاني توفي قبل أن أرى النور.
ولكي
أبدأ من حيث يجب علي أن أبدأ، لابد لي من الإشارة
إلى أنني ولدت في الثاني والعشرين من شهر كانون
الأول من عام واحد وعشرين أو ثلاثة وعشرين وتسعمئة
وألف. إن الأمانة تقتضيني أن أنوه بأن التحديد
السنوي محل شك، فهو نتيجة استنتاج أكثر منه نتيجة
تسجيل واقعي.
كنت
أعتقد أن ميلادي الحقيقي كان في عام واحد وعشرين
وتسعمئة وألف.. غير أن والدتي أخبرتني أنه ثلاثة
وعشرون وتسعمئة وألف، كما هو مسجل في تذكرة الهوية،
وأن التاريخ القديم هو تاريخ ميلاد أخ لي يدعى
تيسيرا، توفي فورثوني اسمه وتاريخ ميلاده. أما كيف
يمكن لمثل هذا أن يحدث، فلا أدري له وجهاً.
بقي
عليّ أن أشير إلى حقيقة التحديد اليومي والشهري
الذي أشرت إليه. فإذا كانت سنة الميلاد محل شك، فمن
باب أولى، أن يكون التحديد الشهري واليومي محل شك
أيضاً. ولكن هذا التحديد يرجع إلى والدتي التي قالت
لي: إنها وضعتني في اليوم الأول من أربعينية
الشتاء، وهو يقع في الثاني والعشرين من كانون
الأول.
(2)
الهرب إلى الحياة
لم
تبدأ حياتي الحقيقية في 22/12/1921 أو 1923، بل بعد ست
سنوات: إذ أنني مرضت مرضاً شديداً كاد يودي بحياتي،
في هذه السن أصبت بالحمى، ولم يفلح الأطباء في
شفائي، بل أنذروا أهلي بموتي القريب. وقد صدق
المساكين ذلك، فأعدوا الأربطة اللازمة، ووضعوها
تحت وسادتي، لتكون جاهزة عندما تفيض روحي. وأخذوا
يتناوبون السهر حول فراشي. ولكنني لم أمت، وإنما
كنت ازداد هزالاً يوماً بعد يوم، حتى أصبحت هيكلاً
من العظام.وكما كانت أمي تقول: أصبح بإمكان المرء أن
يعد عظامي عظمة عظمة. ومع ذلك ظللت في قيد الحياة،
إلى أن أتت زائرة تزور العائلة، ورأتني على هذه
الحال، ولما أخبروها أنهم ينتظرون موتي، قالت لهم:
ويلكم، إن الولد جائع. وأوصتهم بتحضير شيء من مرق
اللحم، واعطائي إياه بحسب تقبلي إياه. وهذا ما
فعلوه، وبه فارقت الموت وارتميت في أحضان الحياة.
ولكننا
لم نبق طويلاً في دمشق، إذ أفلس والدي نتيجة
مضارباته المالية في البورصة، وهاجر إلى بيروت،
ليعمل مع أحد الصيارفة الدمشقيين، الذي كان قد
افتتح له محلاً للصيرفة هناك.
بعد
تبديلنا سكننا في بيروت مرتين، استقر بنا المقام في
أحد البيوت في الطريق الجديدة، كان الجناح الذي
سكناه في إحدى العمارات مؤلفاً من غرفتين وردهة
وممر ومنتفعات، في إحدى هاتين الغرفتين كنت أنام،
وفيها تعرفت فكرة الموت: فقد كانت تساورني كلما كنت
آوي إلى فراشي. كنت أخشى أن أنام ولا استيقظ. لماذا؟
لا أدري. هل كان للمشابهة بين الموت والنوم؟ هذا
محتمل.. ولكنني لا أستطيع أن أؤكده على أي نحو كان.
إن كل ما أستطيع أن أؤكده على كل حال، هو إنني حينما
استيقظ في الصباح، كان يساورني العجب من أنني ما
زلت حياً، وأشعر بالفرح الغامر جراء ذلك، وأي فرح
أجمل من فرح الشعور بالاستمرار في الحياة...
(3)
ميولي الأدبية
في
خريف عام 1932 التحقت بمدرسة عمر الفاروق التابعة
لجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية، تلميذاً في
الصف العاشر الذي كان أول صفوف المرحلة الابتدائية.
كانت دراستي متعثرة، وكنت أكره الكتب ولا
استسيغها، ولكن الأمر ما لبث أن تغير، حينما قررت
إدارة المدرسة إنشاء نواة مكتبة للمطالعة. كان ذلك
في السنة الدراسية 1934/ 1935، ففي ربيعها جيء بخزانة
كتب وضعت في ردهة الدور الثاني، وفيها بضعة عشر
كتاباً، أكثرها قصص وروايات. هكذا بدأت، لكنها ما
لبثت أن أخذت تغتني شيئاً فشيئاً بمرور الأيام.
لا
أدري بالضبط ما الذي دفعني إلى استعارة أول كتاب
منها. قد تكون كلمة معلم العربية الذي نبهنا إلى
فائدة المطالعة، وقد يكون دافع التقليد، حينما
رأيت زملائي يقبلون على الاستعارة. لا أستطيع أن
أحدد بالضبط. ولكنني أستطيع أن أقول: إن هذا قد
دفعني إلى القراءة، واستبدال كتاب بآخر، حتى أصبحت
المطالعة عادة حياتي الدائمة: فقد انكببت على هذه
المكتبة، اقرأ كتبها بنهم الجائع. كانت تنمو وتغتني
بكتبها. وكنت أنمو وأغتني بما أقرؤه منها. أذكر أن
من الكتب التي استعرتها منها وقرأتها: الحديقة وهي
سلسلة مختارات أدبية لم استسغها في ذلك الحين،
لأنها كانت فوق مستوى إدراكي وذوقي، لهذا أشحت عنها
وتركتها، والتفت إلى روايات جرجي زيدان عن التاريخ
الإسلامي، وقرأتها واحدة واحدة، حتى كدت آتي عليها
جميعاً، لولا أن واحدة منها كانت مفقودة من مكتبة
المدرسة حينذاك، وهي رواية المملوك الشارد. وقد
قرأت في الوقت ذاته، كتب مصطفى لطفي المنفلوطي
الروائية وغير الروائية، المؤلفة منها والمترجمة..
قرأتها جميعاً، وكثيراً ما كنت أترنم بعباراتها
المسجوعة بصوت مرتفع، حتى إنني اعتقدت في تلك
الفترة، أن الكتابات الأدبية يجب أن تكون كذلك. وكم
كانت دهشتي كبيرة، حينما سمعت أخي الكبير يقول: لقد
أصبح السجع مستهجناً في أيامنا هذه. وكان في
المكتبة أيضاً، سلسلة روايات طرزان، التي قرأت
منها الجزء الأول، ولم أوفق إلى قراءة أجزائها
الأخرى، لأنني كنت حريصاً على قراءتها بتسلسلها،
وكنت كلما طلبت الجزء الثاني، وجدته معاراً،
فالتفت إلى كتاب آخر يصرفني عنه إلى حين..
كان
من تأثير قراءاتي، إن تفوقت في اللغة العربية،
وأصبحت مرموقاً بين زملائي. ويبدو أن ميولي الأدبية
أخذت تتكون في ذلك الحين. وأذكر أنني في تلك
الأثناء، اتجهت بتأثير قراءاتي إلى كتابة القصة
القصيرة والطويلة، وأنا بعد في المدرسة
الابتدائية.وكنت أقرأ على لداتي ما أكتبه، مقتنعاً
أن ما أكتبه تحفة أدبية. وكان لداتي يذهبون مذهبي في
تقدير ذلك. لكنني سرعان ما اكتشفت أن الأمر ليس كما
أعتقد ويعتقدون: إذ وجدت أن السرد ليس مشوقاً، وإن
الحوار لم يكن طبيعياً، وأن بعض المواقف يحتاج إلى
معلومات لم أكن أمتلكها، الخ.. ولهذا قررت أن أنصرف
عنها، لعدم أهليتي لها.
ولكي
أرضي ميلي الأدبي الذي بدأ بالظهور. انصرفت إلى نظم
الشعر، فهو لا يحتاج إلا إلى الصور الشعرية، وصدق
العاطفة، وحسن الصياغة . وقد دفعني هذا إلى قراءة
الشعر بكثرة، لا أكاد أقع على قصيدة حتى أبادر إلى
قراءتها، ولا أكاد أسمع عن قصيدة جميلة، حتى أسارع
إلى البحث عنها. وقد نسخت في كراساتي بعضها بخط يدي:
منها على سبيل المثال، على بساط الريح أو شاعر في
طيارة لفوزي المعلوف، وملحمة عبقر لشفيق المعلوف،
والمسلول لبشارة الخوري، وقصيدة الطلاسم لايليا
أبي ماضي، وبعض القصائد الوطنية لبدوي الجبل، وبعض
قصائد الشاعر القروي، الخ... وكنت أعتقد بأن قراءة
الشعر يجب أن تكون بصوت مرتفع، لمراعاة إيقاع الوزن
الشعري الذي نظمت عليه. أما القصائد الجميلة التي
كنت أعجب بها، فكنت أرددها مرات ومرات، من دون قصد
حفظها، فكان يعلق ما يعلق منها في حافظتي، وغالباً
ما يكون أجمل ما فيها.
ولكنني
وجدت أن الشعر يختلف عن القصة، بأنه لا يقرأ مرة
واحدة، وإنما يقرأ، وتعاد قراءته مرة بعد مرة.
ولهذا وجدت أن دواوين الشعر يجب أن تكون دائماً في
متناولي، وينبغي بالتالي أن تقتنى، ولا تغني
استعارتها. وهذا دفعني إلى اقتناء دواوين الشعراء،
بل إنني دغدغت في مخيلتي حلم تكوين مكتبة تضم
دواوين شعراء العرب جميعاً. وكان أول ديوان شعر
اشتريته لامرىء القيس بشرح حسن السندوبي، وجدته
عند بائع رصيف، فالتقطته، ودفعت له ثمنه، وأنا
أعتقد أنني حصلت على سلعة رخيصة. لكنني ما عتمت أن
عرفت، أن ما دفعته يعادل ثمن نسخة جديدة.
(4) في
سبيل ثقافة أدبية
كنت
وأنا بعد تلميذ في المرحلة الابتدائية في مدرسة عمر
الفاروق قد نشرت بعض الموضوعات في مجلة "ثمرات
المقاصد" التي تصدرها الجمعية الأدبية في
الكلية. ثم نشرت قصة قصيرة في مجلة "المدرسة"
التي كانت تصدرها إدارة جريدة "المكشوف". وقد
رأيت أن أتابع نشر قصائدي في مجلة الكلية. وفي أحد
الأيام، استدعاني مدرس التاريخ إلى منبره في أحد
دروسه، وهنأني على قصيدة كنت نشرتها فيها. وقد
شجعني هذا على نشر قصيدة غزلية في مجلة "ألف ليلة
وليلة" الروائية، التي كانت تخصص صفحة للشعر في
ورقتها الأخيرة. وقد أخبرني صاحبها ورئيس تحريرها
الأستاذ كرم ملحم كرم، في أول زيارة لي للمجلة بعد
نشر القصيدة، ان إحدى الجرائد اليومية- لم أعد أذكر
اسمها- أعادت نشرها في صفحتها الأدبية.
وهكذا
أخذت ميولي الأدبية تزداد نمواً وأنا في المرحلة
الإعدادية. لقد ساعد على ازدياد بروزها دراستي
للأدبين العربي والفرنسي. والحقيقة أنني انكببت
على المطالعة باللغة الفرنسية، محاولاً أن أفيد
مما يقع لي من آثارها الأدبية، فأخذت أقرأ انتاجها
الأدبي نثراً وشعراً. أما في النثر فقد أخذت أقرأ
روايات الكسندر دوماس الأب، وفيما بعد روايات بول
بورجيه والفونس دوديه وغيرهم ممن لم أعد أذكر
أسماءهم. وأما في الشعر فقد استجابت نفسي للشعراء
الرومانطيقيين، وأخص بالذكر منهم لامارتين، الذي
أصبحت "تأملاته الأولى" رفيقتي الدائمة.
في
تلك الأثناء كان قد تجمع عندي عدد لابأس به من
دواوين الشعر العربية والفرنسية. أذكر من الشعراء
العرب امرؤ القيس وزهيرا وعنترة وأمية بن أبي الصلت
والخنساء وجميل بثينة وعمر بن أبي ربيعة وأبا نواس
وأبا العتاهية وأبا الطيب المتنبي وأحمد شوقي وعمر
الأنسي وعمر أبو ريشة وأحمد الصافي النجفي وولي
الدين يكن والياس أبو شبكة. وأما الشعراء الفرنسيون
فأذكر منهم لامارتين وهيغو ودي موسيه ودي فينيي
ولكونت دي ليل.
بيد
أن لغة جديدة دخلت إلى ثقافتي في تلك الفترة: إذ
كانت مناهجنا الاعدادية، كما تنفذها كلية المقاصد،
تتضمن دراسة اللغة الإنكليزية، على أنها لغة
أجنبية ثانية، لم يكن زملائي يولونها الكثير من
عنايتهم، لأنها لم تكن مادة مطلوبة في الفحوص
الرسمية. أما أنا فقد كان من الطبيعي أن أهتم
بدراستها، للإطلاع على كنوز الأدب الإنكليزي، الذي
كنت أسمع الكثير المشوق عن شعرائه وكتابه. ولكي
أحقق ذلك، اتفقت أنا وبعض الرفاق على أن نلتحق
بالقسم المسائي من الفرع الفرنسي في الجامعة
الأمريكية، وكان يخصص في كل يوم ساعة لتعليم
الإنكليزية. وقد استفدنا بعض الاستفادة. ولكننا لم
نستطع الاستمرار في ذلك: إذ أن رفاقي الذين لم تكن
تدفعهم رغبة مثل رغبتي، ولا تجذبهم غاية مثل غايتي،
سرعان ما أبدوا رغبتهم في الانقطاع عن الدراسة،
محتجين بأن الدراسة في الليل تعيقهم عن القيام
بواجباتهم المدرسية في دوام النهار. ولهذا
انقطعوا، واضطررت أنا أيضاً إلى مجاراتهم في ما
فعلوه. ولكنني كنت اكتسبت حصيلة لغوية كافية
لاعطائي دفعاً إلى الأمام، تمكنت معه من الاعتماد
على نفسي في قراءة الكتب الانكليزية. ولكنني كنت
أشعر دائماً بضرورة معاودة المحاولة من جديد...
(5) بين
الشعر والفلسفة
تركت
المدرسة بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية سنة 1939.
وبذلك تفرغت لزيارة المكتبات والإطلاع على ما يعرض
فيها من الكتب الحديثة والقديمة. وكثيراً ما كنت
أعود من جولتي عليها بزاد وفير، فانصرف إلى قراءتها
بنهم شديد. وإذا كنت قد تركت المدرسة فأنا لم أترك
الدراسة. ولكن اتصالي بالدراسة لم يكن يقتصر على
قراءة الكتب التي كنت التقطها من المكتبات، بل كان
أيضاً باستمرار لقاءاتي مع أصدقائي من زملاء
الدراسة الذين كانوا يترددون عليّ بين حين وحين،
فأسمعهم أشعاري، وينقلون إلي بعض ما كانوا يتلقونه
من دروس الأدب في قاعات الدرس. وكثيراً ما كنا نخرج
معاً في نزهات خلوية سيراً على الأقدام. كنا نستغرق
فيها ساعات وساعات ولا حديث لنا إلا حديث الأدب
والشعر. كانوا يحملون على ألسنتهم ما سمعته آذانهم،
وما استوقف نظرهم، وما وعته قلوبهم، من دروس الأدب
العربي أو الأدب الفرنسي، فيوقظون في نفسي الحنين
إلى الدراسة والرغبة في العودة إليها. وكان منهم
الشاعر والأديب الذين لم تكن ملاحظاتهم تخلو من
فائدة أتعلمها. كانوا نفوساً غنية تتفتح لتعطي من
فيض مخزونها الروحي منقادة بفطرتها أكثر مما هي
منقادة إلى خطة مدروسة المراحل. وكانوا يأتونني في
بعض الأحيان بصحبة أشخاص يعرفونني عليهم على أنهم
شعراء وأدباء. أذكر منهم أحمد أبو سعد، وفؤاد
الخشن، ومحمد عيتاني، وعلي أبو حيدر، ورياض طه،
ومصطفى محمود، وكامل العبد الله، وعمر البربير،
الخ...
وفي
خلال تلك المدة كانت هواية المطالعة تنمو وتنمو، بل
إن شبه الفراغ الذي كنت فيه، أتاح لي فرصة أكبر
للإطلاع والقراءة. فعدا قراءاتي بالعربية
والفرنسية، أصبح بإمكاني القراءة بالإنكليزية.
وأذكر أنه وقع لي ديوان شللي في ذلك الحين، فشرعت في
قراءته، وحينما وصلت إلى قصيدة "القبرة" أخذت
أعيد قراءتها المرة تلو المرة، يوماً بعد يوم: لقد
جذبتني آفاقها البعيدة تستحثني على الانطلاق في
رحاب الكون، وأثر في نفسي جرس إيقاعها الموسيقي
الذي جعلني انساق معه. وقد عثرت في إحدى المكتبات
على كتاب يضم أشعار جون ملتون الكاملة مع مختارات
من مقالاته النثرية، فاشتريته وعدت به إلى البيت
فرحاً، وأنا أغبط نفسي لعثوري على هذا الكنز
الأدبي: فقد كنت قرأت منذ مدة عن رائعته "الفردوس
المفقود"، وتاقت نفسي إلى قراءتها، غير أن
قراءاتي كانت أوسع أفقاً، وكانت تحاول أن تستشرف
آفاق الآداب العالمية، مما دفعني إلى تتبع الروائع
الأدبية التي كانت تترجم إلى العربية. وكان منها
"الديوان الشرقي للمؤلف الغربي" لغوته،
وملحمة الشاهنامه للفردوسي، الخ...
لكن
هذا لم يكن كل شيء، فقد كان من بين الأصدقاء فريق
يهتم بقضايا الفكر والفلسفة، وكان الاجتماع بهم
يحول الجلسات الأدبية والشعرية إلى جلسات فكرية
وفلسفية، إنهم هم الذين أثاروا اهتماماتي الفكرية
والفلسفية: فبعد أن كنت أعتقد أن عالم الأدب والشعر
هو عالم الفكر والروح، أدركت أن هناك عالم الفلسفة،
وأنه أوسع أفقاً، وأعمق غوراً. هذا ما لفت أصدقائي
إليه انتباهي. كانوا يذكرون أمامي أسماء مفكرين
وفلاسفة، وأحياناً أسماء كتب فكرية وفلسفية،
ويشيرون إشارات سريعة إلى فحواها، فيثيرون فضولي
وتوقي إلى قراءتها. وكان بعضهم يطلعني على كتاب كان
استعاره من مكتبة الكلية، وإذا كانت مدة الإعارة
تسمح له بتركه لي، كان يتركه لبضعة أيام، غالباً ما
كانت غير كافية لقراءة كتاب فكري. ولكنني في
الأحوال كلها، كنت أقرأ من الكتاب المتروك ما يسمح
به الوقت. وكنت في بعض الأحيان لا أقرأ منه شيئاً،
اما لصعوبة الدخول إلى موضوعه أو لعدم توافر المزاج
المناسب. وأذكر أنني مرة واحدة فقط، استطعت أن أقرأ
الكتاب المتروك كاملاً، وكان كتاب الفرد فوييه:
المزاج والطبع. قرأته، نعم. ولكن، هل استوعبته؟ لم
يكن وضعي آنئذ يخولني ذلك. ولكنني قرأته، وكفى...
ولكن
هذا لم يصرفني عن الشعر، فقد نشرت في ذلك الحين، بعض
القصائد في مجلة "الأديب" البيروتية. ولكن بعض
القضايا الفكرية أخذت تؤرقني، ومنها قضية الجمال
في الشعر. ولما كان إلقاء الضوء على هذه القضية لا
يتوافر إلا في علم الجمال، فقد توجهت إلى قراءة كتب
علم الجمال. واعترف أنني لم أصل إلى نتيجة مرضية في
ذلك. لكن المحاولة لم تكن غير ذات جدوى، إذ أنها
أشعرتني بضرورة دراسة الفلسفة أولاً.
والحقيقة
أنني كنت بدأت ألمس، بتأثير من قراءاتي بلغات
مختلفة، الفرق الكبير بين عمق الآداب الغربية
وضحالة الأدب العربي المعاصر. وقد بدا لي حينذاك،
أن الأمر راجع إلى اتصال الأدباء والشعراء في الغرب
بالجو الثقافي عموماً، وبالجو الفلسفي خصوصاً، وأن
هذا خلاف ما يحدث في الأدب العربي المعاصر، الذي
ينصرف فيه جهد الأدباء والشعراء إلى المحسنات
البلاغية، لانعدام الجو الثقافي والفلسفي في
البلاد العربية.
وهكذا
استهوتني الفلسفة، فانصرفت إليها. وهذا دفعني إلى
البحث عن الكتب الفكرية والفلسفية، واقتنائها،
وقراءتها. وقد قرأت بالفرنسية في ذلك الحين، كتاب
"الوجودية" لبول فولكييه، فدفعني إلى قراءة
كتيب "الوجودية فلسفة إنسانية" لسرتر. ولكنني
قرأت أيضاً كتاب "المطول في علم الطباع"
لرينيه لوسين. أما في العربية، فقد قرأت كتاب
"تاريخ الفلسفة في الإسلام" لديبور، و"قصة
الفلسفة الرواقية" لعثمان أمين، الخ... ولكنني لم
أنس الأدب والشعر، فقد قرأت بالإنكليزية، مجموعة
قصص للشاعر الأمريكي ادغر الن بو، كانت منشورة في
كتاب مقتطفات مع قصيدته الشهيرة "الغراب" التي
طالما رددتها معجباً بجو الغموض الذي تنشره حول
قارئها، وبإيقاعها الموسيقي الذي يسهم في إشاعة
هذا الجو.
(6) من
الدراسة إلى العمل
حينما
وضعت الحرب أوزارها عام 1945 عدت إلى الدراسة بمساعدة
إحدى الجمعيات الخيرية. وفي شهر حزيران من عام 1948
حصلت على القسم الثاني من الشهادة الثانوية
اللبنانية فرع الفلسفة. عندئذ أصبح بإمكاني العودة
إلى دمشق للبحث عن وظيفة. وكانت وزارة الدفاع
الوطني تعلن عن مسابقة للمستخدمين المدنيين،
فتقدمت إليها، ونجحت ثم عينت في مديرية المحاسبة
مدقق حسابات. وهكذا عدت إلى دمشق وحدي، وأنا مصمم
على خوض تجربة تحمل مسوؤلية نفسي. وما كدت أستقر
فيها، حتى علمت أن كلية الآداب في الجامعة السورية
افتتحت قسماً للفلسفة، فتوجهت إليها والتحقت
بالقسم الجديد.
وهكذا
أصبحت مستخدماً مدنياً في وزارة الدفاع الوطني
وطالباً في قسم الفلسفة في كلية الآداب. وقد استمر
هذا أربع سنوات متواصلة، بدوام في مديرية محاسبة
الإدارة يبلغ تسع ساعات ونصف الساعة يومياً. وهذا
جعلني أشدد على نفسي في مسألة حساب الزمن، وأحاول
توفير الدقائق لكسبها للدراسة.
وعلى
الرغم من ازدحام وقتي بالعمل والدراسة، لم أستطع أن
أمنع نفسي من تلقي دروس في اللغة الألمانية، حين
أتيحت لي الفرصة: ذلك أنني كنت أتوق إلى تعلمها
لمعرفتي بقيمة الفلسفة الألمانية في تاريخ الفكر
الإنساني. وقد أتيحت الفرصة لي حينما تعرفت في
أوائل دراستي الجامعية على لاجىء ألماني كان يعطي
دروساً في الألمانية بأجر زهيد. وقد تلقيت عليه بعض
الدروس طوال خمسة أشهر مع بعض الزملاء أفدنا منها
حقاً.
في
الرابع عشر من كانون الثاني من عام 1950 تزوجت من ابنة
عمي فريزة بنت عبد الحميد، وأنا ما زلت طالباً في
السنة الثانية من قسم الفلسفة. أما بشأن دراستي فقد
تابعتها بانتظام، إلى أن حصلت على الإجازة في
الآداب (فلسفة) عام 1952، بعد أن تقدمت ببحث عن
"تجربة البدن في فلسفة فبرييل مارسيل". وفي
السنة التالية، التحقت بالمعهد العالي للمعلمين،
وحصلت في نهايتها، على شهادة أهلية التعليم
الثانوي، في حزيران من عام 1953، بعد أن تقدمت ببحث عن
"الشخصية في اختيار رورشاخ".
هنا
لابد لي من أن أتوقف قليلاً، لأجيب عن سؤال قد يخطر
على ذهن القارىء: لماذا اخترت الاشتغال ببحث نفسي
له هذا الطابع الفني الخالص؟ وفي الجواب أقول: لقد
كنت أبحث عن جواب مقنع بشأن تطبيق الطريقة
الاسقاطية في علم النفس، والخروج منها بفكرة
تساعدني في الإجابة عن سؤال آخر أبعد شمولاً، يدور
حول استخدام المنهج الاستقرائي في العلوم
الإنسانية، وكما هو مستخدم في العلوم الطبيعية.
(7) في
غمار العمل
بعد
تخرجي من المعهد العالي للمعلمين، صدر قرار عن وزير
التربية بتعييني مدرساً في محافظة درعا. وقبل أن
ألتحق بالعمل فيها، صدر قرار آخر بإلغاء القرار
الأول، وتحديد مكان تعييني الجديد في محافظة حمص.
وعند بدء الدراسة، ذهبت إلى حمص، والتحقت بعملي
مدرساً في الحلقة الإعدادية، وبعد أسبوعين، أوكل
إلي مدير التربية بحمص، تدريس الحلقة الثانوية في
ثانوية البنات.
وفي
صيف عام 1945، عندما انتهى العام الدراسي، وبدأت
العطلة الصيفية، اتجهت إلى بيروت بطريق طرابلس. وقد
زرت في خلال المدة التي أقمتها هناك صديقي أحمد أبو
سعد الذي عرض علي الاشتغال بالترجمة. وحينما أبديت
له قبولي، قال لي: أن دار بيروت للطباعة والنشر بصدد
إصدار سلسلة عن أعلام الفكر، ومن الأعلام الذين
تريد أن تترجم دراسة عن كل منهم، داروين وفرويد. وقد
اعتذر كل من عرض عليه أمر ترجمة هذه الدراسة أو تلك،
لعدم توافر المصطلحات العربية. فهل ترضى بأن
تترجمهما؟ لم أتراجع عن موقفي على الرغم من إدراكي
مدى الصعوبة. واتفقت أنا وصديقي على أن نلتقي في
اليوم التالي في دار بيروت. ووصلت قبل صديقي،
وتقدمت من صاحب الدار، وعرفته بنفسي، وأخبرته أنني
على موعد عنده مع صديقي، فأدرك الغرض من الموعد،
ورحب بي، ولم نلبث طويلاً حتى حضر صديقي.
وتسلمت
من صاحب الدار كتاباً بالفرنسية عن فكر فرويد، وطلب
مني أن أترجم منه فصلاً اختاره وآتيه به ليرى
أنموذجاً من ترجمتي. وبعد يومين آتيته بالأنموذج
المترجم، فأخذ مني الكتاب والفصل المترجم وطلب مني
أن أعود في اليوم التالي ريثما يعرضه على ذي خبرة.
وحينما عدت في اليوم التالي، أعاد إلي الكتاب
والفصل المترجم ودعاني إلى متابعة الترجمة قائلاً:
لقد كانت بدايتك خيراً من بداية غيرك.
قبلت
العمل في الترجمة ورائدي التعلم في المقام الأول:
فقد كنت أريد من ترجمة النصوص الفلسفية أن تكون
وسيلتي للاحتكاك بتفاصيل الأفكار بعد أن لمست أن
الثقافة الفلسفية التي زودتني الجامعة بها كانت
تقتصر على معلومات عامة غير كافية، وأن في اللغة
الفلسفية العربية المعاصرة قصوراً في التعبير يرجع
إلى الأسلوب والمصطلحات فأردت من ممارسة الترجمة
أن تكون سبيلي للتغلب على هاتين الصعوبتين. وقد
تغلبت على صعوبة الأسلوب بمحاكاة أسلوب النص
الأجنبي، وعلى صعوبة المصطلحات بالعودة إلى كتب
اللغة ودراسة طرائق الاشتقاق العربية. وقد أفدت في
هذا المجال من كتاب اللغوي اللبناني الشيخ عبد الله
العلايلي: مقدمة لدرس لغة العرب، ومن أربع كراسات
كان نشرها من الجزء الأول من "المعجم".
أما
بالنسبة إلى عملي في التعليم فقد انتقلت في نهاية
صيف عام 1955 من حمص إلى دمشق. وعينت مدرساً للتربية
وعلم النفس في دار المعلمين الابتدائية. وقد علمت
أن معهداً لتعليم اللغة الألمانية يدعى معهد
"غوته" قد افتتح في ثانوية دوحة الأدب الخاصة،
وأن الدوام فيه مسائي، فالتحقت به آملاً أن أتقن
هذه اللغة. وقد ثابرت على الدراسة فيه بضعة أشهر، ثم
انقطعت لضيق الوقت.
وفي
عام 1959 صدر عن وزارة التربية قرار بتعييني مديراً
لدار المعلمين الابتدائية بدمشق. وقد أتتني في
أثناء تلك تل السنة عروض تأليف كتب في الفلسفة
العربية بطريق صديقي أحمد أبو سعد. فوضعت دراسة عن
الغزالي (1960) وأخرى عن ابن طفيل (1961) وثالثة عن ابن
سينا (1962).
والحقيقة
أنني قبلت هذه المهمة للاستمرار في التعلم أولاً،
ولأنني تنبهت في أثناء عملي في الترجمة إلى ضرورة
الرجوع إلى الكتب الفلسفية العربية القديمة من أجل
الإفادة من مصطلحاتها، ثانياً. وقد لفت هذا
الانتباه إلي في كلية الآداب، فكلفت المحاضرة في
الفلسفة العربية لطلاب قسم التاريخ. وكنت قبلئذ قد
كلفت المحاضرة في التربية وأصول التدريس في كلية
التربية.
والحقيقة
أنني كنت أترجم ما أترجم، وأؤلف ما أؤلف، تمهيداً
لكتابة فلسفتي الخاصة: فقد كانت الترجمة والتأليف
وسيلتي للإلمام بتفاصيل الأفكار والتدرب على
ممارسة التعبير عنها. وطبيعي حينذاك أن أتأثر ببعض
المفكرين والفلاسفة. ولقد تأثرت بعدد من القدماء
والمحدثين في الشرق والغرب، أذكر منهم: برمنيدس
وهيرقليطس وأرسطو وابن سينا والغزالي وكنط وهسرل
وهيديغر وغبرييل مارسيل ولويس لافيل الخ...
ولكن
هذا التأثر لم يجعلني أذهب مذهب هذا أو ذاك. فقد كنت
أعتقد بأن الفلسفة في تصورها العام، وقد كان التصور
العام من عندي. أما التفاصيل فهي ملك مشاع، حتى لو
أخذتها من هذا وذاك، إذ انهم هم أنفسهم سبق لهم أن
أخذوها من غيرهم. ولهذا كان المهم حسن وضعها من
التصور العام. وهكذا استطعت أن أكون لنفسي فلسفة
تختلف عن فلسفاتهم جميعاً: إنها الفلسفة التي تفرق
بين الوجود والمعرفة، وبين التشخيص والتجريد، وترى
الصيرورة في الوجود والوجود في الصيرورة، وارتباط
الجزء بالكل والكل بالجزء، وصدور الوجدان جسداً
وفكراً عن صيرورة الوجود مما يتيح له إدراك الموجود
وفكرته معاً في وحدتهما التي لا تنفصم إلا تجريداً.
إنها فلسفة تتجاوز العلوم والأخلاق والفنون: إنها
التصور القائم ما وراء العلم والأخلاق والفن لأنها
هي التي تقدم لكل منها الأساس الذي يقوم فيه، تقدم
موضوعها الذي هو الما وراء الوجودي لكل ما حاولت
الفلسفات المجردة التعبير عنه حتى الآن، ومن هنا
كانت واحدة وحيدة. وهذا ما بذلت جهدي للتعبير عنه
تعبيراً إجمالياً في كتابي: "دراسات فلسفية"،
وتفصيل القول فيه في كتبي التالية: الفحص عن أسس
التفكير الفلسفي، والفحص عن أسس اليقين، والفحص عن
أساس الأخلاق، والفحص عن أساس الفنون، والفحص عن
أسس الحضارة (نشر باسم إرادة الحضارة)، الوجود
والصيرورة والفعل.
في
عام 1962 ذهبت إلى بنغازي بليبيا متعاقداً مع الجامعة
الليبية على التدريس في كلية الآداب في قسم
الفلسفة، وقد بقيت هناك سنة دراسية، طلبت في
نهايتها إلغاء العقد، ورجعت إلى دمشق مدرساً في دار
المعلمين.
وفي
شهر نيسان من عام 1964 صدر قرار وزاري بنقلي إلى ملاك
الإدارة وتكليفي التفتيش الاختصاصي للفلسفة
والتربية. وفي هذا الوقت كلفت من جديد تدريس
الفلسفة العربية في قسم الفلسفة في كلية الآداب،
وتدريس أصول التدريس النظرية والعملية في كلية
التربية.
وفي
13/4/1972 وافق المكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب العرب في
جلسته الخامسة على قبولي عضواً في الاتحاد.
وفي
1/1/1983 أحلت على التقاعد لبلوغي سن الستين بحسب قيد
النفوس الرسمي. ولكنني مددت خدمتي خمس سنوات أخرى،
ابتداء من تاريخ التقاعد. |