|
|||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 01:08 AM | |||||||
|
الفصل الثاني: الحياة حباً وشعراً
تحدثت في الفصل الأول عن ميلادي الجسدي، وأريد أن أتحدث في هذا الفصل عن ميلادي شاعراً. وإذا كان شيء من الشك ساورني في تحديد ميلادي الأول، فان شيئاً من اليقين يفرض نفسه علي في ميلادي الثاني. لقد كان ذلك عند مروري بما ظننته حينذاك نوبة حب مفاجئة في بداية سن المراهقة، أثر حادثة عابرة جرت لي.
كنت في فترة البلوغ وبداية المراهقة سنة 1935 حينما زارتنا جدتي في بيروت آتية من دمشق، مصطحبة معها صبيتين صغراهما في الثانية عشرة، وكبراهما في الرابعة عشرة. كانتا ابنتي أخيها أتت تعرضهما على والدتي، لتكونا عروسين لأخي الأكبر ولي في المستقبل: الكبرى لأخي، والصغرى لي، ولم تخف قصدها عنا. وقد كان عملها هذا فاتحة يقظة قلبي على عاطفة لم أكن جربتها من قبل.
لقد كانت النفس على استعداد للحب، فهي قد ودعت مرحلة الطفولة، ودخلت مرحلة المراهقة، وأصبح كل أمر يحس بإحساس جديد، ويرى بعينين جديدتين، ويقوم تقويماً جديداً، ولهذا لم يكن عجيباً أن بدأت أشعر بتغير في مشاعري وأفكاري ونوازعي. وقد انكفأت على نفسي مدارياً ما أشعر به، وأصبحت خلوتي بنفسي عادة من عاداتي، بدأت قصيرة، وما لبثت أن أخذت تطول بتراخي الزمن. ولكن هذه المداراة والخلوات كثيراً ما كانت تنجلي في عبارات موزونة ومقفاة اكتشفت معها إنني أصبحت شاعراً.
لقد كان هذا ميلادي الحقيقي، إذ معه أصبحت أرى العالم، وأعيش الحياة، وأمر بتجربة إنسانية كاملة، تجيش فيها العواطف، وتبزغ الأفكار، وتتحرك النوازع، من أجل ربطي بالعالم ربطاً جديداً، ربطاً غير مستقر ولا ثابت، انتقل فيه من النقيض إلى نقيضه، فأرفض ما كنت قبلته، وأقبل ما كنت رفضته، فتتولد كلمة لا من كلمة نعم، وكلمة نعم من كلمة لا. وكل هذا في لحظة خاطفة تجعلني مفاجأتها أنا ذاتي أعجب من ذاتي.
وقد بدأ الحب بانفعال بسيط، أشبه ما يكون بمس كهربائي خفيف، سرعان ما انضافت إليه انفعالات وذكريات وخيالات وتصورات امتزجت فيما بينها يوماً بعد يوم، وألفت جميعاً هذه العاطفة التي شعرت تحت إلحاحها بالحاجة إلى الآخر أولاً، وإلى قول الشعر ثانياً، وإلى صديق اسمعه حكايتي وشعري ثالثاً. ولهذا هرعت إلى لداتي أقص عليهم قصتي وأسمعهم شعري. ولكنهم ضحكوا مني، وقالوا لي: ولكنها في مثل سنك، وستتزوج وأنت ما زلت في المدرسة.
وقد صدمني قولهم، ولكنني لم أعتقد في ذلك الحين اعتقادهم. كنت أغذي في نفسي ذلك الحب الصامت الذي كانت تهيئني له المرحلة التي كنت أمر بها، والظروف التي كانت ترافقها. وهل باستطاعة من التفت إلى رغبات عالمه الداخلي أن يدرك حقائق العالم الخارجي؟
ولكنني لم أكن وحدي أغذي هذا الحب، فقد كانت جدتي تغذيه أيضاً، ودون أن تدري، بتلك الرحلات التي كانت تنظمها لنا إلى مزار الامام الأوزاعي، إرضاء لرغبتها في زيارة قبر الإمام، وللترفيه عن ابنتي أخيها برؤية البحر. كانت تحشرنا في سيارة اجرة تتفق مع سائقها على الذهاب والإياب، فكان ينقلنا إلى حي الأوزاعي، ويتركنا هناك على وعد بالعودة لإرجاعنا إلى مقر سكننا. فلا نكاد نصل، حتى تتجه جدتي بنا إلى المسجد الذي يرقد فيه رفات الإمام، وإذا قامت بهذا الواجب، توجهت بنا إلى شاطىء البحر، وتركتنا نسرح ونمرح هناك. في هذا الوقت- وهو فصل الشتاء- يكون الشاطىء عادة خالياً إلا من بعض العابرين والصيادين، وتكون العرازيل المنتشرة هنا وهناك مهجورة من أصحابها، وتكون لنا حرية الجري والجلوس على الرمل والصعود إلى هذا العرزال أو ذاك. ولكننا كنا نفضل الانصراف إلى التقاط المحار وأحجار الخفان مما يحمله الموج إلى الشاطىء.
وقد صدقت نبوءة أصدقائي. ولكنها صدقت بالنسبة إلى كبرى الفتاتين، مما جعلني أرى تباشير زواج الصغرى أيضاً. ولكن هذا لم يحدث، وإنما الذي حدث كان أكثر مفاجأة، إذ أن جدتي ما لبثت أن زارتنا ثانية بعد مدة، وبصحبتها الفتاة التي أرادتها خطيبة لي وأخت أخرى أصغر منها. ولكن عرضها الأول تغير: إذ أصبحت من كانت مرشحة لتكون خطيبتي مرشحة لتكون خطيبة لأخي ، وأصبحت أختها الصغرى مرشحة هذه المرة لتكون خطيبتي.وهكذا قلبت جدتي ما كانت اقامته، وهدمت ما كانت بنته. أما أنا فما لبثت أن أفقت من حلمي، وأدركت أن التفكير في مثل هذه الأمور ما زال سابقاً لأوانه.
في هذه الفترة أصبحت ولدي عادة الانطواء على ذاتي وملاحظة ما يجري في أعماقي: كنت أرى عالماً صاخباً بالعواطف المتناقضة، والأحاسيس المتصارعة، لا البث أن أشيح عنه، منصرفاً إلى تلمح طيف جميل، كان يبرز من بين صور متلاحمة تحيط به. وهذا أعطاني غنى في المادة الشعرية التي كنت أنهل منها في نظم قصائدي. في هذا العالم الدخلي كانت أشياء العالم الخارجي تتحول إلى صور طيعة تبعث فيّ مشاعر رقيقة، كان وجداني يشكلها هي والصور التي بعثتها، وفقاً لوزن وقافية كانت تمليهما الحالة التي هو فيها، فلا أشعر إلا وقد بشرت بميلاد قصيدة، تلوّن الواقع فيها بلون الخيال، فأصبحت أشياء العالم الخارجي تتبدى من خلال انفعالات الذات ومشاعرها.
وهكذا قادني الحب إلى حياة الشعر، وصاغني صياغة جديدة، وإذا كانت يقظة الحب في سن المراهقة تعيد صياغة شخصية المرء، فإنها صاغتني أنا ذاتي صياغة شعرية، أصبح الشعر فيها محور حياتي في تلك السن كلها. فقد أصبحت أنفق في تلك الفترة، مصروفاتي كلها على شراء دواوين الشعراء، وأقضي معظم أوقاتي في قراءتها. وإذا اجتمعت بصديق، كانت محور حديثي معه... وكان من أثر ذلك أن انطبع خيالي بالصور الشعرية، وأصبحت عباراتي مصوغة صياغة شعرية. لقد أصبح كل شيء عندي مصطبغاً بالخيال، وأصبح الخيال أكثر القدرات الوجدانية نمواً فيّ. وكان أكثر ما ينقصني لتكتمل في صفة الشاعر، هو امتلاك ناصية التعبير اللغوي، وقد أتتني القدرة اللغوية على التعبير مما اكتسبته من قراءاتي الشعرية المستمرة، فساعدتني على جعل الحب المقترن بالخيال يؤدي بي إلى حالة شعرية لابد لها من أن تنتهي إلى ولادة قصيدة حب خيالية. والحقيقة أن الحب مقترن دائماً بحالة وجدانية خيالية، لولاها لما كان، ولما استمر. هذه الحالة هي التي تجعل من يمتلك قوة التعبير اللغوي شاعراً تقاس شاعريته بمدى قوة التعبير التي يمتلكها. وهذا ما حدث لي: إذ ما كدت أشعر بعاطفة الحب، حتى انطلق لساني بقول الشعر، وكل ما أملكه خيالات وعبارات اكتسبتها من قراءة دواوين الشعراء.
إذا كان ما ذكرته يدل على مدى تأثير الشعر في صياغة شخصي، فلا أقل من إشارة عابرة إلى الشعراء الذين صحبتهم في غضون فترتي الشعرية، أمانة للحقيقة والتاريخ. وأعتقد أنني أحسن صنعاً إذا اتبعت في ذلك التسلسل التاريخي، تاركاً أهمية كل منهم بالنسبة إلى تأثيره في تكويني الشعري، إلى حين حديثي عنه.
كنت قد ذكرت أن أول ديوان شعر وقع لي كان ديوان امرئ القيس ومن حسن الحظ أن يكون أقدم شاعر أبدأ الحديث عنه. لقد كان واحداً من ثلاثة من شعراء الجاهلية أصحاب المعلقات الذين صحبتهم صحبة حياة، وهم: امرؤ القيس وزهير وعنترة. لقد اقتنيت دواوينهم، وقرأتها كاملة، وكنت أرجع إلى بعض القصائد فيها حيناً بعد حين، أردد ما استحسنته منها. أما بقية شعراء المعلقات فلم أطلع من أشعارهم إلا على بعض معلقاتهم. وقد كانت مرات قراءتي لها معدودة. وهكذا يمكنني أن أقول عن يقين: أن الثلاثة الأول هم الذين تركوا في شعري بعض الأثر.
من الشعراء الذين اقتنيت ديوانهم أمية بن أبي الصلت والخنساء. أذكر أنني قرأت أكثر قصائدهما، ولا أذكر أنني عدت إلى مراجعة أية قصيدة منها. أما من شعراء صدر الإسلام، فقد كانت لي عشرة حميمة طويلة مع عمر بن أبي ربيعة وجميل بن معمر المشهور بجميل بثينة. فقد اقتنيت ديوانيهما، وقرأتهما من الغلاف إلى الغلاف، عدة مرات. ولا أعتقد أنه بإمكاني- لو حاولت- أن أحصي عدد مرات قراءتي للقصائد التي أعجبتني فيهما، فقد أصبح الديوانان رفيقي بالتناوب في خلال مدة ليست بالقصيرة وكان هذا طبيعياً في تلك الفترة، فترة المراهقة، بالنسبة إليَّ ومع ذلك كنت أميل إلى جميل أكثر مني إلى عمر، لاعتقادي أنه أصدقهما. ولكنني كنت في الوقت نفسه تواقاً إلى الحصول على أشعار مجنون ليلى. وقد حاولت جهدي أن أقع عليها ولم أوفق، إلى أن حصل لي أحد الأصدقاء، ذات يوم، طبعة رديئة من ديوانه، استعارها من أحد أبناء قريته، وأعارني إياها ليوم واحد. وما كدت أتناول النسخة منه، حتى ودعته وهرعت إلى البيت أقرأ قصائده. لم يكن الديوان كبيراً، ومع ذلك لم أتمكن من قراءته كله. ولكن قصيدته اليائية استوقفتني، وأذكر أنني قرأتها أكثر من مرة. وقد أعجبني فيها قوله:
أصلي
فما أدري إذا ما ذكرتها |
||
اثنتين صليت الضحى أم ثمانياً |
||
أما جرير فقد اقتنيت ديوانه، ولكنني لم أصبر على قراءته. لقد كانت قصيدته النونية هي التي استوقفتني وحدها، وهي التي كنت أعود إلى قراءتها بين الفينة والفينة: لقد كانت هي ديوان جرير في نظري. أما لماذا اتخذت هذا الموقف من شعر جرير، فإنني لا أستطيع أن أحدد السبب بدقة، قد يكون شعر الهجاء هو الذي نفرني منه، وهذا مجرد تخمين.
بيد أن قصتي مع ديوان أبي نواس لها شأن آخر. أذكر أنه وقع لي عند بائع رصيف، وأنني اشتريته منه دون مساومة. كان همي أن أحصل عليه بأي ثمن. وقد حملته مسروراً. كان مجلداً، غير أن غلافه كان منزوعاً عنه، فأعطيته إلى نجار مررت به، وكان واضعاً مغراته على النار، راجياً إياه أن يغريه لي، ففعل دون أن يتقاضى أجرا. وما كدت أصل إلى البيت، حتى كان الغراء قد جف، ففتحت الديوان وشرعت اقرأ فيه. وقد قرأت الديوان كله في غضون أيام قليلة. وأذكر إنني عدت إلى قراءة بعض قصائده. غير أنني لم أتأثر به، وإن كانت مقطوعته: لا تبك هندا ولا تطرب إلى دعد.. قد استوقفتني، فأخذت أرددها حتى حفظتها. وأعتقد أن هذا الموقف مني كان بسبب خمرياته التي لم تستسغها نفسي.
وكان شأن ديوان أبي العتاهية مثل شأن ديوان أبي نواس، فقد وقع لي عند بائع رصيف. كان تاماً، غير أنه كان منزوع الغلاف. ومع ذلك اشتريته، وأنا مقتنع بأن الأشعار التي يتضمنها هي ما يهم فيه، لاالغلاف، واعترف أنه ظل رفيقي سنوات على هذه الحال، فلم أحاول تجليده، مفضلاً شراء ديوان آخر بكلفة تجليده. ولكنني كنت أقرؤه باستمرار. وكان يعجبني فيه شيئان: حكمته وقرب لغته من لغة الحديث.
أما المتنبي فقد وقع لي شعره في كتاب العرف الطيب في شرح ديوان أبي الطيب، لناصيف اليازجي، كان نسخة جديدة مجلدة بتاريخ قديم، طبع المطبعة الأدبية ببيروت، سنة 1305هـ. قرأت الديوان من الغلاف إلى الغلاف في بادىء الأمر، ثم صرت أرجع إلى بعض قصائده بين حين وحين. هذا الديوان كان عزيزاً على نفسي، فقد كنت أجد فيه نفساً ملحمياً، وكنت أعد صاحبه شاعر العرب القومي. ولهذا لم أفرط به، حين اتجهت إلى الفلسفة، وأخذت أوزع دواوين الشعر على الأقرباء والأصدقاء.
ولكنني لم أعرف المعري إلا متأخراً، كانت معرفتي إياه تقتصر في البداية على قصيدته: غير مجد في ملتي واعتقادي.. وظل هذا شأني إلى أن نشر طه حسين في سلسلة "اقرأ" كتيباً بعنوان: صوت أبي العلاء، وهو عبارة عن منتخبات من شعره. قرأت هذه المنتخبات، وأشهد أن فيها قطعاً كثيرة رائعة. ولكنني لا أستطيع إلا أن أضيف، أن قصيدة "غير مجد" ظلت صاحبة الأثر الأكبر في نفسي.
أما بالنسبة إلى شعراء عصر النهضة، فقد استأثر منهم أحمد شوقي باهتمامي، وقد اقتنيت شوقياته بأجزائها الثلاثة، ومسرحياته: مجنون ليلى ومصرع كليوبترة وعنترة وملحمته "صقر قريش" عن عبد الرحمن الداخل. وقد قرأتها جميعاً. وكنت أعود إلى قراءة بعضها بين حين وآخر. في البدء كنت مأخوذاً بشهرة الرجل ولقبه أمير الشعراء، غير أنني ما لبثت أن اكتشفت أن شهرته كانت أكبر منه، وأنه لم يكن شاعراً إلا في القليل مما نظم، وإن كان يرقى في بعضه إلى مستوى يغبط عليه أحياناً.
وكان مما وقع لي من دواوين شعراء عصر النهضة ديوان ولي الدين يكن. وهو شاعر رقيق نصحني بقراءته الأديب اللبناني كرم ملحم كرم، حينما أخذت أتردد عليه أنشر بعض قصائدي في مجلته الروائية الأسبوعية: ألف ليلة وليلة. وقد اقتنيت الديوان، وقرأت قصائده جميعاً، وأعدت قراءتها أكثر من مرة. وأشهد أنه كان شاعراً، وكان أقرب إلى روح عصره ممن عاصره من الشعراء. كانت لغته في اشعاره بسيطة أقرب إلى لغة الحديث منها إلى التأنق اللغوي، شأنه في ذلك شأن أبي العتاهية، وإن يكن على نحو آخر.
ومن الشعراء الذين كنت أعجب بشعرهم الشاعر اللبناني بشارة الخوري. لم يكن له ديوان شعر مطبوع، وكان على من يريد تتبع أشعاره، أن يتابعها في الصحف والمجلات التي نشرت وتنشر فيها. وهذا ما فعلته، وكنت أنسخ ما أعثر عليه في كراس أو على أوراق أرجع إليها عندما أريد. ومما نسخته قصيدته "المسلول" و"سائل العلية" وقصيدته التي ألقاها في مهرجان المتنبي الذي عقد في بغداد. والحقيقة أن شعره كان رقيقاً قريباً إلى النفس، وفيه نفس شعري قلما توافر لسواه.
يأتي بعد هؤلاء الشعراء ثلاثة شعراء معاصرين لهم اليد الطولى، إلى جانب المتنبي في صياغة شخصيتي الشعرية. إنهم عمر أبو ريشة وفوزي المعلوف وشفيق المعلوف.. إنني في شعري حصيلة تأثري بهؤلاء الأربعة في الغالب. أما أثر الآخرين ممن ذكرت فكان أقل من أثرهم.
أما عمر أبو ريشة فقد عرفت شعره مبكراً. وأعتقد أن أثر شعره في شعري كان القاع الذي انضافت إليه آثار غيره من الشعراء، فشكلت شخصيتي الشعرية. فقد عرفته منذ صدور الديوان: شعر في عام 1936 على ما أذكر. وقد اقتنيته، ومنذئذ جعلته رفيقي الدائم، ولا أعتقد أنني أغالي حينما أقول: أنه كتب لي ولجيلي، وأن ما عداه لم يكن معاصراً لنا تماماً, ولكنني لم أتوقف عند ديوانه هذا، بل أخذت أتتبع ما كان ينشره في الصحف والمجلات. وأحفظه عن ظهر قلبي، ولا أدخر فرصة سانحة إلا وأنشده لأصدقائي في مجالسنا أو نزهاتنا الخلوية سيراً على الأقدام.
وإذا كان شعر عمر أبو ريشة قد شغلني مبكراً، فان شعر فوزي المعلوف ما عتم أن أتى يزاحمه على مسرح حافظتي. والحقيقة أنه لا يمكن لأحد أن يتصور إلى أي حد كان فرحي عظيماً، وقد سمعت ما سمعت عن ملحمته "بساط الريح أو شاعر في طيارة"، حينما أتاني أحد أصدقائي بكراس يحتوي هذه الملحمة. كان الكراس مؤلفاً من عدد قليل من الأوراق، ومغلفاً بغلاف من الورق السميك الأحمر، وكانت الطباعة رديئة، وقلت في نفسي: لا يهم ما دام الشعر ملهماً. أخذت الكراس من صديقي، وعدت إلى البيت، واندفعت في القراءة، وفرغت منها في جلسة واحدة. ولكنني إذ فرغت من قراءة الملحمة، لم أفرغ منها هي ذاتها، فقد كان عليّ أن أعيد قراءتها مرات ومرات، حتى كادت تنحفظ لي من دون أن يكون من قصدي حفظها. ولا يسعني إلا أن أسجل هنا اعترافي بعميق الأثر الذي تركته في شعري.
أما الأثر الثالث فكان أثر شعر شفيق المعلوف، أخي فوزي، وكان ذلك حين تمكنت من الحصول على نص ملحمته "عبقر". وقصتي مع هذه الملحمة ليست غريبة: فقد جاءني أحد الأصدقاء ذات يوم، وأخبرني أنه عثر في دار الكتب الوطنية على نسخة من ملحمة شفيق الملعوف، فذهبت في صباح اليوم التالي إلى دار الكتب، واستعرت الملحمة وقمت بنسخها، وعدت بما نسخت وأنا في غاية السرور، شاعراً بأنني عثرت على كنز حقيقي. وقد قرأت الملحمة في جلسة واحدة، وأعجبت بها أيمّا إعجاب. وقد أعدت قراءتها مرات ومرات، إلى أن انطبعت في ذهني بأكثر أبياتها.
ولا يسعني أن أنهي حديثي عن صحبتي لبعض شعراء العربية، من دون أن أتطرق إلى شاعرين كان لي مع شعرهما عشرة لم تكن بالعابرة. إنهما إيليا أبو ماضي وأحمد الصافي النجفي.
أما إيليا أبو ماضي فقد عرفته بديوانيه "الجداول" و"الخمائل" وقد قرأتهما بكاملهما قصيدة قصيدة. وكان انطباعي الأول، أن صاحبهما شاعر فكرة، وأن الفكرة هي أهم ما يريده من قصائده ولكن القصيدة التي انتزعت إعجابي أكثر من غيرها كانت قصيدة "الطلاسم" التي قرأتها ما يقارب عشر مرات، والتي كثيراً ما عدت إلى قراءتها بعد ذلك.
وأما أحمد الصافي النجفي، فقد عرفته في ديوانه "الأمواج" لقد قرأته كله قصيدة قصيدة. وقد وجدت أنني أمام شاعر فريد، شعره يصور لوناً معيناً من الحياة، هي الحياة التي عاشها الشاعر، وأخص بالذكر هنا قصيدته "غرفة شاعر" التي رددتها حتى حفظتها.
أولئكم هم الشعراء الذين صحبتهم في فترة مراهقتي ومستهل شبابي: فقد تعلمت منهم كيف تمتطى أمواج الخيال، وكيف يركب عباب التعبير. غير أني مزجت أخيلتهم بخيالي، فإذا به خيال جديد، وصنعت من عباراتهم مجتمعين عبارتي الخاصة، فنسجت من هذا وذاك قصائدي، فكانت قصائدي المعبرة عني أنا ذاتي.
ولكن لابد لي من الاعتراف بأن الطيف الأول ظل حاضراً فيها، وإن كان يبدل من ملامحه باستمرار. والحقيقة إن كل ما كان يتخيل في هذه القصائد، كان يتخذ من ذكرى إنسانة معينة محوراً له، على الرغم من أن هذه الإنسانة لم تعد موضوع حب حقيقي: فقد تغيرت صورتها في خيالي، ولم تعد هي ذاتها، فقد خلقتها خلقاً جديداً، وجعلتها تمتلك أجمل الصفات وأكملها. لقد دخلت إلى مخيلة شاعر، وكان لابد لها من أن تحيا بأجمل صورة فيها، وأن يكون التعبير عنها أجمل تعبير. وهل تتصف مخيلة الشعراء بغير صفة الخلق؟ وهل بإمكانها أن تخلق غير ما تراه جميلاً؟ وهل يمكنها أن تعبر عنه إلا بعبارات جميلة؟
وهكذا أخذت حياتي تجري بين الحب والشعر، بل بين حب خيالي وشعر خيالي، ولكن هذا كان لفترة معينة فقط، إذ سرعان ما حل الشعر محل الحب. فبعد أن كان الحب ملهم الشعر، اندمج الشعر بالحب، وأصبحا شيئاً واحداً، وما عتم الشعر أن استولى على مشاعري وأفكاري كلها: لقد احتل مركز حياتي الوجدانية، وأصبح موجهي الوحيد فيها. قد يكون من المعتاد عند غيري، أن يأخذ الحب بزمام نفسه، ويصبح الحبيب غاية حركاته. أما أنا فقد انقلبت عندي العلاقة بين الغاية والوسيلة، فلم يكن الحب هو الغاية إلا في البداية، إذ سرعان ما حل الشعر محله، وأصبح هو ذكرى أو صدى فيه. فقد أخذ الشعر يستقطب اهتماماتي كلها، ومنها الحب ذاته.
وبهذا أصبحت مولعاً بالجمال لا بالجميل: فالجميل مناسبة عابرة إلى حال دائمة، هي الانجذاب إلى الجمال: لا أكاد أراه متحققاً في جميل، حتى يعاودني ذلك المس الكهربائي الذي شعرت به أول مرة عرفت بها الحب. فإذا رأيت جميلاً آخر ، عاودني ذلك المسِ ذاته، وهكذا حينا بعد حين... ولكن ما كان يهمني هو الجمال ذاته، لا هذا الجميل أو ذاك. فقد كان الجمال هو الذي أستطيع امتلاكه، وكان الجميل عصياً على امتلاكي. وهذا جعلني عاشقاً بالمشاهدة لا بالممارسة.. بيد أن هذا العاشق بالمشاهدة كان بإمكانه أن يكون عاشقاً بالممارسة، بحسب الفرص التي أتيحت له ولم يعرف اغتنامها ولكن شيئاً لا يدريه في طبعه كان يمنعه من ذلك. ولهذا ظل ينشد أغاني الحب، من دون أن يتمتع بمتعة الحب.
وقد ظل هذا شأني حتى حينما تغيرت ظروفي: فحينما انتقل مقر سكننا من حي الطريق الجديدة إلى زقاق العين البيضاء بجوار غابة الصنوبر، كان هذا فرصة لتغيير الجو الذي أعيش فيه، وبالتالي فرصة لتغييري أنا ذاتي. ألم يقولوا: ان تغيير البيئة من شأنه أن يغير الإنسان؟ لكنني بقيت كما كنت، أرى الجميلات، ويكّن مثار الهام شعري، ولا يكن مثار حب حقيقي. فقد كانت علاقتي معهن من طرف واحد، طرفي أنا ذاتي في اتجاهه نحوهن. كانت هذه العلاقة قائمة على الإعجاب بالجمال، والاكتفاء به محركاً للمشاعر، ومستثيراً للخيال، ومفضياً بالوجدان إلى حالة شعرية كافية لنظم قصيدة حب خيالية. لقد كانت الرعشة التي كنت أشعر بها عند رؤية فتاة جميلة لا تتوقف عندها، وإنما تنتشر من حولها، وتخلع الجمال على كل ما يحيط بها، كما لو كانت دفقاً من السحر يلف بالجمال كل ما حوله. كنت حينما أمر بهذه الحالة، أشعر بالعالم وكأنه أصبح قطعة من الفردوس تنبعث في روعة أمام ناظري، قطعة من الفردوس توقظ شاعريتي، وتجعلها تتدفق بيتاً بيتاً، حتى لكأن العالم يصدر عني، وكأن موجوداته تحولت إلى ألفاظ في فمي تتدفق في أنهار من الأوزان والقوافي.
وعلى هذا النحو وجدت في الشعر وسيلتي المفضلة للتعبير عن طبيعتي الوجدانية التي كانت العاطفة المرهفة تمتزج فيها بالتطلع إلى الجمال. بيد أن العاطفة كانت غير محددة الموضوع، لأن الجمال الذي كانت تتطلع إليه كان غير محدد. كانت بانتظار الموضوع تنصب عليه، وتخلع عليه أثواب الجمال. وحينما كان الموضوع يسنح لها في طيف عابر، يظهر ويغيب بسرعة، كانت تلتقطه بسرعة خاطفة، مستعينة بالخيال في تلمح مفاتنه. فكأن حقيقته كانت ما تزال بالقوة، وهي تنتظر عمل الخيال فيها لتصبح بالفعل. وهنا كان لابد للأمر من أن يتحقق على صعيد الخيال، على صعيد الشعر، ما دام قد أضاع طريقه إلى الواقع، إلى الحياة. وهكذا كنت صياد أطياف عابرة، سرعان ما كانت تفلت مني، إذا لم أبادر بخيالي ومقدرتي على التعبير، إلى أن أقيدها بألفاظ وقواف تحولها إلى قصيدة حية. وذاكم هو المصدر الأول للشعر الرومنسي، وقد كنت شاعراً رومنسياً.
ولكن، كيف كنت أرى الشعر في تلك المرحلة؟ وما المثال الأعلى الذي كنت أسعى إلى تحقيقه من ممارسته؟ لابد لي من أن أتذكر هنا، بأن المرحلة التي أنا معني بها هي مرحلة المراهقة، وأن فترتها هي فترة الاضطرابات والانفعالات والأحلام. ولهذا ليس عجيباً، إذا رأيت أن المثال الأعلى للشعر هو التمكن من التعبير عن العواطف والخيالات تعبيراً جميلاً صادقاً، يضمن إيصاله إلى السامع أو القارىء بشحنته العاطفية وصوره الخيالية المتناسقة.
والحقيقة أن مراهقتي كانت ككل مراهقة، فترة العواطف الجياشة والأحلام الرومنسية. ولكنها كانت خلافاً لأكثرها، مراهقة قد اتخذت من عالم الشعر مأوى لها. ولهذا أعجبت بشعر الحب الرومنسي، مثل شعر مجنون ليلى وجميل بثينة وأبي فراس الحمداني وأبي القاسم الشابي وعمر أبو ريشة الخ... وفيما بعد بالفرنسية، بشعر لامارتين وفيكتور هيغو والفريد دي موسيه والفريد دي فييني الخ... وبالإنكليزية، بشعر شللي وبايرون وكولردج ووردورث الخ...
وطبيعي حينذاك أن أعد الشعر ذاته مثالي الأعلى في الحياة، وأن أسعى إلى تحديد طبيعته بما هو كذلك. لقد اختلطت حياتي بالشعر، وأصبحا شيئاً واحداً في نظري. أما الحب فقد كان وسيطاً بينهما، سرعان ما انسحب بعد أن قام بوساطته... وإذا كان الحب محاولة يقوم بها المرء لبلوغ كمال شخصه، فقد وجدت أن غدوى شاعراً هو الكمال الذي أصبو إليه. ولهذا بذلت ما بذلت لتحقيق هذه الغاية التي كانت بمنزلة المثال الأعلى عندي. ولكنني كنت أحلم بشق طريق جديد في الشعر، طريق له علاقة بالمضمون لا بالشكل، بل له علاقة بالشكل الذي يسمح به المضمون.
كان المثال الأعلى للشعر في نظري هو التعبير عن الحالة الوجدانية تعبيرا غنياً بالصور الحسية المضمخة بعبير العاطفة. ولكنني كنت أضع صدق العاطفة في المقام الأول، وأترك للصور الحسية المقام الثاني: فالشعر الخالي من العاطفة ليس شعراً، وبقدر ما ينضح من العاطفة، يكون قريباً من تحقيق المثال الأعلى للشعر. بيد أنني سرعان ما عدّلت من هذا الغلو، حينما لاحظت وأنا أصغي إلى أحد الأصدقاء وهو ينشدني إحدى قصائده، ما للصور الحسية من جمال. فأدركت أن المثال الأعلى للشعر هو تكامل صدق العاطفة وحيوية الصور الحسية. وأعترف أنني حاولت جهدي تحقيق هذا المثال الأعلى في شعري، ولم أستطع. كنت أعجب من عجزي عن ذلك، ولا أفهم له سبباً. ولكنني علمت فيما بعد، عند دراستي علم الطباع، بأن هذا يعود إلى سمة ثابتة في طبعي العاطفي الذي يهتم بالدفق العاطفي أكثر من اهتمامه بالصور الحسية.
وهكذا بدأت أدرك أن الإبداع في الشعر مرتبط بالعاطفة والصور الحسية قبل ارتباطه بالأفكار، وإن الانفعال الذي هو في أصل العاطفة، هو في أصل الفكرة أيضاً، لأن الفكرة استمرار للعاطفة واستيضاح لها. ولكنني أدركت أيضاً، إن تحقيق ذلك يحتاج إلى تهيئة انفعالية تجعل المرء مستعداً له فعلاً. ولهذا كنت أهيء نفسي انفعالياً لتلقي الإلهام.
كانت وسيلتي إلى الإلهام الشعري تلك النزهات الخلوية التي كنت أقوم بها سيراً على الأقدام في قلب الطبيعة، والاستغراق في أثنائها في حلم يقظة لا ينقطع. يحرّك لساني بمطلع قصيدة يبشرني بولادتها. قد أنظم بيتاً أو بيتين أو ثلاثة أبيات، وأحياناً يبلغ عدد الأبيات أربعة أو خمسة. ولكنني لم أنظم قصيدة واحدة تامة وأنا في نزهتي الخلوية. ولهذا كان لابد لي بعدئذ، من أن أعود إلى غرفتي وقلمي وأوراقي لأستكمل ما كنت بدأته، باستعادة أحلام النزهة الخلوية، ثم استدعاء المعاني أو الألفاظ الواحد للآخر انطلاقاً من مطلع القصيدة الذي توصلت إليه.
والحقيقة، كانت العزلة هي التي تهيء لي المادة العاطفية والصور الخيالية التي كنت أنسج منها قصائدي: ففيها كانت تتضخم أصغر الحوادث وأقلها شأناً، لتصبح أهم الحوادث وأعظمها شأناً. وكلها تدور حول طيف جميل عابر، أو صور طبيعية جميلة. وهذا كان يتطلب مني أن أنصهر عاطفياً في موضوع قصيدتي، لأجعل كل بيت من أبياتها ينضح بالعاطفة. لقد كان الانصهار العاطفي بالموضوع هو الذي يمكنني من أن أحياها في داخلي، وأن أتمثلها بخيالي، لتخرج على لساني وقلمي كياناً شعرياً حياً، يمكنني من أن أنقل انفعالي بالعدوى إلى سامع شعري أو قارئه. فقد كنت أرى، أن الغاية من الشعر هي أن نجعل مستمعه أو قارئه متجاوباً مع الحالة الوجدانية التي يصورها الشاعر في مدها وانعطافها وجزرها. فإذا لم تحقق ذلك، كان الإخفاق ذريعاً.
ومن هذا يبدو أن العاطفة في شعري كانت هي الأساس الذي تقوم عليه التصورات والأفكار، وأن ذكرياتي وخيالاتي لم تكن تنشط إلا بإلحاح العاطفة. ولهذا حاولت أن أجعل أشعاري معجونة بالعاطفة، وكنت أعد أي قصيدة أو مقطوعة لا يتوافر فيها هذا الشرط غير ناجحة وكنت أعد نفسي في حالة غير سوية عند نظمها. فكأن العاطفة قدرة على امتصاص العالم وتحويله إلى تصورات وأفكار، ثم مزجها بذكريات الماضي وأماني الحاضر وتطلعات المستقبل، لبناء عالم جديد من الأحلام، عالم مصنوع من نتف الغمام سرعان ما تذروه الرياح، وتدعوك إلى بناء عالم جديد يقوم بدلاً منه، ولكنه من نتف الغمام أيضاً، وسرعان من تذروه الرياح...
وخلاصة القول، كنت أريد من الشعر أن يكون وسيلة تواصل عاطفي قبل أن يكون وسيلة تواصل فكري. بل بتعبير أصح، كنت أريده وسيلة تواصل عاطفي يكون تمهيداً لتواصل فكري: فالشعور بالفرح هو الذي يجعل المرء يتصور الأمور المفرحة، وتواصل الفرح هو الذي يجعل المرء يدرك الأمور التي أفرحت سواه. وقل الشيء ذاته عن الحزن والأسف والحب الخ... والشعر حينما يقوم بهذه المهمة، يكون قد بلغ غايته. أما إذا خلا من التعبير عن العاطفة، فانه يصبح نظماً ثقيلاً تمجه الأذواق.
ذاكم هو الشعر في حقيقة أمره. وما علينا إذا كنا شعراء إلا أن نستعيد في وجداننا الحالة الشعرية، حتى نتأكد من ذلك. إنه تفريق حاسم في نظري، وبحسبه يجب الحكم على شاعرية الشعراء وتصنيفهم.
ولكن، ما عساه يكون موضوع هذه القصائد التي كنت أنظمها؟ إن موضوعها لا يمكن إلا أن يكون موضوع الشعر على وجه العموم مع شيء من خصوصية شخصي وظروفي. وهذا يجعلني أتساءل عن موضوع الشعر عموماً، لكي أنتقل إلى خصوصيتي التي تميز شعري. وهنا يمكنني أن أقول: إن موضوع الشعر هو علاقة الإنسان بالوجود حياة وخيالاً كما تتبدى من خلال ذاته في انفعالها وفكرها ونزوعها بتعبير لفظي تغلب عليه العاطفة والرمزية. ولكن الذوات تختلف بانفعالاتها وأفكارها ونزعاتها ووسيلة التعبير التي تستخدمها. وهذا ما يميز خصوصية من خصوصية. أما خصوصيتي فتتميز بنوع من الحياة ممتزج بالخيال على نحو من الأنحاء، وهو قد اتخذ من حدة الانفعال العاطفي صورة تطبع الألفاظ التي أستخدمها وسيلة تعبير عن موضوعات قصائدي.
وهذا يعني أن المادة التي كنت أصوغ منها شعري كانت الحياة كما تتبدى من خلال خيالي الذي كان خيال إنسان عاطفي يمر بمرحلة المراهقة. وهذا ما يمكن رؤيته في شعري بصور مختلفة. بيد أنها تبدو أكثر سفوراً في بعض الموضوعات وأشد خفاء في بعضها الآخر. والحقيقة أنها كانت تدور في ذلك الحين حول محور أساسي هو محور الحب. لكن هذا الحب كان فريداً في نوعه، حباً يختلف عما ألفه الناس، فهو حب خلاق يبدع موضوعه ولا يبحث عنه في الواقع. إن صلته بالواقع دقيقة جداً، فهو يأخذ منه عناصره البسيطة التي يعيد التأليف بينها على أنحاء شتى. ولهذا كان حباً ذا جناحين يطير بهما حيث يشاء، حاملاً معه ما غنمه من الواقع، ليتصرف به تصرفاً مبدعاً خاصاً: فهو حيناً يتصور طيفاً جميلاً يجعله موضوعاً لقصيدة، وهو حيناً يهيم مع الطبيعة ممتطياً أنسامها وأضواءها، وهو حيناً ينطلق ليبني عالماً سحرياً أسطورياً مصنوعاً من نتف الغمام.
ولكن، لماذا اخترت الشعر طريقاً أحقق من خلاله ذاتي؟ هذا السؤال كثيراً ما طرحته على نفسي دون أن أجد له جواباً. لكنني الآن بعد دراستي علم الطباع، أصبحت أعزوه إلى طبعي: فأنا عاطفي بالمعنى الطبعيائي للكلمة، أي أنني شديد الانفعالية ضعيف الفعالية ذو ترجيع بعيد، فضلاً عن أنني واسع ساحة الشعور، ذو ذكاء تأليفي، أميل إلى الاغيرار مني إلى الاركزاز. هذا الطبع هو المسؤول عن اختياري الشعر مجالاً لنشاطي أولاً، وعن طابعه كما تبدى في سن المراهقة ثانياً. ولهذا كانت مراهقتي سبيلاً إلى توكيدي ذاتي من خلال الشعر.
غير أن طبعي هو الذي خلع على شعري خصوصيته التي تميزه: فقد كنت سجين ذاتي لا أستطيع الخروج منها إلا بجهد جهيد وبتأثير انفعال شديد. كانت العطالة الذاتية تكبلني بقيودها وتجعلني عاجزاً عن إقامة علاقات مع الآخرين، حتى لو كنت راغباً أشد الرغبة في هذه العلاقة. وكان هذا العجز يظهر على أشده بالنسبة إلى العلاقة مع الجنس الآخر. وهو الذي جعل موضوعات قصائدي أطيافاً خيالية لا موضوعات حقيقية. كان لابد لي في كل علاقة أقيمها مع الآخرين من أن تكون بمبادرة منهم لا مني. فعندئذ تقوم الذات بجهد انفعالي للتغلب على عطالتها والخروج من سجنها الانفرادي. لهذا لم أنجح في إقامة علاقة حب، وكانت علاقات الصداقة جميعاً بمبادرة من الآخرين أو بتوسط أحد الأصدقاء. كنت محكوماً بأن أبقى سجيناً مؤبداً في ذاتي، وكل الذين أقمت علاقات حقيقية معهم عرفتهم في داخل هذا السجن. أما الآخرون فكنت أقابلهم دائماً من وراء القضبان. ومن هنا كانت علاقتي بالجنس الآخر علاقة أطياف عابرة لا يمكنني الإمساك بها. وقد عشت طوال حياتي وبيني وبينهن جدار سميك وصلب ليس بإمكاني اختراقه.
ذا هو الذي أفقدني صفة الإقدام: لقد كان التردد صفة طاغية على طبعي: كنت أتردد في كل أمر. وأعتقد أن هذا سبب إخفاقي في الحب. كان الحب عندي مجرد إعجاب واسترسال مع الأحلام قد ينتهي بقصيدة شعر. لم أكن أحول الإعجاب إلى تصميم إرادي أترجمه إلى سلوك ظاهر. وإذا أتيحت لي فرصة اللقاء أو الحديث أقتصر الأمر على التصرفات المألوفة والمقرة. كان كل ما بي ينم عن العطالة والتردد. وكثيراً ما كنت أفكر مسبقاً في طريقة الاتصال أو في العبارات التي سأقولها، وأجدني عند سنوح الفرصة عاجزاً عن التنفيذ. كانت تنقصني الثقة بالنفس، وكانت هذه تنتهي بي إلى نقص مماثل في الجرأة. وكان هذا يجعلني انكفىء إلى عالمي الداخلي ويفتح لي أبواب الإلهام الشعري على مصاريعها. لقد كان الإخفاق في الحب سبيلاً إلى النجاح في الشعر.
والحقيقة أنني كنت قليل الفعالية أميل إلى الاخلاد إلى السكينة. وهذا كان يجعلني لا أقيم أية علاقة مع من كنت أعجب بها، بل كان يدفعني إلى العزلة ونسج الخيالات في أحلام يقظة يستدعي بعضها بعضاً. ومن هنا كان حبي انتقالاً خيالياً بين أطياف الغانيات ولم يكن يستقر على قرار. ولهذا كانت مغامراتي الغرامية أبعد ما تكون عن الواقع: فما تولد عن بعد لابد له من أن يذبل في العزلة ويموت. وفي هذا يكمن الفارق بين الخيال والواقع: فقد كنت في أمور الحياة العادية أستطيع بشيء من التأمل أن أصحح تصرفاتي، وأن أستعيد مبادأتي الذاتية. لكنني لم أكن في مسائل القلب أستطيع أن أصحح أمراً أو أن أستعيد مبادأة. فهنا كان اعتباري لذاتي، أو ما يسمونه الكرامة، يتدخل ويمنعني من ركوب رأسي كما يقال. ولعل قصور فعاليتي كان يقف حجر عثرة دون ذلك: فالحلول البطيئة في أمور الحياة العادية كانت تتحول إلى استحالات في أمور الحب.
في كل هذا كان الخيال المبدع يتدخل، ويعيد صياغة الحالة الوجدانية التي مررت بها بأفكارها وعواطفها ونزعاتها ورغباتها. وهذا كان يهيء نفسي للحالة الشعرية التي تحول الواقع إلى خيالات، وتتصرف بهذه الخيالات كما تشاء، فتمزجها على أنحاء شتى، لتبدع عالماً غير العالم الذي انطلقت منه. فإذا بكل ما مررت به ينبعث من جديد مضمخاً بعطر الأحلام، وإذا بي أعيشه من جديد، ولكن على نحو جديد. وهذا ما كان يجعلني في حالة شعرية تمكنني من تحويل الحياة ومواقفها إلى شعر. هنا كنت ألجأ إلى الخيال، ويا طالما كان الخيال ملجأ الشعراء.
ولكن الخيال انسلاخ من الواقع، والانسلاخ من الواقع انسلاخ من الحاضر وهيمان في بعدي الزمان ماضياً ومستقبلاً دون التوقف طويلاً عند الحاضر. وهذا ما جعل حس الحاضر يضعف لدي، وجعل حس الزمان يقوى، بحيث أصبح بإمكاني أن أقفز من الماضي إلى المستقبل ومن المستقبل إلى الماضي، ماراً بالحاضر مرور الكرام، فلا عجب إذن، إذا تلاشى لديَّ حس الواقع، وأخذت الأحلام تنتقل بي في عوالمها السحرية، وتقدم لي مادة شعرية أنسج قصائدي منها. لكن الماضي كان سجناً بل صورة من سجن الذات الذي ما كنت أبرحه، والذي كنت أحمله معي حتى وأنا أتوجه إلى المستقبل. والحقيقة أن الماضي كان يغزو حاضري بعاداته وذكرياته التي أبقى تحت تأثيرها فلا أسعى إلى تغيير، وإذا حاولته نكصت على عقبي في محاولتي إياه، فكأن الذكريات تساند العادات في عدم التغيير، وهل الذكريات شيء غير العادات على مستوى الفكر؟
ومن هنا كانت قصائدي تعبيراً عن الماضي، وكانت الأحلام التي تعبر عنها هي لون من الذكريات قد انعكس في المستقبل. وهذه ترجمة شعرية لإحدى سماتي الطبعية: الترجيع البعيد. ولكنها ترجمة عاطفية مجمّلة بعالم المراهقة كما حييته في تلك الفترة.
الحب والشعر والصداقة، ذاكم هو ثالوث المراهقة. وهذا ما عشته في مراهقتي: فما كدت أشعر بعاطفة الحب حتى أخذت أعبر عنها بالشعر، وما كدت أنظم الشعر حتى بدأت أبحث عن أصدقاء أطلعهم على حالي وأسمعهم شعري. لقد كان الحب حالة من حالات المراهقة، بل حاجة من حاجاتها، وكان الشعر حالة متولدة عنها، بل حاجة للتعبير عنها. وكانت الصداقة حاجة ثالثة متولدة عن الحاجة إلى التعبير عن الحالتين الأوليين في هذا الجو عشت ردحاً من الزمن وكأنني منساق في موكب من الأحلام.
ولكن مرحلة المراهقة لم تدم، وموكب الأحلام لم يلبث أن أرفض مخلفاً مسيرة الواقع وراءه. وهذا جعل شعري يتطور من العاطفة إلى الفكرة، وينحو شيئاً فشيئاً نحو التجريد. وبدأت أرى أن الشعر الخالي من الفكرة شعر قاصر إنسانياً، وهو أميل إلى التعبير عن طفولة الإنسان أكثر من تعبيره عن مرحلة نضجه. وقد حاولت أن أعبر عن هذا المثال الأعلى في شعري. وحاولت أن أمزج الفكرة بالعاطفة بنسبة متكافئة. ولكن هذا كان لفترة قصيرة، إذ ما لبثت الفكرة إن طغت على العاطفة. وإذا كان الشعر الحقيقي هو الذي تتوازن فيه الفكرة والعاطفة، فقد كان لابد لي من أن أشعر بأنني بدأت أفقد شاعريتي. عندئذ رأيت بأم عيني موت الشاعر في نفسي، وانبعاث الفيلسوف من رفاته. ومما يظهر توجهي الفكري في تلك الفترة، ان سؤالاً فكرياً بدأ يلحّ عليّ حينذاك عن سر الجمال في الشعر. لقد كان في محاولتي تنظير الشعر جمالياً إشارة تنبىء بنضوب معين الشعر في نفسي، وتغلب التأمل والتفكير على العاطفة والخيال: فالشاعر من يصنع الجمال لا من ينظّره. وهكذا قادني الشعر إلى السير في طريق الفلسفة...
ولكن هذه الحالة تعبير عن موت الحب، إذ أن العاطفة التي زالت من تعبيري الشعري كانت بسبب موته. وقد شعرت بذلك، وعبرت عنه في قصيدتي "الميت الحي":
قد
مات بي حبي ومات بغضي |
||
فما حياتي غير موت محض |
||
وأعجبي ضدان فيّ اجتمعا |
||
بعضهما معانق لبعض |
||
إن رحت أسعى فكأني ميت |
||
مكفّن يسير فوق الأرض |
||
جسمي ضريح إنما روحي به |
||
دفينة على الحياة تقضي |
||
دفينة ما برحت أنفاسها |
||
تنوس في اختناقها الممض |
||
وهكذا مات الحب، وكان لابد لموته من أن يؤدي إلى موت الشعر. ألم يكن هو الذي ولده وفجر ينابيع الحياة فيه؟ إذن لابد لموت ذاك من أن يؤدي إلى موت هذا. وهذا ما حدث فعلاً: فقد مات الشعر على فمي. وحينما تنبهت إلى موته، كان لابد لي من أن أعبر عن ذلك. وقد عبرت عنه بقصيدة "اغتراب":
لن
أغني من بعد، إن غنائي |
||
بات لغواً في هذه الضوضاء |
||
لن أغني لكن سأخنق ألحا |
||
ني وأحيا في عزلة خرساء |
||
وعلى هذا النحو ودعت الشعر بعد أن ودعت الحب. فماذا حدث بالنسبة إليّ أنا الذي رأيت الحياة حباً وشعراً؟ هل استحال كل شيء إلى عدم؟ لقد كان من الممكن لهذا أن يحدث، لولا أن سارعت الفلسفة إلى إنقاذي...
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |