الفصل
الثالث: الترجمة ممارسة وتنظيراً
(14)
عمل جديد
كان
لابد لتوجهي نحو دراسة الفلسفة من أن توجه
اهتماماتي وجهة جديدة غير التي سرت فيها حتى ذلك
الحين. ولهذا حينما زرت بيروت في صيف عام1954، وعرض
عليّ العمل في الترجمة، لم أتردد، بل وجدتها فرصة
سانحة للاستمرار في التعلم وتنمية ثقافتي الفكرية
والفلسفية واللغوية، لاسيما أنني كنت دائم الشعور
بأن ما أملكه من زاد ثقافي لا يتعدى العموميات التي
تصلح نقطة ابتداء، ولا يصح لي أن أقف عندها أبداً.
والحقيقة أنني وجدت نفسي حينذاك أمام مشروع جديد لم
يخطر على قلبي من قبل، ولم أكن أعددت له أي إعداد،
سوى بعض المحاولات المدرسية حينما كنت مرشحاً
للتقدم إلى شهادة الثانوية العامة بقسمها الأول
وفرعها الأدبي. أذكر أن مدرس الترجمة أمضى معنا
جلستين أو ثلاثاً ثم تركنا وشأننا، ولا أذكر أن
إحدى المحاولات مني أو من أحد زملائي نالت منه
قبولاً.
ومع
ذلك قبلت المشروع لمجرد التجربة، على الرغم من ضآلة
الأجر. لماذا تحمست للعمل؟ كل ما أذكره أنني قلت في
نفسي: لا تهم ضآلة الأجر، ما دمت ستفيد ثقافياً من
ذلك. بيد أن شعوراً بالأمل راودني حينذاك، أن أكون
أخطو خطوتي الأولى في طريق الإبداع الثقافي. لم أكن
أخادع نفسي، فقد كنت أعرف أن طريق الترجمة ليست
طريقاً إلى الإبداع، وإنما وسيلة من وسائل تحقيقه،
بما يعود المرء على الدقة في الفهم والتعبير من
جهة، وبما يقدمه إليه من زاد فكري وثقافي من جهة
أخرى. وهكذا أصبحت الترجمة في شعوري وسيلة للإبداع
الثقافي الذي طالما حلمت به. ولذلك رأيت فيها بخاصة
عملاً يستحق الاهتمام وبذل الجهد والوقت في
سبيله.
ولكن
كيف أبدأ؟ ومن أين؟ ما كان عليّ أن أطرح هذا السؤال،
فقد هيأت الظروف لي كل شيء! فقد كانت دار بيروت التي
عملت معها بصدد نشر معجم الشيخ عبد الله العلايلي،
بل كانت نشرت منه الكراس الأول من الجزء الأول،
وكان يحتوي مقدمة تنوه بالمنهج المتبع في وضع ألفاظ
عربية مقابل ألفاظ أجنبية. ما كدت أقرأ المقدمة حتى
تذكرت كتاباً له كنت اشتريته من سنوات ولم أوغل في
قراءته حينذاك لعدم توافر الاهتمام. فتوجهت إلى
خزانة كتبي أبحث عنه، وما كدت أجده حتى جعلته رفيقي
ودليلي في الترجمة هو و "المعجم". وقد شجعني
على انتهاج هذا النهج أن الدكتور يوسف مراد كان قد
تبناه أيضاً في وضع مصطلحات علم النفس قبلي.
وهكذا
وجدت نفسي منذ بدئي الاشتغال بالترجمة في
الخمسينات، مع تجربة العلايلي ومشروعه. وأعترف
أنني أفدت منهما كثيراً في ترجمة بعض المصطلحات
الفكرية والفلسفية اشتقاقاً، ناسجاً على غرارها
بشيء من الاستقلال. وهذا جعلني أتابع التجربة
اللغوية عند سواه وحداني إلى أن أكون رأياً منصفاً
للكتاب والعلماء والمفكرين العرب الذين ساروا في
طريق الاشتقاق الوعرة، فقد كانوا في نظري رجال
إنقاذ للغة العربية جديرين بكل تقدير واحترام، إذ
لولا عملهم الدائب المتواصل لعجت الكتب الحديثة
بالكلمات المعربة، وتعرضت اللغة العربية إلى خطر
الفساد.
(15)
تجربة الترجمة
كان
لابد لي حينما بدأت عملي في الترجمة، من أن أمتحن
قدراتي التي أتمتع بها لممارسة هذا العمل، شأن كل
إنسان يقدم على مباشرة عمل لا عهد له به من قبل. وقد
لاحظت في أثناء ممارستي العمل، أن الثقافة التي
أمتلكها ليست كافية لفهم النصوص التي كنت أتصدى
لترجمتها من ناحية، وللتعبير عنها من ناحية أخرى.
فكنت أذلل الصعوبات التي تعترضني بالرجوع إلى
المصادر الخاصة حيناً، وإلى المعجمات والموسوعات
حيناً آخر. وكنت أعتقد أن هذا الرجوع أمر عارض لابد
له من أن يزول بتقدمي في العمل وازدياد خبرتي
واغتناء ثقافتي. لكنني وجدت أن هذا العمل دائم، وأن
كل كتاب له صعوباته الخاصة، وإن ما كنت أفيده من
ترجمة أحد الكتب، لم يكن يصلح إلا قليلاً للنجاح في
ترجمة كتاب آخر.
فمن
الصعوبات التي صادفتها في غضون عملي في الترجمة، أن
المصطلحات التي تمتلكها لغتنا العربية ليست كافية
للتعبير عن المعاني المستحدثة في العلوم والفنون
والفلسفة. ولما كنت على علم بغنى الألفاظ التي
تركها لنا الأجداد، فقد عمدت إلى المعجمات أنبش
منها بعض الألفاظ المؤدية للمعاني التي تصادفني،
فإذا لم أوفق اعتمدت على نفسي في الاشتقاق بحسب
معاني الأوزان العربية.
لقد
كانت المسألة التي تتحداني باستمرار هي مسألة
المصطلح العربي وجعله نداً للمصطلح الأجنبي. ولا
عجب في ذلك، فقد كنت أرى فيها مسألة حياة أو موت
بالنسبة إلى اللغة العربية ولاستمرار الثقافة
العربية التي تعتمد عليها. ولهذا جعلتها في مقدمة
اهتماماتي، فصرفت لها الكثير من جهدي ووقتي
ومالي.
أما
المنهج الذي كنت أتبعه في ترجمة المصطلحات
اشتقاقاً، فكان قائماً على فهم معنى المصطلح
الأجنبي، ثم محاولة تأدية معناه بالاستناد إلى
معنيي الجذر والوزن العربيين. بيد أن هذا لم يأت عفو
الخاطر، بل كان نتيجة تجارب متتالية دعتني إلى
إعادة النظر في ثقافتي اللغوية ومحاولة ترميمها
بحيث تصبح صالحة للعمل الذي كنت بصدده. وقد حاولت أن
أنفذ ذلك على مستويين: مستوى لغتي العربية ومستوى
اللغات الأجنبية. وهذا دعاني إلى دراسة طرائق
الاشتقاق في اللغة العربية وتتبع الكتب التي تبحث
فيه، وإلى العودة إلى نظام السوابق واللواحق في
اللغات الأجنبية للإفادة منه في فهم معاني
المصطلحات المستعملة فهماً دقيقاً عند محاولة
إيجاد مقابلات لها، في أثناء القيام بعمل الترجمة.
وقد قرأت في سبيل ذلك عدداً من كتب اللغة. ولكنني
عكفت على كتاب الشيخ عبد الله العلايلي: مقدمة لدرس
لغة العرب، واتخذت مما ورد فيه هادياً لي في عملي.
ولكن
كتاب الشيخ العلايلي كان يقدم لي نصف الخدمة التي
كنت بحاجة إليها: كان يقدم لي الخدمة المتعلقة
بمعاني الأوزان. أما معاني الجذور اللغوية فكان
عليّ أن أبحث عنها في بطون المعجمات. وظل هذا ديدني
إلى أن عثرت مصادفة في إحدى المكتبات على نسخة من
كتاب ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، الذي أصبح منذ
شرائي له مستشاري اللغوي المفضل فيما يتعلق بمعاني
جذور الكلمات، إلى جانب كتاب العلايلي فيما يتعلق
بمعاني الأوزان.
وهنا
لابد أن أروي قصة شرائي لمعجم مقاييس اللغة، فهي
قصة تستحق الرواية حقاً. فلا يظنن القارىء أنني
استطعت الحصول على نسخة الكتاب بمجرد العثور عليها.
لقد قدرت أن الكتاب ثمين ويستحق الشراء، إذ لا يمكن
الاستغناء عنه في العمل، ولابد أن يظل في متناول
اليد. ولكنني حينما قررت شراءه وسألت عن سعره، وجدت
إنني لا أمتلك المبلغ الواجب دفعه، لا لغلاء
الكتاب، بل لكبر حجمه ونوع ورقه وحسن طباعته
وتجليده، مما يستوجب مبلغاً كبيراً لم أكن أمتلكه
حينذاك. ولهذا أرجأت شراءه، على أمل أن أشتريه
حينما تتاح لي الفرصة إلى ذلك. وحينما أتيحت لي
الفرصة وذهبت لشرائه، وجدت أن سعره ارتفع، وأن
المبلغ الذي أحمله لا يفي بالثمن، فاضطررت إلى
أرجاء الشراء مرة أخرى. وقد تكرر الأمر معي أربع
مرات إلى أن تمكنت أخيراً من شرائه ولكن بثلاثة
أضعاف سعره الأول...
وكان
يقابل هذا العمل في اللغة العربية عمل مماثل في
اللغة الفرنسية. فقد كان عليّ في كل كلمة أن أنظر في
تركيبها. وهذا تطلب مني تحليلها وفقاً لنظام
السوابق واللواحق. وكان هذا بحاجة إلى مستشار لغوي.
في بادىء الأمر كنت أعتمد معجم لاروس بإعطائي معنى
الجذر اللغوي ومعنى السابقة واللاحقة. ولكنني ما
لبثت أن عثرت في احدى المكتبات على معجم ايتمولوجي
(اشتقاقي) اشتريته فوراً دون إرجاء. ولكن شراءه
الفوري لم يكن بسبب رخصه، ولا بسبب امتلاء جيبي
بالأوراق النقدية، وإنما بسبب كوني زبوناً دائماً
للمكتبة يشتري بنسيئة الكتب التي يجدها عندها. ومن
الجدير بالذكر أن هذا المعجم الاشتقاقي لم يقدم لي
المساعدة المرجوة، إذ لم يكن يفضل معجم لاروس
كثيراً.
(16)
منهج للترجمة
أما
الخطة التي كنت أتبعها في ترجمة المصطلحات فكانت
قائمة على مقابلة ما أعرفه من المصطلحات العربية
الإقليمية بعضه ببعض واختيار ما أراه مناسباً منها.
وحينما كانت تعوزني المصطلحات العربية كنت أحاول
سبر بطون المعجمات والتنقيب فيها عن ألفاظ مناسبة
للغرض الذي كنت في سبيله.فإذا لم أجد، كنت أعتمد على
نفسي في الاشتقاق وفقاً لمعاني الأوزان.
والحقيقة
أنني كنت وأنا أقلب المصطلحات المعروفة على
وجوهها، لم أكن أتبنى أي مصطلح، بل كنت أنظر في
صورته، وكان في بعض الأحيان لا يروق لي إما لنقص في
صورة ترجمته أو لعدم دقته أو لاحتفاظه بصورته
المعربة أو لاختلاطه مع مصطلح قديم. فقد كانت الدقة
رائدي. وقد دفعني هذا إلى البحث عن ألفاظ دقيقة
أضعها مقابل الألفاظ الأجنبية.
ولكنني
سرعان ما لاحظت أن المسألة ليست مسألة ألفاظ فقط،
وإنما مسألة عبارات وجمل ونصوص كاملة. وهذا ما
جعلني أعدل أسلوب ترجمتي من الترجمة الحرفية إلى
الترجمة المعنوية. لكن هذا الأسلوب الجديد ظل
متأثراً بالأسلوب القديم ضمن حد من الحدود،
لاعتقادي أن حرفية النص الأصلي يجب أن تظل حاضرة في
النص المترجم إليه. ولكن على نحو مستساغ في لغة
الترجمة. وهذا قادني إلى الاعتقاد بأن الروح العامة
التي تشيع في النص الأصلي يجب أن تظل شائعة في النص
المترجم إليه. وأن نجاح المترجم في ذلك هو مقياس
عمله.
ومع
ذلك ظللت على الاعتقاد بأن دقة النص من دقة اللفظة
أو المصطلح، وأن الترجمة الناجحة تنجم عنهما في
تكاملهما معاً. ولهذا سعيت إلى مصطلح يخلع على النص-
عدا دقته- رونقاً وجمالاً. وقد وجدت ذلك في اللفظة
العربية لا في اللفظة المعربة. وهذا عزز لديَّ فكرة
اللجوء إلى طريقة الاشتقاق بحسب الأوزان
ومعانيها.
بيد
أن الباعث الحقيقي على تبني هذه الطريقة، كان ما
لاحظته من دقة النصوص الفلسفية باللغات الأوربية،
ومن التباس ترجماتها العربية. فقلت في نفسي: إن من
شروط النهضة العربية تجاوز هذا الالتباس والوصول
إلى دقة في التعابير العربية مماثلة لدقة تعابير
اللغات الأوربية. ولكي أوضح لابد لي من أن أضرب
مثالاً.
لقد
ترجم المترجمون ثلاثة أنواع من الألفاظ ترجمة
واحدة، فأساؤوا بذلك إلى فروق المعاني القائمة
بينها في النصوص الأصلية. لقد ترجموا بوجودي كلاً
من الألفاظ الفرنسية الآتية: ontologiste, ontologique, ontique مع
أن أولاها تنسب إلى الوجود، وأن ثانيتها تنسب إلى
علم الوجود، وثالثتها تنسب إلى فلسفة الوجود. فهل
أصابوا في ذلك؟ ألم يمحوا فروقاً في المعاني ضرورية
لدقة الفهم كما كانت ضرورية لدقة التعبير؟ وقفت
أمام هذا الإشكال مفكراً طويلاً، وانتهى التفكير
بين إلى ضرورة إيجاد وسيلة للتعبير عن فروق المعاني
هذه. وقد انتهيت إلى اقتراح أن تظل لفظة وجودي نسبة
إلى وجود، وأن تكون أجديائي- على وزن فعليائي- نسبة
إلى علم الوجود، وأن تكون أجداني- على وزن فعلاني-
نسبة إلى فلسفة الوجود.
بيد
أن هذا كان لصالح الاشتقاق. وقد قال لي بعضهم: ليس من
الضروري كل هذا التعقيد، إذ يمكننا أن نتبنى
الألفاظ الأجنبية كما هي، وهذا يخلع على المصطلحات
صفة العالمية، فتكون مصطلحاتنا العربية مماثلة
للمصطلحات الفرنسية والإنكليزية الخ.. ولكنني لم
أقنع بحجته على الرغم من وجاهتها، إذ أن القضية
كانت بالنسبة إليّ قضية فهم وتعبير قائم على الفهم
قبل كل شيء، وينبغي للمصطلح ببنيته اللغوية أن يكون
على نحو ما مدخلاً للفهم بما يقدمه إلينا من تصور
مبدئي: فلفظة أنطولوجيا (علم الوجود) مثلاً لا تقدم
أي تصور للقارىء العربي الذي يجهل اللغات
الأوربية، والذي لم يطلع على معناها في الكتب
العربية. ولهذا فهي لا تقوم بوظيفة هذا المدخل إلى
الفهم. ومن هنا كانت أفضلية الاشتقاق على التعرب.
قنعت
بهذا الرأي كل القناعة، ثم أتت الشواهد التاريخية
تعزز هذه القناعة: فما زاد قناعتي بأفضلية الاشتقاق
على التعريب، ما لاحظته في أثناء تتبعي لنصوص
الفلسفة الإسلامية، من أن الفلاسفة الإسلاميين
بدؤوا باستعمال المصطلحات اليونانية في صورتها
المعربة، ثم ما لبثوا بعدئذ أن أستغنوا عنها،
وأخذوا يحلون محلها ألفاظاً عربية تؤدي معانيها.
لقد قالوا- والأصح أن نقول: إن المترجمين السريان
قالوا نيابة عنهم- في بادىء الأمر: ماتيماتيقا
وارتماطيقا واسطرونوميا وجيومطريا وأنالوطيقا
وقاطيغورياس واستقصات الخ... ثم ما لبثوا أن أحلوا
محلها ألفاظاً عربية، مثل: رياضيات وحساب وعلم
الهيئة وهندسة وتحليلات ومقولات وعناصر الخ..
وجميعها عربية ما عدا لفظة هندسة، فهي فارسية، وإذا
تساءلنا عن سر تفضيل العرب هندسة الفارسية على
جيومطريا اليونانية، وجدنا ما يعزز وجهة نظرنا على
نحو آخر: فلفظة هندسة تجد سنداً لها في العربية،
وهذا السند هو وزنها، فقد أتت على فعللة، وهو وزن
عربي أصيل، في حين ظلت لفظة جيومطريا محتفظة
بعجمتها وغربتها بين الألفاظ العربية.
وقد
تساءلت عن معنى هذه الحقيقة التاريخية، فوجدت أن
الأمر طبيعي بالنسبة إلى قوم ما زالوا في بدء
سبيلهم إلى تعرف الفكر اليوناني، وكونهم لم يلموا
بعد بدقائقه، إذ كان عليهم أن يؤثروا الإبقاء على
ألفاظه كما هي ما داموا لم يفهموها حق فهمها، حتى
إذا تراخى الزمن، وهضموا هذه الثقافة، وفهموا
دخائلها، أصبح بإمكانهم أن يعبروا عنها بلغتهم،
وأن يستبدلوا بالألفاظ اليونانية ألفاظاً عربية
تحل محلها. وهذا أقنعني بضرورة اختصار الطريق: فإذا
كان الطريق الذي سلكه الأجداد قد انتهى إلى هذه
النتيجة، فلماذا لا نتوجه إليها مباشرة؟ ولكنني
أجبت نفسي قائلاً: إن هذا يتطلب فهم المصطلحات
الأجنبية أولاً. ولهذا اعتمدت طريقة مراعاة نظام
السوابق واللواحق في اللغات الأوربية، ونظام
الاشتقاق العربي بحسب الأوزان ومعانيها.
(17)
ترجمة السوابق واللواحق
كانت
المصطلحات الأجنبية التي أصادفها في أثناء الترجمة
إما ألفاظاً بسيطة أو مركبة. فمثل البسيطة: خطاطة
(حاصل التخطيط) schéma، لذّان (المضطرب لذة) libido فراح
(الفرح المرضي) euphorie، الخ... ومثل المركبة: مسماة
(المكان الذي تكثر فيه الأسماء) mimenchature واطبيعي
métaphysique والأولى منهما لفظة مستقلة، والثانية لفظة
مشتركة، أي تشترك مع عدد من الألفاظ بالسابقة
المؤلفة لها. وهذا النوع من الألفاظ هو الذي يهمنا
هنا. وقد تبنيت خمسة أوزان عربية لترجمة هذه
السوابق واللواحق، أذكرها فيما يلي:
1)
افعيلي ( ما وراء) méta وقد قلت: اطبيعي- ما وراء
الطبيعة.
وقد
كان الشيخ العلايلي قد اقترح هذا الوزان للدلالة
على ما وراء الظواهر والاستخفاء وقد رأيت أنه يؤدي
معنى السابقة اليونانية المستعملة في اللغات
الأوربية تأدية تامة.
2)
فعلياء (علم) legie وقد قلت: أجدياء= علم الوجود.
وقد
كان الشيخ العلايلي قد اقترح وزان فعالة للدلالة
على العلم. ولكنني وجدت أن فعالة تفيد معنى الحرفة
لا معنى العلم. ولهذا اقترحت فعلياء بدلاً منها.
تلافياً للالتباس الذي يمكن أن يقع بين المعنيين.
وقد سوغ الأمر لي ثلاثة أسباب:
أولها
أن العرب القدماء عربوا عليه أسماء بعض العلوم،
فقالوا: كيمياء وسيمياء، وإن العرب المحدثين
عربواعليه اسم علم الطبيعة، فقالوا: فيزياء.
وثانيها
أن معنى الوزان بحسب العلايلي ذاته، وحدة الصفة
النفسية التي أصبحت وجداناً وطبعاً. وقد رأيت أن
أخصص وحدة الصفة النفسية، فأجعلها وحدة الصفة
العقلية، نظراً لأن العقل حالة خاصة من حالات النفس
أولاً، ولأن العرب تخصص العام وتعمم الخاص
ثانياً.
وثالثها
أن اللغة العربية ليس فيها- كما يقول صاحب المزهر-
سوى خمسة ألفاظ على هذا الوزان، وهي: كيمياء
وسيمياء وجربياء وقرحياء وكبرياء (الجزء الثاني
ص66). فإذا اشتققنا عليه أسماء العلوم لم نسىء إلى
اللغة أصلاً، لأن هذا الوزان مهمل فيها.
3)
فعلانية (مذهب) Isame وقد قلنا: احدانية= الفلسفة ذات
المبدأ الواحد. يعني هذا الوزان بحسب الشيخ
العلايلي الأصل الذي تتفرع منه الأشياء أو تقوم
عليه. وهو في أصله فعلان، أضفنا إليه الياء والتاء
لاشتقاق مصدر صناعي، يوازي اللاحقة التي تفيد معنى
المذهبية، نظراً لأن المذهبية هي إرجاع الظواهر
المختلفة المتعددة إلى مبدأ أو أكثر.
4)
افعلى (كل) pan وقد قلت: انطقية= الاستغراق الكلي في
المنطق يعني هذا الوزان بحسب الشيخ العلايلي
الاستغراق في الكل. وهو في أصله افعلى، وقد أضفنا
إليه الياء والتاء لاشتقاق مصدر صناعي يوازي
السابقة التي تفيد معنى الكل pan.
5)
فعلوان (قبل) pré وقد قلنا: ارخوان= ما قبل التاريخ.
إن
خصوصية هذا الوزان بحسب الشيخ العلايلي، الدلالة
على الأول من الوصف والأقدم فيه. وقد وجدنا أن معناه
يطابق معنى السابقة الفرنسية.
(18)
إشكاليات وتصحيحات
أصبح
لدي منهج دقيق يساعدني على التعبير الدقيق عن
النصوص التي أتصدى لترجمتها. وقد دفعتني محبة الدقة
في تأدية المعاني إلى تحري الدقة في المصطلحات
الفنية المستعملة. وكنت أكتشف أحياناً أنها لا تؤدي
بدقة معاني الألفاظ التي أريد لها أن تكون مطابقة
لها. ومن ذلك مايلي:
1)
لاحظت أن بعض المترجمين يستخدمون لفظة عرفية ترجمة
للكلمة الفرنسية nomenclature التي تعني مجموعة الأسماء.
وقد وجدت أن الكلمة العربية مشتقة من المصدر عرف،
وهي لا تؤدي معنى اللفظة الفرنسية بدقة، فرأيت أن
أترجمها بلفظة مسماة التي تعني حرفياً: المكان الذي
تكثر فيه الأسماء.
2)
اعتاد المترجمون أن يترجموا لفظة paradoxe بلفظة
مفارقة. وقد لاحظت أن اللفظة العربية لا تؤدي معنى
اللفظة الفرنسية التي تعني بالضبط مخالفة الرأي،
والمقصود بالرأي هنا الرأي الشائع. لهذا وجدت أن
لفظة افتحار العربية تؤديها تأدية مضبوطة. فقد جاء
في القاموس المحيط: افتحر القول أو الرأي أتى به من
قصد نفسه ولم يتابعه عليه أحد. وكان الشيخ العلايلي
قد اقترحها لترجمة لفظة أوتوبيا.
3)
لاحظت أن لفظة solipsisme الفرنسية تترجم حيناً بالأنا
وحدية وحينا آخر بالهووحدية نحتا من أنا ووحدي أو
من هو ووحده. ولما كان العرب يفضلون الاشتقاق على
النحت، فقد رأيت أن من الأفضل اشتقاق لفظة تؤدي
معنى اللفظة الفرنسية. وقد وجدتها في لفظة
ايحدانية، على وزان افعلان وبإضافة الياء والتاء
لصياغة مصدر صناعي، وهو يعني التعلق العقلي
والقلبي والشعوري بالوصف. وهذا قريب من المعنى
الفلسفي للفظة الفرنسية التي تعني اعتقاد الفرد أن
أناه الفردي وحده موجود، وأن العالم وأشياءه من
تصوراته.
4)
ترجمت لفظة scholastique بمدرسي وهي تثير التباساً،
لأنها تترجم لفظة فرنسية أخرى هي scolaire. ولهذا فضلت
ترجمتها بمدرساني على وزان مفعلان مع إضافة ياء
النسب، وهو يفيد- إذا كان وصفاً- معنى المبالغة،
نظراً لأن الفلاسفة المدرسانيين قد تشددوا في
الأخذ بمبادىء الفلسفة القديمة التي كانت تعلم في
المدارس الدينية والأديرة في القرون الوسطى.
(19)
فلسفة الترجمة
كان
من الطبيعي أن أتساءل عن جدوى الترجمة، لاسيما أنني
اتخذتها وسيلة للتعلم وتوسيع أفقي الثقافي
والفكري، لا وسيلة للتكسب. ولهذا ما لبث عمل
الترجمة أن أصبح مهمة فكرية من مهمات حياتي. لكن
أفكاري حول الترجمة ظلت تراودني مراودة خفيفة، إلى
أن طرحت مسألتها عليّ طرحاً جدياً. وكان ذلك حين
وضعت مجلة الفكر العربي مشروعاً لإصدار عدد عن
الترجمة. حينئذ عزمت على بلورة أفكاري عن الترجمة،
وكتبت مقالاً عنوانه: لم الترجمة؟ لم الكتابة؟
رابطاً بين هذه وتلك. ولكن الاجتياح الإسرائيلي
للبنان حال دون صدور العدد، فاضطررت إلى نشره في
مجلة الموقف الأدبي في أحد أعداد عام 1985. ومنذئذ
وأنا مهتم بتكوين فكرة فلسفية متكاملة عن الترجمة.
وقد تمكنت من كتابة ثلاث مقالات أخرى عن الترجمة،
أريد أن أقدم هنا نظرة متناسقة عنها جميعاً.
لكنني
حينما بدأت العمل في الترجمة، كنت أعتقد أن إفادتي
منه ستقتصر على الناحيتين اللغوية والفكرية، ولم
يخطر على قلبي قط أنني سأنتهي إلى التنظير في هذا
المجال. ولهذا انصرفت إلى الممارسة الفعلية التي
كان اهتمامي فيها ينصب على الفهم والتعبير. أما
التساؤل عن كمية العمل فلم تأت إلا بعد ثلاثين
عاماً. ولكنني وجدت أن طرح السؤال عن كمية الترجمة
مستقلاً عن كمية الكتابة غير ممكن ولابد من قرنهما
معاً. فالترجمة فعل، وهي بما هي كذلك تحتاج إلى
تسويغ، ومسوغاتها تكمن في الغاية التي تسعى إلى
تحقيقها.
وعندما
تفحصت هذه الغاية، وجدت أنها وسيلة إلى غاية أبعد
منها. وهي نقل النصوص مهما كان نوعها من لغة إلى
لغة، لتعميم المعرفة والثقافة والفكر بين الأفراد
والأمم. وتحريض عملية التثاقف بين الأمم، وعملية
التواصل بين الأفراد. وهذا انتهى بي إلى أن مسوغات
الترجمة تكمن في مسوغات الكتابة وإنه لابد من ربط
فعل الترجمة بفعل الكتابة والحقيقة أن الكتابة
والترجمة فعلان ثقافيان ثانيهما مرتبط بأولهما
غاية وقيمة، مما ينفي عنهما صفة العشوائية: فالكاتب
اختار موضوعه وحدوده وطريقة معالجته اختياراً
واعياً. والمترجم اختار كل هذا عن وعي باختياره ما
كتبه الكاتب لترجمته.
وعندما
تأملت العلاقة بين المترجم والكاتب، وجدتها لا
تقتصر عليهما وحدهما، بل تتعداهما إلى أمتيهما،
فهما وسيطان بينهما وبين ثقافتيهما. بيد أن هذه
الفكرة قادتني إلى فكرة الإنسانية، لأن الأمة ليست
كياناً مغلقاً على ذاته، وإنها منفتحة على
الإنسانية والعالم، ولأن أفرادها صورة منها مطابقة
لها ضمن حد بعيد أو قريب.
وهكذا
وجدت أن الترجمة تضعنا في جو ثقافي وفكري متعدد
العناصر بعضها متداخل مع بعض: فهناك وحدتان
ثقافيتان صغيرتان يمثلهما الكاتب والمترجم
يتلاقيان من خلال ثقافتي أمتيهما في جو من العلاقات
الثقافية لا يخلو من الإنسانية والعالمية،
وتلاقيهما من خلال الواقع والقيم معاً: فالثقافة
رؤية للواقع من خلال منظور قيمي كونته الذات وشاركت
فيه الأمة والبشرية. وإذا كان من اختلاف بين ثقافة
وثقافة فهو بنصيب كل من هذه العناصر في المشاركة
فيها. وهذا ما يجعل تلاقي ثقافة الكاتب بأثره
المكتوب في فترة معينة، بثقافة المترجم في فترة
ترجمته هذا الأثر، حدثاً ثقافياً فريداً في نوعه.
ولكنني
وجدت أن النصوص التي يترجمها المترجم إنما يبدأ
أولاً باختيارها، وإن اختيارها يفترض الحرية، وإن
الحرية ليست عشوائية بل تفترض القيمة: فنحن لا
نترجم أي نص كان، بل ذاك الذي نجد له قيمة تجعله
جديراً بالنقل من لغة إلى لغة. وقد وجدت أن القيمة
تتعلق دائماً بمضمون النص، أي بأفكاره وتصوراته
والمشاعر التي يشيعها من خلال هذه الأفكار
والتصورات. وحينما تساءلت عن طبيعة التصورات
والأفكار والمشاعر التي تجعل النص جديراً
بالترجمة، وجدت أنها تلك التي تتعلق بالإنسان
واهتماماته، وإن النصوص التي تشيع المشاعر
الإنسانية هي التي يتوقف اختيارنا عندها. أما اللغة
فأداة توصيل، وهي بما هي كذلك، وسيلة من وسائل
تحقيق التواصل الإنساني والسعي إلى زيادته. وهذا
يعني أن ما يجعل أثراً من الآثار المكتوبة جديراً
بالترجمة، هو الجانب المشترك بين بني البشر لا
الأمور العارضة التي تختلف بين أحدهم والآخر،
والتي لابد لها من أن تكون ماثلة في النص، ولكن من
حيث هي متممة للجانب الإنساني وصورة من صورة
تشخيصه.
والحقيقة،
ليس لدى الكاتب، وهو يتوجه إلى الناس، إلا التعبير
عن الحرية في توجهها نحو القيم الرفيعة، فالحرية
والقيم هما اللتان تجعلانه جديراً بالقراءة من
قراء لغته، وجديراً بأن يترجم إلى اللغات الأخرى
ليقرأه قراء آخرون مترجماً إلى لغة أخرى. وهذا يعني
أن حرية الكاتب المتوجهة إلى حرية القارىء من خلال
القيم الرفيعة هي التي تدفع المترجمين إلى ترجمته،
وتدفع أي قارىء في العالم إلى قراءته، بلغته أو
بغير لغته.
(20)
الترجمة والمثاقفة
وهكذا
نجد أن رسالة الكاتب إنسانية، وإن أداة تعبيره عنها
قومية. ومن هنا كانت الوسيلة مقصرة عن تحقيق
الغاية، ما لم تبادر الترجمة إلى تلافي التقصير.
والحقيقة أن اللغات حواجز تفرق بين الأمم، ولا يمكن
تجاوزها من دون الترجمة، فهي وسيلة التثاقف بينها
والتواصل بين الأفراد: فيها يمكن لأي أثر مكتوب أن
يتخطى حدود البلد الذي صدر فيه، ليصل إلى أي إنسان
في أي مكان من العالم.
وهذا
يعني، أن القارىء الذي يتوجه الكاتب إليه يتجاوز
مكانه وزمانه، ولابد من إيصال رسالته إليه. وهذا لا
يمكن من دون الترجمة التي تحقق هدف الكاتب العالمي
الذي يرتفع بما يكتبه فوق ظروف حياته وحياة مجتمعه،
ويراها من خلال القيم الإنسانية الرفيعة، فإذا
تبنى أحد المترجمين ترجمة ما كتبه، كان عليه أن يضع
هذه القيم أمام عينيه، حينما ينقلها إلى قراء آخرين
في مجتمع آخر، في سبيل أن يروها ويروا من خلالها
أنفسهم ومجتمعهم. وبذلك يلتقي قراء البلاد
المختلفة على صعيد القيم الإنسانية المشتركة،
فتتقارب وجهات نظرهم، ويصبحون أقرب إلى التفاهم في
حل قضاياهم.
لكن
تواصل المترجم مع الآثار المكتوبة التي يريد
ترجمتها يفترض نقاط التقاء ثقافي لا بينه وبين
الكاتب فقط، بل بين أمته وأمة الكاتب أيضاً، إذ من
دون ذلك يصبح عمله لا جدوى منه. وهذا يقودنا إلى
تواصل من نوع جديد، هو الذي يحدث بين الشعوب وبين
الأمم، والذي نطلق عليه اسم التثاقف أو المثاقفة،
مما يشير إلى التداخل بين هذين المفهومين
وتكاملهما.
وهذا
ما جعلني أرى أن الترجمة لا يمكن فهمها حق الفهم إلا
برؤية التواصل من خلال التثاقف، ورؤية التثاقف
نتيجة للتواصل. والحقيقة أنه لا يمكننا أن ننظر إلى
إمكان ترجمة أثر مكتوب إلا من خلال تواصل وحدتين
ثقافيتين كبيرتين ينتسب الكاتب إلى إحداهما وينتسب
المترجم إلى ثانيتهما، وهما منفصلتان تجريداً،
لكنهما متداخلتان تشخيصاً، إذ أنهما من عالم واحد،
ويشتركان في إنسانية واحدة. أما الوحدة الثقافية
الأولى فهي التي يحتل الكاتب مركزها، على حين أن
الوحدة الثقافية الثانية هي التي يحتل المترجم
مركزها. إن كل وحدة ثقافية من هاتين الوحدتين تشكل
كياناً معقداً يمكن التمييز فيه بين ثلاث طبقات:
ففي الوحدة الأولى نجد الكاتب في الطبقة المركزية،
ثم تأتي مغلفة لها طبقة الأمة التي ينتمي إليها،
وتغلفهما طبقة العالم الإنساني. أما الوحدة
الثانية فنجد المترجم في طبقتها المركزية، ثم طبقة
أمته، ثم طبقة العالم الإنساني. ومن تواصل هاتين
الوحدتين يحدث التثاقف ولكن حدوثه يفترض نوعاً من
الموازاة بينهما تتيح للترجمة أن تقوم بمهمتها.
ولكن، هل الأمر كذلك؟ بالطبع لا. إذ أن كل طبقة من
طبقات الوحدتين الثقافيتين إذا ووزن بينها وبين
الطبقة المقابلة لها في الوحدة الثقافية الأخرى،
وجدناها تتضمن عناصر مماثلة وعناصر اختلاف.
والمماثلة وحدها غير كافية لتجاوز الصعوبة التي
نحن بصددها. ولكن الاختلاف لا ينفي إمكان مد الجسور
بين الوحدتين الثقافيتين: فالمترجم رجل تثقف
بثقافة أمة الكاتب الذي يترجم كتابه، وهو بتعلمه
لغتها قد تلاءم بعض التلاؤم مع عقليتها وثقافتها،
فضلاً عن تعاطفه على الأقل مع الكاتب وكتابه. هذا
عدا بعض المماثلة القائمة أصلاً بين الوحدتين
الثقافيتين اللتين ينتميان إليهما. وعدا العلاقات
المتشابكة التي أخذت بالازدياد في العالم المعاصر،
بين الأمم والأفراد.
وهكذا
يمكننا أن نرى إلى أي حد يجب على المترجم أن يكون ذا
ثقافة واسعة، لكي يتمكن من مواجهة أية صعوبة
يصادفها في أي نص يريد ترجمته، إذ أن هناك دائماً
حاجة لمقاربة النص والثقافة التي أودعت فيه،
بثقافة موازية لها، ليتمكن المترجم من التواصل مع
الكاتب، وهذا يبين ضرورة إطلاع المترجم على تاريخ
أمة الكاتب وآدابها وفنونها وفلسفتها الخ... إذ أن
أي كاتب لابد له من أن يودع في ما يكتبه شيئاً
كثيراً منها، مهما كان الموضوع الذي يتطرق إليه.
وبذا
يبدو ما في عملية التثاقف من تعقيد. بيد أن التعقيد
الذي بدا لنا يظل في رأينا بسيطاً، إذا كان لابد لنا
أن نتصوره حادثاً بين عدد كبير من الكتاب، وعلى
أصعدة الكتابات الأدبية والعلمية والفكرية
والفلسفية. ويصبح الأمر في غاية التعقيد إذا كان
الكاتب ذا ثقافة موسوعية حاضرة في كتاباته. في هذه
الحال لابد لثقافة المترجم من أن تكون متنوعة
المناهل، ليتمكن من مواجهة هذه الثقافة التي يتصدى
لنقلها. ولكن مثل هذه الثقافة قد يكون المترجم لا
يمتلكها. ومن هنا كان لابد له على الأقل، من أن
يمتلك الاستعداد للمزاوجة بين المترجم والباحث في
نفسه.
(21)
الترجمة والتواصل
وهكذا
رأيت الارتباط الوثيق بين التواصل والتثاقف في فعل
الترجمة: فلولا إمكان التواصل بين المترجم
والكاتب، لما أمكن أن يكون تثاقف بين أمتيهما. ولكن
مسألة التواصل بطريق الترجمة مسألة مقعدة، فهي
تفترض دقة اختيار اللفظة من ناحية، كما تفترض حسن
صياغة الجملة والتوفيق في سلسلة الجمل وفقاً
للحالة التي عبر عنها الكاتب وهذا يعني أن اللفظة
لا تحدث وحدها تواصلاً، وإن الجملة تسهم إسهاماً
جزئياً في إحداث التواصل، وإن التواصل الحقيقي لا
يكون إلا بنص كامل. ولكي يحدث فهو يتطلب من المترجم
الكثير من المرونة في استخدام لغته القومية، ليشيع
في ترجمته جواً شبيهاً بالجو الذي أشاعه الكاتب في
النص الأصلي.
وعلى
هذا النحو رأيت أنه يمكن عد الترجمة أحد مفاتيح
التواصل بين الأفراد، قبل عدها وسيلة تثاقف بين
الشعوب، فهي أداة نقل الآداب والعلوم والفكر
والفلسفة. ولكن إلى أي حد تقوم الترجمة بهذه
المهمة؟ هل إحلال جملة من الألفاظ محل جملة من
الألفاظ الأخرى من شأنه أن يحقق هذه الغاية؟ إن هذا
السؤال يفترض وراءه أسئلة أخرى لابد من طرحها
والإجابة عنها، وهي تدور حول علاقة ألفاظ اللغة
وعباراتها بالتواصل. إذ ان تواصل المترجم مع الكاتب
يفترض أن تكون اللغة اللفظية وسيلة تواصل أصلاً.
فإذا كنا نستطيع أن نتواصل مع ألفاظ الكاتب
وعباراته، كان هذا يعني أننا في حال امتلاكنا أداة
التعبير بلغة لفظية أخرى يمكننا أن نترجم ألفاظه
وعباراته، وأن نجعل قراءنا يتواصلون هم أيضاً مع ما
عبر عنه الكاتب.
ولكن
إلا يعني هذا أننا قفزنا إلى النتيجة ولم نتدرج مع
مراحل المشكلة المعروضة علينا؟ لاشك أننا فعلنا
ذلك، فلغة الألفاظ وسيلة تواصل غير مباشر،
وألفاظها وعباراتها تنوب مناب الأشياء والأشخاص
والحوادث والحالات الطبيعية والوجدانية
والاجتماعية والإنسانية مما يجعل التواصل بها من
الدرجة الثانية، وبالتالي قابلاً للتشويه والفساد.
ولكي يتضح لنا ذلك، لابد لنا من أن نأتي بمثالين
يبينان ما نعنيه، واحد ذي دلالة بسيطة، وآخر ذي
دلالة معقدة، لنتمكن من بيان حقيقة التواصل في كل
حالة.
أما
في الحالة البسيطة، فلنأخذ مثال التفاحة. هناك
تفاحة حمراء أدركها كما يدركها غيري. والسؤال
المطروح يتعلق بمدى تطابق حمرتها في إدراكي مع
حمرتها في إدراك أي إنسان آخر يراها كما أراها. هل
هناك وسيلة للموازنة بين انطباع الحمرة في إدراكي
وانطباع الحمرة في أدراك أي منهم؟ وعندئذ ماذا نقول
عن المصابين بعمى الألوان الكلي أو الجزئي؟ هل يدرك
هؤلاء أو أولئك حمرة انطباعهم بالتفاحة كما
أدركها؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، فكيف يمكن أن
تتطابق حمرة انطباعهم بالتفاحة مع حمرة انطباعي
بها؟ لاشك أن هناك تطابقاً لفظياً بيني وبينهم
حينما نعبر عن لون التفاحة التي نراها، ولكن رصيد
اللفظة من الانطباع محل اشكال، فما من أحد يستطيع
أن يجزم بشيء عن انطباع سواه بطريق اللفظ.
وإذا
كان الأمر كذلك بالنسبة إلى هذا الانطباع البسيط،
فلابد له من أن يكون أدق وضعاً بالنسبة إلى الحوادث
والحالات المعقدة. فحينما نكون بازاء موقف معقد
نريد أن نعبر عنه بلغة الألفاظ، مثل وصف حادثة
نفسية أو اجتماعية أو إنسانية، تكون هناك فرصة
لإساءة فهمنا، إذا لم نوفق إلى اختيار ألفاظنا.
ولكن لنفرض أن هذا لم يحدث، واننا وفقنا في اختيار
ألفاظنا تمام التوفيق، فهل نستطيع أن نقول: إن
ذاتية مشاعرنا قد وصلت خالصة إلى الآخرين؟ وإنهم
أدركوها كما نشعر بها بالضبط؟ أما ذاتية مشاعرنا
فتظل بعيدة عن متناول إدراكهم. ولكنهم يدركون
ألفاظاً وعبارات تجعلهم في حالة شبيهة بالحالة
التي نحن فيها. وهي كافية لخلق نوع من التواصل بيننا
وبينهم. وهذا يعني أن الجانب الموضوعي من لغة
الألفاظ يمكن أن يكون وسيلة تواصل غير مباشر بيننا
وبينهم يمكن الركون إليها ضمن حد معين.
(22)
تحديد النص والموازاة اللغوية
بيد
أن الترجمة، لكي تحقق التواصل بين الأفراد
والتثاقف بين الشعوب، إنما تفترض أمرين: تحديد النص
المنقول وحسن تأديته باللغة المنقول إليها. والأمر
الثاني يفترض موازاة بين اللغتين . إن مجرد الشك في
أحد هذين الأمرين يجعل الترجمة في محل اتهام، ويشكك
بالقضايا القائمة عليها، مثل التواصل والتثاقف وما
يقوم عليهما من تفاهم الشعوب وتقاربها.
كان
من الطبيعي أن تثار هذه المشكلة في ذهني، وأن أحاول
أن أجد لها حلاً. وقد وجدت أن تحديد النص يتعلق
باللغة المنقول منها، وأن تأديته صحيحاً مضبوطاً
تتعلق باللغة المنقول إليها، بافتراض موازاة بينها
وبين لغة النص الأصلي.
أما
بالنسبة إلى قابلية النص للتحديد أو عدم قابليته له
فقد وجدت أن كل نص يمكن أن يتضمن جزءاً قابلاً
للتحديد وجزءاً آخر لا يقبله، وأن الجزء الذي لا
يقبل التحديد يضع المترجم أمام اشكال، مهما كان
صغيراً. وهو يثير مسألة التعبير عنه، ما دام من
المفترض في المترجم أن يفهم شيئاً ما من النص غير
المحدد. لاشك أن التعبير عنه سيأتي غير مطابق للنص
الأصلي، ولكنه لابد له من أن يؤديه على نحو معين.
هذا النحو قد يبين عن نقص في المعنى، أو زيادة فيه،
أو تحوير له بشكل أو بآخر. وهذا له تأثيره بالنسبة
إلى قارئ النص المترجم: ففي حالي زيادة المعنى
وتحويره، ينفتح أمامه أفق جديد غير الذي فتحه النص
الأصلي، فيكون من هذه الناحية إثراء للفكر
الإنساني ينضاف بفضل الترجمة. وهذا ينتهي إلى أن
الترجمة قراءة ممكنة للنص الأصلي بين عدد من
القراءات الممكنة الأخرى.
بيد
أن المسألة لا تقف عند هذا الحد، بل تتجاوزه إلى
مسألة الموازاة مع اللغة المنقول إليها. والحقيقة
أن لكل لغة مميزاتها التي تتفرد بها، لكن السؤال
المطروح يتعلق بمدى إعاقة هذا التفرد للترجمة
والحيلولة دون صحتها أو دقتها. هل نرى في هذا التفرد
سبباً كافياً لالقاء ظل من الشك على إمكان الترجمة
وما يترتب عليها من تواصل وتثاقف؟ إن هذا الطرح
وضعني أمام مسألة أصول اللغات المختلفة، ومدى
قدرتها على التعبير عما عبرت عنه اللغة الأخرى. وقد
وجدت أن لتقارب أصول اللغات دوراً كبيراً في توفير
قسط من الأمانة في النقل من لغة إلى لغة.
والحقيقة
أن دقة النقل تختلف بحسب تقارب اللغة المنقول إليها
من اللغة المنقول منها أو تباعدهما. فقد تكون
اللغتان من أصول لغوية واحدة، مثل الفرنسية
والإيطالية، فهما تنتميان بأصولهما إلى
اللاتينية، وقد تكونان من أصول متقاربة، مثل
الفرنسية والألمانية، فهما تنتميان ترتيباً إلى
اللاتينية والجرمانية الغربية، وهما لغتان
هنديتان أوروبيتان، وقد تكونان من أصول مختلفة كل
الاختلاف، مثل الفرنسيةلأ والعربية، فأولاهما ذات
أصول لاتينية، وثانيتهما ذات أصول سامية. إن تقارب
اللغتين وتباعدهما يضعان المترجم أمام أوضاع خاصة
من السهولة والصعوبة. وهذا وذاك من شأنهما أن يؤثرا
في قدرة المترجم على التعبير عن النص الأجنبي الذي
تمكن من التواصل معه على نحو معين. وهذا يعني أن
هناك علاقة وثيقة بين الوعاء اللفظي والمضمون
المعنوي، وإن هذه العلاقة تختلف باختلاف اللغات:
تتقارب بتقاربها، وتتباعد بتباعدها، وتكون
حصيلتها عدم تطابق النص المترجم مع النص الأصلي إما
لنقص في تحديد النص الأصلي، أو لعدم التوازي بين
اللغتين، أو للاثنين معاً. |