الفصل
الرابع: في صحبة الفلاسفة
(23)
معنى مصاحبة الفلاسفة
إذا
كان لابد لي من الكلام على مصاحبتي الفلاسفة في
حياتي، كان لابد لي من الوقوف عند حقيقة المصاحبة
كيف تكون، وتفحص وجوهها المختلفة، لأبين هنا ما
أفدته منهم والوجهة التي وجهتني فيها إفادتي
منهم.
كان
لي، ككل من عمل في حقل الفكر أو الفلسفة، تطوري
الروحي الذي سلكته في حياتي، وعملت فيه مؤثرات
متعددة، أهمها المفكرون والفلاسفة الذين تركوا
أثراً يذكر في حياتي وتطورها. بيد أن لهذه المؤثرات
تاريخاً روحياً خاصاً، وهو يختلف عن التاريخ
الزمني الحقيقي للذين تأثرت بهم. والحقيقة أنه قد
يأتي تأثير كنط أو ديكارت في حياة أحدهم الروحية
قبل تأثير أفلاطون أو أرسطو، على الرغم من سبق هذين
زمنياً في تاريخ الفلسفة. وهكذا كان شأني مع
الفلاسفة الذين تأثرت بهم، والذين حفروا مجاري
خاصة في حياتي الروحية: فقد تأثرت بهم بحسب ترتيب
روحي خاص بي، لا علاقة له من قريب أو بعيد، بترتيب
تاريخ الفلسفة الزمني، فقد تأثرت أول الأمر بفكر
الغزالي، ثم قفزت منه إلى التأثر بسارتر، لكي
أنكفىء إلى التأثر بكل من كنط وديكارت. وبعدئذ كان
تأثري بالفلاسفة الآتي ذكرهم، بحسب الترتيب
التالي: أرسطو، برمنيدس وهيرقليطس، مين دوبيران،
غبرييل مارسيل، هسرل، لويس لافيل، ماركس وهيغل.
ذكرت
هذا لأطرح على نفسي السؤال التالي: أي سبيل يجب عليّ
إتباعه من أجل بيان تطوري الروحي في مجال التفكير
الفلسفي؟ وقد رأيت أنه ينبغي لي إتباع الطريق الذي
سلكه تطوري الروحي، لا الترتيب الزمني الذي سلكه
تاريخ الفلسفة، ما دام الأمر يتعلق هنا بالمتأثر لا
بأصحاب التأثير، فهذا وحده يبين كيف ترابطت
الأفكار في ذهني، وكيف انتهت إلى ما انتهت إليه.
ولكن،
ما معنى التأثر بأحد الفلاسفة؟ هناك أوجه مختلفة
له، أولها الاقتباس، وهو أخذ فكرة أو مسألة من أحد
الفلاسفة كما عرضها، من دون أن يمسها التغيير.
وثانيها الاستلهام، وهو أخذ الفكرة، وجعلها محوراً
لفكرة أوسع منها، أو تطبيقها في مجال غير مجالها
الأول. وثالثها التفريع، وهو أخذ الفكرة وجعلها
منطلقاً لسلسلة من الفكر المتولدة عنها، بحيث
تنتهي إلى فكرة جديدة لا تبدو فيها في الوهلة
الأولى. ورابعها المناقضة، وهي أخذ الموقف المعارض
من الفكرة منذ البداية، وبناء موقف فكري عليه،
مخالف له كلياً أو جزئياً. بيد أن التأثر قد يكون
بملاقاة الفيلسوف من دون تكوين فلسفي مذهبي أو به.
في الحالة الأولى، يكون المرء أقرب إلى السلبية
الفكرية، التي تميل به إلى التسليم بما يقال، ولكنه
يكون في الحالة الثانية منطلقاً من رؤية فلسفية،
ينعكس فيها فكر الآخرين، فتكون حَكَماً متحيزاً في
تقبل ما تتقبله، ورفض ما ترفضه. ولكن بين التأثر
السلبي واتخاذ الموقف الفلسفي المسبق مذهباً وسطاً
يجمع بينهما، بحيث يكون التأثر من خلال رؤية ناظمة
تختار مواطن التأثر اختياراً، بعد أن يتبدى لها
صوابها من ناحية، ومدى انسجامها مع المبادىء التي
انطلقت منها من ناحية أخرى. هذه الحالات جميعها
عانيتها مرة بعد مرة، بحسب الوضع الفكري الذي أكون
فيه: ففي البدء كنت نهباً لسلبيتي، أقبل ما يقال
مسلماً به. وبالتدريج أصبحت أقف موقف المتأمل لما
يقال، والتسليم به بسهولة أو بعد لأي، أو رفضه
كلياً أو جزئياً، من خلال رؤية فكرية بدأت تتكون
عندي.
غير
أنني كنت أتبع طريقة معينة في معارضة ما أريد
معارضته، وهي الطريقة التي كانت تنسجم مع تطوري
الروحي. ولهذا ابتعدت عن الطريقة الأكاديمية،
ووجدت أنها لا توافق أغراضي، وهي تنحصر في تقليب
الفكرة المعروضة على وجوهها كلها، ومواجهة كل وجه
منها بالاعتراضات والانتقادات اللازمة، للانتهاء
إلى تفنيد إجمالي لها. وقد تساءلت: هل يحسن بي أن
أتبع هذه الطريقة في التصدي للأفكار التي أعرض لها؟
وقد أجبت بالنفي، أولاً لأنه كان همي عرض الفكر كما
سنحت لي في عفويتها حينذاك، لا كما ينبغي أن أفعل لو
كنت أقوم بدراسة أكاديمية. وثانياً، لأن في العمل
الأكاديمي انتقالاً من نقطة إلى أخرى، مما من شأنه
أن يشعب البحث، ويشتت ذهن القارىء. وثالثاً، لأن في
هذا أمانة لواقع ما جرى فعلاً.
(24) في
صحبة الغزالي
كان
أول تأثير أثر بي فكرياً، هو تأثير الغزالي. لم يكن
ذلك بقراءة كتبه، فأنا كنت في ذلك الحين، أبعد ما
أكون عن كتب الفلاسفة. لكنه حدث لي أن كنت أقلب كتب
أحد الأصدقاء في بيته، فعثرت بينها على كتاب
"تاريخ الفلسفة في الإسلام" للمستشرق
الهولندي ديبور، بترجمة إلى العربية بقلم محمد عبد
الهادي أبو ريدة. فطلبت من صديقي أن يعيرني إياه،
فاستجاب إلى طلبي، فأخذته وخرجت إلى بيتي، وأنا
أمني النفس بالإطلاع على عالم روحي جديد، لم يسبق
لي أن حلقت في أجوائه.
اندفعت
في قراءة الكتاب، وأذكر أنه طاب لي الاستغراق فيه،
من دون أن يعني ذلك أني استوعبته. كل ما أذكره أن
مسألة شك الغزالي هي التي أثارت اهتمامي. كان
الكتاب مذيلاً بتعليقات موضحة للمترجم، وكان الفصل
المكتوب عن الغزالي أغنى الفصول بهذه التعليقات
وأعتقد أن هذا ما قربه إلى ذهني. ومع ذلك، فأنا لا
أدعي أن هذا دفعني في حينه إلى الاهتمام بالغزالي،
والبحث عن كتبه، أو عما كتب عنه، فأنا لم أفعل شيئاً
من ذلك، لكنه استقر في خلدي أن الشك بأي شيء ممكن.
ومرت
الأيام، وإذا بي أعاود دراستي الثانوية. وحينما
أخذت أحضر للقسم الثاني من الثانوية العامة، فرع
الفلسفة، كان يتوجب عليّ لقاء الغزالي مرة أخرى، إذ
أن مناهج الدراسة كانت تتطلب ذلك. وقد عكفت في ما
عكفت عليه، على دراسة الفلسفة العربية، ومنها
الغزالي. كان لابد لي من أن أوليه عناية خاصة نظراً
للصحبة السابقة بيننا. وأعتقد أنني في هذه المرة
فهمته وفهمت الفلسفة العربية على نحو أفضل من
السابق، لاسيما أن دروس علم النفس والمنطق
والأخلاق والميتافيزيقا أتت لتساعدني على ذلك.
كان
أستاذنا الدكتور عمر فروخ يطعن في أمانة الغزالي
الفكرية، ويفضل ابن رشد عليه، ويعلن ذلك بصراحة
كلما سنحت الفرصة. وكنت أعجب من موقفه، وأرى فيه
شيئاً من التعصب لا أستريح إليه، حتى أنني لم أكن
أتوقع حينئذ، إنني سأبدل رأيي في يوم من الأيام،
وأذهب مذهب أستاذي.
وتابعت
دراستي الجامعية في كلية الآداب بدمشق، وكان لابد
لي من أن أنسى الغزالي مدة ثلاث سنوات، لانصرافي
إلى دراسة علم الاجتماع والأخلاق وعلم النفس وعلم
الجمال والمنطق وما بعد الطبيعة. وجاءت بعدها السنة
الرابعة المخصصة لتحضير شهادة تاريخ الفلسفة
والفلسفة العربية. وكان معنى هذا أنني على موعد
جديد مع الغزالي. لم يكن اللقاء بيننا كما يجب أن
يكون: كان عابراً يحمل من ذكريات الماضي أكثر مما
يحمل من حرارة الحاضر، إذ لم يكن بإمكاني أن أوليه
الكثير من العناية، وأمامي هذا الحشد الكبير من
فلاسفة العالم، غربه وشرقه، قديمه ووسيطه، حديثه
ومعاصره.
وفي
عام 1960 تعاقدت مع المكتب التجاري على وضع دراسة
مبسطة عن الغزالي، موجهة إلى طلاب فرع الفلسفة من
الثانوية العامة، تنشر في سلسلة أعلام الفكر
العربي. وكتبت الدراسة المطلوبة، ونشرت في حزيران
من العام نفسه. ما أريد أن أقوله، هو أنه أتيح لي
الاحتكاك المباشر أول مرة، بنصوص الغزالي. صحيح
اننا في دراستنا الجامعية كنا نقرأ مع أحد أساتذتنا
كتاب التهافت. غير أن هذا لم يتعد هذا الكتاب، بل
بعض صفحاته. في كتابي عن الغزالي، توصلت إلى رأي
شخصي في حقيقة شك الغزالي ويقينه: فقد رأيت أن أزمته
كانت أزمة دينية، انتهت إلى حالة نفسية مرضية صدر
عنها شكه، وحينما انقضت، ارتد إليه يقينه: فما
الحوار الذي أجراه بين المحسوسات والمعقولات،
والذي تتهم الحواس به العقل، إلا انقسام مرضي في
الذات من ناحية، ونسبة صفة إلى غير الموصوف بها: إذ
أن اتهام الحواس للعقل ليس اتهاماً منها له، لأن
اللغة التي استخدمتها لم تكن لغتها، بل لغة العقل
ذاته، حتى لكأن العقل هو الذي يتهم ذاته، ويحكم
عليها. وهذا ما تؤيده الكيفية التي استرجع الغزالي
بها يقينه: فقد كان بنور قذفه الله في الصدر، هو
مفتاح أكثر المعارف، به عادت النفس إلى الصحة
والاعتدال، وعادت الضرورات العقلية مقبولة
موثوقاً بها على أمن ويقين، ولم يكن ذلك بنظم دليل
أو ترتيب كلام. وهذا انتهى بي إلى القول: ان شك
الغزالي بالمحسوسات فالمعقولات، ثم يقينه
بالمعقولات فالمحسوسات، لم يكونا إلا ذيلين نظريين
ملحقين بأزمته الدينية.
ومع
ذلك، كنت ما أزال أعتقد بصحة ما رواه الغزالي في
"المنقذ" عن أزمته. وقد اتخذت موقف المدافع عن
أمانته الفكرية في كتابي "الغزالي" رداً على
اتهامات الدكتور عبد الله عبد الدايم أبو العطا
البقري في كتابه "اعترافات الغزالي"، التي كان
وجهها إليه، والتي يرى فيها، أن الغزالي كان في
"المنقذ" مقلداً من الناحيتين الفكرية
والعملية، وأنه ما قال تاريخاً، ولا حكى اعترافات،
وإنما قال قصة البسها ثوب الحقيقة، وحكى اعترافات
ألبسها ثوب الواقع.
ولكنني
لم ألبث أن غيرت رأيي في حقيقة شك الغزالي، وعبرت عن
ذلك بدراسة بعنوان "الغزالي بوجهه الحقيقي"
نشرتها مجلة "التراث العربي" في عددها الثالث
من سنتها الأولى (ت1 سنة 1980). وكان ذلك بعد قراءتي
كتاب الغزالي "مشكاة الأنوار" الذي طبع في
القاهرة سنة 1964، فكان سبيلي إلى الموازنة بين ما
أتى فيه وما أتى في "المنقذ"، باعتبار أن
"المنقذ" هو آخر كتبه. وقد تبين لي، أن مجرى
تفكيره، ومنطق سيره، كانا ينتهيان به إلى التصوف
ووحدة الوجود، ولكنه نكل عن هذا الموقف في ما قاله
فيما بعد في "المنقذ" نكولاً لم يقدم مسوغاً
له. هنا أدركت سر رأي الدكتور عمر فروخ في أمانة
الغزالي الفكرية، وخطئي في تخطيء الدكتور البقري.
ولكن
الجديد الذي توصلت إليه، هو حقيقة مرض الغزالي، فقد
تبين لي من تحليل كلامه، أنه يعود إلى انفصام
المحسوسات والمعقولات عن أصلها الوجودي، وهو يعني
أن العقل أخذ يعمل مستقلاً عن الجسد، فبطلت الصلة
بينه وبين الوجود، فانعدمت الروابط المنطقية، التي
هي في أصلها روابط وجودية، وبانعدامها أصبح
الغزالي على مذهب السفسطة بحكم الحال لا بحكم النطق
والمقال. وقد استخلصت من ذلك، أن شك الغزالي لا معنى
له إلا إذا ربطناه بوحدة الوجود، وكذلك يقينه، فهو
لا معنى له إلا بوحدة الوجود، وإن تراجعه عن هذا في
"المنقذ"، أفقد شكه قيمته الفلسفية.
(25)
سارتر: الاجدان حرية
كان
الاجدانيون الفرنسيون هم الذين اطلعت عليهم بعد
الغزالي، في تلك الفترة التي انقطعت فيها عن
الدراسة ابان الحرب العالمية الثانية وما بعدها.
ففي أحد الأيام، جاءني أحد الأصدقاء، وهو يحمل بيده
كتاب بول فولكييه "الاجدانية"، وأخبرني أن
الكتاب صدر في باريس حديثاً، وأنه قرأه وأثار شيئاً
في نفسه، وحثني على قراءته، وما لبث أن أخذ يذكر لي
بعض الأفكار التي أثارته وهو يقرأ الكتاب، ويبدي
انطباعاته وتعليقاته. كان أحد الأصدقاء الذين كنت
أجتمع بهم بين الحين والحين لمناقشة الأمور
الفكرية.
ترك
لي الكتاب ومضى، وقرأته في غضون مدة وجيزة، لا
أستطيع تحديدها بالضبط، لكنها كانت قصيرة جداً.
لاشك أن الكتاب كان يتطلب مني من الجهد والوقت أكثر
مما أعطيته. ولكنني لم أكن بعد تمرست بقراءة الكتب
الفلسفية، ولا عارفاً ما تحتاجه من تريث وتأمل. كنت
لا أزال أمارس القراءة الانسيابية، التي تعودتها
في قراءة القصص والروايات ومهما يكن من أمر، فانني
خرجت منه بفكرة عامة، لاشك أنها نفعتني في قراءاتي
الفكرية والفلسفية اللاحقة: صحيح أنه كان يكتنفها
الغموض، لكنها كانت نافعة تحسسني الأسئلة التي
يمكن أن تطرح، لا الأجوبة التي تعطى.
لقد
خرجت بفكرة مبدئية عن كل من سارتر وغبرييل مارسيل
ولويس لافيل. وكل منهم أثر في تفكيري فيما بعد،
حينما أوليته شيئاً من عنايتي، في الترصد لكتبه
وجمعها، وقراءة ما يقع في يدي من كتابات عنه. وعلى
الرغم من وضعي الذي كنت فيه معهم، فقد كان لسارتر
الحظ الأوفى من هذه العناية. ولم يكن هذا نتيجة
اختيار مني، بل كان للمصادفة يدها الطولى فيه: إذ
أنني في أولى جولاتي على المكتبات، بعد قراءة كتب
فولكييه، عثرت على كتيب سارتر "الاجدانية فلسفة
إنسانية"، وهو محاضرة كان قد ألقاها، وطرحت
للمناقشة مع الحاضرين. قرأت الكتيب بمثل العجلة
التي قرأت بها كتاب فولكييه، وكان نصيبي منه مثل
نصيبي من هذا: فكرة عامة غامضة. ولكنها كانت ركيزة
لقراءات لاحقة للكتيب فيما بعد.
استوقفتني
مسألة الحرية لديه، ولاسيما قوله: ان الإنسان يصنع
نفسه. وأخذت أفكر: كيف يمكن للانسان أن يصنع نفسه؟
هل يعني هذا أن الانسان يخلق نفسه، بعد أن لم يكن؟
هذا غير ممكن. لابد أن سارتر يعني شيئاً آخر. وأخذت
أبحث عن هذا الشيء. كان لابد لي من العودة إلى النص
وقراءته من جديد، ولكن هذه المرة بشىء من التأمل
والتفكير. وفي احدى قراءاتي، استوقفني ذكر الطبيعة
الانسانية، وعجبت من نفسي لأنني لم أنتبه لذكرها من
قبل. وتساءلت: ماذا تعني؟ وفهمت منها معناها
الشائع، أي الطبيعة المشتركة بين الناس، ولكنني
حينما عدت إلى النص امتحن في ضوئه هذا الفهم، وجدت
أنه لا يتسق مع كلام سارتر، وأن ما يريده فعلاً، هو
صنع نفسه كما يريدها أن تكون في المستقبل، كأن يصنع
نفسه كاتباً أو فيلسوفاً. ألم يقل: ان الانسان مشروع
رؤية ذاتية، لاشيء من الأشياء؟ ثم ألم يعقب على ذلك
بقوله: أنه ارادة وتصميم واع؟
وهكذا
وضعت يدي على مفتاح نظرية سارتر في الحرية، واستطعت
أن أفهم ما يعنيه بقوله: ان الانسان مسؤول عما صنعه
من نفسه، وانه ليس مسؤولاً عن نفسه فقط، وإنما عن
الناس جميعاً أيضاً: فهو حي يختار صورة نفسه، يختار
صورة الانسان الذي يريده. وبذلك فهمت عظم المسؤولية
التي يتكلم عليها سارتر، ولماذا تنتهي بالمرء إلى
القلق والتخلي واليأس...
كل
هذا لم أفهمه بالطبع مرة واحدة، بل مرة بعد مرة،
وعند فهم معين لعبارة معينة والتساؤل عن صحة هذا
الفهم، ثم امتحانه على محك النص. وهكذا.... ولكن
المسألة لم تقف بي عند هذا الحد، إذ ما لبثت أن
تساءلت لحسابي الخاص، وبمعزل عما قاله سارتر وغيره:
هل هناك حرية؟ وهل هناك طبيعة إنسانية؟ وهل ينسجم
القول بهذه مع القول بتلك؟ ما حقيقة المسؤولية؟ وما
حقيقة الأخلاق والسلوك الخيّر؟ الخ... الخ... أسئلة
كثيرة طرحتها على نفسي، وما زلت أطرحها. بعضها وجدت
له اجابات، وبعضها لم أجد، ولكن الموقف المؤسي، هو
أنني لا أكاد أجد جواباً على سؤال، حتى أجد هذا
الجواب يقودني إلى أسئلة يتولد بعضها من بعض إلى
غير نهاية....
(26)
كنط: امتحان العقل
كان
كنط هو الفيلسوف الثالث الذي أثار اهتمامي. لم يكن
ذلك بكتبه، لأنني لم أكن أعرف كتبه، ولم يكن
باستطاعتي أن أفهمها لو عرفتها. كان ذلك حينما وقعت
في احدى جولاتي على مكتبة كنت ألفت التردد إليها،
على كتاب "قصة الفلسفة الحديثة" لأحمد أمين
وزكي نجيب محمود. قرأت الكتاب بسرعة كعادتي في
قراءة الكتب الأدبية. والحقيقة أن الكتاب كان أقرب
إلى الأدب منه إلى الفلسفة. صحيح أن مضمونه فلسفي،
ولكنه كان مبسّطاً تبسيطاً أدبياً جميلاً، فكان
أصلح الكتب الفلسفية لمن هم على شاكلتي، وافدون على
الفلسفة من الأدب، لم أكن في ذلك الحين أعرف أن
تأديب الفكرة الفلسفية يخل بها، وأن التعبير
الفلسفي يختلف عن التعبير الأدبي. ولذلك فرحت
بالكتاب، وجعلته رفيق قراءاتي.
لا
أدعي أنني استوعبت ما في الكتاب، ولكنه ترك في نفسي
انطباعاً غامضاً عاماً، وإن كان جميلاً، كانت تبرز
منه تجربة امتحان العقل عند كنط، فأدهش للفكرة ايما
ادهاش، وأرى في صاحبها عبقرياً فذاً، هذا ما بهرني
من الكتاب. أما كيف جرى هذا الامتحان، وما الخطوط
التي وجهه كنط فيها، وما النتائج التي وصل إليها،
فلم يكن في ذهني أية صورة واضحة عنها. كان كل شيء
يلفه الغموض.
ولكنني
أصبحت أعلم، أن هناك فيلسوفاً ألمانياً يدعى
عمانوئيل كنط، قام بامتحان لقدرات العقل. وهذا سهل
عليّ إدراك دوره الكبير في نشوء المثلانية
الألمانية من جهة، وأنه يمكن اتخاذه نقطة تحول في
تاريخ الفكر الفلسفي، مهدت الطريق أمام ظهور لفيف
من الفلاسفة المثلانيين، من أمثال فشته وشلنغ
وهيغل.
غير
أن ما لم أدركه من كنط في البداية، كان بإمكاني أن
أدركه فيما بعد، عند سنوح الفرصة. وقد سنحت الفرصة
حينما عدت إلى الدراسة، والتحقت بقسم الفلسفة في
كلية الآداب. وقد حدث ذلك فعلاً، في بحر سنتي
الجامعية الرابعة. كان كنط فيلسوفاً رئيسياً في
منهج دراستنا، علينا التوسع في دراسة فلسفته. منذئذ
أصبح محل محاولات فهمي وتأملي. قد تكون في فلسفته
نقاط ما زالت مستغلقة عليّ، ولكن بنية فلسفته
العامة أضحت طوع تصوري. وهذا كان هو المهم بالنسبة
إلي، إذ أن الفلسفة في رأيي تصور عام قبل كل شيء، ثم
تأتي التفصيلات الجزئية التي تتحرك في هذا
التصور.
لقد
بحثت عن جذور مسألة العقل النظري عند كنط، ووجدتها
تتلخص في السؤال الذي طرحه هو نفسه على نفسه: ماذا
بامكاني أن أعرف؟ وإذا أنا نظرت إلى معارفي
وبراهيني، فالى أي حد يمكنني الاطمئنان إلى أن ما
أعرفه يقيني؟ وتساءلت: هل يمكن عد كنط من الشكاك؟
وقد أجبت بالنفي، حينما رأيت أنه يعلي من قيمة
الرياضيات والعلم الطبيعي في سلم اليقين. وهنا وقفت
مرة ثانية، لأطرح على نفسي السؤال التالي: هل يمكن
عدّه فيلسوفاً وثوقياً؟ وكان جوابي بالنفي أيضاً،
لأنه لو كان كذلك، لوضع مقدمات فلسفته وضعاً ومضى
يبني عليها مذهبه فكرة فكرة. وهنا تساءلت: إذاً، ما
عساه يكون؟ وجواباً عن هذا السؤال، رأيت أنه يذهب
إلى أن ما نعرفه، إنما نعرفه من خلال بنية عقلنا،
وأن الواقع لا يمكن الخروج إليه، وملاقاته، للتأكد
من أنه فعلاً كما يبدو لنا. وقد فهمت من أقواله، أن
الزمان والمكان ليس لهما وجود فعلي، وإنهما صورتان
قبليتان تلجأ إليهما الحساسية الصورية، لفهم
مدركات التجربة، بمشاركة الفاهمة الصورية، التي
تقدم من جانبها المقولات التي تنصب فيها ظواهر
التجربة. هذا ما نستطيع معرفته. ولهذا كان علما
الرياضيات والطبيعة ممكنين وموثوقين. أما ما عدا
ذلك، فتحكم به قوة النطق، وهي القوة الثالثة من قوى
العقل النظري، التي تقدم لنا ثلاثة مفهومات عامة،
لتوحيد تجاربنا، وهي العالم والنفس والله، وهي
أعمدة علم ما بعد الطبيعة، ونحن لسنا على يقين
بصددها.
وهذا
جعلني أخرج بفكرة واضحة عن فلسفة كنط، وهي أن
المعرفة نسبية فيها: إنها مشروطة ببنية العقل
النظري، الذي يقف عند ادراك الظواهر، ولا يستطيع
النفاذ إلى الأشياء في ذاتها.
قلت
إنني أعجبت بفكرة كنط عن امتحان قدرات العقل. ولكن
هذا كان قبل أن أدرس الفلسفة. فهل بقيت على موقفي
بعد دراستها؟ الحقيقة أنني بقيت ما دمت في موقف
الدارس إذ ما كدت أصل إلى تصور فلسفي خاص بي، حتى
وجدت نفسي أنقلب عليه في نقطتين: أولاهما انطلاقه
من العقل المجرد. وتساءلت: هل هناك فعلاً مثل هذا
العقل المستقل عن الوجدان وقواه الأخرى؟ ورأيت أن
الانسان لو كان عقلاً مجرداً، كما يفترض كنط،
لانقطعت الأسباب بينه وبي العالم وأشيائه، ولما
استطاع بالتالي أن يدرك حتى الظواهر، ولبطلت
المعرفة النسبية ذاتها، وهذا انتهى بي إلى
الاعتقاد، ان الوجدان يعمل بكامله في تحصيل
المعرفة، وأن ما يفعله العقل يأتي لاحقاً، ليتابع
المهمة التجريدية التي بدأتها الحواس. أما النقطة
الثانية، فهي أنني اعتبرت أن ما أتى به لا يستغرق
موضوع الفلسفة، بل يقتصر على أنه مسألة من مسائلها،
فموضوع الفلسفة هو الكل، وما العقل إلا جزء من
اجزائه . ومع ذلك يجب علينا ألا نغمط كنط حقه، فهو قد
رأى الكل من خلال هذا الجزء الذي هو العقل. ولكن هل
هذا الجزء مستقل فعلاً عن الكل؟ يقول كنط: أن للعقل
النظري بنية خاصة. ألا تستوقفنا هذه البنية،
وتجعلنا نتساءل: من أين أتت؟ وما علاقتها بالعالم
الذي تستكشفه وتعرفه؟ أهي مجرد علاقة استكشاف
ومعرفة؟ وإذا كان الأمر كذلك، ألا تفترض علاقة وجود
سابقة عليها؟ أليس فصل العقل عن الوجود وصيرورته
افتراضاً يحتاج إلى تسويغ؟ وهذا الاستقلال الذي
منحه كنط إياه، أليس من المشكوك فيه أنه يتمتع به؟
(27)
ديكارت: الـ"أنا أفكر"
كانت
معرفتي ديكارت تعود إلى تلك الفترة التي انقطعت
فيها عن الدارسة ابان الحرب العالمية الثانية. فقد
عثرت كعادتي في احدى المكتبات، على كتاب الدكتور
عثمان أمين: "ديكارت" لا أدري متى قرأته
بالضبط. كل ما أذكره أنني لم أقرأه فوراً، وأنني حين
قرأته، لم أعجب بمسألة الشك الديكارتي بقدر ما
أعجبت بالحل الذي خرج به ديكارت من شكه: أنا أفكر،
فأنا إذاً موجود. حل رائع طالما دهشت له، وطالما
اعتقدت أنه من اليقين بحيث لا يمكن لأي شك أن
يزعزعه. ولكن، إلى حين...
وكما
هو أمري دائماً، فقد كان لابد لي من أن أغير موقفي،
حين يتقدم بي الزمن، ويتقدم بتقدمه اطلاعي ومعرفتي
وتفكيري. غير أنه لابد لي من الاعتراف، بأن وقوعي
تحت سيطرة ديكارت وسحر الـ"أنا أفكر" طال
كثيراً، ولم أستطع الخروج من أسرهما، إلا في وقت
متأخر نسبياً، بعد أن أخذت أفكر لحسابي الخاص،
بمعزل عن تأثير الفلاسفة الذين كنت أقرؤهم.
رأيت
أن ديكارت بدأ شكه بالاشاحة عن المذاهب الفلسفية
التي قرأها، وعن المبادىء الفكرية التي تعود أن
يستخدمها في تفكيره، وأنه أخذ يبني له منهجاً
فكرياً يوصله إلى الحقيقة: فأدخل المنهج
الاستنتاجي إلى مجال التفكير الفلسفي، فخيل إليه
أن السلاسل الطويلة التي تعود علماء الهندسة
استخدامها، يمكن اتباعها أيضاً في الكشف عن
الحقيقة الفلسفية، فأراد أن يبني انطلاقاً من
الـ"أنا أفكر" سلسلة من البراهين الفلسفية على
وجود الذات، ووجود الله، ووجود العالم. وقد توصل
إلى اقامة منهجه على أربع قواعد، هي: البداهة،
والتحليل، والتأليف، والاستقصاء والمراجعة. لقد
كان الشك هو الداعي إلى وضع المنهج وقواعده: الشك في
الأجسام والأشكال والامتداد والحركة ، والشك في
الأرض والسماء، والشك في الجسد والنفس والحواس
والذاكرة، والشك في مبادىء الرياضايت وبراهينها،
الخ... لقد كان شكا لا يجد الفكر معه علامة يميز بها
بين أحلام النوم وخواطر اليقظة، شكا يتناول كل شيء،
بما في ذلك ذات الفيلسوف ذاته. لكنه شك لا يلبث أن
ينبجس منه اليقين: أنا أشك، إذاً أنا أفكر، وأنا
أفكر، إذاً أنا موجود.
ووقفت
أتأمل هذا الصرح الفلسفي الشامخ بكثير من الاجلال
والاكبار. وتساءلت عن حقيقة ما أثبته ديكارت. فوجدت
أن ما أثبته هو ذاته التي كل ماهيتها التفكير، وإن
جسده ما زال بعيداً عن عالم اليقين.
لا
أريد أن أتحدث عن الطريق الذي سلكه ديكارت إلى
اثبات وجود الله، انطلاقاً من إثباته وجود ذاته،
ولا عن اثباته وجود العالم، انطلاقاً من اثبات وجود
الله، فأنا أريد أن أتوقف عند مسألة الشك
الديكارتي، فهي التي شغلت تفكيري في غضون سنوات
طويلة. فقد جعلتني، بتأثير دراستي السابقة لشك
الغزالي، أتساءل، وأكرر السؤال مرات ومرات: هل شك
ديكارت فعلاً بكل شيء؟ وما لبث السؤال أن تطور في
ذهني بمرور الزمن، وأصبح يطرح نفسه عليّ كالآتي: هل
يعني شكه بكل شيء أنه شك بالكل؟ وقد وجدت أن ما شك
فيه ديكارت فعلاً، هو الأشياء الجزئية والأفكار
التي تقابلها، والمبادىء العقلية التي تنظمها، أما
الكل بما هو وحدة الموجودات فعلاً، فهو يظل قائماً
وراء الشاك وشكه والمشكوك فيه: فالشك في كل ما ذكره
ليس شكاً في الكل، بما هو حقيقة قائمة وراء كل ذلك،
وليس شكاً في الحقيقة الكلية بما هي سند هذه
الحقائق الجزئية كلها. وقلت في نفسي: إذا كان الكل
ليس موضع شك، ألا يمكن الاعتماد على يقينه، وجعله
مرتكزاً لكل ما شك به ديكارت؟ وعشت على هذا الأمل
مدة من الزمن...
والحقيقة
أن الشك بشيء من الأشياء، معناه أننا كنا على يقين
منه قبل أن نشك فيه. فما من شك من دون يقين يسبقه.
وتساءلت: ماذا يمكن لهذا أن يعني؟ ولم يطل بي
التفكير، إذ وجدت أنه يعني الديمومة: ديمومة الذات
في حالتي شكها ويقينها، وديمومة المشكوك فيه في
حالتي التيقن منه ثم الشك فيه، وديمومة علاقة الذات
الشاكة بالمشكوك فيه في حالتي اليقين والشك: إن
هناك مدة تنقضي بين اليقين المبدئي والشك، ثم بين
الشك واليقين الختامي، وهي مدة تنطوي على ديمومة
وجود الذات ووجود الموضوع في موجود يتجاوزهما
معاً، ليمكن حفظ العلاقة بينهما، هذا الموجود إن لم
يكن هو الكل، فهو جزء منه، واثباته ينتهي إلى اثبات
وجود الكل لا محالة.
وهكذا
وجدت أن الكل يظل الخلفية الوجودية القائمة وراء
الشاك والمشكوك فيه، وأنها قائمة أبداً، ولا يمكن
وضعها هي ذاتها موضع الشك، لأن وضعها موضع الشك
معناه وضع ما فيها موضع الشك، أي الذات الشاكة
والموضوع المشكوك فيه. بيد أن وضع الذات موضع الشك،
يضع فعل الشك ذاته موضع الشك، وهذا يعادل الغاءه
بما هو شك.
وما
كدت أصل إلى هذه النتيجة، حتى قلت لنفسي: إن الشك في
الأمور الجزئية شيء، والشك في الكل شيء آخر. وما شك
فيه ديكارت لا يطال الكل. وهذا يعني أن اليقين يمكن
أن ينطلق منه ليشمل كل ما فيه، وبما أن الأشياء
الجزئية يمكن الشك فيها، فان اليقين يمكن أن
يتناولها من جديد، إذا عرفنا كيف نربطها بيقين
الكل.
وهنا
وقفت لأتساءل: لماذا كان الشك بالأمور الجزئية
ممكناً؟ وسرعان ما أجبت نفسي: لأن الحقائق الجزئية
بنت الصيرورة، وهي تحدث في الزمان، أي تنتقل من حال
إلى حال، وانتقالها هذا غالباً ما لا تنبئنا فيه
الحالة السابقة عما ستكون عليه الحالة اللاحقة. ومن
هنا كان إمكان الخطأ، وامكان الشك بامكانه. وليس
الأمر كذلك بالاضافة إلى الكل، الذي يظل غارقاً في
ديمومته. وهكذا تكون الصيرورة التي تتناول الأجزاء
عامل شك، وتكون الديمومة الملازمة للكل، عامل يقين.
وهذا يعني، أن الكل الذي لم يتناوله شك ديكارت يظل
قائماً أبداً، ولابد ليقينه من أن ينبثق، كلما
انبثق يقين الـ"أنا أفكر"، وهو يرينا أن
اليقين الحقيقي يقين مزدوج: يقين بالذات المفكرة،
ويقين الكل القائم أبداً....
(28)
أرسطو: الوجود بالقوة والوجود بالفعل
لم
يكن أرسطو غريباً عني في فترة انقطاعي عن الدراسة،
فقد كان هو الآخر أنيسي فيها. وكانت صحبتي إياه
نتيجة الكتب التي كنت أشتريها من تلك المكتبة
الرابضة على كتف البحر. لقد كان ذلك حينما وقعت على
كتاب يوسف كرم "تاريخ الفلسفة اليونانية". من
خلاله اطلعت على فلاسفة اليونان، ومن جملتهم أرسطو
وبرمنيدس وهيرقليطس. وقد أثر الثلاثة في تفكيري.
وإذا كان برمنيدس وهيرقليطس أسبق تاريخاً، فقد كان
أرسطو أسبق توجيهاً. ولهذا أرى من الأمانة أن أخصه
بالذكر قبلهما.
استوقفني
أرسطو أكثر ما يكون، بتفرقته الشهيرة بين الوجود
بالقوة والوجود بالفعل وأن الصيرورة هي الوسيط
بينهما. هذه الفكرة الأساسية في فلسفة أرسطو ظلت في
ذهني على تصورها الساذج مدة طويلة. كل ما فهمته منها
في بادىء الأمر، هو أن البذرة شجرة بالقوة ويمكن أن
تصبح شجرة بالفعل، وحتى حينما كنت أحضّر شهادة
تاريخ الفلسفة والفلسفة العربية لم أتجاوز هذا
الفهم، على الرغم من التوسع الذي كان علينا أن نقوم
به في دراسة أرسطو. لاشك أنني كنت كوّنت أفكاراً
أكثر وأوضح عن فلسفته. ولكن هذا لم يجعلني أضع أية
فكرة من فكره موضع التأمل والتفكير. إما بصدد
تفرقته الشهيرة بين الوجود بالقوة والوجود بالفعل،
فقد تجاوزت الالمام بها مجرد المام، إلى معرفة
أنواعها، وهي ثلاثة: أولها الكون وهو من اللاوجود
إلى الوجود، وثانيها الفساد، وهو من الوجود إلى
اللاوجود، وثالثهما الحركة، وهي من الوجود إلى
الوجود.
وظل
امري على هذا النحو، إلى أن اضطررت وأنا أدرس ابن
سينا، أن أعود إليه، نظراً لتأثر ابن سينا به. كان
ذلك في عام 1960، حينما وقعت عقداً مع احدى دورالنشر،
لوضع دراسة عن ابن سينا. كان هذا مناسبة لاعادة
الاحتكاك بفكر أرسطو. عندئذ تبدت لي واقعيته
الفلسفية بوجهها الآسر، وأعجبت به ايما اعجاب. غير
أني تبينت أن تفرقته بين الوجود بالقوة والوجود
بالفعل تصح على الموجودات الجزئية، وتفترض وراءها
الوجود الكلي إلى جانب الصيرورة التي أفترضها
أرسطو نفسه. في هذا الوجود تحدث الصيرورة، وتؤدي
حركتها إلى تكون الموجودات الجزئية حيناً، وفسادها
حيناً آخر، وتغيرها وفقاً للمقولات التسع. وهذا
قادني إلى الاعتقاد بشيئين سابقين على انتقال
الموجودات الجزئية من القوة إلى الفعل، هما الوجود
الكلي والصيرورة. ونظراً لأن هذه الثنائية هي نتيجة
تجريد معرفي، فقد اعتبرتهما حقيقة واحدة في
التشخيص، أطلقت عليها اسم الوجود المشخص.
ولكنني
ما كدت أصل إلى هذه النتيجة، حتى وجدت شيئاً في ذهني
يعود بي إلى كل من برمنيدس وهيرقليطس. وقلت في نفسي:
أليس برمنيدس هو الذي تحدث عن الوجود الواحد
الثابت؟ ثم أليس هيرقليطس هو الذي قال بالصيرورة
الدائمة السيلان؟ لقد رأى كل منهما نصف الحقيقة،
والصواب يقضي بالجمع بين ما رأياه معاً. وعندما
ساءلت نفسي عن المسؤول عن ذلك، كان لابد لي من أن
أحمل التجريد المسؤولية.
(29)
مين دو بيران: تجربة الجهد
ترجع
معرفتي اسم مين دو بيران إلى دراستي الثانوية،
حينما كنت أحضر القسم الثاني من الثانوية العامة
اللبنانية، فرع الفلسفة، فقد أطلعنا على نظريته في
الجهد. ولكن هذا كان في حدود ضيقة، بحسب ما تسمح به
الدراسة المطلوبة. غير أن اهتمامي بكتب لويس لافيل
جعلني أقع على كتيّب له بعنوان: "الذات
ومصيرها"، وهو مجموعة دراسات فلسفية كان ينشرها
في جريدة "الطان" الباريسية، كان هذا الكتاب
الصغير يتضمن دراسة عن مين دو بيران، بعنوان
"الواقعة الأولى". وقد قرأتها وتأثرت بها،
ودفعتني إلى التأمل والتفكير. وكان ذلك لأمرين:
أولهما أنها معارضة الـ"أنا أفكر" الديكارتي،
وثانيهما أنها كانت طرحاً جديداً للواقعة الفلسفية
الأولى.
كانت
الدراسة مقسومة إلى ثلاثة أقسام، يتطرق القسم
الأول منها إلى أهمية الواقعة الأولى في الفلسفة
وربطها بموقف كل من ديكارت ومين دو بيران، ويتطرق
القسم الثاني إلى الـ"أنا أفكر" الديكارتي
وبنوة البيرانية له، وانشقاقها عنه، بطرحها
الـ"أنا أريد" بديلاً من الـ"أنا أفكر"
ويتطرق القسم الثالث إلى تقويم نظرية مين دوبيران
في سلبها وايجابها، معتبراً ربط الجهد بالجسد نقطة
ايجابية، وخلع صفة العضوية الفائضة عليه نقطة
سلبية.
نبهني
الـ"أنا أريد" البيراني إلى ان صلتنا بالعالم
الخارجي ليست فكرية فقط، وإنما هي نزوعية أيضاً،
وأن هذا النزوع لا يقتصر على صفته النفسية، بل
يتجاوزها إلى جذوره الجسدية أيضاً، وأنه لابد لنا،
إذا شئنا أن نتفلسف تفلسفاً صحيحاً موثوقاً، ينفض
عن الفلسفة ما علق بها من غبار التشكيك والازدراء،
من أن نقذف بأنفسنا كلياً، ذاتاً وجسداً، في غمار
العالم، لا بما هو مجموعة أشياء مستقل بعضها عن
بعض، بل بما هو الوحدة الوجودية المشخصة التي أنا
جزء منها، وبما هو الكل الذي لا كل سواه.
وهذا
أعطى الجسد قيمة فلسفية في نظري، طالما حرمه أغلب
الفلاسفة منها. ولكنني لم أنظر إليه بما هو مجرد جسد
تنضاف إليه القوى النفسية مجرد اضافة، بل بما هو
وجدان، وبما يفترضه الوجدان من وجود.
(30)
غبرييل مارسيل: تجربة الجسد
شغلتني
مسألة الجسد، وأصبحت مركز استقطاب فلسفي في مجرى
تفكيري، ولاحظت وأنا أتابع قراءاتي الفلسفية، أن
غبرييل مارسيل يعدها ركناً أساسياً من أركان
فلسفته، فأخذت أتتبع نصوصه فيها. وحينما حلت سنتي
الجامعية الرابعة، كان يتوجب علينا أن نتقدم
برسالة عن موضوع فلسفي نختاره، إلى جانب مقررنا
النظري عن تاريخ الفلسفة والفلسفة العربية. وقد
اخترت موضوعاً لرسالتي: "تجربة الجسد في فلسفة
غبرييل مارسيل"، اعتمدت فيها عدداً من أهم كتبه
الفلسفية: يوميات طبيعية، الوجود والملك، من
الاباء إلى النداء... استوقفني من غبرييل مارسيل
نظره إلى الجسد على أنه الواقعة الفلسفية الأولى،
وأنه معقد الصلة بين التجسد المعبر عن وحدة الذات
والجسد، والحضور المعبر عن وحدة الذات والعالم. وقد
رأيت أنه لبيان ذلك، لا يلجأ إلى الفكر كما فعل
ديكارت، ولا إلى الارادة والجهد كما فعل مين
دوبيران، وإنما إلى الاحساس الذي يصل بين وجود
الأشياء وحضوري في العالم: فالاحساس هو الذي يمكننا
من تجاوز ظواهر الأشياء إلى وجودها، أنه الهبة التي
يهبني جسدي اياها مبللة بندى الانفعال، فتشعرني
بوجود الأشياء، فضلاً عن ظواهرها، وتدخل بي إلى
عالم الواقع، الذي أظل حاضراً فيه، وقد انكشف وجودي
لي تمام الانكشاف.
لم
أقدّر قيمة هذه النظرة الفلسفية الجديدة في بادىء
الأمر، ولكنني ما عتمت أن تبينت أصالتها في
ابتعادها عن التفسير الموضوعي والذاتي للمعرفة،
واعطائها أساساً وجودياً. فاذا كانت النظرة
الموضوعية تعد الجسد أداة والاحساس خبراً، فهي
تتنافى مع النظرة الوجودية التي تخلع عن جسدي صفة
الامتياز بالنسبة إلى الأشياء، فلا تعده مثل أجساد
الآخرين، بل جسدي أنا الذي أضع وجود العالم، واضع
وجودي بوضعه، إنها النظرة التي تخلع على الاحساس
قيمته الوجودية، وترى فيه خالق الوحدة بين الذات
والعالم.
وهكذا
تبين لي كيف يمكن أن تكون هناك نظرة وجودية
للأشياء، غير النظرة الموضوعية والنظرة الذاتية
المألوفتين في تاريخ الفلسفة. وهذا مكنني من أن
أدرك الوضع الوجودي المشترك لي وللأشياء في أحضان
العالم.
(31)
أدمند هسرل: الظهرياء (الفنومنولوجيا)
كان
من نتائج اهتمامي بالفلاسفة الاجدانيين، أن اهتممت
بالمنهج الظهريائي، إذ أنه كان المنهج الذي تبنوه
في تفكيرهم الفلسفي، وإن كان ذلك بتعديل لا يرضي
مؤسس الظهرياء نفسه. وهكذا بدأ اهتمامي يتجه إلى
الفلسفة الظهريائية ومؤسسها أدمند هسرل، مما دفعني
إلى اقتراح ترجمة كتابه "تأملات ديكارتية" إلى
العربية، على صاحب دار بيروت للطباعة والنشر.
استلهم
هسرل ديكارت في اصلاح نقطة البدء في التفكير
الفلسفي، فاستعار منه منهجه في البحث. ولكنه وجد أن
الـ"أنا أفكر" كل معقد، خضع لعملية تكوين
طويلة، فاختلط فيه ما هو اضافي بما هو أصيل، مما
يستدعي الحفر في طبقاته، بغية الوصول إلى الإنية
المفارقية، التي هي أكثر أصالة من الـ"أنا
أفكر" الديكارتي.
هنا
وقفت متأملاً، ولمست أثر كنط في تفكير هسرل، وأدركت
الشبه القائم بين الانية المفارقية ، وإنها تكون
بالرد الظهريائي المفارقي، أي برد المعرفة إلى
شروطها القبلية، التي هي جملة من المبادىء
المتوافرة في بنية الانية المفارقية، تستخدمها في
إنشاء العلم، واقامته على أسس وطيدة.
كان
الرد المفارقي يمر لدى هسرل بمرحلتين: أولاهما
سلبية غايتها وضع وجود العالم بين هلالين، أي عزله،
في سبيل الانصراف إلى دراسة ظواهره كما تتبدى
للشعور. أما ثانيتهما فكانت ايجابية غايتها حدس
ماهيات الأشياء، وادراك العلاقات القائمة بينها.
عندئذ يمكن فك الهلالين، والاعتماد على قصدية
الانية المفارقية، التي تجعل من الشعور شعوراً
بشيء من الأشياء. وبذلك، يكون هسرل يوحد بين دراسة
الماهية ودراسة الوجود.
هنا
ساءلت نفسي: أصحيح هذا التوحيد بين الماهية
والوجود؟ وإذا كان صحيحاً، ألا يعني التوحيد بين
الظواهر والوجود، باعتبار أن الأشياء التي انطلق
منها لم تكن أشياء بالمعنى المألوف للكلمة، بل
ظواهر؟ ثم لماذا فصل بين الذات العارفة (الانية
المفارقية) والموضوع المعروف (الظواهر: الأشياء)؟
وقد رأيت في عدّ الظواهر هي الأشياء وتعليق وجودها،
تشويهاً لطبيعة المعرفة، وتسليماً بما ذهب إليه
كنط من أننا لا نعرف غير الظواهر، لأن المعرفة إما
أن تعني معرفة موجودات وما يلحق هذه الموجودات، أو
لا تكون معرفة على الاطلاق. ولم أقف في تساؤلي عند
هذا الحد، بل تجاوزته إلى التساؤل: هل هناك حقاً حدس
للماهيات؟ وقد أجبت عن هذا قائلاً: أن الحدس
والماهيات يقعان على طرفي نقيض، لأن اكتساب
الماهية، وهو اكتساب مجموعة الصفات الثابتة
والضرورية للشيء، هو نتيجة تطور معرفي طويل، في حين
أن الحدس هو معرفة فورية ومباشرة لهذا الشيء. قد
رأيت أن ماهيات الأشياء لا تتبدى لنا دفعة واحدة،
وأنها نتيجة عمل ذهني طويل، لا بالنسبة إلى الفرد
وحده، بل بالنسبة إلى البشرية كلها على مدى تاريخها
البعيد. وإذا كان الأمر كذلك، ألا يعني أن اسهام
الفرد في حدس الماهيات يظل ضئيلاً، ويختلف بين فرد
وفرد، بحسب اسهامه في عملية التفكير، وإن هذا وذاك
يفقدانه قيمته بما هو وسيلة معرفة، ومعيار
للحقيقة؟
وهنا
رأيت أن أضع الوجدان مكان الانية المفارقية التي
نادى بها هسرل مبدأ معرفة، كما وضعته من قبل مكان
العقل النظري عند كنط، ومكان الـ"أنا أفكر"
الديكارتي، ومكان الـ"أنا أريد" البيراني،
وكان هدفي من وراء ذلك، أن أرد للوجدان وحدته بما هو
ذات وجسد، وأن أجعله فلسفياً في اتصال مباشر مع
العالم وأشيائه، كما هو في اتصال مباشر معها في
الحياة اليومية، لأنتهي إلى معرفة لا تقف عند تحصيل
الظواهر والماهيات، بل تكون معرفة للموجود بما هو
ماهية وظاهرة وشيء في لمحة خاطفة واحدة.
(32)
لويس لافيل: الحضرة الكلية
كان
لويس لافيل أحد الفلاسفة الذين تعرفتهم في وقت مبكر
جداً، بعد عودتي إلى الدراسة عقب انتهاء الحرب
العالمية الثانية. كنت ذكرت أنني تعرفته، أول ما
تعرفته، في كتاب بول فولكييه: "الاجدانية"
ولكن، أتيح لي أن أتعرفه مرة أخرى وفي أحد كتبه.
وقصة ذلك، أن مدير كلية المقاصد الخيرية الاسلامية
عرض عليّ أن أنسخ لمكتبة الكلية قوائم خزائن كتبها،
مقابل أجر مالي يحدد فيما بعد. فقبلت العمل وقمت به،
وحصلت على مبلغ مئة ليرة لبنانية. فشعرت أنه أصبح
بامكاني، أن أقوم بجولة على مكتبات المدينة.
وتبادرت إلى ذهني ذكرى كتاب كنت رأيته على رف من
رفوف احدى المكتبات، وتمنيت شراءه، ولكنني لم أقدر
على ثمنه. وخطر لي فوراً أن أتجه إلى تلك المكتبة،
وأملي أن أجد الكتاب على رفه، لم يشتره أحد. واتجهت
إلى المكتبة، ووجدت الكتاب في انتظاري، حتى لكأنا
كنا على ميعاد، فتناولته فرحاً، ونقدت البائعة
ثمنه، ورجعت بغنيمتي. كان الكتاب للويس لافيل،
بعنوان "في الفعل". وقد كلفني عشر المبلغ الذي
قبضته.
كل ما
أذكره الآن، إنني ما كدت أصل إلى البيت، حتى أسرعت
في فض ملزمات الكتاب، وشرعت أقرأ فيه. وما كدت
أتجاوز صفحاته الأولى، حتى عثرت على فكرة أخذت
بمجامع خيالي وجعلتني أطوّف في آفاق الكون الرحيب.
هذه الفكرة سأثبتها هنا، ليكون القارىء على بينة من
بداية رحلتي الحقيقية في فلسفة لويس لافيل.
يقول
لافيل: "إن التجربة التي يبدأ ببدئها الانفعال
الذي تهبنا الحياة إياه، والانكشاف الذي ينكشفه
وجودنا الحميم لنا، في وقت واحد، لا يعتمد إذاً على
المشهد المنبسط أمام أنظارنا، والذي نؤلف نحن
أنفسنا جزءاً من أجزائه، وإنما يعتمد على اطلاق
حركة لنا القدرة على القيام بها، حركة لها علاقة
بريادنا وحده، توقظنا على الشعور بذواتنا، وتطلعنا
على الملكوت الذي نمتلكه، حينما تغيّر العالم من
حال إلى حال. فمنذ اللحظة التي اركز فيها انتباهي
على القدرة التي لي في تحريك خنصري، أكرر هذه
الحركة مئات المرات، بالدهشة ذاتها. في هذه اللحظة
فقط، أبدأ بالامساك بالواقع من داخله، أي في
فاعليته التي يصدر عنها بالذات، والتي تشكل كياني،
والتي أطلقها أو أمسكها بقرار هو قراري وحدي".
إنها
حركة خنصر من لويس لافيل، أو مني، أو منك، أو من أي
إنسان آخر، تغير من وضع العالم، وتمسك بالواقع من
داخله، فينكشف لنا وجودنا الحميم تمام الانكشاف.
كان هذا ما بهرني أول الأمر من لويس لافيل. ولكن، من
المؤسف حقاً، أنني لم أتمكن حينذاك، من الاستمرار
في متابعة الرحلة الفلسفية معه، إذ كان عليّ أن
أتابع رحلة الحياة وكسب الرزق. ولكنني عدت إليه،
حينما عدت إلى دراستي الجامعية، أبحث عن كتبه، ولا
أتأخر عن شرائها، حينما تجود الفرصة بها علي. كنت
أقرأ منها نتفاً، بقدر ما يسمح به وقتي، ووفقاً
لمسار اهتمامي في هذه اللحظة أو تلك. وكانت
الفكرتان اللتان استوقفتا انتباهي هما: الحضرة
الكلية، ورد القيمة إلى الوجود.
حينما
اندفعت في قراءة بعض كتب لويس لافيل، كنت أشعر منه،
أنه يتحدث عن شيء حاضر أبداً، يحيط بنا من كل جانب،
يسميه الكل تارة، ويوحد بينه وبين الفكر تارة أخرى.
فهو يرى، ان مهمة الفكر ليس فصلنا عن الوجود، بل
تدبير أمر اقامتنا فيه، فهو بدلاً من أن يجعلنا
ننكمش على أنفسنا، يكشف لنا عن اتساع الواقع الذي
لسنا إلا جزءاً من أجزائه. اننا في الفكر والكل نجد
الوجود ذاته حاضراً لنا بحضور نشارك فيه تارة،
ويشارك فينا تارة أخرى: إنه النور ذاته وهو يكشف لنا
وجهه المضيء تارة، ووجهه المضاء تارة أخرى. إنه
الفعل ذاته، وهو يتحقق بنا تارة، ومن دوننا تارة
أخرى، فيجعلنا من المعتمد عليهم والمسؤولين في كل
لحظة من وجودنا المعين ومن وجود الكل. بيد أننا لا
نستطيع أن نستعيد الثقة بأنفسنا، ولا أن نكتسب
الرصانة والقوة والفرح، إلا إذا كنا قادرين على أن
نندرج في المطلق الذي لا يعوزنا أبداً، لأنه حاضر
لنا بكليته، ونحن نفتح فيه منظوراً، ونخط ثلماً،
هما طابع مآثرنا ومقياسها.
ولكننا
بالمشاركة نندمج في الوجود، وهي مشاركة تظل ناقصة
ومحدودة، لأن الموضوع الذي يستجيب لها، يظل
يتجاوزها، سواء أكان ظهوره في صورة موضوع متحقق أم
ممكن. وهذا يجعل الوجود الكلي ذاته لا يمكن تحديده
إلا بما هو ذات خالصة، أو ذات كلية، أو فعل لا يجد في
ذاته ولا خارجها، تحديداً لحالة أو لموضوع. غير
أننا بالمشاركة نكون في البؤرة التي تنبجس منها
التجربة والعقل والايمان، فيتكوّن الوعي بالكشف في
وقت واحد، عن وحدة الفعل وخارجية المعطيات كلها،
وينكشف لنا في الوقت ذاته، وجودنا الحقيقي وباطن
الوجود الكلي، الذي نشاركه في جوهرية وجوده، والذي
يرغمنا على النفاذ إلى مصيرنا والالتزام به.
ولكن
الوجود الكلي فعل لا حدود له، حرية. وهو لا يخلق غير
الحريات، ولا يدعو إلى الوجود غير كائنات حرة، تصنع
نفسها، وهو لا يتخلى عنها أبداً.
تلكم
هي الصورة التي كوّنتها عن فلسفة لويس لافيل، وهي
صورة لا شك ناقصة إلى حد بعيد. ولكنها ترسم اطارها
العام رسماً تقريبياً. وهذا ما كان يهمني من الأمر
كله. في البداية انسقت مع التصور: هناك كل يتجاوزنا
من كل جانب، ونحن أجزاء فيه. شيء حسن، وكلام لا غبار
عليه، ولكن، لم توحيده هو والفكر؟ كان هنا مكمن
الاشكال بالنسبة إلي. غير أني لاحظت أن لافيل عدّه
كذلك، لأن الكل هو الله عنده. وهذا ترتب عليه، ان
الكل فعل، وان الفعل حرية، وانه لا يصدر عن الحرية
إلا حرية. لم يكن هذا ينسجم مع تصوري الكل، فهو عندي
الوجود المشخص. ولهذا استبعدت الفعل، وأحللت محله
صيرورة هيرقليطس، وصرت أرى فيها حركة الوجود، التي
تصدر عنها الموجودات الجزئية، وفقاً لحتمية كلية
تفسح المجال أمام حرية جزئية يتمتع بها الانسان
وحده، جراء صدور التعدد عن الوحدة. هذا التعدد الذي
يخلق امكانيات الاختيار...
أما
فكرة رد القيمة إلى الوجود، فقد أعجبت بها، ولكنني
تصورتها على نحو مخالف لتصور لافيل لها.
(33)
مارتن هيديغر: الوجود في العالم
كان
تعرفي هيديغر حينما قدم لي أحد الأصدقاء كتاب ريجيس
جوليفية: "المذاهب الاجدانية من كيركغرد إلى جان
بول سارتر". كان ذلك وأنا أعد عدتي للتوجه إلى
دمشق للاستقرار فيها. ولذلك، لم أجد من الوقت
حينذاك، ما يشجعني على قراءة الكتاب، فجثم بين
الكتب القليلة التي حملتها معي، دون ترحيب
بمقدمه.
ولكن
هذا ما كان له أن يدوم، ما دام هناك زمان يجري. وفي
يوم كان لابد له من أن يأتي، رحبت بالضيف الذي كان
لا يزال ينتظر، وأجريت معه مقابلة ودية، تحدث فيها
عن الفلسفة الاجدانية.
لم
يكن هيديغر مجهولاً لديّ، فقد كان صيته يملأ الجو
الثقافي. وكنت قد صادفت بعض اشارات إليه، واقتباسات
منه، في بعض ما قرأت، ولكنني لم أكن قد تعرفته بعد
في سياق آرائه ونصوصه. ولهذا كان كتاب جوليفيه هو
أول لقاء حقيقي مع هيديغر.
استوقفني
عند هيديغر محاولته ربط الفلسفة بالحياة المشخصة،
ووجدت أن الوجود في العالم كان بداية صالحة للتفكير
الفلسفي، لاسيما أنه يعني بالوجود وجود ذاته هو
الذي يتفلسف. فالوجود في العالم هو وجودي، لا وجود
أي إنسان آخر، ولا وجود الإنسان الكلي. وبتحليلي
إياه، أستطيع أن أدرك الوجود الكلي، الذي ليس
وجوداً ماثلاً أمامي، بل هو وجود قابع فيّ: فالعالم
ليس مشهداً أمتع به نظري، بل هو مجرد ملتحم بشعوري
التحاماً وثيقاً، حتى أن شعوري لا وجود له من دون
العالم، وأن العالم لا وجود له من دون شعوري.
وهكذا
وجدت أن هيديغر يبدأ من وجوده لادراك وجود العالم:
فهو لا يتساءل عن الانسان الكلي، وإنما عن هذا
الانسان، عن ذاته هو الذي يتفلسف، ولا يسعى إلى فهم
الحياة والموت بما هما ظاهرتان عامتان، بل يسعى إلى
فهم الكيفية التي يحقق بها وجوده وهو يعيش وهو يموت.
فكما قال: ان كل شيء يدور حول وجودي أنا ذاتي،
وحياتي أنا ذاتي، وموتي أنا ذاتي.
أقول
انني أعجبت بهذا التحويل للتفكير الفلسفي الى شؤون
الحياة المشخصة. وقد ظللت على هذه الحال، من دون
قراءته أو القراءة عنه، إلى أن وقعت في يدي نسخة من
ترجمة كتابه "الوجود والزمان" إلى الفرنسية.
فقرأت قسماً لابأس به منها. وكم كانت دهشتي كبيرة،
وأناأراه يتبدى لي بوجه غير الوجه الذي كنت أعتقد
أنه وجهه الحقيقي: فقد كنت أعتقد أنه يعني بالوجود
الوجود المشخص، وإذا بي أجد أن معنى الوجود عنده لا
يختلف عن معناه عند من سبقه من الفلاسفة. ألم يقل عن
الوجود الكلي، إنه وجود قابع فيّ؟ وهل يمكن أن يكون
كذلك، إلا إذا كان مجرداً؟ وقد أيد فهمي الوجود هذا
الفهم، أن هيديغر تبنى لدراسته المنهج الظهريائي،
منهج أستاذه هسرل.
وهنا
أقف قليلاً لأتساءل: هل كان هيديغر الحقيقي ينطبق
مع فهمي الأول أو مع فهمي الثاني. لاشك أن الفهم
الثاني هو الصحيح بالنسبة إلى نصوص هيديغر. ولكن،
هل يكفي هذا لتبنيه؟ أما أنا فاني أميل إلى الفهم
الأول، لأنه وليد تصوري أنا ذاتي، لا وليد تصور أي
إنسان آخر، ولأن التشخيص عندي يعني القبض على
الوجود في حقيقته الكاملة، لابما هو فكرة، بالذات
والجسد في وحدتهما الوجدانية، لا بالذات وحدها في
تجريدها المعرفي.
(34)
ماركس وهيغل: المنهج والمذهب
تأخرت
جداً في تعرفي ماركس وهيغل، على الرغم من إلمامي
بفكرهما المام طالب من طلاب قسم الفلسفة: فقد كانا
ماثلين في مقرر سنتي الجامعية الرابعة: تاريخ
الفلسفة والفلسفة العربية، كان الباعث على ابتعادي
عنهما مختلفاً بالنسبة إلى كل منهما، فقد كان شدة
الالفة لفكر ماركس السياسي، والرعب الفكري من
فلسفة هيغل، لقد كان ماركس مألوفاً بفكره السياسي
في البيئة الثقافية التي كت أحتك بها. ولهذا اعتقدت
أن ماركس هو هذا فقط، ليس إلا... أما هيغل فانني أشحت
عنه لكثرة ما خوفني منه الدارسون، حتى أصبح عندي
"بعبع" الفلسفة...
لهذا،
بدأت الاهتمام بهيغل متأخراً نسبياً، وما كان لي أن
أهتم به لولا اهتمامي بماركس والماركسية. والحقيقة
أن ماركس هو الذي قدّم لي هيغل وعرفني اياه. وقد
يتساءل متسائل: لم هذا الاعراض عن هيغل من انسان جعل
الفلسفة قوته اليومي؟ وفي محاولة مني لارواء فضول
هذا السائل، أقول: لقد كنت أخشى مقاربة فكره بأي شكل
كان، حتى أنني لم أوله العناية التي يستحقها فيلسوف
كبير مثله، بل إنني ارتكبت بحقه خطأ فادحاً بعد
تخرجي من الجامعة، وخروجي إلى الحياة العملية، فقد
كنت أعرض عن كتبه، حينما أجدها تقابلني على رفوف
المكتبات، وأفضل عليها كتباً ما لبثت فيما بعد، أن
أدركت أنها أقل قيمة منها من الناحية الفلسفية. وإن
أنسَ لا أنسى الحسرة التي انتابتني في أحد الأيام،
حينما وجدت إني بحاجة إلى كتابه "ظهرياء
الروح"، وتذكرت أنه كان في متناول يدي في أحد
الأيام، ولم أضمه إلى مكتبتي، ومهما يكن من أمر،
فان الحال لم تبق هي الحال، وأتى ماركس يقدمه لي،
ولكن من خلال موقفه الناقد...
كنت
من قبل قد كوّنت فكرة فلسفية، مفادها أنه إذا صح
الفصل بين المنهج والموضوع الدراسي في الفكر
العلمي، فهو لا يصح في الفكر الفلسفي، لأن المنهج
والموضوع الدراسي (المذهب) شيء واحد في الفلسفة.
نظراً إلى موضوعها الكلي. وهذا ما أزال من نفسي عقدة
الخوف من هيغل: فقد وجدت أن رأيه في هذه المسألة لا
يخالف رأيي.
والحقيقة
أنه يوحد بين المنطق والاطبيعي (المتافيزيقا)، ويرى
أن المنطق هو العلم الذي يبدأ ببحث موضوعه مباشرة
ودون أي تأمل تمهيدي في منهجه، لأن صوره وقواعده
وقوانينه- أي مفهوماته ومنهجه- تؤلف جزءاً لا يتجزأ
من مضمونه، ولابد لها من أن تجد تسويغها فيه
بالذات، وإن اختلفا من حيث ارتباط الاطبيعي
بموضوع، وعدم ارتباط المنطق بمثل هذا الموضوع. أما
موضوع الاطبيعي عند هيغل فهو الواقع، وهو يخضع
للتناقض في حركته التي هي انتقال من الموضوع إلى
نفيه، ثم إلى نفي نفيه. بيد أن هذا التناقض ليس
ثابتاً نهائياً، بل في حركة وتغير دائمين إلى غير
نهاية. هذا الواقع المتناقض بحاجة لدراسته إلى منهج
يولي التناقض اهتمامه، مثل المنهج الجدلي الهيغلي
نفسه، وإنهما صورتان متكاملتان لحقيقة واحدة. تلكم
هي احدى النتائج التي خرجت بها من صحبة هيغل، بعد أن
عرفني ماركس إياه. وقد عرفني إياه، ليقول لي: إن
هيغل يعطي الأولية للفكرة. وهذا منحى فكري لا
يمكنني أن أسكت عليه، فأنا أرى أن المادة، لا
الفكرة، هي حقيقة الواقع. ومن هنا كان مذهب هيغل
بحاجة إلى تصحيح: إنه واقف على رأسه، ويتوجب علينا
أن نقيمه على رجليه.
وأخذت
أتأمل ما قاله ماركس، ولاحظت أنه تقبل المنهج
الهيغلي في الجدل، وأنه رفض مذهبه المثالي،
واعتبره مضاداً لمذهبه المادي: فالمادة عنده هي
الموضوع الذي يخضع للنفي ونفي النفي، وقد رأيت أن
ماركس تصور الواقع متناقضاً في حركته وتغيره، على
غرار ما فعل هيغل، فاتبع مثله المنهج الجدلي، ولكنه
اختلف معه في تحديد طبيعة هذا الواقع فرآه مادة،
فابتعد عن الفكرة الهيغلية. وتساءلت: هل كان عمله
مشروعاً؟ وقد أجبت نفياً، لأن هيغل كان منسجماً مع
نفسه، حين جعل التناقض قانون التفكير، وإن ماركس لم
يكن منسجماً مع نفسه، حينما جعل التناقض قانون
الواقع المادي.
ولكن،
هل كنت ميالاً إلى جانب هيغل، من دون ماركس، حينما
ذهبت هذا المذهب؟ لم يكن لي أن أذهب مذهب أحدهما،
وأنا أنطلق من منطلق غير منطلقهما. ولكنني ملت إلى
هيغل بالنظر إلى التجريد الذي اتخذاه معاً منحى
فكرياً لهما: فأنا أحكم عليهما من منحاهما المشترك،
لا من منحاي. من منحاهما، أميل إلى هيغل، وأراه
منسجماً مع ذاته. أما المنحى ذاته، فانني أرفضه
كلياً، مرتداً من التجريد إلى التشخيص، ومن الفكرة
والمادة المجردتين، إلى الوجود المشخص، بما
الوجدان جزء منه، لا يتجزأ إلا تجريداً. في هذه
الحال، يستحيل إلى ذات، ويستحيل ما عداها إلى واقع،
وهو مكوّن من أشياء وأشخاص، من حوادث وأفعال، ويكون
الادراك مجرداً بالذات ولكنه مبطن بادراك وجودي
مشخص بالوجدان. ومنذ تجريد الذات نفسها من الوجدان
والوجود، يبدأ التجريد، ويبدأ معه التناقض،
باستخدامها الذهن فكراً وعقلاً، وبابتداء
التناقض، يصبح الجدل ممكناً. وهكذا تكون الذات في
أصل كل جدل: إنها الوضع الذي يضع الواقع نقيضاً له،
في قلب تأليف سابق عليهما. بيد أن جدل الذات والواقع
هو صورة مجردة عن جدل الوجدان والوجود المشخص في
الكل الذي يتجاوزهما معاً. ولكن جدل الذات والواقع
سرعان ما يتخذ منحى كلياً وراء منحاه الجزئي،
ويتحول إلى جدل الذات والمطلق، حينما تلاحظ الذات
أن الواقع بتجاوزه المستمر لها، يميل إلى التلاشي
في المطلق، والتساوي معه. ومن هنا كان جدل الذات
والمطلق جدلاً تحليلياً يبدأ من الكل، وينتهي إلى
الجزء أو الأجزاء، في حركة متغيرة دائبة تحدث في
الكل ذاته، وقد تحول إلى مطلق.
ولهذا،
رأيت أنه لا يمكن في التجريد أن يضع الوضع نقيضه،
ولاسيما إذا كان الفكرة المطلقة، ولا يمكن للنقيض
أن يعود فيبرز هو والوضع في تأليف يجمع بينهما:
فالنقيض لا يمكن أن يحدث في نقيضه إلا في التشخيص من
ناحية، وإلا إذا كان النقيضان مجردان منه، من ناحية
أخرى، فاذا اجتمعا كان اجتماعهما فيه، من ناحية
ثالثة. لهذا كان من الأقرب إلى التصور، أن نرى الوضع
يولد نقيضه في التأليف الذي لابد له من أن يكون
سابقاً عليهما. وهذا يعني، أن التأليف هو أصل كل من
الوضع ونقيضه، وأن الحركة الجدلية تبدأ منه، وأنه
لابد له من أن يكون مشخصاً.
تلكم
هي الخطيئة التي وقع فيها هيغل، والتي شاركه ماركس
الوقوع فيها، من حيث لا يدري. وأعتقد، أن هذه
الخطيئة هي التي جعلت ماركس يتصور جدل المادة على
غرار جدل الفكر. وسواء ابدأنا من الفكرة أم من
المادة، فاننا لا نستطيع أن نقيم الوضع ونقيضه قبل
التأليف الذي هو أصلهما. وإذا حددنا هذا الأصل
بالكل، أمكننا أن نرتد إلى مستويي الذات فكراً
وعقلاً، وتحديد أن التغير الذي يحدث في الواقع،
ينعكس تغيراً في مجرى الفكر ولكنه ينقلب إلى تناقض
على صفحة العقل. وهذا يجعلنا نعتقد أن ما سماه ماركس
تناقضاً، ما هو إلا الصورة العقلية للتغير الحادث
في الفكر والمنعكس من حركة الواقع. وهذا يعني، أن ما
في الواقع المادي هو التغير، لا التناقض، كما ذهب
إلى ذلك ماركس، وأن التناقض الحقيقي في العقل، كما
ذهب إلى ذلك هيغل. ولكن هذا في مستوى التجريد... |