الفصل
الخامس: خيوط المسائل الفلسفية
(35)
صورة البحث
أريد
أن أتحدث عن فلسفتي كيف تكونت، لقد تكونت لديّ
بالتدريج مسألة بعد مسألة، وأن كنت أشعر أن هناك
بطانة فكرية غير واضحة تكمن وراء كل مسألة تبرز إلى
النور. ولهذا لم تأخذ هذه المسائل بعدها الشمولي في
مذهب متكامل إلا بعد أن قطعت شوطاً بعيداً في
التفكير المتواصل الذي دام ما يقارب أربعين عاماً.
عندئذ تكاملت في رؤية فلسفية شاملة بعد أو وجدت
أساسها المذهبي. بيد أن الأصح أن نقول، إن أساسها
المذهبي كان حاضراً في الذهن منذ البداية، لأنه كان
الوجود المشخص الكلي الحاضر أبداً.
ونظراً
لأن هذه الرؤية الشاملة أتت متأخرة، وأن معظم
مسائلها كانت سابقة عليها، وأتت بالتدريج الواحدة
تلو الأخرى، فانني سأتبع طريقة العرض التاريخي
التكويني. أما العرض التاريخي فمن أجل تتابع
المسائل الفلسفية، وأما طريقة العرض التكويني فمن
أجل تداخل هذه المسائل وتكاملها لتوليد الرؤية
الكلية. إن هذه الطريقة المزدوجة تبين خط تطوري من
ناحية، وتبدى مفاصل فلسفتي واضحة للعيان من ناحية
أخرى. لكن هذا يتطلب منا لتنفيذه، أن نعرض المسائل
الفلسفية بحسب زمان ظهورها لنا أولاً، ثم عرض كيفية
تداخلها وتكاملها في مذهب فلسفي ثانياً.
ولكن،
لا يظن القارىء أن هذه الفلسفة كانت تأليفاً بين
هذه المسائل على أي نحو كان وإنما كان أيغالاً
بالمسائل إلى جذورها، لتحري الأساس الذي تقوم عليه.
وقد وجدت أن الأساس الوجودي المشخص يعطيها بعدها
الحقيقي، لاسيما إذا اعتبرنا الوجود المشخص هو
الكل. وهذا أتاح لي حل مسألة الحرية والحتمية،
ومسألة الشك واليقين، ومسألة المنهج والمذهب،
ومسألة التجريد والتشخيص، ومسألة العلم والفلسفة،
الخ... وقد مكنني هذا من تشخيص الضعف في النظرة
الفلسفية اليونانية وفي النظرة الفلسفية الحديثة،
واكتشاف موطن الاشكال بين الهيغلية والماركسية.
(36)
مسألة الحرية
كانت
مسألة الحرية هي المسألة التي طرحت على تفكيري منذ
أن كنت بعد طالباً في المرحلة الثانوية من دراستي.
وكثيراً ما ناقشت الأمور اليومية أنا وزملائي من
خلالها. لكن مناقشاتنا كانت من خلال المفهوم الشائع
للحرية، ولم تكن مسلحة بأساس فلسفي، فهذا الأساس لم
يبد لي إلا بعد بدء دراستي الجامعية.
والحقيقة
أن أول ما بدأت أنظر نظرة فلسفية إلى الحرية، كان في
بداية عام 1951، أي في منتصف سنتي الجامعية الثالثة،
وكنت أحضر حينذاك شهادة المنطق والمتيافيزيقيا.
منذ ذلك الحين وأنا أقلب مفهوم الحرية على وجوهه،
وأحاول أن أطبقه على شتى مجالات الحياة الانسانية،
وفي العلوم التي تتطرق إليها. وقد كان يحلو لي أن
ألجأ إليها في المناقشات التي كنت أجريها مع زملائي
الذين كانوا يعتقدون أن مسألة الحرية مسألة حياة أو
موت بالاضافة إلى الانسان، فكانوا يقفون لي
بالمرصاد، معتقدين إنهم يدافعون عن قضايا الانسان
وقيمه بدفاعهم عن الحرية كما تتبدى في مفهومهم.
لكنني من جانبي كنت مقتنعاً بقناعة عقلية، ان مفهوم
الحرية مفهوم ملتبس، وإن مآسي البشرية كلها إنما
تتأتى من التباسه: فالايمان بأمر من الأمور على
صورة غير صورته الحقيقية مجلبة للضياع ومبعث
للمتاعب.
ولكنني
في ذلك الحين لم أحاول التعبير كتابياً عن نظريتي
في الحرية. كانت في أول بزوغها وهي ما تزال تلقي
بأشعتها الأولى على عقلي، وكنت أجد في التعبير
الكتابي عنها صعوبة لم أستطع تحديدها في ذلك الحين،
ولكنني بت أرى الآن انها ربما كانت راجعة إلى عدم
تمكني من الأسلوب الفلسفي وعدم احاطتي بالمصطلحات
الفلسفية، أو لقصور نظريتي في شمولها وغموضها في
ذهني، أو للسببين معاً. ومهما يكن من أمر، فقد
انتهيت إلى الاعتقاد بأنها مجرد مسألة فلسفية،
وليست مذهباً فلسفياً قائماً بذاته، وهي بما هي
كذلك جزء من فلسفة لابد لي من النبش عن جذورها.
ولكي
يتابعني القارىء فيما أقصد إليه، لابد لي من عرض
النظرية كما بدت لي في بداية الأمر، ثم كيف تطورت.
لقد تأملت الفعل الارادي. فرأيت أنه في جوهره حرية
تتشبث بحتمية من الحتميات الكثيرة المعروضة أمام
الفاعل. وهذا جعلني أرى أن الحرية ليست شيئاً قبل
تحققها باحدى الحتميات فعلاً، وإنها تصبح شيئاً
محققاً حينما تتشبث بهذه الحتمية فعلاً. وهذا جعلني
أرى أنها تنطوي على معنى الخلق. ولكنه خلق صوري، فهو
يحتاج الى احدى الحتميات مضموناً له، ليصبح شيئاً
ملموساً. وهذا كان يعني بالنسبة الي، أن الحرية
ليست شيئاً من دون حتميتها التي تحققت بها، وأنها
لا تخلق من العدم: فلو أتينا بنجار، وعزلناه في غرفة
خالية، وجردناه من أدواته وأخشابه ووسائله المادية
الأخرى، ثم طلبنا إليه أن يصنع لنا مقعداً أو طاولة
أو صيواناً الخ.. وتوافرت لديه نية صنع ما نطلبه
إليه، لما تمكن من اخراج ما طلبناه إليه من حيز
النية إلى حيز التنفيذ. ومن هذا بد لي، أن الحتمية
قرينة الحرية في الفعل، وأنه لا حقيقة لها خارج
الفعل، فهي صفة له، وليست حقيقة قائمة بذاتها.
وهذا
قادني إلى الفكرة القائلة إن الحرية والحتمية
ليستا متناقضتين إلا في مجال التجريد، وانهما
متكاملتان في التشخيص، بحيث أن الفعل يتحقق من خلال
تكاملهما. بيد أنه بدا لي، أن الحتميات التي تتكامل
الحرية باحداها فعلاً هي من عالم الطبيعة سواء
أكانت فيزيولوجية أم فيزيائية، وإن كل ما في
الطبيعة منساق مع حتمية الكل. ومن هنا توصلت إلى
الفكرة التي ترى أن حرية الفعل جزئية ونسبية
ومجردة، وأن المطاف الأخير ينتهي عند الحتمية
الكلية.
وهكذا
وجدت أن حقيقة الحتمية أكثر أصالة من حقيقة الحرية:
فهي ذات تحقق مستقل عن مصاحبة الحرية، على حين أن
حقيقة الحرية ليست شيئاً متحققاً من دون مصاحبة
الحتمية. إن الحتمية واقع نشاهده في حوادث الطبيعة،
في حركة الصيرورة، في حين أن الحرية نتيجة استنتاج
نقوم به، فنحن لا نرى الحرية، بل نرى الفعل الذي
ندعوه حراً، وحينما نحلله فقط، نجده مرافقاً
للحتمية التي هي بنت الصيرورة: فلولا الصيرورة
وعملها في تجزىء الوجود المشخص إلى موجودات جزئية،
لما أمكن للحرية أن تتشبث بأية حتمية، وأن تتحقق في
فعل. ومن هنا رأيت أن الفعل تابع للصيرورة وليس
خالقاً لها، وأن صاحب الفعل لابد له من أن ينتهي إلى
أن يجد نفسه في نهاية الأمر، وجهاً لوجه، مع حتمية
الصيرورة الكبرى.
وبذلك
اكتشفت ضلال التجريد. ولكي أبين إلى أي حد يكون
التجريد مضللاً، سأتخذ من مسألة الحرية مثالاً
أبين من خلاله، كيف اضطررت إلى أن أعدل من نظرتي إلى
الحرية، منتقلاً بها من ايماني بها في الشكل الذي
ارتضيته لها في بادىء الأمر، إلى اعتقادي بضرورة
الحاقها بالحتمية وانكارها في الحد الأخير.
والحقيقة أنني نظرت إليها في بادىء الأمر من حيث هي
أحد مقومي الفعل إلى جانب المقوم الآخر، الذي هو
الحتمية. فدخلت بذلك إلى داخل الفعل، وكان المفكرون
والفلاسفة حتى ذلك الحين ينظرون إليه من خارجه.
لاشك أن هذه النظرة تتضمن اعترافاً بالحرية، وإن
كانت لا تجعلها مطلقة. ولكنني ما لبثت أن عدلت من
نظرتي، حينما ربطت الفعل بالفاعل، وربطت الفاعل
بما يحيط به في العالم. عندئذ تبين لي أن الحتمية لا
تغزو الحرية داخل الفعل فقط، بل تحاصره من الخارج
حيوياً وطبيعياً أيضاً. وهذا انتهى بي إلى القول: إن
الحرية أمر لا يمكن الاعتراف به إلا من منظور جزئي
نسبي مجرد، حتى إذا غيرنا هذا المنظور، وهو منظور
لابد من تغييره فلسفياً، كان لابد لنا من تبني
الرؤية الكلية المشخصة التي تظهر لنا أن الحرية تظل
مأخوذة في حبائل الحتمية الكبرى.
(37)
مسألة الشك واليقين
أما
المسألة الثانية التي شغلت تفكيري فهي مسألة الشك
واليقين. فمنذ سنتي الرابعة في قسم الفلسفة 1951- 1952،
وكنت أحضر شهادة تاريخ الفلسفة والفلسفة العربية،
توقف ذهني عند مسألة الشك واليقين عند الغزالي
وديكارت. ولكنني كنت معجباً أشد الاعجاب بما ذهب
إليه ديكارت من أنه ما دام يشك فهو يفكر، ومن أنه ما
دام يفكر فهو موجود. وكنت أعتقد أن عبارته الشهيرة:
أنا أفكر فأنا اذن موجود، عبارة لا يمكن التشكيك في
صحتها. وكثيراً ما استعدتها في تفكيري على أنها
كذلك. وظل هذا شأني إلى صيف العام 1958 حين بدأ الشك
يساورني في قيمة عبارة ديكارت. كان ذلك في أحد أيام
تصحيح أوراق إجابات الفلسفة لطلاب الثانوية العامة
في الفرصة التي كنا نمنحها بين فترتي عمل. أذكر أنني
خرجت من القاعة مع من خرجوا، وأخذت أتمشى في رواق
ثانوية جودة الهاشمي وحدي، متأملاً عبارة ديكارت.
لا أدعي أنني توصلت إلى فكرة واضحة بشأنها، وكل ما
أستطيع أن أؤكده، أن تلك اللحظة كانت بداية استثارة
لمسألة الشك واليقين في ذهني.
لا
يظن القارىء انني توصلت إلى حل مباشر لمسألة الشك،
فقد ظلت تشغلني مدة طويلة لا أستطيع أن أحددها، قبل
أن أجد لها حلاً. وكان من الطبيعي جداً أن تتداخل مع
مسائل فلسفية أخرى تطرح في ذهني في أثناء هذه المدة.
وربما لم أكن أصل إلى حل لها لولا هذا التداخل. أما
هذه المسائل فكانت: مسألة المنهج الفلسفي، وكان هذا
طبيعياً لارتباط مسألة المنهج بالشك عند ديكارت،
ومسألة الوجود والصيرورة، ومسألة التجريد
والتشخيص. ونظراً لأن هذه ارتبطت أيضاً بمسائل
فلسفية أخرى، فقد انضافت إليها مسألة موضوع
الفلسفة والموقف الفلسفي ومسألة العلم والفلسفة.
وهكذا وجدت نفسي في متاهة من المسائل الفلسفية التي
كان على ذهني أن يتنقل بينها بالتناوب. وهنا أجد
نفسي مضطراً إلى أن أبين الحل الذي توصلت إليه،
وعلى القارىء أن يتبين بنفسه المسائل التي اختلطت
بهذه المسألة وساعدت على الاسهام في حلها.
يعتمد
الحل الفلسفي لمسألة الشك عندي على التفريق بين
معنيين للكل: الكل المجرد بمعنى مجموعة الأفراد،
مثل قولنا: كل سكان العالم، والكل بمعناه المشخص،
مثل قولنا: كل المعالم. فالكل الأول مؤلف من أجزاء
يمكن أن ينظر إلى أي جزء بمعزل عن الآخر، في حين أن
الكل الثاني لا ينظر إلى أجزائه إذا افترضنا له
أجزاء، وإنما ينظر إليه في تشخيصه الوجودي.
والمساواة بين الكلين مساواة خاطئة في نظري، لأن ما
يصح رياضياً لا يصح وجودياً، ولأن هناك فارقاً بين
التجريد والتشخيص.
وقد
رأيت أن ما فعله ديكارت يدخل في هذا الباب: فهو قد
بدأ يشك بالأشياء واحداً بعد الآخر، وانتهى إلى
الزعم بأنه يشك في كل شيء، غافلاً عن أن وراء كل شيء
"شيئاً" يمسك كل شيء. لقد شك في الأجسام
والأشكال والامتداد والحركة، في الأرض والسماء، في
الجسد والنفس والحواس والذاكرة، في مبادىء الرياضة
وبراهينها، الخ... وأخيراً شك في ذات الفيلسوف ذاته،
وخرج من الشك إلى اليقين من حيث أن الشك تفكير، وأن
التفكير يفترض الوجود: أنا أفكر فأنا اذن موجود.
وقفت
هنا متسائلاً: ألا يفترض هذا الشك المتدرج في
الأشياء ديمومة "شيء" تدوم هذه الأشياء فيه من
ناحية، وتدوم فيه الذات الشاكة من ناحية الأخرى،
وتدوم فيه العلاقة بين الذات والأشياء في حالتي
الشك واليقين، من ناحية ثالثة؟ وقد وجدت أن هذا
"الشيء" لابد من افتراضه ليمكن للشك واليقين
أن يحدثا، وأن يعقب الثاني الأول. وتساءلت عن حقيقة
هذا "الشيء" ما عساها تكون: أهي الكل أم جزء
منه؟ وسرعان ما أجبت نفسي قائلاً: إذا كان الكل فقد
أثبتنا الكل مع الذات التي أثبتها ديكارت، وإذا كان
الجزء فقد انتهينا إلى النتيجة ذاتها، لأن الجزء لا
وجود له من دون الكل، ولأن الكل لا يمكن ألا أن يكون
واحداً.
وهكذا
بدا لي أن الكل يظل القاع القائم أبداً وراء الشاك
والمشكوك فيه، وأنه شرط وجودهما واستمرارهما
والانتقال من الشك إلى اليقين، وأن هذا القاع لا
يمكن لنا أن نشك فيه، لأن الشك فيه معناه الشك في كل
ما يتضمنه، ومنه الذات الشاكة وفعل شكها وهذا يلغي
عملية الشك ذاتها.
ولكنني
وجدت أن استحالة الشك في الكل لا ينفي امكان الشك في
الأجزاء لأن هذه وليدة الصيرورة، والصيرورة تعني
الانتقال جوازياً من حال إلى حال في الزمان، والحال
التي تنتقل إليها لا يمكن بما هي كذلك أن تكون موضع
يقين. وهذا جعلني أبحث عن يقين الأجزاء. وقد وجدت أن
يقينها ينبع من يقين الكل فما دمنا على يقين من
الكل، فلابد لنا بالنسبة إلى ما نشك فيه، أن نفحصه
على محك موضعه من الكل، أي على محك علاقاته
بالأجزاء الأخرى القريبة والبعيدة، والوصول إلى
قرار عن حقيقته، أي الخروج من الشك إلى اليقين
بشأنه.
وبذلك
رأيت أن اليقين الحقيقي هو يقين الكل وأنه لا يقين
للأجزاء بما هي أجزاء. وإنما بما هي ملحقة بالكل.
فهو الذي يربط بين الذات والموضوع، وهو الذي ينقلنا
من الشك إلى اليقين. وهذا يعني أن حالة الشك عارضة
يمكن تجاوزها.
وهنا
أيضاً اكتشفت ضلال التجريد وضرورة العودة إلى
التشخيص: فالتجريد هو الذي فصل بين الذات والموضوع،
وجعل المعرفة معرفة بالذهن، في أصلها الوجداني. ومن
هنا كان لابد من رد الذات إلى أصلها الوجداني، ورد
الموضوع إلى أصله الوجودي. وذا جعلني أرى كيف يلتقي
الوجدان بالموجودات الجزئية على قاع الوجود
المشخص، فتحصل المعرفة، لا من حيث هي معرفة ذهنية
فقط، بل من حيث هي معرفة مرتبطة بالوجود وهذا جعلني
أعتقد أن المعرفة صورة مجردة من الوجد الذي هو
معرفة موجودات قبل أي شيء آخر.
(38)
مسألة المنهج الفلسفي
كان
طبيعياً أن تثير مسألة الشك في ذهني مسألة المنهج،
فهما مرتبطتان عند ديكارت الذي وضع أمامي مسألة
الشك. غير أنني تنبهت منذ البداية إلى أن المسألة
هنا تتعلق بالمنهج الفلسفي لا بأي منهج آخر. وقلت في
نفسي: إن المنهج يرتبط بموضوع، ويجب أن يكون
موافقاً له، فما موضوع الفلسفة؟ وكيف يتحول
الموضوع إلى مذهب في نهاية الأمر؟ وهكذا طرحت في
ذهني مسألة موضوع الفلسفة، ومسألة علاقة المنهج
بالمذهب.
وهنا
تبادر إلى ذهني الرأي الذي يقول: إن الفلسفة ليست
ذات موضوع، وإنها تفكير من الدرجة الثانية، وهذا
معناه أن الفلسفة ليست مستقلة عن العلوم التي هي
تفكير من الدرجة الأولى، وأنها بما هي كذلك ملحقة
بغيرها. ولا أكتم القارىء أنني توقفت هنا وكأنني
أمام عقدة لا حل لها ودام أمري على هذا النحو مدة لا
أستطيع أن أحددها بالضبط، ولكنني أستطيع أن أصفها
بأنها كانت طويلة. ويبدو أن الذهن لا يعمل دائماً
بانتظام: فهو قد يطرح مسائل من المفروض ألا تطرح إلا
بعد طرح مسائل أخرى وحلها. وهذا كان شأني بالضبط، إذ
أن مسائل سبق لها أن طرحت في ذهني، وكان الأمر يقتضي
أن تسبقها مسائل وحلول أخرى.
أما
المسائل التي كان يجب أن تسبق إلى ذهني لحل مسألة
موضوع الفلسفة التي تعتمد عليها مسألة المنهج
الفلسفي، فكانت مسألة نظرة اليونان ونظرة
الأوربيين إلى موضوع الفلسفة، ومسألة التجريد
والتشخيص، ومسألة العلم والفلسفة، إن هذه المسائل
جميعاً أخذت تقوم بأدوار متناوبة على مسرح ذهني،
إلى أن انتهت إلى أن موضوع الفلسفة هو الكل، وهو
مشخص وواحد.
هنا
قلت في نفسي: إذا كان الكل موضوع الفلسفة، كان لابد
للذات المتفلسفة من أن تكون في الكل، لأن الكل
واحد، وهي جزء منه، ولا يمكنها الخروج منه، لتتأمله
من خارجه. وهذا يجعلها تتحرك بمنهجها فيه، وهي
تنشىء مذهبها عنه. وهذا يعني أنها تبني منهجها
ومذهبها في وقت واحد معاً، وأن المنهج هو الوجه
الحركي من موضوع الفلسفة وأن المذهب هو صورته
الثابتة، بعد استنفاد المنهج حركته في استقصاء
جوانب الموضوع كلها.
وهكذا
بدا لي أن الذات وهي تضع دعائم مذهبها الفلسفي
المعبر عن موضوع الفلسفة لابد لها من أن تقيم أسس
منهجها المعبر عن حركتها في تتبعها موضوع الفلسفة،
في الوقت ذاته. وانتهيت إلى أن المذهب والمنهج في
الفلسفة توأمان لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر:
فأحدهما هو الوجه الحركي، وثانيهما هو الوجه
الثابت.
وهنا
أيضاً وجدت أن التجريد هو علة الضلال، وأن العودة
إلى الوجود المشخص هي السبيل إلى الصواب: فالمنهج
والمذهب الفلسفيان مرتبطان بموضوع الفلسفة،
وموضوع الفلسفة هو الكل الذي هو وجود وصيرورة، وجود
يعبر عن ثباته المذهب، وصيرورة يعبر عن حركتها
المنهج. وهذا يعني أن حركة المنهج في تتبعها
للصيرورة تكشف عن طبيعة الوجود، وتحولها إلى
مذهب.
لكن،
في أي اتجاه تتجه حركة المنهج في كشفه موضوع
الفلسفة وتحويله إلى مذهب؟ إذا كا موضوع الفلسفة هو
الكل، وكانت الذات المتفلسفة جزءاً منه، كان لابد
للمنهج من أن يكون تحليلياً وكان لابد للذات من أن
تبدأ بتحليل ذاتها منه، لكي تلتفت إلى تحليله هو
ذاته. ولكنها جزئية من ناحية، وقائمة فيه من ناحية
أخرى، وهذا وذاك يجعلان ادراكها له جدلياً
بانتقالها من الجزء إلى الجزء، وضم ادراك الجزء إلى
ادراك الأجزاء التي ادركتها من قبل، على قاع الكل
الذي لديها عنه صورة مبدئية غامضة، وهي في سبيلها
الآن إلى التوضح. ومن هنا كان المنهج الفلسفي
تحليلياً جدلياً. وكان بما هو كذلك أصلح ما يكون
لادراك الوجود بتتبع صيرورته.
(39)
مسألة الوجود والصيرورة
في
سنتي الجامعية الرابعة (1951- 1952) استوقفني ما ذهب
إليه كل من برمنيدس وهيرقليطس: فقد ذهب أولهما إلى
أن الوجود الواحد الثابت هو جوهر الحقيقة، في حين
ذهب هيروقليطس إلى أن الصيرورة في سيلانها الدائم
هي جوهر الحقيقة. كان لابد لي من أن أدهش أشد الدهشة
للتفسيرين المتناقضين للحقيقة: فحينما كنت أقرأ
أياً منهما على حدته، كنت أنساق معه، وأعتقد أنه
صاحب الرأي الصحيح. لكنني حينما كنت أقرنه بالآخر،
كنت ألمس التناقض بينهما، وأتساءل: أيهما المصيب؟
لم
يكن ما حدث لي خاصاً بي، فقد كان هذا شأن دارسي
الفلسفة جميعاً. ولهذا لم أتوقف عند تناقضهما
طويلاً، وتابعت القراءة منتقلاً من فيلسوف إلى
فيلسوف. ولعلني لست بحاجة إلى ذكر أن هذا كان يحدث
لي عند فراغي من قراءتي كل فيلسوف آخر. ولكن لندع
هذا الآن، فما يهمنا هو التعارض بين رأيي برمنيدس
وهيرقليطس.
في
ذات يوم، لا أستطيع تحديده بالضبط، وأعتقد أنه في
الستينات، كنت أقوم باحدى نزهاتي سيراً على
الأقدام، حينما خطر ببالي ما ذهب إليه كل من
برمنيدس وهيرقليطس، وإذا بي أقول لنفسي: ان الوجود
الواحد الثابت الذي تحدث عنه برمنيدس لا حقيقة له،
فالتغير شيء ملحوظ ولا يمكن انكاره، كذلك الصيرورة
الدائمة السيلان التي تكلم عليها هيرقليطس ليست
حقيقة مكتفية بذاتها، ولابد لها من أساس ثابت تصير
فيه. فالحقيقة أكثر تعقيداً مما ذهب إليه أي منهما.
وقد بدا لي أن الحقيقة في الجمع بين رأييهما، إذ أن
الوجود عند برمنيدس يصبح فكرة، والصيرورة عند
هيرقليطس تصبح تصوراً. وهذا وذاك تجريدان لابد من
تجاوزهما إلى التشخيص: الوجود في صيرورته
والصيرورة في وجودها. وقد عددت هذه الحقيقة المركبة
لفظياً حقيقة مشخصة واحدة ومطلقة، أطلقت عليها اسم
الوجود المشخص. وهنا شعرت بخروجي عن العرف الفلسفي
الذي يبدأ من مبدأ بسيط يجعله سند تفسير لكل شيء،
وتأملت الأمر ملياً، وقلت: انه يرجع إلى اعتبارهم
أن الوجود في الأذهان والوجود في الاعيان شيء واحد.
وهذا ما عارضته منذ البداية.
وهنا
تصورت أن الوجود الواحد الثابت الذي تكلم عليه
برمنيدس هو الذي يعبر عن وجه الثبات في الوجود
المشخص، وأن الصيرورة الدائمة السيلان التي تكلم
عليها هيرقليطس تعبر عن وجه التغير فيه. وهذا دعاني
إلى أن أرى في الصيرورة الحركة التي تجزىء الوجود
المشخص إلى موجودات جزئية، فتكون مبدأ خلق من هذه
الناحية، وقد رأيت تبعاً لذلك، أن الوجدان- الأصل
الوجودي للذات- هو نتيجة حركة الصيرورة أيضاً، وأنه
لا يختلف عن الموجودات الجزئية الأخرى إلا
بالوعي.
(40)
مسألة النظرة الفلسفية
كان
لابد لتراكم المسائل الفلسفية أن توجه تفكيري
توجيهاً خاصاً، سرعان ما انبلج عن فكرة القيام بفحص
كبير للتفكير الفلسفي، من خلال عرض نقدي للمذاهب
الفلسفية المختلفة. أخذت بالفكرة، وما لبثت أن شرعت
بتقليبها على وجوهها، فتبين لي أن المشروع أضخم من
أن يلم به فرد واحد، وأنه بحاجة إلى جهود أجيال
متتابعة، تضم ما أتى به اللاحق إلى ما حققه السابق.
وهذا جعلني ألمس ضعف امكاناتي. ولهذا طامنت من
غلوائي بعض الشيء، واكتفيت بتنفيذ مشروعي على
مستويين متكاملين يتعلقان بموضوع الفلسفة، أحدهما
عام ويتوقف عند نظرة كل من اليونانيين والأوربيين
الحديثين إلى موضوع الفلسفة، وثانيهما خاص يتعلق
بموضوع الفلسفة عند أبرز الفلاسفة وأكثرهم أصالة.
وهذا جعلني أكتب بحثاً بعنوان: الفحص عن موضوع
الفلسفة، ما لبثت أن جعلته جزءاً من كتابي الرئيسي:
الفحص عن أسس التفكير الفلسفي.
غير
أني لن أتعرض هنا إلى موضوع الفلسفة في مستواه
الخاص، فهذا أمر يتطلب كلاماً كثيراً، وسأكتفي
بالحديث عن المستوى العام، فالحديث عنه يفي
بالمرام.
لقد
بدا لي أن الفلسفة اليونانية أضاعت طريقها إلى
موضوع الفلسفة، حينما لم تميز بينه وبين موضوع
العلم: فقد جعلت من هذا الموضوع- وهو الوجود أو
المطلق- شيئاً قائماً أمام ذات الفيلسوف، يتأمله
كما يتأمل العالم موضوع علمه. هذه النظرة صحيحة
بالنسبة إلى العلم، خاطئة بالنسبة إلى الفلسفة،
لأن موضوع العلم جزئي يمكن للعالم أن يقف منه بما هو
كذلك، على حين أن موضوع الفلسفة كلي لا يستطيع
الفيلسوف أن يقف منه، لأنه فيه. وبذلك ظلت الذات
المتفلسفة خارج موضوع الفلسفة. وهذا أوقع الفلاسفة
اليونانيين في محظور فلسفي، هو انتقاص موضوع
الفلسفة بالغاء الذات منه، مع أنها مكوّن من
مكوّناته. لكنني رأيت من ناحية أخرى، أنهم كانوا
منطقيين في تفكيرهم، لأن اثبات الذات من دون وضعها
في مكانها الصحيح، من شأنه أن يؤدي إلى تشويه موضوع
الفلسفة، واظهاره بغير حقيقته.
وحينما
تأملت أمر الفلسفة الأوربية الحديثة لم أجده أحسن
حالا، صحيح أنها أولت الذات عنايتها، عندما ابتدأت
بها، ولكنه لم تدرك مكانها الصحيح من موضوع
الفلسفة، فانتهى الأمر بها إلى تشويهه: فالمعروف أن
ديكارت جعل الذات المواطنة الأولى في عالم
الفلسفة، حينما قال عبارته المشهورة: أنا أفكر فأنا
اذن موجود. ولكنه إذ فعل ذلك، جعل الوجود متوقفاً
على الذات، التي هي ذات كل ماهيتها التفكير. ومنذ
ذلك الوقت والفلاسفة يولون الذات اهتماماً خاصاً،
وإن كانوا غير متفقين بشأنها: فالأولية التي منحها
اياها ديكارت، كانت موضع اختلاف بينهم:
فالمثلانيون أكدوا أولية الذات، وردوا كل شيء إلى
الفكر، والوقعانيون أكدوا أولية العالم الخارجي،
وردوا كل شيء إلى الواقع. واحتدم النزاع بين
الفريقين.
وهكذا
وجدت أن الفلسفة الأوربية الحديثة أحسنت صنعاً
بجعلها الذات جزءاً من موضوع الفلسفة، ولكنها
أساءت حينما جعلتها خارجه، تتأمله تأمل الموضوع
العلمي. وحينما فكرت في موقف كل من المثلانيين
والوقعانيين، وجدت أن موقف هؤلاء ليس أفضل من موقف
أولئك، فقد أضاعوا جميعاً موضوع الفلسفة: فحينما
أكد الفريقان وجود حقيقتين، هما الذات والعالم،
وضعا أنفسهما في موقف صعب إذ أننا إما أن نعد الذات
والعالم حقيقتين متخارجتين، فيصبح موضوع الفلسفة
جزئياً، أو أن نعدهما حقيقتين متداخلتين، فنكون
أمام احتمالين: فإما أن تدخل الذات في حقيقة
الواقع، أو يدخل الواقع في حقيقة الذات. ولكن
التداخل افتراض، وافتراض أولية الذات أو الواقع
افتراض آخر. وهذا ينتهي إلى أن الفلسفة في وجهتي نظر
الفلسفة الأوربية الحديثة قائمة على محض افتراض،
وهذا يفقدها طابع اليقين، ويجعل الاشتغال بها أقرب
إلى العبث.
وهذا
وذاك جعلاني أتساءل: إذا كانت الذات جزءاً لا يتجزأ
من موضوع الفلسفة، كما ذهبت إلى ذلك الفلسفة
الأوربية الحديثة، وكان الوجود أو المطلق هو
موضوعها، كما رأت الفلسفة اليونانية ، فأين هو مكان
الذات من هذا الموضوع؟ لقد بدا لي بحدس سريع أن
مكانها لابد له من أن يكون في داخل هذا الموضوع وهذا
كفيل بتجاوز نقص الموضوع ، وتجنب الوقوع في تشويه
حقيقته، ومن شأنه أن يبقي له كماله وأصالته. وقد
أطلقت على هذا الوضع اسم الموقف الفلسفي، تمييزاً
له من النظرة الفلسفية التي وجدت أنه يصح اطلاقها
على كل من الفلسفة اليونانية والفلسفة الأوربية
الحديثة.
ولكنني
سرعان ما لاحظت أن الحل الذي أتيت به يظل حلاً
مجرداً، وأن هذا يوقعني في المحظور الفلسفي الذي
أسعى إلى تجاوزه. وهذا وضع أمامي مهمتي الفلسفية
التي انطلقت منها، وهي العودة إلى التشخيص،
فتساءلت: كيف أعمل للوصول إلى التشخيص؟ لم أطل
التفكير هذه المرة للاجابة: فالكل هو الوجود
المشخص، والذات تنتمي إلى الوجدان أصلها الوجودي
المشخص، وموضوعات المعرفة هي الموجودات الجزئية،
والوجدان بما هو جسد موجود يشاركها الوجود، وبما هو
ذهن يكوّن فكرة عنها، مما يجعل معرفته لها معرفة
فكر ذات رصيد من الوجود، أي معرفة موجودات تخاطب
الذهن ويخاطبها.
(41)
مسألة العلم والفلسفة
بعد
هذا الشوط الطويل الذي قطعته في التفكير الفلسفي،
واثارة مسائله الواحدة تلو الأخرى، كان لابد لي-
أنا المشتغل بالفلسفة- من أن أتساءل عن حقيقة
الفلسفة ما هي، لاسيما أن الرأي الشائع من حولي،
كان يرى أن العصر عصر علم، وأن البحث الفلسفي لا
يجدي في حياتنا اليومية فتيلاً. وهذا جعلني أربط
بين العلم والفلسفة، ولا أدخر وسعاً في التساؤل عن
الفارق بين الحقيقة التي تبحث عنها هذه والحقيقة
التي يبحث عنها ذاك.
وبعد
التأمل وجدت أن هناك صفة مشتركة بينهما هي التجريد،
أدت إلى ازدهار العلم ولم تؤد إلى ازدهار الفلسفة،
مما جعلني أرسم اشارة استفهام حول قيمة التفكير
المجرد في الفلسفة. وهذا استدعى إلى ذهني الرأي
القائل: إن موضوعات العلوم المختلفة كانت مندمجة في
موضوع واحد، هو موضوع الفلسفة، وانها أخذت تنفصل
عنه الواحد تلو الآخر، بمرور الزمن، وتكوّن علوماً
مستقلة، تاركة الموضوعات المتبقية للفلسفة. لكنني
رأيت أن هذا رأي غريب، لما يدفع إليه من تصور أن
الفلسفة تبحث في حقائق زائفة، وأن الحقائق الصحيحة
هي حقائق العلم.
وقد
دفعني هذا إلى الاعتقاد بأن هذا التصور فيه قلب
للحقائق، فهو يجعل النتيجة مقدمة، والمعلول علة:
إنه يذهب إلى أن التفكير العلمي يأتي أولاً، ثم
يتبعه التفكير، الفلسفي. ليتم ما بدأه. وبعد تأمل
الأمر، وجدت أن هذا يصح من وجهة نظر المعرفة، لا من
جهة الموضوع، ففي المعرفة نبدأ مما يبدو لنا، أي من
الموضوع مجرداً عن القاع الوجودي الذي يمسكه، في
حين أن هذا الموضوع لا وجود له من دون الوجود
المشخص، الذي له الأولية عليه بما هو قاعه الوجودي.
وهذا أقنعني بأن المسألة على عكس ما تبدو، وأن وجهة
النظر المعتادة يجب أن تقلب: فالموضوعات التي
يتناولها التفكير العلمي تفترض هي والذات العالمة
قاعاً وجودياً كلياً تقوم عليه، لابد من تقديمه
عليها. هذا القاع الوجودي الكلي هو موضوع الفلسفة.
وهكذا سلمت بأن الحقيقة الفلسفية أسبق وجوباً، وإن
كانت الحقائق العلمية أسبق تصوراً، مما يعني أن
التفكير العلمي يظل مبطناً بالتفكير الفلسفي. الذي
لابد له من أن يكون من الدرجة الأولى على الرغم من
خفائه.
والحقيقة
أن العلم يبدأ من العالم كما وصل إليه تحليل
الانسان العادي، أي بما هو مجموعة أشياء متفرقة
تقوم في مقابل الذات العارفة، لا بما هو كل يشمل هذه
الأشياء والذات التي هي تعرفها. وهذه نقطة بدء
تفترض وراءها عملاً ذهنياً بلغ أقصى درجات
التجريد، لاسيما بعد تدخل التفكير العلمي في خلال
تاريخ بشري طويل. تفرع فيه العلم الواحد إلى علوم
متعددة ومختلفة. وهذا خلاف نقطة بدء الفلسفة، التي
لابد للذات المتفلسفة فيها من أن تتوقف عند العالم
بما هو كل يحتويها، تدرسه وتدرس أجزاءه في علاقاتها
به، وفيما بينها من خلال علاقتها به.
ولهذا
رأيت أن ما ذهب بعضهم إليه، من أن الفلسفة تفكير من
الدرجة الثانية، يعقب التفكير العلمي الذي هو من
الدرجة الأولى، هو رأي بعيد عن الصواب: فالفيلسوف
لا يتناول ما يتركه العلماء، بل يتناول الكل الذي
يجتزىء العلماء بعض أجزائه، التي يجعلونها موضوعات
أبحاثهم. وهذا جعلني أذهب إلى أن الفيلسوف لا يمكنه
أن يهمل ما يأتي به العلماء، لكنه لا يستطيع في
الوقت نفسه، أن يكتفي به كما يفعلون، إذ لابد له من
أن يحل الحقائق الجزئية والمجردة في الحقيقة
الكلية المشخصة، وأن يجعل هذه سند تلك. أما العالم
فهو كالفيلسوف، يدرك الحقيقة الجزئية في إطار
الكل، ولكنه يختلف عنه في أنه يصرف انتباهه عنه،
وينصرف إلى هذه الحقيقة الجزئية: فالعالم يدرك
الحقيقة الجزئية مجردة من الحقيقة الكلية المشخصة،
والفيلسوف يدرك الحقيقة الكلية المشخصة وما تتضمنه
من حقائق جزئية ترتبط فيما بينها بعلاقات مجردة.
وهكذا
وجدت أن العلم لا يمكن أن يقوم إلا بسند من الفلسفة،
لأن العالم وموضوعه يقومان في موضوعها الذي هو
الكل. وقد فهمت الكل فهماً مشخصاً، لأن الكل المجرد
ليس كلاً. وهذا دعاني إلى عده شيئاً واحداً هو
والوجود المشخص، كما دعاني إلى عد مجردات العلم
معاني لا أساس لها من دون الموجودات الجزئية التي
جردت منها. وهكذا قفزت دفعة واحدة إلى المشخص: فاذا
كانت الدراسة العلمية تكتفي بدراسة الظواهر، وتربط
بينها في قوانين عامة، فان هذه الظواهر والقوانين
تبقى أموراً مجردة، ولا تعد شيئاً من دون الموجودات
الجزئية والوجود المشخص. لهذا فهي تظل بعيدة عن
اليقين، إذ لا يقين للجزئي والمجرد بما هما كذلك،
وإنما بما هما ملحقان بالكل، الذي هو أساس اليقين.
(42)
مسألة التجريد والتشخيص
كان
لابد للحياة الفكرية التي قضيتها، من أن تنتهي بي
إلى لمس ما في التجريد من ابتعاد عن الحقيقة. وهذا
طرح في ذهني مسألة الكيفية التي أقارب بها المشخص.
كيف يمكن للتفكير الفلسفي أن يقارب المشخص، وهو
يستخدم لغة الألفاظ وسيلة تعبير له؟ بعد انعام
النظر، بدا لي أن معالجة هذه الصعوبة لا يمكن أن
تكون إلا بالمراوحة بين المجرد والمشخص، بحيث نتبع
في انتقالنا من الأفكار المجردة إلى الموجودات
المشخصة، الطريق ذاتها التي اتبعناها في انتقالنا
من الموجودات المشخصة إلى الأفكار المجردة، وبذلك
نظل على اتصال مستمر بالوجود المشخص الذي هو مرجع
الحقيقة.
وهنا
تساءلت: هل يمكن للذات المجردة أن تدرك الوجود
المشخص بما هو وجود مشخص، والموجودات الجزئية بما
هي موجودات؟ وكانت اجابتي عن تساؤلي بالنفي،
لاعتقادي بأن المجرد عاجز بطبيعته عن ادراك المشخص.
وهذا اقتضاني أن أرتد بالذات إلى أصلها المشخص، إلى
الوجدان الذي هو ذات وجسد، بل وحدتهما وراء واو
العطف التي تجمع بينهما تعسفاً، بعد أن فصلت بينهما
تجريداً. وهنا وجدت مستلهماً روح اللغة العربية، أن
الوجدان وجود، وأنه بما هو كذلك موجود جزئي بين
الموجودات الجزئية الأخرى، يشاركها الوجود،
ويعرفها بما هي موجودات، من خلال هذه المشاركة. إنه
يدركها ظواهر وماهيات وموجودات في وقت واحد معاً،
بحيث يكون ادراكه ادراك ظاهرة تحيل إلى ماهية وإلى
وجود، إلى هذا الشيء أو ذاك، إلى هذا الشخص أو ذاك.
وهكذا
بدا لي أني توصلت إلى حل النزاع الذي أثاره ديكارت
في مستهل تاريخ الفلسفة الأوربية الحديثة، والذي
أدى إلى قيام المثلانية، وأثار رد فعل الوقعانية،
وبلغ أوجه في النزاع الماركسي الهيغلي: فنحن لا
ندرك الأشياء على أنها مجرد موجودات كما يرى
الماركسيون، ولا على أنها أفكار كما يرى
المثلانيون. بل ندركها في وجودها وفكرها على قاع
الوجود المشخص الذي يجمع بيننا وبينها. ومن هذا
الادراك ننطلق إلى ادراك الكل معرفة، مع أننا فيه
منذ البدء وجوداً. وعندئذ يتحول وجود الوجدان في
الوجود المشخص إلى ذات قائمة في المطلق، وتتحول
الموجودات الجزئية من أشياء وأشخاص، إلى ظواهر
وماهيات. وبذلك يتم الانتقال من التشخيص الوجودي
إلى التجريد المعرفي.
هذا
الوضع الذي يكون به الوجدان في الوجود المشخص وبين
الموجودات الجزئية دعوته الموقف الوجودي. أما
صورته المجردة، وأعني بها قيام الذات في المطلق بين
الظواهر والماهيات، فقد أطلقت عليها اسم الموقف
الفلسفي. وبذلك يكون الموقف الفلسفي تجريداً
للموقف الوجودي، ويقينه من يقينه. إنه يختلف عن
النظرة الفلسفية اليونانية التي أهملت الذات، وعن
نظرة الفلسفة الحديثة التي وضعت الذات خارج الواقع
الذي هو الكل. ويختلف عن النظرتين معاً، من حيث أنه
أقام المجرد المعرفي على المشخص الوجودي.
وبذلك
أتى التشخيص متمماً لكل الحلول التي كانت تنتهي
إليها المسائل الفلسفية التي أثيرت في ذهني،
واكتملت أسس مذهبي الفلسفي، ولم يبق إلا بناؤه.
(43)
مسألة وحدة الفلسفة
لابد
لي من أن أنبه القارىء منذ بداية هذه الفقرة، إلى أن
المسائل الفلسفية السابقة كانت كلها مسائل محدودة
ومتفرقة في حقيقة أمرها، لا مذهباً فلسفياً كاملاً.
كانت مجرد مواد تصلح لبناء مذهبي الفلسفي بما تحمله
من ملامح مذهبية: فقد شرعت ابتداء منها، واعتماداً
عليها، أقيم أسس مذهبي الفلسفي.
لكن
هذا لم يبدأ عفو الخاطر، بل بالسؤال عن سبب تعدد
الفلسفات. وهو سؤال أرقني حقاً، لتعلقه بمسألة
الحقيقة، واستوجب مني أن أعيره الكثير من اهتمامي
وتفكيري. وقد قلت في نفسي: إذا كان الوجود المشخص هو
موضوع الفلسفة، وكان هو الكل، وكان الكل واحداً
بالضرورة، كان لابد للتفكير المنطقي من أن يلزمنا
بفلسفة واحدة وحيدة. وإذا كانت الذات القائمة في
الكل جزئية وتحتل مكاناً خاصاً بها فيه، يجعلها ترى
الأمور من زاويتها الخاصة، وكان هذا شأن كل ذات،
كان لابد للاختلاف من أن ينصب على التفاصيل الجزئية
وحدها، من دون أن يمس الكل أي مساس. وهذا ينتهي إلى
الزامنا بفلسفة واحدة يمليها علينا هذا المنطلق
الصحيح الوحيد، وإن كانت كل ذات تضيف إليها تفاصيل
جزئية تراها من زاويتها الخاصة.
هذا
الكل الواحد الذي هو الوجود المشخص يحتوي الوجدان
الأصل الوجودي البدىء للذات، وهو يدركه ويدرك
موجوداته الجزئية المتولدة عن صيرورته، والمتغيرة
جراء توالي حركتها. هذا الادراك واحد لدى كل ذات،
لأن الاطار الكلي واحد، ولا ينفي الاغتناء برؤى
جزئية تنضاف إليه.
ما
كدت أصل إلى هذه النتيجة، حتى شعرت أنني أضع قدمي
على أرض صلبة، وأن من شأن بداية فلسفية كهذه، أن
تضعني على درب اليقين الذي يستبعد كل شك من جهة،
ويقدم تفسيراً لاختلاف وجهات النظر من جهة أخرى.
وهكذا وجدت نفسي بعد فترة من الضياع الفلسفي، وقد
اهتديت إلى حقيقة هي مستند اليقين، وهي حقيقة أنني
وجدان في الوجود المشخص. عندئذ أدركت فقط الفرق بين
أن تكون الفلسفة فلسفة حقاً.، وأن تكون مجرد فكرياء
يمكن معارضتها بفكرياء مضادة: أدركت الفارق
الحقيقي بين فلسفة ترسم همزة الوصل بين الأفكار
والموجودات الجزئية، وبين الذهن والوجود المشخص،
وفلسفة تكتفي بالأفكار المجردة، وتعدها مرجعها
الأخير في اثباتها ونفيها. والحقيقة أن الكشف عن
هذه الصلة هي مهمة الفلسفة الأولى، التي تستند
إليها مهماتها الأخرى كلها، والتي تجعل مسألة
المعرفة امتداداً لمسألة الوجود، لا مجرد مدخل
إليها.
ولكنني
سرعان ما تبينت أن ما توصلت إليه لا يعدو كونه
أساساً يمكن استخدامه في اشادة بناء الفلسفة
الواحدة الوحيدة. وهنا توقفت عند تحول الوجدان إلى
ذات تجريداً. وتحويلها الوجود المشخص إلى مطلق،
والموجودات الجزئية إلى أفكار، وتساءلت عن كيفية
ذلك، فوجدت أنه لا يمكن أن يتم إلا باللغة اللفظية:
فاللغة هي التي تمكننا من الانتقال من التشخيص
الوجودي إلى التجريد المعرفي. إنها هي التي تجعل من
الوجدان ذاتاً مجردة، ومن الوجود المشخص مطلقاً
مفرغاً من مضمونه، ومن الموجودات الجزئية أفكاراً
وماهيات، فتحول الاتصال الوجودي إلى انفصال معرفي.
وبهذا تخلق في الذهن كيانات رمزية مستقلة عما ترمز
إليه: إنها تخلق ماهيات تقوم في الذهن مقام
الموجودات فتكون صورة بديلة عنها فيه. وهذا يطابق
ما كنت ذهبت إليه من أن ما دعاه الفلاسفة وجوداً
ذهنياً هو مجرد حالة وجدانية ندعوها ماهية.
وهكذا
أدى بي ادراكي لحقيقة اللغة على هذا النحو، إلى أن
تصورت الموقف الفلسفي امتداداً للموقف الوجودي،
وإلى أن نظرت إلى الفلسفة على أنها واحدة لا تتعدد،
نظراً لأن الموقف الوجودي واحد، وامتداده في
التجريد واحد.
(44)
مسألة القيم
حتى
وقت متأخر جداً، ظللت أعتقد أن المطلق هو مجرد
تجريد من الوجود المشخص، وأن وظيفته الأساسية هي أن
يكون محلاً ذهنياً للأفكار المجردة، مثلما الوجود
المشخص محل للموجودات الجزئية، ولكنني لم ألبث أن
أكتشفت أن الذات تحوله بمقاصدها إلى معيار تقوّم من
خلاله الأشياء والحوادث والأشخاص والأفعال، فتحكم
عليها بالحق أو الخطأ، بالخير أو الشر، بالجمال أو
القبح، فيصبح حقاً مطلقاً، أو خيراً مطلقاً، أو
جمالاً مطلقاً. وهكذا ربطت القيم العليا بالمطلق
ومقاصد الذات. ولكنني تذكرت موقف الفلاسفة
الاجدانيين منها وأنها في رأيهم اختراع يقوم به
الفرد وهو يحقق ذاته بأفعاله. فرأيت أن هذا مستحيل،
لأن القيم تتمتع بكلية واجماع ينفيان عنها صفة
الاختراع.
وكما
رأيت من قبل، كانت المسألة ككل المسائل، تتعلق
بالتجريد والتشخيص وما يرتبط بهما من جزء وكل،
وكيفية عبور المسافة بين الجانبين، لنحكم على ما
نحكم عليه بالحق أو الخير أو الجمال. وقد بدا لي، أن
هناك طريقاً قطعته الذات من المشخص إلى المجرد، ومن
الكل إلى الجزء تجريداً، وأن من الواجب قطعه هو
ذاته في أثناء العودة، للحكم على الأمور، منعاً
للالتباس بين الخطأ والصواب. وبين الشر والخير،
وبين القبح والجمال، ولكنني تساءلت: ما الذي يضمن
ذلك؟ وقد خطر لي أنني باللجوء إلى الأسس الفكرية
العامة يمكنني فعل ذلك. بيد أنني سرعان ما استدركت
قائلاً: ولكن الأسس الفكرية شيء مجرد، وهذا يؤدي
بنا إلى ما كنا نعارضه أصلاً. وحرت في أمري، وطالت
بي طريق الحيرة، إلى أن لمعت في ذهني فكرة بارقة،
فقلت: إذا كانت أفكارنا جميعاً مستمدة من الوجود
المشخص، فلماذا لا تكون أسس تفكيرنا مستمدة منه
أيضاً؟ هنا خطر لي أن الذات في محاولتها فهم الوجود
المشخص وموجوداته الجزئية، بتجريدها وتجريد
علاقاتها، إنما تلجأ إلى مقاصدها في محاولتها هذه،
بتحويل المطلق الذي جردته من الوجود المشخص، إلى
فكرة تنسجم مع المقصد الذي هي بصدده، وتحكم من
خلالها على الشيء أو الشخص أو الحادث أو الفعل،
سواء أكان الأمر يتعلق بها هي ذاتها أم بغيرها. هذه
الأفكار المطلقة هي ما اعتدنا أن ندعوه بالقيم، وهي
تقتصر في مستواها الأعلى على ثلاث، هي الحق والخير
والجمال. إنها جميعاً مطلقة وكلية، ومن خلالها نحكم
على ما هو نسبي وجزئي.
وقد
بدا لي أن جوهر الحكم هو في انسجام الجزئي مع الكلي
أو عدم انسجامه معه. وهو إما يكون من خلال مقصد الحق
أو مقصد الخير أو مقصد الجمال. فاذا كان من خلال
مقصد الحق، كان يتعلق بالمعرفة، وإذا كان من خلال
مقصد الخير، كان يتعلق بالأخلاق، وإذا كان من خلال
مقصد الجمال، كان يتعلق بالفن، وهذا يجعل المباحث
الأساسية في الفلسفة ثلاثة، وهي مبحث اليقين،
ومبحث الأخلاق، ومبحث الفن. أما ما عدا هذا من مباحث
فهو إما أن يكون فرعاً من أحدهما، أو تأليفاً من
اثنين أو أكثر منها.
وقد
كنت حريصاً على التشديد على أن هذه المباحث يجب أن
تنحو نحواً مشخصاً وكلياً. يعود بالمجرد إلى أصله
المشخص، وبالجزئي إلى سياقه الكلي.
(45)
بقايا أسئلة
ذكرت
أن تحولاً حدث في حياتي الروحية، حين تساءلت عن سر
الجمال في الشعر، وتوجهت إلى دراسة الفلسفة،
باعتبار أن مسألة الجمال مسألة فلسفية. وهكذا كان
هذا السؤال بمنزلة انقلاب في حياتي الروحية كلها.
والحقيقة أني ما كدت أطرح هذا السؤال، حتى تلته
سلسلة من الأسئلة لا تكاد تنتهي، أخذت ترافقني في
مسيرة حياتي، بعضها حظي باجابة مني، وبعضها ما يزال
ينتظر.
ما
كان لي أن أتصور حياة إنسانية تنقلب إلى سلسلة من
الأسئلة تتفرع منها سلاسل أخرى من الأسئلة، وتظل
على هذا النحو مدى عمر كامل. ولكن ما لم أتمكن من
تصوره، كان لابد له من أن يعبر عن حياة انسان معين،
لم يكن غير ذاتي. وهأنذا التفت إلى الماضي، فأراه
وقد تناثرت فيه الأسئلة، كما يتناثر الحب من يد
الزارع في حقل مديد. غالباً ما كان السؤال يبقى
سؤالاً، وحينما كنت أجد جواباً له، كنت أجد الجواب
يتملص مني، ليستحيل إلى سلسلة من الأسئلة التي
يتولد بعضها عن بعض. لقد قال بعضهم: إن الفكر
الفلسفي يقوم على طرح الأسئلة، لا الاجابة عنها.
وهذا في رأيي تصوير للحالة التي مررت بها، والتي مر
بها كل الفلاسفة من قبلي. ولكنه لا يعني أن نكتفي
بطرح الأسئلة من دون الاجابة عنها، وإلا فما قيمة
سؤال لا يحاول طارحه الاجابه عنه؟
وهكذا
اقتنعت بأهمية أن يكون لكل سؤال اجابته، من دون أن
يرافق قناعتي هذه، شعور بمقدرتي على الاجابة عن كل
سؤال. وقلت في نفسي: إن ما أعجز عن الاجابة عنه
اليوم، قد أتمكن من الاجابة عنه غداً أو بعد غد، أو
بعد أسبوع، أو بعد شهر، أو بعد سنة.... ربما كانت
الاجابة عنه رهن بالاجابة عن سؤال آخر لم أطرحه،
ولربما لن أتمكن من طرحه، لأنه ليس في مدى الرؤية
الفكرية التي أنا فيها.
من
الأسئلة التي رافقتني مدة طويلة من الزمن، سؤال عن
حقيقة التربية. وكنت بما أنا دارس فلسفة، أطمح إلى
أن أرى لها أساساً ينسجم مع رؤيتي الفلسفية. وسرعان
ما وجدت هذا الأساس في نظريتي في الحرية والحتمية؛
فتصورت التربية عبارة عن تلاقي فعلين، أحدهما
يتوجه من المربي نحو الطفل، وثانيهما يتوجه من
الطفل نحو المربي، فيلتقيان معاً لقاء فعل بفعل،
فعل تربية بفعل نمو. هذا التلاقي يجعل منهما فعلاً
واحداً مشخصاً: فهما يتداخلان ويتشابكان بحيث لا
نجد تربية من دون نمو، ولا نمواً من دون تربية.
وتساءلت
عن مصدر كل من هذين الفعلين، فوجدت أن فعل التربية
الذي يمثله المربي، يأتي من المجتمع حاملاً معه
تراثه الماضي، وتطلعاته الحاضرة، ومثاله الذي
يتوجه به نحو المستقبل، وإن فعل النمو يأتي من
الطفل حاملاً معه موروثات حيوية واستعدادات نفسية،
ومكتسبات اجتماعية وثقافية تمتد على مدى العمر
الذي بلغه، وبحسب البيئات التي عاش فيها. ووجدت أن
هذين الفعلين يلتقيان على نحوين مختلفين: فتارة
يأتي فعل التربية مسايراً لفعل النمو، وتارة يأتي
مخالفاً له. في الحالة الأولى يسهل له سبل التحقق
الكامل، وفي الحالة الثانية يقف في سبيل تحققه
جزئياً أو كلياً.
هنا
كان لابد لي من العودة إلى التساؤل: ما السبيل إلى
جعل فعل التربية فعلاً يتيح لفعل النمو تحققه
الكامل؟ كان لابد لي لكي أتمكن من الاجابة، من
الرجوع إلى مفهوم الفعل لديّ: إنه حرية وحتمية. وكان
يجب علي أن أتصور كيفية تلاقي الفعلين بما هما حرية
وحتمية. وقد رأيت، أن حرية المربي تتجه إلى حتميات
الطفل الحيوية والنفسية، وحتمياته الاجتماعية
المكتسبة، فتحاول توجيهها الوجهة التربوية
المرغوب فيها، على حين تتجه حرية الطفل إلى
الحتميات التربوية التي يقدمها له المربي، فيحاول
التشبث بها وفقاً لمستوى فعل التعلم الذي يكون
بلغه، فيأخذ ما هو في مستواه، ويعجز عن أخذ ما هو
فوقه. ومن هنا كانت ضرورة المربي، لتمكين الطفل من
التعلم والتربي وكل هذا في جو تربوي متكامل، له
علاقاته الحميمة بالبيئة.
بيد
أن المسألة التربوية لم تكن المسألة الوحيدة التي
كنت أبحث لها عن أساس فلسفي، إذ أن مسألة العلوم
الانسانية كثيراً ما استوقفتني وشغلتني. وكنت
دائماً أتساءل: هل من الصواب معالجة المسائل
الانسانية كما تعالج المسائل الطبيعية؟ وكان هناك
دائماً شيء في أعماق نفسي يجيب بالنفي. لماذا؟ لم
أكن أدري ذلك بوضوح. وما لبثت أن شعرت أن الأمر
يتعلق باختلاف موضوع العلوم الانسانية عن موضوع
العلوم الطبيعية. واستخلصت من ذلك، أن المنهج هناك
يجب أن يختلف عنه هنا.
وهذا
قادني إلى البحث عن نقاط الاختلاف بين الموضوعين.
فوجدت أني إذا استعرضت أمامي موكب الكائنات، وجدت
منها الجمادات والنباتات والحيوانات والانسان،
وأنها تؤلف هرماً قاعدته الجمادات وقمته الانسان،
وان هذه الكائنات جميعاً تتمتع بصفات القاعدة
وانها تبدأ تختلف في صفات أخرى اضافية تزداد كلما
صعدنا نحو القمة. وهذا يعني أن الانسان يتمتع بصفات
خاصة لا نجدها في أي من المستويات التي هي دونه.
وهنا
كان لابد لي من أن أتساءل عن هذه الصفات التي يتفرد
بها الانسان من دون الكائنات الأخرى. وقد وجدتها في
ثلاث: الحرية والقيمة والغاية. غير أنني وفقاً
لنظريتي في الحرية، وجدت أن الحتمية التي تتشبث
الحرية بها هنا، هي حتمية القيمة التي تنصبها غاية
لها تسعى إلى تحقيقها.
وقد
تساءلت حينئذ قائلاً: إذا كان الموضوع الانساني
يختلف بهذا عن الموضوع الطبيعي أفلا يجدر بنا أن
نبحث عن منهج آخر، غير منهج الاستقراء الطبيعي،
نجعله أساس البحث في العلوم الانسانية؟ ولكن، كيف
يمكن أن يكون هذا المنهج؟ وتصورت أنه يكون بمخالفة
ما درجت عليه العلوم الانسانية حتى الآن. فاذا كانت
قد نحت نحواً تجريدياً حتى الآن، فلابد من تبني
منحى تشخيصي. والحقيقة أن علوماً إنسانية مجردة
قامت تدرس الانسان بما هو حادثة نفسية أو اجتماعية
أو اقتصادية أو لغوية الخ... ففصل عن أساسه الطبيعي
الذي هو سند هذه الحوادث كلها، وأصبحت كل حادثة
قائمة بذاتها، وتدرس على أنها كذلك. وقد رأيت في ذلك
تزييفاً للعلوم الانسانية: فاذا كان المقصود من
العلم هو وضعنا على طريق الفهم، فهل حققت لنا هذه
العلوم هذه الغاية؟ وكانت اجابتي: إن هذه العلوم لم
توصلنا إلى فهم الانسان، وإنما زادته غموضاً على
غموضه.
وقد
رأيت أن هذا تزييف لعلم الانسان: فالحادثة الحيوية
لا وجود لها من دون الحادثة النفسية والاجتماعية
والتاريخية والاقتصادية واللغوية الخ... فالانسان
في التشخيص هو كل هذا، وما فصل حادثة عن حادثة إلا
افتعال كاذب. ولكن، كيف تكون الدراسة حينئذ؟ إن
الدراسة لابد لها من أن تكون بارتباط الحادثة
المتوخاة بالحوادث الأخرى ومن خلالها ومن خلال
حرية تسعى إلى غاية خلعت عليها قيمة معينة. وبهذا
يكون أي علم من العلوم الانسانية دراسة للانسان من
جوانبه كلها، من خلال وجهة معينة، قد تكون نفسية أو
اجتماعية أو اقتصادية أو تاريخية أو لغوية الخ...
فبذلك نرى الفرد والجماعة وهما يتحركان في وسط
إنساني، بأفعال إنسانية تتوخى تحقيق قيم معينة، من
خلال حتميات طبيعية وحيوية واجتماعية واقتصادية
وتاريخية ولغوية الخ .. يحاولان تكييفها لصالحهما
ومثلهما العليا.في هذه الحال، نرى الانسان المشخص
يتحرك بحريته في بيئة مشخصة متوخياً تحقيق غايات
خلع عليها قيمه المختلفة.
كل
هذا كان يحدث لي، وأنا في ذهول عن السؤال الذي طرحته
على نفسي منذ ما يقارب خمسين عاماً، ألا يقتضي
الوفاء العودة إلى هذا السؤال، ومحاولة الاجابة
عنه؟ بلى دون شك.
وتساءلت:
ما سر الجمال في الشعر؟ وهل هناك صلة بين جماله
والواقع؟ وقد رأيت أنه بما هو فن، يسعى من خلال واقع
الشاعر نفسه، إلى التعبير عن حالة وجدانية تعبيراً
يتوخى الجمال، وأن هذا التعبير تحكمه صورة اللغة
التي هي أداته.
وهنا
وقفت متسائلاً عن حقيقة اللغة وحقيقة علاقتها
بالشاعر. وقد وجدت أن اللغة فعل، وأن علاقتها
بالشاعر علاقة الفعل بالفاعل. ولما كان الفعل عندي
حرية وحتمية، فقد وجدت أن اللغة بما هي فعل حرية
تبحث عن حتمياتها اللفظية، التي هي معان وايقاعات
وان غايتها استحضار الموجودات والحوادث والأفعال
من خلال هذه المعاني والايقاعات، استحضاراً متوجاً
بالجمال.
وقد
وجدت أن الشعر الجميل هو الذي يحقق متعتين هما متعة
المعنى ومتعة الموسيقا، وان هاتين المتعتين
تنصهران في متعة واحدة. وهذا حداني إلى اعتبار
الوزن والقافية أمرين ضروريين للشعر لا يمكن
الاستغناء عنهما، لأنهما يضفيان على الحالة
الشعرية جواً موسيقياً يزيدها روعة وجمالاً، إنهما
حتميتان شعريتان لابد لمن يريد أن يصبح شاعراً من
التمكن من التصرف بهما، فهما اللتان تجعلان ما
تستحضره الألفاظ، يستحضر استحضاراً جميلاً: فالشعر
ليس مرآة تنعكس فيها صورة الموجودات، بل هو عالم
قائم بذاته، تتحرك فيه الموجودات حركات معينة في
غمرة من الجمال، الذي تخلعه انفعالات الشاعر
عليها.
وقد
خلصت من هذا كله، إلى أن أجمل القصائد هي ما كان
معناها منسجماً مع موسيقاها، وأديا معاً إلى
استحضار الموجودات والحوادث والأفعال والانفعالات
استحضاراً جميلاً، وان الشاعر الملهم هو الذي
يتمكن من تحقيق ذلك في ساعات الهامه ؛ فالرؤية
المثلى في القصيدة رؤية للوجود وموجوداته، وفيها
تكون الرؤية
حقيقة
مشخصة بعيدة عن التجريد كل البعد، إذ أن أداتها
الوجدان، وهو قمين بتجاوز المجرد إلى المشخص.
وهكذا
عشت في دوامة من الأسئلة. هكذا ظللت طوال حياتي منذ
أن استيقظت على السؤال. ولكن أكثر الأسئلة ظلت دون
إجابة، وأقلها أتت اجاباتها متأخرة. ربما كانت هذه
الاجابات تثير أسئلة جديدة. هذا لا أستبعده، ولكنني
قنعت في الوقت الحاضر بالاجابات كما أوردتها، وأنا
أدعو القارىء إلى تقبلها كما يجدها أمامه. غير أنني
لا أصادر حرية تفكيره في أن يطرح بشأنها ما يعنّ له
من الأسئلة...... |