ما الجنس الأدبي؟ - جان ماري شيفير ترجمة د. غسّان السيّد

من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:10 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

- موجز تاريخي لبعض المشاكل النظرية -

ـ مسألة شائكة...

سننطلق من ملاحظة وسؤال. على الرغم من أن الملاحظة عادية، فإننا نادراً مانبديها: يبدو أن التساؤلات المتعلقة بما يمكن أن تحصل عليه نظرية الأجناس قد أقلقت المشتغلين بالأدب خاصة، في حين أن اهتمام المختصين بهذه المسألة من الفنون الأخرى، أقل. على الرغم من ذلك، إن استخدام التصنيفات الجنسية في الموسيقى أو في الرسم أو غير ذلك يثبت أن انتشار هذه التصنيفات في الفنون غير اللفظية ليس أقل من انتشارها في مجال الأدب. ولايمكن كذلك تفسير الاختلاف من خلال الاعتماد على خصوصية الوسيط اللفظي: ارتكزت مسألة وضع الأجناس دائماً على الأجناس الأدبية، وقلما طرحت بالنسبة لأجناس غير أدبية أو لنشاطات خطابية شفهية، على الرغم من أنه في هذين المجالين تُلاحظ يومياً تمييزات جنسية متعددة. في الواقع، التمييزات النوعية (المتعلقة بالأجناس) موجودة في كل أحاديثنا عن الممارسات الثقافية: في كل لحظة يحدث أن نميز سوناتة* عن سمفونية، وأغنية فولك، وقطعة بي ـ بوب عن قطعة فري جاز، ومنظر طبيعي عن طبيعة ميتة أو عن لوحة تاريخية، ولوحة تشكيلية عن لوحة تجريدية، ودراسة فلسفية عن خطبة وعظية أو كتاب رياضيات، واعتراف عن مجادلة أو عن قصة، وكلمة روحية عن طرفة، وتهديد عن وعد أو أمر، ومحاكمة عن هذر... إلخ. من هنا يأتي هذا السؤال: لماذا تركز الاهتمام النظري المتعلق بالمسألة الجنسية دائماً على الأجناس الأدبية؟ إن الإجابة بأن التعرف على الأجناس الأدبية وتحديدها أكثر صعوبة من الفنون الأخرى أو من الأجناس الخطابية غير الأدبية، لايحل المشكلة: أولاً، إن التعرف على سونيته (قصيدة من أربعة عشر بيتاً)، وتمييزها عن الملحمة ليس أكثر صعوبة دون شك (أو أكثر سهولة) من التعرف على وعد وتمييزه عن تهديد، أو التعرف على مسرح شعبي وتمييزه عن تصوير تاريخي، أو أيضاً التعرف على رقصة (شاكون) الإسبانية وتمييزها عن الرقص البطيء. يرتكز كل تصنيف على معايير من التماثل، ولذلك فإن الوضع المنطقي لهذه المعايير يجب ألا يختلف باختلاف المجالات، مثله في ذلك كمثل الصعوبة أو السهولة النسبيتين اللتين نستطيع أن نستفيد منهما من أجل التفريق بين موضوعات مختلفة.

يجب أن يُبحث عن السبب الحقيقي للأهمية التي يُعطيها النقد الأدبي لمسألة وضع التصنيفات في أماكن أخرى: إن السبب يعود، منذ قرنين بطريقة شاملة، ومنذ أرسطو من قبل بطريقة أكثر خفاءً، إلى أن مسألة معرفة ماهو الجنس الأدبي (وفي الوقت نفسه، مسألة معرفة ماهي الأجناس الأدبية الحقيقية وماهي علاقاتها)، يُفترض أن تتطابق مع مسألة معرفة ماهو الأدب، (أو قبل نهاية القرن الثامن عشر، ماهو الشعر).

في المقابل، إن مشكلة وضع الأجناس، في الفنون الأخرى، كالموسيقا والرسم مثلاً، جامدة بالمقارنة مع مسألة معرفة ماهي طبيعة الفنون موضع البحث. ذلك أنه لاتوجد، في هذه الفنون، ضرورة للتمييز بين الممارسة الفنية والممارسة غير الفنية، وذلك لسبب بسيط هو أن الأمر يتعلق بنشاطات فنية بصورة جوهرية. وعلى العكس من ذلك، يشكل الأدب أو الشعر مجالين مستقلين داخل مجال سيميائي (دلالي)، موحد وواسع، هو مجال النشاطات اللفظية التي ليست كلها فنية: يمكن أن تبدو مشكلة تحديد مجال حقل الأدب (أو الشعر) وتعريفه أساسية(1) في الوقت نفسه، ترتبط الأصناف الجنسية مباشرة بمشكلة تعريف الأدب، إلا إذا كانت تدعي، على الأقل، أنها تشكل أصنافاً نصية محددة بالتفاهم. يتعقد كل شيء أيضاً، عندما نُصر على وضع الأدب في مستوى الفنون الأخرى، أي منذ أن نبحث عن تعريفه ضمن خصوصية دلالية خاصة به وأساسية (مثل النغمة المتبدلة في الموسيقى، والخط واللون في الرسم، على اعتبار أن التصنيف النوعي موحد من خلال هذه السمة الدلالية التي يفترض أنها عامة. وهكذا فإن النظرية النوعية (الجنسية) لأرسطو موحدة من خلال الخصوصية الدلالية للمحاكاة الأدبية.

كذلك، يضع التقسيم الثلاثي الهيغلي للشعر، الأدب ضمن منظومة رمزية خاصة موجودة خارج منظومة اللغة. مما لاشك فيه، أن هذه الفرضية هي التي تفسر لماذا يدعي أن الأدب هو وحده، في الواقع، الذي يمتلك أجناساً بالمعنى الدقيق للكلمة: من بين كل الفنون، الأدب هو الوحيد الذي ينتظم ضمن منظومة من الخصوصيات الداخلية التي تشكل وحدة عضوية. لن نستغرب إذن، اقتراحه إقامة منظومة حقيقية للأجناس، خاصة بالنسبة إلى الأدب، ترتكز على مقولاته الفلسفية الأساسية، في حين أن هذه التصنيفات الجنسية ، في الفنون الأخرى، تبقى تجريبية ووصفية بصورة واسعة. ممالاشك فيه أن فرضية منظومة الأدب لاتبدو ضرورية، إلا لأن هيغل قرر مسبقاً أن على الأدب، مثل كل الفنون الأخرى، أن يمتلك منظومته الدلالية الخاصة به: لا تستطيع هذه المنظومة أن تسكن اللغة كما هي، ويشاء القدر أن تكون مرتبطة بمجموع فرعي من الممارسات اللغوية محددة عبر جوهر خاص يحيّد أو يلغي الخصوصية الدلالية للغة كما هي نقطة هكذا أصبحت نظرية الأجناس، المكان الذي يتحدد فيه مجال الأدب وتعريفه: "أُنقذت" الخصوصية الدلالية، التي من الصعب الوصول إليها، بفضل اكتشاف هيغل لنظرية الأجناس. انطلاقاً من هذه الملاحظة، أقترح أن نحللّ، عن قرب، كيف أن نظرية الأجناس الأدبية، من أرسطو إلى برونيتيير مروراً بهيغل، لم تقترب، عبر القرون، من مناقشة عقلية لمشكلات التصنيف الأدبي، بل، بالعكس، نزعت إلى الابتعاد عن الدلالات المفيدة التي قدمها مؤلف "فن الشعر" (لأرسطو)، من أجل عدم الوقوف إلا عند مشاكلها والغوص فيها. ولايمكننا أن نواجه استعادة المسألة الجنسية ضمن مستويات جديدة إلا بعد تمهيد الطريق وإبعاد عدد من البديهيات الخادعة. وهذه هي الوظيفة الوحيدة لهذه الجولة التاريخية القصيرة والسريعة جداً، التي لاتدعي بالتأكيد، أنها تاريخ نظريات الأجناس، ولكنها ببساطة إضاءة، أرجو ألا تكون بعيدة جداً عن مشاكلها ولمحاتها (النادرة).

 

- إبهامات الأب المؤسس.

 

يدعي غوتفريد ويليام أن "تاريخ النظرية الجنسية (.....) ليس شيئاً آخر غير تاريخ الأرسطوطالية ضمن نظرية الأدب(2).

يفترض هذا التأكيد، مسبقاً وبوضوح، أننا نستطيع الحديث عن نظرية للأجناس، أي عن وجود الإشكالية نفسها، من أيام أرسطو حتى أيامنا الراهنة. فما حقيقة ذلك؟

لنبدأ بالتذكير بالجملة الشهيرة التي تفتتح كتاب "فن الشعر": "سنعالج الفن الشعري في ذاته، وفي أنواعه التي تؤخذ ضمن إطار غايتها الخاصة، والطريقة التي يجب فيها تأليف القصص إذا أردنا أن يكون الشعر ناجحاً، بالإضافة إلى عدد الأجزاء التي تنبثق من البحث نفسه. لنتبع النظام الطبيعي، ولنعالج أولاً ماهو أول(3)؟.

هو ذا رجل (أرسطو) يبدو أنه يعرف عمّا ذا يبحث، وهذا الموقف الثابت مهم لسببين على الأقل، وهما مرتبطان ببعضهما بعضاً. فمن جهة، إن أرسطو، بقدر مانعلم، هو أول مؤلف إغريقي درس الشعر، بطريقة مستمرة ضمن زاوية الجنس، أو على الأقل هو أول من يدعي صراحة أن تعريف الفن الشعري يجد امتداده الطبيعي في تحليل تركيبه النوعي. يوجد هنا انقطاع أكيد مع أفلاطون. وكان هذا الأخير قد درس الشعر بصورة أساسية من وجهة نظر إبداع الشاعر ووحيه والقيمة الفلسفية للمحاكاة، إلخ. من المؤكد أنه أدخل في "الجمهورية" معايير تحليلية تسمح بالتمييز بين طبقات النصوص، وذلك بحسب طرق التعبير عنها (السردي، الإيمائي، والنموذج المختلط). بالإضافة إلى ذلك، سنجد هذه النماذج عند أرسطو، ولكنها مختزلة إلى اثنين هما: الإيمائي والسردي (ويتضمن هذا الأخير النموذج المختلط). على الرغم من ذلك، من المهم الإشارة إلى أن أفلاطون لايتحدث عن ثلاثة أجناس أدبية، ولكن عن ثلاثة أصناف تحليلية يمكن توزيع النشاطات الخطابية عليها. لايسأل نفسه ماهي المأساة أو ماهي الملحمة: إنه يقتصر على القول بأن الأعمال المشمولة تحت التسمية العامة، تراجيديا، والأعمال المشمولة تحت اسم ملحمة، يمكن أن تتميز بحسب طرق التعبير عنها. لاشيء يمكنه أن يمنع إضافة أجناس أخرى إلى هذين الجنسين. بمعنى آخر، طريقة التعبير لاتحدد جوهر العمل ولكن الدور التعبيري للشاعر: إما أن يروي، أو أن يحاكي، أو أن يجمع بين الطريقتين(4). في المقابل، يستند أرسطو، على الأقل في الجملة الافتتاحية لكتابه "فن الشعر" التي استشهدنا بها، على عناصر محددة بحسب غاياتها الخاصة، أي، كما سنرى، بحسب ماهياتها: إنه يفترض أن الشعر يشكل جنساً، فهو يمتلك إذن وحدة داخلية .

هكذا، يبدو أن نظريته الجنسية تتطلب أن نتصور الشعر كموضوع يمتلك طبيعته الخاصة، لأن العناصر المختلفة (الأجناس الأدبية المختلفة بالمعنى الحالي لكلمة جنس) تتميز عن بعضها بعضاً بفروقات خاصة، التي يقتطع كل واحد منها فرعاً ضمن الموضوع العام "فن شعري". يمكننا القول إذن بأن المنهج الذي نادى به أرسطو، أي التشبيه بالشجرة، الذي يذهب من الجنس إلى العنصر بمساعدة تعريفات محددة للفروقات الخاصة لمختلف العناصر، يتطلب تغييرات منهجية مهمة. وعلى الرغم من ذلك، فإنه يوجد هنا الفائدة الثانية لهذه الجملة الافتتاحية لكتابه "فن الشعر"، من المدهش أن نرى أرسطو يستخدم هذه الفروقات وهذا المنهج كما لو أنها تحصيل حاصل، أي كما لو أنه من الطبيعي أن ينتظم المجال الأدبي بحسب النظام الطبيعي. لا يمكننا إلا أن نكون حالمين أمام قوة الإيضاح هذه للنموذج البيولوجي، وإن أخذنا بعين الاعتبار حقيقة أن الفلسفة الإغريقية بدأت بوصفها فلسفة الطبيعة (والإنسان الطبيعي)، وأن إحدى طموحات أرسطو كانت بوضوح مزج الفلسفة الإنسانية ذات الأصل السقراطي مع فلسفة الطبيعة للفلاسفة قبل سقراط. هذا يعني انه يجب مباشرة تصحيح الانطباع الذي يمكن أن ينبثق من هذه الجملة المنهجية والتي يبدأ بها كتاب "فن الشعر": يُظهر تحليل النص بشموله، عند أرسطو، أن إشكاليته ليست مختزلة إلى نموذج بيولوجي. يمكننا بصورة أكثر تحديداً، تمييز ثلاثة مواقف.

1 ـ المثال البيولوجي والموقف الجوهري الذي يتطلبه.

2 ـ الموقف الوصفي ـ التحليلي.

3 ـ الموقف المعياري.

ضمن هذا الإطار، يبدو لي أن الموقف الجوهري للمثال البيولوجي يتيح الفرصة أمام نظرية الأجناس بالمعنى القوي للكلمة.

من المهم إذن أن نرى عن قرب كيف تحدد هذه المواقف الثلاثة ثلاثة أقدار متباينة كثيراً حول مسألة الأجناس الأدبية.

سأبدأ بالموقف المعياري: يحتل عددياً المكانة الأولى في "فن الشعر" ويظهر منذ الجملة الأولى، حيث يشير أرسطو إلى أنه سيعالج "بالطريقة التي يجب فيها كتابة القصص، هذا المصطلح "من المناسب" أو "يجب"، يتكرر في مناسبات عديدة، خاصة منذ الفصل السادس، أي منذ أن ينتقل إلى التحليل المفصل للتراجيديا. كذلك، يعالج الفصل الثالث عشر الأهداف التي يسعى إليها المسرحي والعقبات التي يجب أن يتجنبها عند كتابة الأعمال: "بعد كل ما قلناه، يجب علينا الآن الحديث عمّا يجب الوصول إليه والعقبات التي يجب تجنبها عندما نكتب الأعمال، وعن وسائل إبراز الأثر الخاص للتراجيديا. وهذه نقطة مكتسبة أن يكون بناء التراجيديا الأكثر جمالاً هو الذي يكون معقداً وليس بسيطاً..."، وبعد ذلك بقليل: "من الواضح إذن، أنه يجب علينا ألا نرى أصحاب الحق ينتقلون من السعادة إلى الشقاء" ثم "يجب كذلك ألا ينتقل إنسان شرير للغاية من السعادة إلى الشقاء". إننا نرى هنا جيداً أن أرسطو لا يقتصر فقط على تحليل الشخصيات الممكنة أو الواقعية، ولكنه يحدد المواصفات التي يجب أن تمتلكها شخصية ناجحة. بالإضافة إلى ذلك، يوجد الموقف نفسه في الفصول المخصصة للملاحم. مثلاً، في الفصل الثالث والعشرين، يعلمنا أن "القصص يجب أن تبنى على شكل مأساة." وهو موقف مشروع بصورة كاملة منذ لحظة القيام بالتعبيرات التقادمية كما هي (وهذه هي الحالة هنا). هذا لا يمنع من ظهور بعض الغموض. لنأخذ حالة التراجيديا. التقادم في الشكل والمضمون له علاقة وطيدة مع أثر التراجيديا: التطهير. يمكن أن تتوضح البرهنة الخفية لأرسطو كمايلي: من المفروض أن تمتلك التراجيديا أثراً تطهيرياً، لأن هذا الأثر لا تحرضه أي قصة، ولا أي بناء للقصة، هكذا فإن القصة التي نرى فيها إنساناً شريراً للغاية ينتقل من السعادة إلى الشقاء، تسعدنا، ولكنها لا تترك أثراً تطهيرياً للعواطف. خاتمة: يجب إعادة الأفضلية للخصائص التي تؤدي بصورة أفضل إلى الأثر التطهيري. تقوّم المآسي إذن عبر غاياتها الحقيقية. في حين أن السؤال المطروح هو معرفة وضع هذه الغاية: هل يتعلق الأمر بغاية داخلية للمأساة كما هي، أم بغاية خارجية، أي مطلوبة من مجتمع أثينا أو من الفيلسوف أرسطو. لا يمثل هذا السؤال إلا جانباً خاصاً من مشكلة أخرى أكثر عمومية :أيمكن أن يكون لنشاط لغوي غاية داخلية؟ ضمن هذا الإطار، وفي مناسبات عديدة، يبدو أن أرسطو راغب في اعتبار التطهير غاية داخلية للمأساة، إذن يفترض أن لها طبيعة ويعاملها كجوهر. بفعل ذلك، إنه ينتقل من المعيارية إلى الجوهرية (*) ولكن يجب ألا نذهب بعيداً بسرعة، ولنحاول أولاً أن نرى في العمل الموقف الوصفي التحليلي. يتعلق الأمر هنا بموقف يمتلك على الأقل ثلاثة عناصر. الأول هو شكل من التحليل النفسي. نجده، بصورة أساسية، في الفصل الرابع حيث يشرح أرسطو الأصل المحتمل للفن الشعري. يظن أنه يجب البحث عنه في القدرة الطبيعية للناس على الممارسات التقليدية (المحاكاة) وفي ميلهم لاستخلاص السعادة منها: "منذ الطفولة يميل الناس، وهذا من طبيعتهم، إلى التمثيل، وإلى البحث عن السعادة في العروض وفي الوقت نفسه، ويختلف الإنسان عن الحيوانات الأخرى، لأنه ميال إلى التمثيل خاصة، ويلجأ إلى التمثيل منذ التعاليم الأولى التي يتلقاها" (48 ب)

العنصر الثاني هو الوصف التاريخي. أعود، بالتأكيد، إلى الفرضية الشهيرة المتعلقة بتطور الكوميديا والتراجيديا انطلاقاً من أصلهما المشترك، الشعر الهوميري، تنحدر التراجيديا من الإلياذة والأوديسا (شخصيات راقية، موضوع نبيل)، وتنحدر الكوميديا من "مارجيت" (موضوع وضيع). في الواقع، ينافس نموذج آخر هذا النموذج التاريخي بصورة مباشرة، وهو ليس أقل شهرة، وحرف التراجيديا عن قصائد المدح، والكوميديا عن الأناشيد الجنسية.

والعنصر الثالث للموقف الوصفي هو الأكثر فائدة: يمكننا وصفه بالبنيوي أو التحليلي، ومن الأهمية بمكان تمييزه عن الموقف الجوهري ـ المعرِّف، والمفروض من النموذج البيولوجي. يمكننا رؤيته في الكتاب بوضوح في الفصول الثلاثة الأولى خاصة. نحن نعلم أن أرسطو قد حصر في عمله مجاله للتحليل عن طريق اللجوء إلى الاستبعادات المتتالية، الواضحة بصورة عامة ولكنها قد تكون أحياناً مضمرة. يميز أولاً الخطابات التقليدية عن الخطابات غير التقليدية (مثلاً، إيمبيد وكل) (فيلسوف يوناني، 490 ـ 435ق.م) مستبعدأ هذه الأخيرة من مجال بحثه. بعد ذلك، أو على الأصح في الوقت نفسه، يعارض الخطاب الشعري بالخطاب النثري. على الرغم من عدم وجود شيء يشير إلى أنه أراد استبعاد النثر من مجاله، فإن تحليلاته تقتصر على المحاكاة المنظومة، دون أن نعرف سبب ذلك (فرضية فقدان كتاب فن الشعر كان يمكنها أن تساعدنا في هذا الموضوع). هكذا بعد تحديد مجاله في المرة الأولى، أدخل شبكة جديدة للتحليل. وهذه الشبكة مثلثة، أو على الأقل متداخلة سيميائياً في البداية، وتقسم الأعمال بحسب الوسائل المستخدمة، والموضوعات المقدمة، وطريقة التقديم. فيما يتعلق بالوسائل، يقترح أرسطو تمييز الأعمال بحسب استخدام الإيقاع واللغة واللحن بصورة مجتمعة أو منفصلة. ويستشهد بالفنون مستخدماً فقط الإيقاع (رقص)، أو اللحن الموافق للإيقاع (ناي، وقيثارة، ومصفار(*))، ومن أجل عدم العودة ثانية إلى ذلك، فإن مجاله الخاص للتحليل هو المحاكاة اللغوية. قدمت هذه الأخيرة عبر قصيدة المدح، والتراجيديا، والكوميديا، ومثل ذلك من العروض التي تستخدم في وقت واحد (بصورة مجتمعة أو منفصلة) اللغة، والإيقاع، واللحن، أما بالنسبة إلى الملحمة، فإنها تختلف عن الأجناس المستشهد بها عبر غياب اللحن. نضيف إلى ذلك أن هذا التمييز بحسب الوسائل لم يدخل مطلقاً بعد ذلك: سيقارن أرسطو بين الأجناس بحسب الصنفين المتبقيين وهما الموضوعات والطرق.

إن التمييز بحسب الموضوعات متداخل هو أيضاً سيميائياً (وهو مهم أيضاً بالنسبة للعروض الرسومية، وللرقص، الخ)، وحدد ثلاثة أصناف شعرية بصورة خاصة: 1 ـ يقدم الشاعر بشراً أفضل (منّا) وهذا ما فعله هومير، وهذا ما فعله أيضاً الشعراء التراجيديون.

2 ـ يقدم الشاعر بشراً يشبهوننا، وهذا ما فعله كليوفون (الشاعر الذي تقدمه البلاغة كمبدع للمآسي ومقترب من الكوميديا). 3 ـ يقدم الشاعر بشراً أسوأ منّا. وهذا ما فعله هيجيمون دو ثاسوس (نظن أنه مؤلف المحاكاة المأساوية)، ونيكوشاريس (مؤلف ديلياد، محاكاة ساخرة للإلياذة)، وشعراء الهزل بصورة أكثر عمومية. يجب الإشارة إلى أن أرسطو لم يحافظ على هذا التقسيم الثلاثي، إذ اختفى الصنف الأوسط، وهذا ما يتركنا مع التقسيم الثنائي الذي أصبح كلاسيكياً. أما بالنسبة للتمييز بحسب الطرق، فإنه أيضاً ثنائي، لأن أرسطو يميز بين السردي والمسرحي، حيث اشتهر الأول عبر الملحمة، والثاني عبر التراجيديا والكوميديا. بفضل التقسيم الثنائي للموضوعات المتصالبة مع التقسيم بحسب الطرق، نحصل على لوحة بمدخلين تحدد أربعة مربعات، كما أوضح ذلك جيرار جينيت في (مقدمة لهندسة النص) (5)

الطريقة

المادة

دراماتيكي

سردي

سامية

التراجيديا

الملحمة

وضيعة

الكوميديا

المحاكاة الساخرة

 

لن أمضي قدماً إلى الأمام في هذا العرض للتحليل البنيوي الأرسطوطالي الذي يوجد خاصة في العرض الشهير لعناصر التراجيديا. سيكفي المثال المقدم لإظهار ما الذي يعطي الخصوصية لهذا المنهج، هذه الخصوصية التي تظهرها بصورة رائعة اللوحة المتصالبة التي صنعها جيرارد جينيت: تختلف المعايير البنيوية في المعنى الذي لا تتطلب فيه معرفة جوهر التراجيديا، والملحمة..الخ، ولكنها تقتصر فقط على تعريفهما بحسب الخطوط المتعارضة المناسبة.

تظهر هذه اللوحة ذات المدخلين أيضاً سمة أخرى مضمرة للمنهج الأرسطوطالي: هناك فرق في الموقف بين الأصناف التحليلية التي تشكل اللوحة والأسماء الجنسية التي تحتلها. أسماء الأجناس هي اختزالات بسيطة بالنسبة لإحصائيات الأعمال، أي أن مرجعهم هو سلسلة الموضوعات التي يفرزها التحليل ويصفها. بتعبير آخر، إذا كتبنا أنتيغون في المربع الأول

بدلاً من وضع كلمة تراجيديا، فإننا لن نفتقد شيئاً من ناحية نظرية: التراجيديا، والملحمة، الخ..، ليست ماهيات محددة بعوامل داخلية، ولكنها مجالات ظاهراتية محددة بصورة مختلفة. نحصل بذلك على نتيجتين. في المرتبة الأولى، إن اللوحة ليست شاملة ومطلقة: يمكن الاستعانة بمعايير أخرى مميزة، ويمكن أن تتواجد هذه التصنيفات النصية ضمن هذا المربع المحدد أو ذاك. إذا كان هيجيمون قد أدخل إلى المسرح المحاكاة الساخرة كما أيد أثيني في "العلماء على الطاولة"، فإنها يمكن أن تحل محل الكوميديا في مربع "الدراماتيكي الوضيع".

إذن، الشبكة المميزة المثبتة لا تبالي بالتمييز بين الكوميديا والمحاكاة الساخرة "دراماتيكي"، وهذا يظهر جيداً أن الشبكة غير مطلقة ولا شاملة، وهذا ما يجب أن تكون عليه إذا كان الأمر يتعلق بتعريف الماهية. إن انتماء اسمين جنسيين إلى طبقتين من الأعمال المشكلة تاريخياً يخدم بطريقة شبيهة عند تناول الطريقة والموضوع، ولا يمنع ألا يكون بالإمكان اختزالهما إلى مميزات أخرى. يمكننا أن نعبر عن الشيء نفسه أيضاً بطريقة أخرى: مثلاً تعبير "تراجيديا" اسم جنس محدد مؤسساتياً، أي بطريقة خارجية كاملة، من خلال العلاقات (المتنوعة وليست بالضرورة متسلسلة) بين مجموع الأعمال التي أدخلها التقليد التاريخي في الصنف المحدد. في المقابل، التحديد "دراماتيكي راقٍ" ليس من هذه الطبيعة: يتعلق الأمر بتصور ينتمي إلى النموذج النظري الأرسطوطالي، هذا التصور يقوم على ظهور بعض المميزات وغيابها. يسمح هذا النموذج بوصف التراجيديا (الإغريقية) وتصنيفها ضمن نظام مختلف بالمقارنة مع الكوميديا، الخ..، ولكنه ليس مطابقاً لهذا الجنس (بالمعنى التوسعي ـ التاريخي للكلمة) منذ أن تطبق الخصائص التحليلية على أجناس تاريخية (هذا التحديد مهم، لأننا سنرى لاحقاً أنه يوجد بالتأكيد تحديدات جنسية نموذجية)، فإنها تطابق ما يسميه أي.د.هيرش مخططات واسعة والتي يقارنها بمخططات رسمية (ذات علاقة بالرسم): (يستطيع مثل هذا التصور المحدد لنموذج واسع بدقة أن يقدم بعض السمات الشبيهة على نحو تجريدي عند كل الأفراد الذين يضمهم، ولكن الأمر لا يتعلق بالتأكيد بتصور صنف يمكن أن يعرّف بالأفراد بطريقة كافية) (6)

إذا كان الأمر كذلك فإنه يجب ألا تكون أسماء الأجناس ثابتة بالنسبة للنموذج النظري. نعرف جيداً التغير التاريخي في مصطلحي التراجيديا والكوميديا. ينتج عن ذلك بوضوح أنه لا يمكن تعريف الجنس غالباً إلا ضمن سياق تاريخي محدد، إذا أخذنا تعبير كليتون كولب: "منذ أن نقبل أن الأجناس هي مؤسسات، يجب التخلي عن فكرة تعريفها، إلا بصورة جزئية وضمن سياقات خاصة" (7)

قيمة النموذج لم يوضع فيها موضع شك: إنه يحدد مجموعة من الاحتمالات التي لا تهدف بالضرورة إلى توظيف نفسها ضمن تصنيفات نصّية حقيقية. كل هذا لا يعني أن أسماء الأجناس اعتباطية، وأنه لا يوجد أبداً معايير ثابتة (ما وراء تاريخية، هذا، على الأقل، ما نستطيع أن نحكم به) تسمح بتجميع نصوص تحت اسم واحد.

سنعود إلى هذه المسألة في وقت لاحق، لأنها مرتبطة بالمشكلة الرئيسة لآلية التعابير المعرّفة بالأجناس ووظيفتها. كذلك، لم أرد بوضوح تأكيد أن النموذج البنيوي لا يطرح مشكلات خاصة. أردت هنا فقط إظهار أن التحليل البنيوي لأرسطو يسمح بوصف الأجناس الأدبية، دون الارتباط مع ذلك بالضرورة بمسلمات جوهرية. على الرغم من ذلك، يوظف كتاب "فن الشعر" هذا المسعى الجوهري للنموذج البيولوجي. هناك إعلان وجدناه سابقاً في الجملة الافتتاحية أسمح لنفسي بالاستشهاد به مرة أخرى: "سندرس الفن الشعري في ذاته، وفي أنواعه التي تؤخذ ضمن إطار غايتها الخاصة." توجد الجوهرية إذن ضمن التجوهر الواضح للأجناس، لأنها تمتلك غايات خاصة، أو هوية جوهرية. هناك مقطع ثان أكثر إيضاحاً في الفصل الرابع.

49/13ـ 15: "ثم إن التراجيديا تزدهر شيئاً فشيئاً، ويطور المؤلفون كل ما يجري فيها، وأخيراً، وبعد عدة تحولات تتجمد عندما تصل إلى كامل طبيعتها" من الواضح هنا أن تعبير تراجيديا ليس اسماً جماعياً لصنف من النصوص، ولكنه اسم لماهية تمتلك تطوراً داخلياً: إنها موضوع شبه بيولوجي. بالإضافة إلى ذلك يتدخل النموذج البيولوجي على مستويين. يُطبق أولاً على العمل الفردي. من أجل أخذ كمال القصيدة ووحدتها بعين الاعتبار، يرجع أرسطو دائماً إلى الوحدة العضوية. وهكذا، "لكي يكون كائن ما جميلاً، يجب ليس فقط أن تكون العناصر التي يمتلكها واقعة ضمن نظام معين، ولكن يجب أيضاً أن لا يكون توسعه متروكاً للصدفة، سواء تعلق الأمر بكائن حي أو أي شيء معقد"

(الفصل السابع،50 ب 34). كذلك بالنسبة لموضوع الملاحم: "من أجل أن تكون شبيهة بكائن حي يشكل كلاً واحداً، فإنها تنتج اللذة الخاصة بها" (الفصل الثالث والعشرون، 59/ 17 ـ21)

نعرف الغنى التاريخي لهذا النموذج العضوي، الذي هو في الواقع أحد التحولات المركزية لعلم الجمال الغربي. يصبح استخدامه أكثر إشكالية، عندما يتدخل في مستوى التصنيفات الجنسية، كما هو الحال في الجملة التي استشهدنا بها سابقاً: لم يعد الأمر يتعلق فقط بمعرفة فيما إذا كان التحول العضوي عارضاً، ولكن يتعلق الأمر بمشكلة أساسية يطرحها التجوهر شبه البيولوجي للتعابير الجنسية، والعامة. يمكننا الانطلاق من تعبير "غاية " الذي ورد في الجملة الافتتاحية. المصطلح اليوناني dunamis هو مصطلح تقني للفلسفة الأرسطوطالية :ويستند على الماهية ويشير إلى الكائن بالقوة المتعارض مع الكائن بالفعل الذي هو الطاقة. فقط الماهية تستطيع أن تمتلك dunamis لأن الماهية هي التي تمتلك فقط طبيعة داخلية. هذه هي حالة الكائنات الطبيعية: طبيعاتهم الداخلية هي مبدأ حركتها وسكونها، وإذن انتقالها من القوة إلى الفعل. إن قبول مبدأ أن يكون للأجناس غاية داخلية، وأنها تستطيع الانتقال من القوة إلى

الفعل، يعني أننا نستطيع أن نعتبرها ماهيات. وبذلك استطاع أرسطو أن يدعم مثلاً فكرة أن حدود التراجيديا "مفروضة من الطبيعة نفسها للشيء" (الفصل السابع، 51/9 ـ10). بالإضافة إلى ذلك، إن تعريف الماهية يعني تحديد مبدأ حركتها الغائية. هكذا نقرأ في "الفيزياء": "في معنى واحد، نسمي الطبيعة المادة التي تخدم كموضوع آني لكل شيء من الأشياء التي تحتوي في داخلها على مبدأ الحركة والتعبير. ولكن في معنى آخر، إنها الشكل والعنصر كما يعبران عن نفسيهما في كل خطاب محدِد"(8)

إذا كانت الأجناس إذن ماهيات، فإنه من الممكن تحديد تطورها الطبيعي غائياً. لماذا هذه الماهوية تفترض نموذجاً بيولوجياً؟ لسبب بسيط هو أن أرسطو يؤكد في عدة نصوص على أنه إذا كانت المواد الطبيعية تمتلك طبيعة داخلية فليس ذلك صحيحاً في المقابل، بالنسبة للمواد الاصطناعية. هكذا يؤكد في "الميتافيزيقيا": "الفن قضية خارجية عن الماهية، في حين أن الطبيعة قضية داخلية (في الواقع الإنسان يولد الإنسان)" (9)

إذا كان الإنسان، ككائن نوعي، يمتلك طبيعة داخلية، فذلك لأن البشر كائنات طبيعية. كذلك إذا كانت التراجيديا تمتلك طبيعة داخلية، فذلك لأنه بطريقة أو بأخرى، يعتبر أرسطو التراجيديا كائناً طبيعياً وليس اسماً عاماً. يقدم المقطع المستشهد به إيضاحاً مهماً: إذا كان الإنسان يمتلك جنسية، فذلك لأن الإنسان يولّد الإنسان. نموذج التوليد نفسه يجب إذن أن يؤخذ به بالنسبة للأجناس، ومن هنا التأكيد المستشهد به سابقاً: "ثم ازدهرت التراجيديا شيئاً فشيئاً، ويطور المؤلفون كل ما يجري فيها، وأخيراً، وبعد تحولات عديدة، تتجمد عندما تصل إلى كامل طبيعتها". ولكن هذا يفترض أنه بطريقة ما يولد النص نصاً آخر: يكتفي المؤلفون بصورة ما بدور القابلة القانونية مما يساعد على ولادة الكائن الجنسي، وعلى تطوره حتى يصل إلى شكل مناسب لطبيعته، أي الذي يحقق قواها الداخلية. يُطرح سؤال هنا حول معرفة ما إذا كانت هذه النظرية التطورية الأرسطوطالية شبيهة بالنظرية التطورية في القرن التاسع عشر. عند أرسطو، الحركة دائماً فعل غير كامل (10)، أي أنها تقف منذ أن تصبح متناسبة مع طبيعتها الداخلية. هذا مهم أيضاً بالنسبة للتراجيديا: "تتوطد عندما تصل إلى طبيعتها الكاملة". ولكن هل هذا الاستقرار نهائي؟ لا يجيب أرسطو عن هذا السؤال. على الرغم من ذلك، عندما يتعلق الأمر بتمييز تحولات التراجيديا، فإنه يستخدم التعبير metabolé (تحول). ولكن ضمن فلسفته العامة، يشكل هذا التعبير رديفاً لتعبير kinesis (حسي حركي): في حين أن هذا الأخير يعني الحركة بالمعنى الحرفي للكلمة الذي يذهب من حالة كائن إلى حالة أخرى، le metabolé هي التغير الذي يوصل العدم إلى الكائن ومن الكائن إلى العدم، وهي حركة الجيل والانحلال. إن استخدام أرسطو لمصطلح metabolé لوصف تحولات التراجيديا يعد ليس فقط مؤشراً إضافياً للتصور البيولوجي الذي يضم طرفي هذا الوصف، ولكن يبدو أيضاً أنه يترك الباب مفتوحاً لفكرة انحطاط لاحق للجنس، وهذا ما سيقرب كثيراً الأرسطوطالية من تطورية برونيتيير مثلاً. يجب التذكير بأن هذا الموقف الجوهري للنموذج البيولوجي يعارض التمييز بين مواد techné ومواد phusis، ويحافظ أرسطو على هذا التمييز في أغلب نصوصه. هذا يعني أنه يمكن إزالة الحدود في الاتجاهين. إذا كان يقوّم العمل الفني، في كتاب فن الشعر، عبر إعادته إلى الجسد البيولوجي، فإنه يفعل العكس في نصوص أخرى: عندما يعطي أمثلة لإيضاح الغاية الشكلية للماهيات، فإنه يعود غالباً إلى حالات مأخوذة من الفن. هذه إشارة، إذا كان الأمر يحتاج ذلك، لهشاشة التمييز، الواضح، مع ذلك، في أماكن أخرى، بين الحوادث المصطنعة، مواد ذات غاية خارجية فقط، والمواد الطبيعية التي تمتلك غاية داخلية. دون شك، إن مفهومات الكمال والجمال هي التي تسمح بهذا التبدل (دون فائدة)، لأن أرسطو يستخدمها في مجال المواد الاصطناعية وفي مجال الحوادث الاصطناعية في الوقت نفسه. بخلاف ذلك، منذ اللحظة التي نؤيد فيها أن جمال الكائنات الطبيعية ينقص بسبب أنها متناسبة مع طبيعتها الداخلية، فإنه يمكن القول أيضاً إن جمال الحوادث المصطنعة متبدل هو أيضاً بسبب أنها متناسبة مع طبيعة داخلية. لهذا هناك ربط بين علم الكائن والقيمة، هذا الربط الذي يسمح بالانتقال من السيادة الطبيعية (سيادة الكائن) إلى السيادة التقنية (سيادة القيمة)، والعكس بالعكس. في تفاصيل النص الأرسطوطالي، من الصعب غالباً التفريق بين المواقف الثلاثة التي وصفناها سابقاً، ولكنني آمل أن أكون قد أظهرت أنها لا يمكن أن تنتقص من بعضها بعضاً. لقد كان لهذه المواقف الثلاثة أصلها التاريخي الخاص: عن طريق التبسيط بطريقة كاريكاتورية، يمكننا القول إن الموقف المعياري كان مسيطراً حتى نهاية القرن الثامن عشر، وزال بعد ذلك أمام الموقف الجوهري ـ التطوري الذي سيطر حتى نهاية القرن التاسع عشر والذي استسلم هو نفسه أمام مشروع التحليل البنيوي بعد مجيء الشكلانيين الروس.

من المؤكد أن الحقيقة أعقد من ذلك بكثير، ونجد عند أغلب المنظرين وفي كل العصور أمثلة على كل واحد من المواقف الثلاثة، هذا لا يمنع أن يكون هناك هيمنة نسبية لموقف أو لآخر وفق العصور التي مُيزت سابقاً بفظاظة. لا يطرح الموقف المعياري مشكلات ولن أتوقف كثيراً لمناقشته. في المقابل، يستمر الدفاع عن الموقف الجوهري ـ التطوري، بما في ذلك تحت أشكال بنيوية: لذلك يبدو لي أنه من الأفضل تقديمه بصورة مفصلة أكثر عبر رمز من رموزه الأكثر عظمة، وهو هيغل، وعبر رمز من رموزه الأكثر دلالة، وهو برونيتيير. أما فيما يتعلق بالموقف البنيوي، فإنه يطرح مشكلات مختلفة كلياً سيخصص لها بقية هذا الكتاب بصورة عامة، ولهذا لن أتناولها في هذا الفصل المخصص، قبل كل شيء، للجانب التاريخي.

 

 

- الحقبة الانتقالية:

 

إن معرفتي الناقصة بالأدب موضوع الدراسة لا يسمح لي بتقديم آراء قطعية، ولكن يبدو أن الزمن القديم، بعد أرسطو، والعصر الوسيط، وعصر النهضة، والعصر الكلاسيكي، تقلبت بين أربعة مواقف تجاه المشاكل الجنسية:

أ- أنظمة التصنيف الشجري وفق تمييز العناصر والأجناس.

أشهر المؤلفين هو ديوميد (نهاية القرن الرابع)(11)، ويميز بين ثلاثة أجناس وثمانية عناصر:

 

جنس مختلط جنس السرد جنس المحاكاة

غنائي بطولي تعليمي حكمي سردي ستيري* كوميدي تراجيدي

 

سيظهر هذا التصنيف الشجري مع بعض التغيير مثل حذف الجنس المشترك، عند بروكلوس (القرن الخامس)، وعند جان دو غارلاند (نهاية القرن الحادي عشر وبداية القرن الثاني عشر)، ولكنه سيبقى محدوداً، طالما بقيت النصوص متنقلة في الزمن القديم وكذلك في العصر الوسيط. يجب استثناء بعض المحاولات التصنيفية في عصر النهضة، وخاصة استثناء تصنيف كاستيل فيترو الذي عرضه في كتابه poetica d’Aristotele vulgarizzata e sposta، عام 1970. لا يتعلق الأمر هنا بتصنيف شجري ولكن بتصنيف تركيبي تحليلي و"إحصاء حقيقي للأجناس" (وفق تعبير فرانسوا ليكليركل)(12)، عن طريق التطوير الحسابي لكل التركيبات الممكنة المشمولة ضمن التمييز الذي أسسه أرسطو بين المواد والوسائل والطريقة.

يميز (كاستيل فيترو) ثلاثة تصنيفات من وجهة نظر المادة: تفوق، أو مساواة، أو ضعف. بعكس أرسطو، احتفظ بالتصنيف الوسيط. من وجهة نظر الوسائل، يميز بين خمسة احتمالات: استخدام الإيقاع وحيداً، أو الإيقاع مركباً مع النغم، أو الكلام لوحده، أو الإيقاع والكلام والنغم بصورة مجتمعة، وأخيراً، الإيقاع والنغم والكلام بصورة متتابعة. أما فيما يتعلق بالطرق، نعود إلى أفلاطون الذي يميز ثلاث طرق: السردي، والمختلط، والتقليدي. انطلاقاً من هذه التصنيفات سيطور الاحتمالات الجنسية. عندما نحصر أنفسنا في تحديد وحيد، فإننا نحصل على أحد عشر جنساً: ثلاثة بحسب المادة، وخمسة بحسب الوسائل، وثلاثة بحسب الطرق. ثم ننتقل إلى التركيبات الثنائية: مادة * وسيلة (3*5=15)، مادة *طريقة (3*3=9)، وسيلة * طريقة (3*5=15)، هذا يعطي تسعة وثلاثين جنساً.

أخيراً نختتم التركيبات الثلاثية، موضوع * وسيلة * أداة، 3*5*3=45 أي أن هذا يعطي خمسةً وأربعين جنساً. بعد حساب كل الحالات يصل كاستيل فيترو إلى الرقم خمسة وتسعين جنساً، أو إذا أردنا الدقة أكثر إلى خمسة وتسعين احتمالاً مجرداً، لأنه يضيف مباشرة: "أشك بهذا الرقم كثيراً، لأنه لا يبدو لي صحيحاً أن كل نموذج لطريقة ينتقل عبر كل نموذج للوسيلة، وهكذا ينتقل عبر كل عنصر للمادة."(13)

في وقت لاحق، سيتعلق الأمر إذن برؤية مع أي من هذه التركيبات الحسابية الممكنة تتطابق الأجناس الأدبية التجريبية هكذا، يُلاحِظ أن تركيب الكلام لوحده مع الطريقة لا يعطي إلا جنساً واحداً هو الملحمة، متطابقة مع تركيب الكلام والطريقة المشتركة. وذلك لسببين: إن الجنس الوحيد الذي يستند على الكلام فقط هو الملحمة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، تخضع الملحمة للطريقة المشتركة. الإمكانيات الأخرى لتركيب الكلام لوحده والطريقة هي إذن مربعات فارغة. أظهر فرانسوا ليكليرك، أنه بالإضافة إلى ذلك دمج كاستيل فيترو تصنيفات الوسيلة والطريقة: يطابق كل تصنيف للوسيلة طريقة واحدة. من خلال هذه الحقيقة، اختزلت تركيبات الوسيلة إلى خمسة أصناف موجودة واقعياً بدلاً من خمسة عشر صنفاً ممكناً، وكذلك تنخفض تركيبات المادة مع الوسيلة والطريقة إلى خمسة عشر بدلاً من خمسة وأربعين. لن أدخل في مناقشة نظام كاستيل فيترو، إلا من أجل الإشارة إلى شيئين. فهو يتجاوز المجال الشعري بالمعنى الدقيق، لأن الجنس المحدد عبر الإيقاع وحده هو الرقص، مثلما يعطي الإيقاع والنغم المجال للموسيقى، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، وهذا أكثر أهمية، يظهر المسعى المزدوج لكاستيل فيترو، والقائم على حساب مجرد من ناحية، ومطابقة احتمالات محسوبة مع الأجناس المشكلة، من ناحية أخرى، بما في ذلك مربعاته الفارغة الوضع المختلف جذرياً للتقاطعات المحددة بنيوياً والأجناس الأدبية المشكلة التي تأتي، أو لا تأتي، للإقامة في هذه الأماكن بطريقة واضحة. ربما يكون كاستيل فيترو مصنفاً مجنوناً، ولكنه يبقى وفياً للمسعى البنيوي الأرسطوطالي.

ب ـ الإحصاء التجريبي. وكان نفوذه واسعاً في العصر القديم، وسنجده أيضاً في عصر النهضة والعصر الكلاسيكي. بعكس التصنيف الشجري أو التركيبي اللذين يفترضان أخذ حد أدنى من الشعور بوضع هذه التصنيفات الجنسية، إن الإحصاء التجريبي يكتفي بقبول هذه التصنيفات كمعطيات واضحة، عبر إرجاعها إلى أجناس مشكلة: لهذا نرى مثلاً غياب كل تساؤل يتعلق بمبدأ محتمل للتصنيف.

أكثر من ذلك، يمكننا الإشارة إلى أنه منذ عصر النهضة، أي منذ اكتشاف أرسطو، يتم التمييز بين الأجناس الكبرى التي هي الملحمة والتراجيديا (ويمكن أن نضيف الكوميديا)، والأجناس الصغرى، أي كل ما لا يعطيه أرسطو تحليلاً (أحياناً ببساطة لأنها لم تكن موجودة في عصره). يلاحظ فرانسوا ليكليرك عبر تحليل الشعريات في عصر النهضة الإيطالي أنه يوجد عند تريسينو، مثلاً، تقسيم ثنائي بين شعرية نظرية تعود إلى أرسطو ومقترحة تحليلاً بنيوياً للملحمة، والتراجيديا والكوميديا وفق الوسيلة والمادة والطريقة، ونظرية تقنية تصنف الأجناس الصغرى وفق مقاييس عروضية فقط (14) نعلم أيضاً أن بوالو خصص النشيد الثاني من كتابه الفن الشعري لإحصاء الأجناس الصغرى: غزل، ورثاء، وقصيدة غنائية، وسونيتة (قصيدة من 14 بيتاً)، وهجاء، وقصيدة غنائية ذات أدوار، وقصيدة عاطفية، ونشيد، ونقد لاذع ـ الخ، ويحتفظ بالنشيد الثالث للأجناس القانونية لوحدها وهي التراجيديا والملحمة والكوميديا. هذه التصنيفات التجريبية الخالصة وُجدت سابقاً عند البلاغيين القدماء، مثلاً عند كينتيلان الذي يميز ستة أصناف:

1 ـ الكتابات سداسية المقاطع (وتشمل هذه الطبقة ليس فقط الملحمة ولكن كل القصائد السردية سداسية المقاطع، مثل عمل هيزيود)،

2 ـ الرثاء، وقصيدة الهجاء، والشعر الوجداني الغنائي.

3 ـ الكوميديا والتراجيديا.

4 ـ التاريخ.

5 ـ فن الخطابة.

6 ـ الفلسفة.

نشير إلى أن كينتيلان لا يفصل عن عبث التراجيديا والكوميديا والملحمة: سيسوء وضعهم القانوني اللاحق بعد قبول "فن الشعر" لأرسطو كسلطة مطلقة. نرى أيضاً أن تصنيفه لا يخضع لأي نظام حسي :الملحمة، والرثاء، وقصيدة الهجاء، والشعر الوجداني، ذلك كله محدد شكلياً (نموذج الأبيات المستخدمة)، والتراجيديا والكوميديا في مستوى التقديم والموضوعات، وفن الخطابة في مستوى غايته ـ الخ. في الواقع، إن للتسميات الجنسية وظيفة تسمح، ببساطة، بتصنيف النصوص في المكتبة المثالية للمؤلف: هكذا نبحث عبثاً تحت عنوان (تراجيديا وكوميديا) عن تحليل جنسي، حصر كلينتيلان نفسه في تعداد القدرات البلاغية لمختلف المؤلفين الذين يصنفهم ضمن هذه الطبقة. بطريقة أخرى، تخدم أسماء الأجناس هنا جيداً كمجرد اختزالات بسيطة لإحصاءات النصوص. هذا الانتقال التصوري لتحديدات مختلف الأجناس، التي نجدها أيضاً في العصر الكلاسيكي، مثلاً عند بوالو أو الأب رابان، لا يعود فقط إلى نقص في تشدد النقاد. وذلك أيضاً مؤشر على حقيقة أساسية سنهتم بها لاحقاً: تخدم مختلف التقاليد الجنسية، ومختلف الأسماء الجنسية في التعرف على تصنيفات النصوص، ولكل واحد منها تاريخها الخاص ومستوى تحديدها الخاص. يمكننا القول منذ الآن، إن ذلك هو سبب الميزة الوهمية لكل محاولة للتصنيف المنهجي للأجناس (كما سيُظهر هيغل العظيم)

ج ـ الموقف المعياري. ليس من السهل دائماً فصله عن الموقف التصنيفي: يرتبط التقادم بصورة عامة بتصنيف le sollen يدعي دائماً أنه يجد شرعيته ضمن رحم (وسط). ضمن هذا المعنى، كانت أكثر التصنيفات الجنسية نظريات معيارية أسست نماذج لاستيحائها في الوقت نفسه. كان ذلك عند هوراس. نعرف الميزة النسبية لإحصائياته الجنسية: يتحدث عن الملحمة، أو على الأصح يتحدث عن هومير، ويتحدث عن هجاء أرشيلوك، ويعرض عدداً من القواعد الخاصة بالتراجيديا، وهذا كل شيء تقريباً. بوضوح إن هدفه ليس تأسيس نظرية شعرية ولا نظرية جنسية، ولكن إعطاء نصائح عملية لإنجاز أعمال ناجحة (والتي هي في الوقت نفسه نصائح من أجل قراءة نقدية ناجحة). هذا يفترض وجود معايير كاملة. الأكثر أهمية الوحدة المتصورة عن طريق التشابه مع وحدة عضوية حية، وكذلك التناسب المتبادل بين الشكل والموضوع: "ليحتفظ كل جنس بالمكان المناسب له والذي هو من نصيبه"(15)، وفي ذلك تصرف بسيط بالترجمة لأن هوراس لا يستخدم التعبير "جنس"، ويقتصر على القول: "لتحتفظ كل قصيدة بمكانها الخاص والمخصص لها." مهما كان الأمر، إن المبدأ الثاني الذي يبرهن على تلاؤم متبادل بين بعض المضامين وبعض الأشكال (والذي نجده قليلاً عند أرسطو)، هو دون شك من الفرضيات الأساسية لأكثر النظريات الجنسية للعصر الكلاسيكي، وهذا بالتأكيد ليس مصادفة، بالنظر إلى اعتماد هذه النصوص على هوراس. ويسمح بالانتقال المباشر من الشعرية إلى النقد بصورة متبادلة، وبالتلاؤم المتبادل بين الشكل والمضمون، مع تقديم معايير تصنيفية وقاعدة نقدية في الوقت نفسه. هكذا، استطاع بوالو الانتقال مباشرة من وصفة خاصة بالملحمة "لا تقدم مطلقاً عذراً ظرفياً" إلى نقد "للمهد المُنقَذ" لسان أمان: “لا تقلدوا هذا المجنون، الذي يصف البحور/ ويسبح وسط أمواجها المتلاحقة/ العبري أُنْقِذ من عبودية رؤسائه الظالمين/ وضع الأسماك في الثقوب من أجل رؤيتها وهي تعبر..."(16)

يرتبط هذا المبدأ للتلاؤم المتبادل بمشكلة معرفة فيما إذا كان بإمكان جنس ما أن يمتلك شكلاً داخلياً أم لا: التعبير الذي يستخدمه هوراس "مُخَصَّص" لوصف الطريقة المحددة للمكان الجنسي، غامض في هذا المجال، لأنه يستخدم في اللاتينية للإعادة إما إلى ما هو مخصص من الطبيعة، وإما إلى ما هو مخصص عبر الحظ والصدفة. بمعنى آخر، تستطيع نظرية معيارية أن تمتد نحو تصور جوهري (المكان المناسب هو المكان المخصص من طبيعة الجنس)، وكذلك أيضاً نحو تصور مؤسساتي (المكان المناسب خُصص عبر الحظ، أي عبر قرار الأمر الواقع القائم على التقنية الشعرية أو على تاريخ الخطابات والنصوص بصورة عامة.

د ـ يجب أن نضيف إلى هذه المواقف الثلاثة موقفاً رابعاً كان له أهمية مركزية خلال العصر الوسيط كله، إلى حد أنه سيطر على االتصنيفات الجنسية بالمعنى المفهوم من هذا التعبير. يتعلق الأمر بنظرية مستويات الأسلوب، وهو ما يؤكد خضوع الشعرية للبلاغة الخاصة بالزمن القديم المندثر، وبصورة أكبر بالعصر الوسيط. هناك تمييز أساسي بين النظرية الجوهرية للأجناس ونظرية مستويات الأسلوب هو أن النص نفسه يستطيع أن يركب أجناساً مختلفة بصورة لا تغطي فيها بالضرورة أصنافاً للنصوص حصراً. ويعود سبب ذلك إلى أن مستويات الأسلوب تتحلل بصورة أساسية من خلال سلم مصطنع لا من خلال سلم أعمال كاملة. نعلم أن العصر القديم عرف، على الأقل، نظامين أسلوبين مختلفين.

الأسلوب النابع من دراسة "حول الأسلوب" لديميتر يوس (القرن الأول قبل المسيح)، الذي يميز بين أربعة مستويات الأسلوب، ودراسة سيسيرون الذي يميز ثلاثة مستويات في دراسته "الخطيب"، وهذه المستويات هي: البسيط، والوسط، والرفيع. أخذ كلينتيلان التقسيم الثلاثي عن سيسيرون، وأصبح قاسماً مشتركاً في العصر الوسيط، وخدم ضمن الإطار التحليلي في المجال الأدبي. نرى عند بعض المؤلفين تصنيفاً للأجناس تحت عنوان أجناس أصيلة، ويفترض هذا المسعى بوضوح أنه من غير المناسب مزج عدة أجناس أصيلة ضمن نص واحد. نعلم أن هذه المسألة قد فتحت المجال لمجادلات لا تنتهي، بما في ذلك جدالات ذات طبيعة دينية، والكتابات المقدسة بوصفها نصاً مقدساً فوق كل تصنيف ضمن الأجناس.

 

ـ من المعيارية إلى الجوهرية.

 

من أجل عندما ننتقل من التصنيفات الجنسية للعصر الكلاسيكي إلى التصورات التطورية المرتبطة بالرومانسية والتي تطورت، تحت أشكال مختلفة، خلال القرن التاسع عشر وبعده، من المفيد الوقوف لحظة عند إشكالية التناسب بين الشكل والمضمون، أو أيضاً بين الموضوع وطريقة عرضه، أي في الواقع، الوقوف عند مسألة التناسب المتبادل بين بعض الأجناس وبعض الموضوعات. هناك طريقتان مختلفتان جداً من أجل مواجهة هذه المشكلة: إما أن نربطها بتلاؤم العمل مع وظيفته العملية، مهما كانت هذه الوظيفة (تطهير، درس أخلاقي، لذة، معرفة، الخ) فإنها تعد كهدف ثابت من قبل البشر، أو بالعكس، نظن أن هذا التناسب يتطابق مع التلاؤم الموجود بين مختلف الأجزاء في عضو معين وتركيبه الشامل، وطبيعته. في الحالة الأولى، نعود إلى غائية وهدف خارجيين، في حين أنهما في الحالة الثانية داخليان. في هذه الحالة، يبدو لي إجمالاً أن أغلب الفنون الشعرية قبل الرومانسية يمكن أن تصنف تحت العنوان الرئيس: يشهد على ذلك أهمية المواقف المعيارية نفسها وصعودها الواضح، إذا كان التناسب متبادلاً بين الأجزاء والكل، وكان التناسب الجنسي مرتبطاً بالطبيعة الداخلية، فإنه لن يكون هناك حاجة لوصفات جاهزة. في الواقع، إذا كان للقصائد طبيعة داخلية، فإنها لن تستطيع أن تصبح شيئاً آخر لا يتوافق مع طبيعتها، (الجنين الإنساني لا يعرف التردد بين أن يصبح إنساناً أو حصاناً).

في العصور التي استعرضتها منذ قليل، كانت تعد المفاهيم الجنسية، بصورة أساسية ،كمعايير تفيد في الحكم على توافق عمل ما مع قاعدته، أو على الأصح مع مجموعة من القواعد. ضمن مثل هذا التصور الوصفي ـ المعياري، تتغلب مسألة التطابق أو الاختلاف بين نص ما ومجموعة من القواعد، على مسألة العلاقات بين النصوص والجنس والأجناس. إن أي جنس، مثل التراجيديا، هو في الواقع تعريف يخدم كمتر قياسي نقيس بواسطته الأعمال الفردية ونقومها. ترتبط هذه الوظيفة للتعريفات الجنسية كمعايير نقدية، بشدة، بالتصور العام للشعر الذي اشتهر حتى في العصر الرومانسي: الأدب أساساً حقل تجارب متكررة لتقليد نماذج مثالية. وإذا كانت هذه النماذج قديمة فإن ذلك لا يشكل إلا سمة جزئية: ولكن يتقاسم المدافعون عن القدماء والمدافعون عن المحدثين حقيقة أن الشعر هو مجال التقليد والمنافسة. لا يمكن فصل النظرية الجنسية إذن عن إشكالية تقليد النصوص العظيمة، أو على الأصح القواعد المستقرة المستخلصة من هذه النصوص. هذا يعني أنها عملية كثيراً، وموجهة نحو الأعمال الشعرية المستقبلية: يمكن ترجمة كل الوصوفات إلى مقترحات مُلزمة. من هذا الواقع، وبعكس الفكرة المأخوذة، إن النظريات الكلاسيكية حتى عندما تقبل القيمة المثالية للقدماء، موجهة دائماً نحو المستقبل: المهم هو قيمة النماذج الجنسية بالنسبة للإبداع الأدبي القادم.

إن فكرة أن الأجناس ستكون المحرك الداخلي للأدب، وستستطيع أن تخدم للتفسير من أجل وجود نصوص فردية، هي فكرة خارج أفق تفكير معظم المنظرين قبل الرومانسية: مع ذلك الجنس ليس مفهوماً مفسراً أكثر من كونه معياراً للتقويم الأدبي.

كل شيء تغير مع ولادة الرومانسية :لم يعد الأمر يتعلق بتقديم نماذج التقليد وتأسيس القواعد، بل يتعلق الأمر بشرح تكوّن الأدب وتطوره. إذا كان يوجد نصوص أدبية، وإذا كان لهذه النصوص الخصائص التي لها، وإذا كانت تتتابع تاريخياً كما يجري، فذلك لأنه يوجد أجناس تشكل جوهرها، وأساسها، ومبدأ غايتها الملازم.

الأجناس متمادية (*) إلى الأدب الذي يُتصور، من الآن فصاعداً كمجموع عضوي للأعمال.

منذ هذه اللحظة، تتوقف التحولات العضوية عن أن تكون كشفية وتحتل موقعاً نظرياً استراتيجياً: ستمتلك الأجناس من الآن فصاعداً طبيعة داخلية، وهذه الطبيعة الداخلية الأساس الجوهري للنصوص.

إن النظرية الجنسية ـ الجوهرية تريد لنفسها أن تكون مفسرة، لذلك فهي عموماً موجهة نحو الماضي: الجوهر الجنسي هو دائماً قائم.(17) ينشأ عن ذلك انفصال بين التاريخ الأدبي المفسر والجنسي، (الذي يريد أن يكون موضوعياً ومحايداً)، والنقد، المقوم والملازم للعمل الفردي.

من وجهة نظر أبيستمولوجية (مبحث العلوم). يرتكز هذا التصور الجديد على تفسير معاكس غير متقن، شكلّه بدقة جون ريشير، وعندي ما أضيفه إليه: "امتلاك بعض الصفات سبب لنسب نص ما إلى صنف خالص، ولكن الصنف ببساطة ليس جنساً لشيء يمكن أن يكون سبباً أو غاية لآي شيء كان." (18) بقول آخر: الطريقة التي تستفيد منها النظريات الجوهرية من فكرة الجنس الأدبي أقرب إلى الفكر السحري منها إلى بحث عقلي. بالنسبة للفكر السحري، الكلمة تخلق الشيء، هذا هو بدقة ما جرى مع مفهوم الجنس الأدبي: إن استخدام التعبير يقود المنظرين إلى الظن بأنه يجب إيجاد حقيقة مقابلة ضمن الحقيقة الأدبية، تضاف إلى النصوص وتكون غاية مقارباتها. تريد النظرية الجوهرية أن تجعلنا نعتقد أن الحقيقة الأدبية مزدوجة: فمن جهة نمتلك النصوص، ومن جهة أخرى نمتلك الأجناس. قُبل هذان المفهومان كحقائق أدبية واقعية، ولكنهما ينتميان إلى أنظمة مختلفة في الواقع، لأن الأجناس هي جوهر النصوص ومبدأ تكونها. من المؤكد أن التصور الجوهري ليس ابتكاراً للرومانسية، كما يُظهر تحليل "فن الشعر" لأرسطو. ولكن الذي لم يكن عند أرسطو سوى محاولة، والذي من المؤكد أنه لم يقاومه دائماً، ولكنه كان يمتلك بنفسه البرهان الحاسم ضده، هو التمييز بين الموضوعات الطبيعية التي تمتلك غاية داخلية وبين الموضوعات الثقافية الخاضعة لغاية خارجية. وأصبح هذا الموقف هو المسيطر في النظرية الأدبية منذ عهد الرومانسية، وسيجد نفسه، كما سنرى، ضمن الأنظمة الفلسفية المثالية والشعريات التاريخية ذات الاتجاه التطوري في الوقت نفسه.

 

ـ نظام الأجناس والتاريخ.

 

بالنسبة لهيغل، يهدف علم الجمال الفلسفي إلى تحديد جوهر الفن، أي إلى "تطوير ضرورة طبيعته الداخلية وإظهارها." (19) تتضمن هذه المعرفة الفلسفية للفن ثلاثة أوجه: تحديد مكانة الفن ضمن مجموع أشكال التعبير الذاتي عن الروح المطلقة، وتحديد تنظيمه الداخلي، أي عرض مختلف الأشكال الفنية (فن رمزي، فن كلاسيكي، وفن رومانسي)، ومختلف الفنون (هندسة عمارة، والنحت، والرسم، والموسيقى، والشعر)، وأخيراً تحديد التقسيمات الداخلية لكل فن فردي. وعند تحديد الوجه الثالث تتدخل نظرية الأجناس الأدبية: تحديد جوهر الشعر يوازي تحديد أقسامه الجنسية الثلاثة وهي: الملحمة، والشعر الغنائي، والشعر المأساوي.

هذه الأقسام الثلاثة والرموز المادية التي اتخذتها تاريخياً ضمن أشكال الفن الرمزي، والكلاسيكي، والرومانسي، أدت إلى نظام مغلق يحدد الطبيعة التاريخية للشعر. تعريف الجوهر هو إذن تاريخي: ينتج هذا الأمر من فلسفة مركزية للنظام الهيغلي الذي يعتبر أن كل تحديد تصوري هو تحديد تاريخي في الوقت نفسه. إذا طبق ذلك على مجال الفن، هذا يعني أن التمييزات التصورية بين مختلف الفنون، وبين الأشكال الثلاثة للفن أيضاً، تتطابق مع التمييزات التاريخية.(20) تطابق الجوهرية والتاريخية قاد هيغل إلى أطروحته الشهيرة لنهاية الفن: إذا كان جوهره ينتشر تاريخياً، فإن كل معرفة كاملة لهذا الجوهر تتطلب تتمته التاريخية. بالنسبة للنظرية الجنسية، هذا يعني أن تحديدات جوهر الأجناس يجب أن يُبحث عنها في الشعر الكامل، أي الشعر القديم: يتطابق هذا الطرح تماماً مع الكلاسيكية الجمالية لهيغل. هناك مشكلة مركزية تواجهها هذه النظرية هي معرفة ماذا يجب أن نعمل بالأجناس الأخرى غير الملحمة والشعر الغنائي أو الشعر المأساوي. يقدم هيغل عدة حلول دون أن يتوقف عند أي منها بطريقة منطقية. الحل الأول، وهو الأقل إشكاليةأو الشعر الم، يهدف إلى تفسير أقسامه الجنسية الثلاثة بإرجاعها، في الواقع، إلى طرق التعبير، بذلك يجمع الفصل المخصص للشعر المأساوي كل الأعمال القائمة على النموذج التقليدي (المحاكاة)، كما يظهر التعريف الافتتاحي، المطابق للتصور الأرسطوطالي: "تهدف الدراما إلى تقديم أعمال وشروط إنسانية آنية، عن طريق دفع شخصيات فاعلة إلى الحديث."(21) الشيء نفسه يحدث في الفصل المخصص للشعر الملحمي الذي يتضمن اعتبارات مكرسة لعلوم نشأة الكون، وأصل الآلهة، والقصص والروايات، إلى حد أننا نظن أنه يمثل، في الواقع، قطب الأدب السردي. كالعادة، يجد هذا التفسير المشروط مشاكل على مستوى الشعر الغنائي: يُعرّف هذا الشعر كتعبير عن حالة روحية، وحالة نفسية لا يمكن اختزالها إلى طريقة تعبير. ولهذا السبب، فإنه، بوضوح، لن يستطيع تشكيل منظومة مع الشعر الملحمي والشعر المأساوي. المشكلة خفية ولكنها موجودة، من خلال التصنيف الشهير للأجناس الثلاثة وفق الثالوث الديالكتي الموضوعي، والذاتي، وأخيراً التركيب الموضوعي ـ ذاتي: الملحمة هي الشعر الموضوعي، والشعر الغنائي هو الشعر الذاتي، والدراما هي خليط من الاثنين، أي أنها موضوعية وذاتية في الوقت نفسه. هذه التصنيفات التي أخذتها رومانسية "إينا" وشيلينغ، لها فائدة مزدوجة لأنها ضبابية وغامضة في الوقت نفسه. من المؤكد أنه إذا اعتبر الشعر الغنائي ذاتياً فذلك لأنه يعبر عن الحالات الروحية للشاعر: فهو إذن موضوعي بفضل موضوعه، ومضمونه. في حالة الشعر الملحمي، يقدم هيغل تفسيرين اثنين: فهو موضوعي لأنه يقدم العالم الخارجي والحوادث التي تجري فيه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى إنه موضوعي لأن موقف الراوي موقف محايد. التفسير الأول فقط هو الذي يُرجع الموضوعية إلى المضمون، ويسمح للشعر الملحمي بتشكيل نظام واحد مع الشعر الغنائي. يدخل التمييز بمساعدة الموقف التعبيري (مشاركة تفخيمية/ تجاوز) صنفاً آخر. أما بالنسبة للشعر المأساوي فإنه يُعد موضوعياً ـ ذاتياً، لأنه يكشف عن حوادث موضوعية وعن دخيلة الأبطال في الوقت نفسه. ولكن ألا يمكننا تقديم الشيء نفسه إلى موضوع الشعر الملحمي، بصورة يصبح معها الشعر الغنائي، تعبيراً عن حالة روحية، مع النظام المُشكل من الشعر الملحمي والشعر المأساوي، المتصورين كعرض الحوادث وحالات الروح؟ صحيح أن هيغل يربط أيضاً التمييز بين الشعر الملحمي والشعر المأساوي بنظرية التجاوز: يعيد الراوي الحوادث، ولا يعيشها، فهو يتحدث إذن عن موضوع واقعي (موضوعي)، في حين أنه في العرض الإيمائي، تُعاش الحوادث على أرض المسرح، أي أنها دائماً أعمال موضوعية وتعبيرات عن ذاتية الذي يروي فعلاً. ولكن هذا التعدد في المعايير يجعل النظام الثلاثي أيضاً أكثر اضطراباً.

ربما تكون هذه الصعوبات الملازمة لتقسيمه الثلاثي الديالكتيكي هي التي قادته إلى وضع تصنيف آخر، لا يرتكز على المخطط التعبيري، ولكن على مخطط منطق التحريض: الشعر الملحمي هو عرض نزاع خارجي المنشأ، أي نزاع بين فاعلين ينتميان إلى مجتمعين مختلفين، أما الشعر المأساوي، فهو بالعكس، يمتلك عقدة داخلية، أي أنه يمثل نزاعات داخلية في مجتمع معين، أما الشعر الغنائي فإنه مجرد عن العمل (لأنه يقتصر على وصف الحالات الروحية لقائليها). التمييز مقيد بنفسه ومثمر، ولكنه قلما يسمح بإقامة نظام جنسي. إذا كان يخدم إلى حد ما ضمن حقل الملحمة والتراجيديا الإغريقيتين (يجب أيضاً عدم نسيان أن فرس Eschyle، غير مهتمين بالنزاعات الداخلية مع الإغريق، ولكن بمعاقبة ملك الفرس xerxes, (468 ـ 465ق م ) عدو الاثنين وأن عدداً من التراجيديات ليوربيدوس، (مثلاً الطرواديون وهيكوب (زوجة بريام ملك طروادة تقوم المواجهة بين المنتصرين والمهزومين في حرب طروادة). ولذلك فإن هذا التمييز بينها ومنذ أن نأخذ في الاعتبار الأدب السردي غير الهوميري: الأجناس الروائية، مثلاً، المقدر لها أن تكون الشكل الحديث للملحمة، تعالج موضوعات النزاعات الداخلية غالباً، لا بل الخاصة حصراً وليس الخارجية. يتشوه الموقف نهائياً منذ أن انتقل هيغل إلى تحديد ما كان يظّنه الطبيعة الداخلية للأجناس الثلاثة. نعرف أن علم الجمال الهيغلي تأويلي، أي أنه يتناول الأعمال في مستوى مضمونها الدلالي، وأكثر تحديداً في مستوى رؤية العالم الذي تعرضه: التحديد الداخلي للأجناس سيكون إذن تحديداً لمضمونها المثالي. من هنا يأتي هذا التعريف للملحمة: "عندما تفصح الملحمة عن ذاتها، فإن موضوعها يكون فعلاً يقدم ،عبر كل الظروف التي ترافقه، عدة تشعبات، يجد نفسه من خلالها على اتصال مباشر مع العالم الكلي لأمة أو لعصر. إن مجموع تصور العالم والحياة لأمة، مقدم تحت شكل موضوعي لأحداث واقعية، يشكل مضمون الملحمة ويحدد شكلها بالمعنى الحرفي للكلمة [...]. إن القصيدة الملحمية، بوصفها كلاً أصيلاً، تشكل الساغا(*)، والكتاب، والإنجيل عند شعب معين، وكل أمة مهمة وكبيرة تمتلك كتباً من هذا الجنس تنتمي إليها بصورة مطلقة وتعبر عن روحها الأصيلة."(22) الحدث الرئيس الذي ينتج عن هذا التعريف يمكن أن يوضح بصورة أكثر تفصيلاً عبر التحليلات التي خصصها هيغل للحالة العامة للعالم الملحمي أو أيضاً للفعل الملحمي: إن تحديد ماهية الشعر الملحمي، هو في الواقع تحليل تأويلي للملاحم الهوميرية (للإلياذة أكثر من الأوديسا).

لهذا هناك تهميش لكل التقاليد السردية التي لم تتحول إلى هذا النموذج: علوم نسب الآلهة، علوم نشأة الكون، أدب تعليمي، ملاحم خارج أوربا، دون الحديث عن المجال الواسع للأدب الروائي. لسوء الحظ، لم يقتصر هيغل على تهميش هذه الأشكال، ولكنه يعتقد أنه مجبر على إعطاء شرعية لطريقة عمله: "فيما يتعلق بموضوعنا الحالي الشعر الملحمي، يمكننا أن نقول عنه ما قلناه تقريباً بخصوص النحت. تتفرع طريقة تنفيذ هذا الفن في كل أشكال الأجناس وما دون الأجناس وتختلف من شعب إلى آخر ومن عصر إلى آخر، ولكننا نجدها عند الإغريق بصورة كاملة، عبر الشعر الملحمي بالمعنى الدقيق للكلمة، وبصورتها الأكثر توافقاً مع متطلبات الفن."(23) بمعنى آخر: جوهر الشعر الملحمي هو الملحمة تحديداً التي جوهرها الملحمة الكلاسيكية (أي الهوميرية). إذا كان هيغل يحس أنه قادر على قول إن الأناشيد الهوميرية تجعلنا نكتشف "ما يشكل الخاصية الحقيقية الأساسية للملحمة بالمعنى الدقيق للكلمة" التي نستخلص منها "التحديدات الأساسية"(24)، فذلك لأنه لا يعرف أن يرى فيها ملحمة حقيقية غير كلاسيكية، ولآن جوهر الشعر الملحمي هو الملحمة تحديداً. ما هو مهم بالنسبة للملحمة مهم أيضاً بالنسبة لكل الأصناف الجنسية، وبالنسبة لكل الفروقات التصنيفية (سواء كانت داخلية في الشعر أم تتعلق بتقسيم الفن بوصفه عضواً كاملاً، إلى فنون فردية: "يجب على الفلسفة ألا تأخذ في الحسبان إلا الميزات التصورية من أجل تطوير الأجناس الحقيقية المطابقة لهذه الميزات وفهمها"، ولا مجال أمامها إلا أن تصنع "أجناساً هجينة"(25)، للهروب من التعددية التصورية. وإذا لم نأخذ في الحسبان هذه الأجناس الهجينة، فذلك لأنه ليس لها وجود حقيقي، ولا توجد إلا في مستوى الظاهر التجريبي والمحتمل.

ما رأيناه بخصوص الملحمة يمكن إذن أيضاً الوصول إليه بالاعتماد على تصوره للشعر الدراماتيكي، على الرغم من أنه يقبل هنا، على الأقل، ثلاثة نماذج: نموذج التراجيديا الإغريقية، ونموذج الدراما الشكسبيرية، ونموذج الكوميديا الأريستوفانية، هنا أيضاً، نرى الغموض الدائم بين التحديد النمطي، والتحديد التحليلي، وتحديد الماهية. في المقابل، الإجراء أقل تأثيراً بكثير في حالة الشعر الغنائي، الذي يعده هيغل "كسلة المهملات"، ووجد سريعاً طريقة للتعامل معه والتي كانت طريقة منظري الشعر قبل الرومانسية في التعامل مع الأشكال الصغيرة: التعداد الخالص والبسيط للأجناس المتوارثة تاريخياً. بالإضافة إلى ذلك، لم يحاول إقامة المثال التاريخي للنموذج الغنائي بطريقة منطقية، وكانت الأمثلة التي حللها مختارة دون تمييز من الشعر القديم، ومن الشعر الشرقي (حافظ)، ومن الشعر الرومانسي، مع أفضلية عددية واضحة لهذا الأخير (شيلر، وغوته). يحاول أن يبرر غياب النموذج الجنسي بالقول إن الشعر الغنائي بالضرورة شكل غير مستقر جوهرياً، لأن موضوعه التعبير عن الذاتية. ضمن الحدود التي تكون فيها الجوهرية الهيغلية تاريخية، يكون تفريقه بين الأشكال الأساسية والأجناس الهجينة في مستوى تطوراته للتاريخية. في كتابه "علم الجمال" يميز بين شكلين من التاريخية. يوجد أولاً التاريخية الممكنة والتجريبية، تخضع لتسلسل بسيط للأحداث: تتساوى كل الحوادث والعلاقة الوحيدة المناسبة هي علاقة التتابع الزمني. وهذه تتعارض مع التاريخية الخاصة بالازدهار التدريجي لتحديدات الروح: وهي تخضع لضرورة التصور، ويعبر تسلسل الأحداث فيها دائماً على علاقات تصورية. بفضل هذا التمييز، يستبعد كل ما هو غير متطابق مع التحديدات التصورية من كل تأريخية للماهية، ويشكل جزءاً من البقايا التجريبية.

يسمح هذا لهيغل بعدم الأخذ في الحسبان للعناصر المتمردة عندما يعرّف جوهر الأجناس. بفضل هذه المبادئ أقام مخططاته الجنسية التاريخية ـ المنهجية. وبذلك انتهى إلى اللوحة التالية بشأن الشعر الملحمي.

 

 

 

 

شعر ملحمي

رومانسي كلاسيكي رمزي

الملحمة حصراً

قصيدة غزل قصيدة هجاء

رواية قول مأثور الخ

كلاسيكية

(الإلياذة ـ الأوديسة)

 

رومانسية شرقية

ـ جرمانية (إيدا) (راماجانا)

ـ مسيحية (الكوميديا الإلهية)

ـ فروسية (أناشيد البطولة)(*)

 

إذا قارنا هذه اللوحة مع تعريف جوهر الشعر الملحمي، نرى أن هذا الأخير يخص فقط الملحمة حصراً بشكلها الكلاسيكي وينحي جانباً كل الأشكال الأخرى. تكفي الأماكن التي اختارها هيغل لتقديم هذه الأشكال لإظهار وضعها الهامشي مسبقاً, لذلك، لا تتواجد الآراء حول الملحمة الشرقية والرومانسية إلا في الفصل المخصص "للتطور التاريخي للشعر الملحمي"، وهو فصل ملحق يهدف إلى الأخذ في الحسبان للتاريخية التجريبية، أي أهمية بُعد التاريخ غير الكاشف لجوهر الشعر الملحمي. أما فيما يتعلق بالأشكال الملحمية التي تنضوي تحت عنوان الملحمة حصراً، فإنها عولجت إما عند تقديم تشكل الملحمة (هذه هي حالة الأشكال الرمزية للشعر الملحمي)، وإما ضمن الملحق التاريخي (هذه هي حالة الرواية)، وإما ضمن الفصول الخارجة عن دراسة الشعر (ذلك هو الحال مثلاً مع الحكايات التي قدمت في الفصل المخصص لشكل الفن الرمزي، والرواية، التي يوجد تحليلها الأساسي في الفصل المخصص لذوبان شكل الفن الرومانسي). بالنسبة للشعر الدراماتيكي، تُطرح المشاكل بصورة مختلفة. وهذا يعود، بصورة أساسية ،إلى أن هيغل، بعكس ما جرى بالنسبة للملحمة، يقبل أن يُدخل في اللعبة ثلاثة أجناس فرعية، وهي متساوية، جزئياً على الأقل، أي يمتلك كل منها تعريفه الخاص للجوهر: وهي التراجيديا التي تعرض نزاعات جوهرية في مجتمع من خلال نزاعات رجال فاعلين (أنتيغون مثلاً)، والكوميديا التي تعبر عن انتصار الذاتية على القدر الموضوعي (أريستوفان)، والدراما التي تعرض نزاعات قائمة ليس على مصالح جوهرية للمجتمع، ولكن على مصالح ذاتية للأبطال تحديداً (هاملت، عطيل). لهذا السبب، عند التصنيف العام للشعر الدراماتيكي، اقتصر على تحليلات قائمة على خصوصية الفعل والوحدة الدراماتيكية بعلاقتها مع شبيهاتها الملحمية (نزاع داخلي، نزاع خارجي، تنظيم انجذابي، مسلسلات نابذة..الخ)، حول الدوافع المختلفة للنزاع الدراماتيكي، وحول التنظيم الشكلي (إلقاء، حوار، دور الجوقة، البحر الشعري..الخ).

من المفيد أن نلاحظ أنه هنا لا يأخذ التمييز التاريخي بين الرمزي، والكلاسيكي، والرومانسي، ولكنه يقتصر على صنفين فقط (متوارثين من الرومانسية)، هما القديم والحديث. نحصل إذن على المخطط التالي:

 

شعر دراماتيكي

دراما كوميديا تراجيديا

 

حديثة قديمة حديثة قديمة حديثة قديمة

على الرغم من ذلك، إن هذا المخطط، بعكس الظاهر، لا يحدد ستة أشكال دراماتيكية متوازية. إن التراجيديا الحقيقية هي تلك التي تقدم نزاعات بين قوى اجتماعية أساسية (ملك المدينة ضد ملك العائلة....الخ)، وهي لا توجد إلا في الزمن القديم، أما التراجيديا الحديثة فإنها تقترب، في الواقع، من الدراما، أي تقديم نزاعات ناتجة عن عارض بسيط لمزاج أوتيلو أو لعاطفة روميو وجولييت، ولذلك فهي مستبعدة عن كل بعد جوهري اجتماعياً. عجز العصر الحديث في الوصول إلى التراجيديا يعود بوضوح إلى المزاج الذاتي للإنسان الحديث. الشيء نفسه يقال بالنسبة للكوميديا: النموذج هو الكوميديا القديمة، أما الكوميديا الحديثة فهي إما جدية كثيراً (طرطوف)، أو مبتذلة كثيراً. مع ذلك، إذا كانت الكوميديا تعرض انتصار الذاتية، وإذا كان العصر الحديث هو عصر هيمنة الذاتية والداخلية، فإننا نتوقع أن تتطور الكوميديا بصورة كافية. مهما كان الأمر، الشكل الحديث نموذجياً للشعر الدراماتيكي هو الدراما: خليط أو مركب من التراجيديا والكوميديا (أفعال جدية وهزل مختلط، أو عمل جدي يؤدي إلى نهاية سعيدة). بالتأكيد يوجد في العصر القديم (دراما ساتيرية(*)، وتراجيديا، وكوميديا) ولكنها ازدهرت أساساً في العصر الحديث (مثال ذلك، إيفيجيني لغوته). بذلك تحقق الدراما الحديثة "التأمل الأكثر عمقاً للتصورات التراجيدية ـ الكوميدية)، ذلك أنه ينتج "ليس من تقريب الأشياء المتعاكسة أو قلبها، ولكن من الفعل المؤثر، والمحايد الذي تمارسه إحداها على الأخرى"(26)

بمعنى آخر، يرتسم مخطط تعاقبي وديالكتيكي تحت المخطط المتزامن ـ تراجيديا ـ كوميديا دراما.

كوميديا تراجيديا

شعر قديم

دراما

 

شعر حديث

 

تبقى نقطتان، أريد تناولهما بكلمة. الأولى تتعلق بالعلاقة بين النظام والتاريخ في مستوى التحديدات الجنسية: إذا كان كل تمييز تصوري نظاماً "تطورياً" أي تاريخياً، ألا يجب أن يكون كل تمييز للملحمي والغنائي والدراماتيكي متطابقاً مع ثلاث لحظات تاريخية مختلفة؟ لهذا، رسم هيغل هذا التطور: ولم يضع أبداً موضع الشك الميزة الأصلية للشعر الملحمي، الذي سبق الجنسين الآخرين. وبالطريقة نفسها ربط الشعر الدراماتيكي بتنظيم اجتماعي معقد، ويرى فيه إذن ليس فقط تركيباً تصورياً للأنواع الأخرى للشعر، ولكن أيضاً نهايته التطورية. ولكن هذا المخطط يوضع دائماً موضع شك. هكذا، نعرف أنه يعتبر أن الشعر الغنائي يتواجد في كل العصور وتحت كل السماوات. خاصة أن هذا التطور من الملحمي إلى الدراماتيكي مروراً بالشعر الغنائي ليس شاملاً، ولكنه يخص فقط حقبة تاريخية معينة، هي حقبة الشعر الإغريقي. يخضع التطور الشامل للشعر إلى التقسيم الثلاثي الرمزي والكلاسيكي والرومانسي. هذا لا يعني أنه لم يوجد تطور داخل كل جنس، ولكن بالعكس، رأينا ذلك بصورة أكثر غموضاً، في حالة الشعر الغنائي، بقول آخر، في مجال الأجناس الأدبية، الجوهرية الهيغلية ثنائية: تنزع لأن تكون متزامنة فيما يخص العلاقات بين الأجناس الثلاثة، وتصبح تعاقبية فيما يتعلق بالتطور داخل الأجناس. ولكن بالإضافة إلى ذلك، التعريف التعاقبي والتعريف التزامني متضامنان مع بعضهما بعضاً: يتجذر تعريف الماهيات الجنسية، وتعريف الطبيعة الداخلية بكل جنس، ضمن النظام التزامني الثلاثي الذي يحدد نظام الشعر. المشترك بين المستويين، هو التسليم بماهية أساسية للشعر تحدد وجود النص، وهذا التحديد مُتصور وفق الأبستيمولوجيا الأفلاطونية، كنموذج تزامني محرفاً للنصوص، أو، وفق النموذج الأرسطوطالي، بوصفه طبيعة متطورة تعاقبياً عبر التاريخ. في الحالتين، تدين الفلسفة في حدود اللاتصورية، عدة تقاليد جنسية، لأنها ليست "بصورة حقيقية".

 

ـ صراع الأجناس.

 

إذا كان النظام الهيغلي عضوياً، فإنه يجب انتظار برونيتيير (27) من أجل العثور على نظرية جنسية بيولوجية مستقاة مباشرة، كما يؤكد المؤلف في عدة مناسبات، من داروين وهاكيل (الذي يستشهد به بكثرة). يمكن أن تعد نظريته بحق كالنهاية القصوى للمثال البيولوجي في مجال التصنيف الأدبي، لا سيما أن ذلك يؤكد بوضوح أنه لم يستفد من هذا المثال كمجرد "تحول بسيط ": التنافس الحيوي والانتقاء الطبيعي هما "تعبير عن حقيقة الأشياء"(28) بالنسبة لبرونتيير، يجب على نظرية الأجناس أن تجيب عن خمسة أسئلة رئيسة.

1ـ ما هو شكل وجود الأجناس؟ هل يتعلق الأمر بتغيرات بسيطة عشوائية أم بماهيات حقيقية؟ "..... ربما لا تكون الأجناس سوى كلمات، وتصنيفات عشوائية، يخترعها النقد من أجل عزائه الخاص فقط، ومن اجل أن يجد نفسه ويعرفها ضمن هذا الكم من الأعمال التي ترهقه عبر تنوعها المطلق ، أو على العكس، هل توجد الأجناس حقيقة في الطبيعة وفي التاريخ؟ هل هي مشروطة من ذاتها؟ أخيراً، هل تعيش حياة خاصة بها ومستقلة ليس فقط عن حاجات النقد، ولكن أيضاً عن أهواء الكتاب أو الغنائيين؟"(29) لا يمكن أن تكون الإجابة عن السؤال الأول إلا إيجابية "لأن النشيد الذي ندمجه بأغنية عند اللزوم ليس مثل كوميديا متميزة مثلاً، والمنظر الطبيعي ليس تمثالاً."(30) في مكان أبعد، سيحدد وسائل كل فن وموضوعاته، وكذلك "العائلات الروحية" (بسبب أن كل عائلة روحية تتعلق بأجناس تناسبها بطريقة خاصة"(31)

2ـ مسألة تكونها وتميزها: "كيف تتحرر الأجناس من الالتباس الأولي؟ كيف يجري فيها التمييز الذي يقسمها أولاً، ثم يميزها بعد ذلك، وأخيراً يفردها."(32)

هذه المسألة والتي يلح عليها برونتيير "شبيهة بصورة ملحوظة مع مسألة كيف يتحرر الأفراد مع أشكالهم الخاصة في التاريخ الطبيعي من وجود أو ماهية عامين ومتجانسين، ويصبحون بذلك الأصل المتتابع للتنوع، والأجناس، والأصناف."(33) ويختم ذلك "ومن مبدأ التطور أخذنا أدلتنا [...]. دون شك ، يتم تمييز الأجناس في التاريخ مثل الأصناف في الطبيعة، بالتدريج، من خلال تحول المفرد إلى مجموع، ومن البسيط إلى المعقد، ومن المتجانس إلى المختلف، بفضل المبدأ الذي نسميه اختلاف الخصائص."(34).

3ـ المسألة الثالثة تتعلق بمشكلة تثبيت الأجناس، أي مشكلة استمرارها التاريخي، وتأمين "وجود فردي لها، يشبه وجودكم أو وجودي، مع بداية ووسط ونهاية"(35)

هذا الوجود هو وجود كائن بيولوجي، وهذا ماقاد برونيتيير إلى تأكيد أن المسائل الأكثر أهمية تتعلق بتحديد شباب الجنس، وضعفه، وأيضاً نضجه بصورة خاصة، أي اللحظة التي يحقق فيها كمال قواه الحيوية، اللحظة التي فيها "يتطابق مع الفكرة الداخلية لتعريفه، من ذاته (..)، وعندما يصل إلى الشعور بموضوعه، فإنه يصل في الوقت نفسه، إلى كمال وسائله وإتقانها. "(36)

هذا يعني أن تعريف الأجناس لايمكن أن يكون إلا جوهرياً: لن نتمكن من فهم تطور جنس معين إلا عبر معرفة "ميزته الأساسية"(37)

4ـ مسألة تغيرات الأجناس، أي تحليل القوى التي تسهم في عدم ثبات جنس ما، وانحلاله، وتفككه واحتمال إعادة تشكله. يرى برونيتيير أن هذه المسألة هي الأكثر تعقيداً وعندما ستحل فإنها ستلقي الضوء على وضع الأجناس(38).

من بين عوامل عدم الاستقرار والتطور التعديلي، يذكر الوراثة أو الأصل، وتأثير الأوساط الجغرافية، والجوية، والاجتماعية والتاريخية، وتأثير الفردانية خاصة. يعد هذا العنصر الأخير أساسياً من وجهة نظر برونيتيير: لاتريد نظرية التطور استبعاد الفرد كقوة غائية في التطور الجنسي، وتعطيه مكاناً مرموقاً: أدخل الفرد في تاريخ الأدب والفن شيئاً لم يكن يوجد فيه قبله، ولن يوجد فيه من دونه، وسيستمر فيه من بعده (...) . لايوجد شيء أكثر ملاءمة لقانون التطور من التأكيد على هذا السبب المحوِّل للأجناس، لأنه في حقيقة القول، سيكون الطبع وفق أصل الأنواع هو بداية كل التغيرات"(39). أو أيضاً "سيكون نقطة انطلاق كل تغير تشكيلي في صنف جديد ظهور خاصية جديدة في الفرد."(40)

يعطي التطور الجنسي الذي نُظر إليه بحسب النظرية الداروينية، دوراً مهماً ليس فقط للاستثناء والحالة العرضية، ولكن أيضاً لإمكانية التغيرات المفاجئة بصورة أكثر عموميةفي الواقع، يدعم برونيتيير فرضية تثبيت التبدلات المفاجئة ضد المدافعين عن تكديس التغيرات البطيئة(41)، تتطابق الأولى بصورة أفضل مع المكانة المهمة التي يعطيها للأعمال القانونية في التاريخ الأدبي.

5ـ مسألة تحول الأجناس، وهذه قد تؤدي إلى الوقوع في الخطأ، لأن برونيتيير، في الواقع، يريد من خلال هذه المسألة معرفة فيما إذا كان يوجد قانون عام يتحكم بعلاقات الأجناس بين بعضها، فيما وراء القوانين التي تتحكم بالتطور الداخلي لكل جنس. إنه يظن أن مثل هذا القانون موجود ويتطابق مع القانون الأساسي للتطور الأدبي،

أي قانون الانتقاء الطبيعي، "التنافس الطبيعي"، و "استمرار الأكثر قوة" : "..إذا كان ظهور بعض الأصناف، في زمان ومكان معينين، يسبب زوال بعضها الآخر، أو أيضاً، إذا كان صحيحاً أن الصراع من أجل البقاء ليس شرساً دائماً إلا بين الأصناف المتجاورة، ألا نعثر على كثير من الأمثلة التي تذكرنا بأن الأمر لم يكن بعيداً عن ذلك في تاريخ الأدب والفن؟" (42). هذه النظرية هي التي ستقود كل التحليلات التاريخية، وخاصة تحليلات كتابه "فهرس تاريخ الأدب الفرنسي": يجب أن يفرد التأريخ مكاناً لعلم الأنساب، أي لتاريخ الولادة التدريجية للأجناس عبر صراعها المتبادل. الأمر نفسه بالنسبة للمنهج التطوري الذي يكتفي بتصنيف إحصائي بسيط للأجناس. من المؤكد أن برونيتيير يمجد التصنيف : "الغاية الطبيعية لكل علم في العالم هو التصنيف، ضمن نظام شبيه بنظام الطبيعة، للموضوعات التي تشكل مواد أبحاثه." (43) ولكنه يضيف مباشرة أن هذا التصنيف لن يكون آلياً (مثل تصنيف linné ) : التصنيف الجنسي الإحصائي أو الآلي فقط لن يكون إلا تصنيفاً مصطنعاً أو عشوائياً، حيث لن يُسقط إلا الأجناس، التي هي أعضاء حية، ولا تتواجد إلا في الزمن وبصورة أكثر خصوصية، في الصراع الحيوي التي يكون فيه الزمن هو حقل المعركة. ما يلزم إذن هو علم أنساب الأجناس، "إذا لم تتعرّف الأجناس، مثل العناصر في الطبيعة، إلا عبر الصراع الذي يجري فيما بينها في كل زمان، فما هو التراجي ـ كوميديا مثلاً غير انتقال الدراما بين الرواية والتراجيديا؟ وكيف نراها إذا فصلنا دراسة الرواية عن دراسة التراجيدية." (44)

تثوّر النظرية التطورية إذن مناهج التاريخ الأدبي: " من وجهة نظر وصفية، وتحليلية، أو إذا تجرأت على القول ببساطة، إحصائية وحسابية، إنها تحل محل ما ندعوه وجهة نظر علم الأنساب.

يوجد تتابع في الأعمال في الأدب كما في الفن، عبر كل الأزمنة إن ما يفرض ثقله أكثر على الحاضر هو الماضي. كما في الطبيعة، إننا نعتقد أن الشبيه يولد دائماً الشبيه وهذا غلط، والتطور يتابع طريقه، في حين أننا لا نعتقد أيضاً بمحاكاة أو إعادة استحضار الماضي، وهناك حركة خرساء تجري في أعماق الحياة، لا نرى منها شيئاً يظهر على السطح، ولكنها ستدهشنا في يوم من الأيام عندما نعرف أنه في ظرف عدة سنوات قد جددت كل شيء، وحولت كل شيء، ونقلت كل شيء من الشبيه إلى النقيض. إن محاولة الإمساك بهذه الحركة وتحديد طبيعتها، واتجاهها وقوتها وخاصيتها هذا هو الموضوع الذي يقترحه المنهج التطوري، ويمتد إلى الأدب بالأساليب نفسها الموجودة في التاريخ الطبيعي." (45)

عندما نقارن هذا المشروع بمشروع هيغل، يظهر لنا مباشرة اختلافان مهمان. فمن جهة، يرفض برونيتيير، بعكس مؤلف "علم الجمال"، أن يرى الأدب كتعبير عن حقيقة أخرى غير حقيقته. هذا يظهر عبر جداله مع تين الذي يضع نفسه في صف هيغل في هذا المجال.

أولاً، إنه يعبر عن شكوكه بفرضية التطابق الضروري بين كل النشاطات الروحية لعصر معين ،أي الوحدة المنهجية التي، من وجهة نظر تين، تربط كل الفعاليات لروح أو لجنس بعينهما. يرى برونيتيير أن تين يعطي أهمية كبيرة للأصل، أهمية اللحظة، أي التطور، أكبر من أهمية الأصل.(46) ومن هنا تأتي المكانة المركزية التي يحتلها عنده تقسيم الأدب وفق العصور الأدبية، وفرضيته التي تقول إن الوجود البيولوجي للأشكال الفنية هو في الوقت نفسه وجودها التاريخي. يعلن هذا المبدأ العام عند حديثه عن الرسم الهولندي: "تطوره، هو تاريخه، وليس له من تاريخ غير تاريخ تطوره." (47) ولكن ما يأخذ على تين هو عدم اعتباره العمل الفني إلا كدلالة عن حقيقة أخرى يجد فيها غايته. والحالة هذه "إن العمل الفني هو عمل فني قبل أن يكون دلالة؛ [...]، وهو يوجد بذاته ولذاته." (48) إذا لم ينف تأثير العوامل الخارجية في الأدب، فإنه يؤكد مع ذلك بقوة أن التأثير الأساسي الذي طوره "هو تأثير الأعمال في الأعمال"(49): "بعد تأثير الفرد، إن التأثير الكبير الذي يجري في الأدب والفن، هو تأثير الأعمال في الأعمال. أو نريد أن نزاحم في جنسهم أولئك الذين سبقونا: هكذا تتسارع الأحداث، وتتشكل المدارس، وتفرض التقاليد نفسها أو ندعي فعل شيء غير الذي فعلوه، ويناقض التطور التقليد، وتتجدد المدارس، وتتغير التصرفات"(50) ولكن يجب أن نرى جيداً أنه بالنسبة لبرونيتيير إن تأثير الأعمال في الأعمال ليس، في الواقع، إلا تعبيراً عن قانون خفي هو قانون جيل الأجناس. العلاقة التي يفكر فيها ليست إذن علاقة تناصية جمعية، إي علاقة واضحة وواعية تتوطد بين أعمال مؤلفين مختلفين في عصور مختلفة، ولكنها علاقة وراثة داخلية لعلم الأنساب الجنسي: "في كل لحظة من التاريخ، كل من يكتب في الفن أو الأدب [...] فإنه يكتب تحت ضغط كل أولئك الذين سبقوه سواء عرفهم أم لم يعرفهم ." (51) ترتبط العلاقات بين الأعمال الأدبية إذن بدقة بحدود العلاقات بين الكائنات في الفصيلة البيولوجية الواحدة. هذا المنطق الوراثي الداخلي هو الذي يؤسس استقلال المجال الأدبي.

النقطة الثانية التي تميز بها برونيتيير عن هيغل تتعلق بوضع الصيرورة التاريخية للأدب: لا يخضع تطور الأجناس لغائية عامة، وخاصة لمبدأ التطور. من وجهة نظر داروين، لا يوجد غائية داخلية للتطور البيولوجي، وكل شيء يفسر من خلال استمرار التجديدات الوراثية الأكثر تلاؤماً، وفق ظروف المكان ومزاحمة الأصناف الأخرى، لذلك فإن تطور الأدب يتفسر من خلال استمرار التجديدات الأدبية الأكثر تلاؤماً، ومن خلال زوال الأشكال غير الملائمة، ومن خلال الصراع بين الأشكال المتجاورة...الخ. هكذا يعرف الأدب ليس فقط مراحل تطور، ولكن أيضاً مراحل تراجع وتقهقر، ويرفض برونيتيير قبول وجود "أي قانون ثابت للتطور."(52) بالتأكيد، يوجد قانون للتطور الأدبي، ولكن هذا القانون يتلخص بالمبدأ الذي تحدثنا عنه سابقاً، اختلاف الخصائص، أي "بحسب رأي هيربر سبنسر، الانتقال من التجانس إلى الاختلاف، أو أيضاً، كما يقول هاكيل، [...] فكرة الاختلاف التدريجي للمادة الأولية البسيطة."(53)

هكذا، إن قانون التطور الأدبي هو قانون التميز التدريجي الذي يتطلب الانتقال من التجانس إلى الاختلاف، ومن الشبيه إلى نقيضه، ضمن تتابع حتمي للأصناف الأدبية التي تتنافس فيما بينها. في المقابل، كما سنرى، في مستوى التطور الداخلي للأجناس، يتابع برونيتيير الدفاع عن طروحات غائية في نهاية المطاف. أول ما يدهشنا عندما ننظر في نظرية برونيتيير هو فرضية أن الأجناس الأدبية أصناف بيولوجية تمتلك صفة وتعريف خاصين، وهذه الفرضية غامضة بصورة كاملة، هذا مع الأخذ بعين الاعتبار للتفسيرات الأخرى التي يعطيها للتطور الأدبي. عندما يدافع عن رأيه في أن العامل الأساسي في التطور الأدبي هو تأثير الأعمال في الأعماأأأأعمال، وأن تنوع الأعمال الأدبية مثل محاكاتها يتفسر من خلال أن الكتاب إما أنهم يريدون تقليد سابقيهم أو أن يخالفوهم، فإنه يمتلك عاملين يمكن أن يكفيا بصورة كاملة لتفسير التطور الأدبي. منذ هذا الوقت، لم نرَ ما قدمته الفرضية التي تعد الأجناس كائنات بيولوجية ومجردة في الوقت نفسه. هناك أكثر من ذلك: إذا كانت هذه الفرضية غير قادرة على تفسير الصراع بين الكائنات (الكتاب)، فإن الأجناس المتصورة بهذا الشكل، لا يمكن أن تُفسر إلا انطلاقاً من هذا الصراع. لذلك فإن المبدأ التفسيري المزعوم (صراع الأجناس) هو، في الواقع، الظاهرة التي يتوجب تفسيرها. بالإضافة إلى ذلك، لا نرى بوضوح لماذا يجب أن يكون الصراع بين مؤلفين يكتبان أجناساً مختلفة، أكثر حدة من حيث المبدأ، من الصراع بين مؤلفين يكتبان الجنس نفسه: سيكون معقولاً مساندة الفرضية المقابلة. في النهاية نضيف أن فرضية الصراع الدائم بين الأجناس أقل وضوحاً مما يظهر، لاسيما أن برونيتيير يشرح ميزتها، من خلال تنوع موضوعاتها ("لن نذهب إلى المسرح للهدف نفسه وهو الوعظ")(54): ضمن هذا الإطار، لماذا نرى لدى بعض النشاطات التي لها أغراض مختلفة، اتجاهاً طبيعياً للقيام بصراع عنيف؟ في الواقع، المقدمة النظرية الجوهرية لبرونيتيير التي تفسر تطور الأدب من خلال الصراع الحيوي بين الأجناس (مهما يكن المعنى الذي نعطيه لهذا التعبير، أي إذا اعتبرناه، بعكس برونيتيير، اسماً عاماً بسيطاً يشمل طبقة من النصوص)، هي بالتأكيد مقدمة خاطئة، على الأقل كفرضية عامة. وتبدو جزئياً معقولة، عندما تكون قادرة على تفسير العلاقات الموجودة بين أجناس قريبة من بعضها. ويختتم كلامه منطلقاً مما يدعوه انحطاط الشعر الغنائي في النصف الأول من القرن السابع عشر: "إن تحول الشعر الغنائي وانحطاطه في السنوات الأولى من القرن السابع عشر، هو الثمن الذي دفعه لنا تطور الشعر الدراماتيكي وفن الخطابة وانتصارها.[..]. مثلما أنه في الطبيعة لا يمكن لصنفين متقاربين النمو والازدهار معاً في منطقة واحدة، ولكن ما يستطيع أحدهما كسبه في معركة الحياة، يجب أن يخسره الآخر، لذلك لم نرَ مطلقاً، في أي زمن من تاريخ أدب معين، أنه كان هناك مكان لكل الأجناس في وقت واحد، ولكن إذا وصل أحدهما إلى الكمال، فإن ذلك يكون على حساب جنس آخر دائماً."(55)

ولكن في مناسبات عديدة، يعمم برونيتيير فرضيته مؤكداً، كما رأينا، أن "الأجناس لا تعرف بنفسها، كالكائنات في الطبيعة، إلا من خلال الصراع الذي تقوم به ضد بعضها بعضاً."(56)

فُرض هذا التعميم عليه من خلال النموذج الدارويني، لأنه وفق نظرية التطور لا يوجد الصراع الحيوي فقط بين الكائنات المتقاربة، ولكن أيضاً بين الكائنات البعيدة عن بعضها تطورياً. دون شك، ألا يتعلق الأمر بنفي وجود صراع بين مؤلفين، في بعض العصور وفي بعض الظروف الخاصة، يهدف إلى تغليب الأشكال الأدبية التي يمارسونها ضد الأشكال المتقاربة: هكذا أراد غوته ولينز ومسرحيون آخرون فرض نموذجهم لدراما "محايدة" ضد الدراما الكلاسيكية. صحيح أن الكلاسيكية الفرنسية اعترضها، من جملة ما اعترضها، مسألة سيادة الشعر الملحمي أو الشعر الدراماتيكي: ألا يجب أيضاً مطابقة السيادة الطبقية مع الصراع من أجل البقاء بصورة آلية. على كل حال، يمكننا جمع مثل ذلك أو أكثر من الأمثلة التي تظهر، بالعكس، "تعايشاً سلمياً" بين الأجناس المختلفة جداً وحتى بين الأجناس القريبة من بعضها بعضاً: الرواية الجاسوسية، والرواية البوليسية قريتبان من بعضهما، بالتأكيد، وهذا لم يمنعهما من التعايش سلمياً منذ عدة عقود. من المؤكد إذن أن الأمر لا يتعلق بقانون عام. بالإضافة إلى ذلك، وإن وجد مثل هذا الصراع العام، فإن القائمين بهذا الصراع لن تكون، بالتأكيد، "الأجناس"، بل الأفراد الذين يبدعون الأعمال. يمكن إضافة اعتراض ذي طبيعة منطقية إلى هذه الاعتراضات المنهجية والتجريبية: حتى ولو قبلنا أن للأجناس الأدبية وجوداً غير وجود المصطلحات التصنيفية البسيطة فإنه لا يضر القول أخيراً إنها تخدم كالكائنات الطبيعية.

في الواقع لا ُيظهر برونيتيير في أي مكان أنه لا يوجد إلا نموذجان لإمكانية الوجود بالنسبة للأجناس: إما أن تكون مصطلحات تصنيفية عشوائية أو أن تكون كائنات بيولوجية، وكذلك لا يُظهر في أي مكان أن تشابه النصوص لا يفسر إلا من خلال وجود أصناف بيولوجية تكون النصوص تعبيراً عنها. في هذا المجال، إذا كان هناك احتمالات أخرى غير الاحتمالين اللذين قدمها برونتيير فإن رفض الفكرة الأولى لا يبرر بصورة آلية قبول الفكرة الثانية. الاعتراض الممكن هو الذي يميل إلى اعتبار مسألة التصنيف المنطقي للفرضية البيولوجية عديمة الفائدة، ومن المهم فقط معرفة ما إذا كانت هذه الفرضية مفيدة في تفسير الظواهر الأدبية، ويمكن أن تستبعد هنا: رأينا أن هذه الفرضية حشو، بعيداً عن تفسير الظواهر الأدبية التي يحللها برونيتيير. ولكن ألا يمكن أن يكون لها، على الأقل، قيمة استكشافية؟ مما لاشك فيه أن لبعض نتائجها مثل هذه القيمة، مثلاً النقاش الخاص بتعاقب التبدلات البطيئة والتبدلات المفاجئة، وفرضية التحول التدريجي للأشكال الأدبية، وكذلك فرضية وجود طبقة من الأجناس في بعض العصور. ولكن قيمتها الاستكشافية تصبح مسبقاً عديمة الفائدة عندما ننتقل إلى فرضية التطور التاريخي للأجناس، أو فرضية الصراع العام، بين مؤلفين يكتبون أجناساً مختلفة. عن طريق فرض النموذج البيولوجي كشبيه للتطور الداخلي للأجناس، مما يتطلب فرضية الولادة، والنضج، والانحطاط لهذه الأجناس نفسها، فإنه يبدو لي أن النظرية الداروينية تؤدي مسبقاً دوراً سلبياً واضحاً، في المعنى الذي تزوّر فيه التحليلات التاريخية. أما فيما يتعلق بالفكرة الرئيسة التي تعطي الأصناف النصية خاصية بيولوجية، وتفترض صراعاً حيوياً بين هذه الأصناف، فإنها ببساطة حمقاء منطقياً. سواء كان الصراع من أجل البقاء هو القانون الطبيعي للكائنات الحية، ويظهر هذا أيضاً بين الفنانين حيث يمكننا أن نجد فيه آثاراً لبعض نماذج تطور الفنون، فإن ذلك يبقى نظرية يمكن أن تكون صحيحة أو مغلوطة. ولكن بدلاً من الكائنات البشرية، كان القائم بهذا الصراع الداروييني هي الأجناس، وكانت الأجناس الأدبية كائنات بيولوجية وليست مختارات من الأعمال، فإن ذلك يرتكز ببساطة على مزج بين الطبقات يجب على تلميذ في الثانوي أن يتجنبه

في وقتنا الحاضر. في نهاية الأمر، إن الدور الأساسي الذي تؤديه نظرية التطور في تشكيل التاريخ الأدبي عند برونيتيير هو دورٌ أخلاقي وجدلي. كما عند هيغل، الخاصية الموضوعية المزعومة للمنهج الذي يسمح بتشكيل التاريخ الأدبي في مجال متجانس، هي في الواقع، في خدمة صياغة قانون أدبي. من المؤكد أنه يشير إلى أنه بفضل نظرية التطور أصبح النقد "علماً شبيهاً بالتاريخ الطبيعي" (58)، أو أيضاً أن "الفائدة الكبيرة للمنهج التطوري ستكون في المستقبل إبعاد "الذاتية" من التاريخ الأدبي والفن، ولذلك، منح أحكام النقد السلطة التي رفضنا أن نعطيها له حتى الآن"(59) ولكن لهذا العلم الطبيعي للأجناس هيئة مضحكة. ننتظر ما يقود الناقد إلى جمع مايمكن جمعه من الشهادات المتعلقة بوجود هذا الكائن الجنسي أو ذاك، ثم يستخلص منها السمات الثابتة، وحساب الخلافات بالمقارنة مع هذا النموذج المتوسط، ومحاولة تفسيرها، وتحليل كيف تحول العلاقة بين النموذج والخلافات العنصر المقصود، وهكذا إلى آخره. في الواقع، هذا خطأ: الشيء الوحيد الذي يهم برونيتيير هو ما يسميه النموذج الأساسي، بعكس فرضيته التي تقول إن كل عمل هو مجموع كل الأعمال التي سبقته، فإنه لا يأخذ في الاعتبار، عندما يتعلق الأمر بتاريخ مجرد، أن بعض الأعمال تؤثر في القانون الأدبي. ويبرر لنفسه بالإشارة إلى أن المنهج الدارويني يسمح للمؤرخ بأن يفرز، داخل كائنات الجنس الواحد، بين الكائنات المهمة من وجهة نظر تطوره، والتي تعبر إذن عن ماهيتها، وبين الكائنات غير الملائمة بالمعنى الكامل للكلمة. هكذا أدى التاريخ الأدبي المستوحى من داروين إلى علم تحسين النسل الذي ينفذ بوعي: "وهذه فائدة أخرى للعقيدة التطورية: تهمل شوائب التاريخ الأدبي والفني، وتمحيها وتطردها بصورة آلية."(60) يجب عدم الاحتفاظ إلا "بالأعمال ذات الدلالة في كل جنس، والتي أوصلت مراحل هذا الجنس نحو الكمال": مثلاً، بالنسبة للمسرح في القرن السابع عشر، لم يكن هناك حاجة أبداً لأخذ روترو في الحسبان، لأن كل ما لدى هذا المؤلف موجود عند كورنيه وأنه "لو لم يوجد عمله، فلن يؤثر ذلك في تاريخ المسرح؛ ولم تعطه بعض الاستعارات التي أخذها عن كورنيه وموليير وراسين إلا الحق في أن يكون متميزاً تبعاً لهؤلاء الكتاب"(61). وبفضل المنطق التطوري الحتمي نفسه يجب إعطاء الأفضلية "لماليرب" و "بوالو" على سان ـ أمان، أو تيوفيل، الذين، على الرغم من موهبتهم "لم يكونوا إجمالاً إلا متأخرين" و "وهم أنفسهم متخفون في التاريخ أو مبعدون عنه"(62) ولكن النموذج التطوري لا يسمح فقط بإبعاد بعض المؤلفين والأجناس وتهميشهم، بل يسمح أيضاً بتشكيل التاريخ الأدبي في تابع من الحلقات النوعية التي تمتلك كل واحدة منها قمتها الخاصة التي تتطابق، وفق الفرضية الجوهرية، مع الطبقة الداخلية للجنس المقصود. هنا برونيتيير لا يبتكر شيئاً، وكذلك عندما يرفع النظرية البيولوجية إلى نهايتها المطلقة بإعطائه الجنس حياة فردية خالصة بالمعنى القوي للكلمة. الحالة المثالية لمثل هذه الحلقة هي حالة التراجيديا الفرنسية، التي يقول عنها هو نفسه إنها "مثال رائع، إذا لم نقل وحيداً، للشكل الذي يولد فيه جنس معين، ويكبر، ويصل إلى كماله، ويتراجع، وأخيراً يموت."(63) يمكننا أن نلاحظ أن علم الأنساب يتدخل بصورة شاملة في مستوى التطور الداخلي للأجناس، على الرغم من رفضه على مستوى التطور العام للأدب: كل جنس يحاول شيئاً فشيئاً أن يصل إلى نقاء نموذجه، ثم يتراجع حتماً. هذا يعني أنه في مستوى التاريخ الداخلي للأجناس، تحل الجوهرية النسبية الأكثر كلاسيكية محل الفرضية التطورية (كما رأينا عند أرسطو) منذ أن يتعلق الأمر بتجديد النصوص الممثلة لنموذج جنسي، على الرغم من ضرورة الفرضية التطورية لتفسير التطور الزمني. هنا يتناقض برونيتيير بصورة كاملة مع مقدماته الخاصة: ليس للتطور الجنسي الداخلي غاية، في حين أن التطور الجنسي الباطني لا يمكنه كذلك الوصول إلى غاية، لأنه، بفضل النظرية التطورية، تعد آليات التبدل والتطور هي نفسها في الحالتين (في الواقع، بالنسبة للنظرية التطورية لا يوجد هنا ظاهرتان اثنتان، بل ظاهرة واحدة، تعمل بسرعات مختلفة). بقول آخر، عندما يحلل برونيتيير التشكيل الداخلي للأجناس الأدبية، فإنه لم يعد يعتبرها أصنافاً بالمعنى الدارويني للكلمة، ولكنه يجد التصور الأكثر كلاسيكية الذي يعدها كأعضاء تحمل آلياتها من أجل التنظيم الداخلي. وظيفة هذا التغيّر الدلالي لمصطلح "جنس" واضحة: فقط تغيير العنصر بعضو فردي يسمح بالاستفادة (فرويدياً) من النظرية التطورية لتبرير نظرة وراثية للأجناس وتأسيس قانون أدبي، أو القانون التصنيفي. يبدو أنه مجبر على القول ببساطة إنه يحكم، بموجب عدد من المعايير الجمالية، أن رودغون وأندروماك هما المأساتان الفرنسيتان الأكثر نجاحاً، وأنه يبدو له في المقابل أن "فيدر" تظهر عيوباً بفضل هذه المعايير نفسها، أما برونيتيير فإنه يعتقد أنه باستطاعته، بفضل فرضيته، مساندة فكرة أن التراجيديا الفرنسية وصلت إلى نقاء نموذجها التطوري مع المسرحيتين الأوليتين، وأنها بدأت بالانحطاط مع فيدر. ولكن نقاء النموذج هو ببساطة عريضة مبادئ، وغير مستخلص كإحصاء وسيط انطلاقاً من المقارنة بين الأفراد (هذا ما يفرض المنهج التطوري): كان برونيتيير قد قدم ماهية التراجيديا التي يدعي أنه استخلصها عبر تحليله الوراثي، قبل أن يبدأ تحليله بالاعتماد على حكم قيمة ذي طبيعة جمالية، وتتجه هذه الماهية لإشراك مجموع تقسيم الأعمال الفردية بين المرحلة التحضيرية، ومرحلة النضج، ومرحلة الانحطاط.

مع برونيتيير، أو على الأصح مع فشله، وصل موروث نظري كامل إلى نهايته. ابتعدت كل النظريات الجنسية المطورة في القرن العشرين، أو على الأقل تلك التي حاولت أن تجلب دماً جديداً لنظام يحتضر، عن النماذج العضوية أو البيولوجية. لن يكون من المفيد إذن شرحها هنا: سيكون هناك فرصة للعثور على بعض منها في الفصول القادمة عند مناقشة هذه المشكلة المحددة أو تلك. أما بالنسبة للنتيجة المستخلصة من هذه النزهة التاريخية، إذا كان هناك ما يجب استخلاصه، فإنها غير مشجعة، لأنها تجبرنا على الاعتراف في نهاية المطاف أن النظرية الجنسية الأكثر فائدة هي تلك التي بدأ بها تاريخنا. ولكن يجب العثور على سبب: لم ينجح أحد من التابعين المشهورين لأرسطو في الذهاب إلى أبعد مما وصل إليه مؤلف "فن الشعر"، بالعكس، لقد تفنن كل واحد منهم في جعل المشاكل أكثر تعقيداً مما جعلها سابقه من قبل. على الأقل، هل علمنا هذا الفصل ما لا تستطيع النظرية الجنسية فعله، مهما كانت: لا تستطيع تفكيك الأدب إلى أصناف من النصوص الخاصة بصورة متبادلة، وكل صنف من هذه الأصناف سيمتلك ماهيته، أي طبيعته الداخلية الخاصة التي بموجبها تتطور وفق برنامج داخلي ووفق علاقات حسابية مع مجموع يسمى (أدباً) أو "شعراً"، وهذا المجموع نفسه سيكون فرعاً من كل أشمل تكون الأجناس أعضاء فيه. يجب التخلي عن هذه الفكرة، والتخلي معها من كل مفهوم للأدب، الذي، بطريقة أو بأخرى، يفترضها مسبقاً بصورة صريحة أو ضمنية.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244