ما الجنس الأدبي؟ - جان ماري شيفير ترجمة د. غسّان السيّد

من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:10 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

- من الهوية النصية إلى الهوية الجنسية -

ـ الطبقات الجنسية وأسماء الأجناس‏

إذا بدت المقاربات العضوية والبيولوجية غير قادرة على حل مسألة وضع الأجناس الأدبية، فذلك لأنها تمتلك مجموعات من الحوادث المصطنعة ذات صفات لا تناسب إلا الكائنات الحية.‏

يمكننا القول إذن إنه يكفي التخلص من هذه التشابهات المزيفة وأخذ المشكلة من جذرها: إلا أن هذا الجذر لا يبدو، هنا، شيئاً آخر غير ظاهرة منطقية، وبصورة أكثر تحديداً ظاهرة تصنيف موضوعات. في الواقع، كيف يمكن أن ننفي أن مسألة الأجناس، بشكلها الأدنى تُقدَم كمجرد مشكلة بسيطة للتصنيف؟ وهكذا، كما يقال لنا بأن "لعبة الحب والصدفة" هي كوميديا، يؤكد أن مسرحية (ماريغو) جزء من طبقة النصوص الواقعة تحت عنوان (كوميديا)، ولها كل الخصائص التي تحدد الكوميديا. ستكون العلاقة الجنسية إذن علاقة انتماء شكلي بسيط: XEG، وستقتصر دراسة العلاقات بين النصوص والأجناس على تأسيس معايير مشتركة للتعرف. كل شيء يسير إذن نحو الأفضل، في أفضل العوالم الممكنة، لو لم تبقَ بعض الأسئلة التي تبدو لا قيمة لها ظاهرياً لكنها للأسف، أقنعتنا مبكراً أن الأشياء، في الواقع، ليست بسيطة كما تبدو من النظرة الأولى. لنبدأ بسؤال مبتذل: ما هو وضع الطبقات الجنسية؟ أو ، من أجل تجنب الانشغال منذ البداية بكيانات ربما تكون وهمية، لنتساءل أولاً: ما هو وضع أسماء الأجناس؟ هل يتعلق الأمر بتعابير نظرية مرتبطة بتعريفات واضحة اخترعها النقاد أو المنظرين من أجل إدخال مبادئ نظام كتلة الوثائق الأدبية عديمة الشكل، أو أيضاً من أجل استخلاص القوالب المجردة من فن الأدب التي تتبدى من خلال النصوص الفردية؟ نحن نعلم أن الموقف ليس بهذه البساطة: للمصطلحات الجنسية وضع هجين. فهي ليست مجرد مصطلحات تحليلية خالصة يمكن تطبيقها من الخارج على تاريخ النصوص، ولكنها، تشكل، بدرجات متفاوتة، جزءاً من هذا التاريخ نفسه. مصطلح الرواية، مثلاً، ليس مفهوماً نظرياً يقابل تعريفاً اسمياً مقبولاً من كل المنظرين الأدبيين في عصرنا، ولكنه أولاً وقبل كل شيء مصطلح ألصقه مؤلفون وناشرون ونقاد بنصوص متنوعة، في عصور مختلفة. وينطبق مثل هذا الأمر على أسماء عديدة للأجناس: هوية جنس ما هي، بصورة أساسية، هوية مصطلح عام مماثل مطبق على عدد من النصوص. يمكن أن يكون هذا "التعميد" جماعياً وواحداً بالنسبة لكل طبقة (هذه هي حالة الطبقات المشكلة والتي حددت هويتها في الماضي، مثلاً؛ جنس الرواية التعليمية)، أو فردياً غالباً ويكون عندئذٍ متعدداً (هذه هي حالة عنوان الرواية، بطريقة مثالية، الذي هو وقبل كل شيء عنصر مرافق للنص، أي أن فعل التعميد يرتبط دائماً بعمل فردي). بين هذين الحدين، كل أشكال المواقف الوسطية ممكنة. لنأخذ مصطلح الحكاية. كان يُطلق في العصور الوسطى على كل أشكال السرد أو الطرف المضحكة، وفي هذا المعنى يجري الحديث في "رواية الزهرة" عن حكايات الملك أرتور. في العصر الكلاسيكي، تبدل المصطلح ليأخذ معانٍ متفاوتة التحديد: كان يصور، بحسب الظروف، قصة هزلية، أو قصة خيالية، أو قصة خرافية (perrault). في القرن التاسع عشر، استخدم المصطلح، عند فلوبير أو موباسان مثلاً، كبديل لمصطلح قصة (nouvelle)، ووصل الأمر إلى حد إطلاقه على أية قصة قصيرة غالباً.‏

أما بالنسبة "لليتري،littrè" فإنه يعرفه كمصطلح جنسي يطلق على كل المسرودات الخيالية القصيرة أو الطويلة. مثل هذا الانزياح، يصيب قسماً كبيراً من أسماء الأجناس التي ستستخدم ثانية في عصور مختلفة: نعرف، مثلاً، أنه في العصر الوسيط، لم يكن مصطلح كوميديا يشير بالضرورة إلى قصيدة دراماتيكية، ولكنه كان يمكن أن يطبق على أي عمل خيالي نهايته سعيدة(من هنا عنوان عمل دانتي: الكوميديا الإلهية). ولكن هذه الانزياحات التي من خلالها يفرض مصطلح ما نفسه على مجموعات من النصوص المختلفة بصورة كاملة، بحسب العصور، ليست إلا الشكل المرئي لصفة مشتركة لكثير من الأسماء الجنسية، والتي سنجدها لاحقاً، وهي أنها لا ترجع إلا نادراً إلى مجموعة من الخصائص أو الصفات النصية المتواترة؛ يتطابق إذن الانزياح الخارجي مع انزياح داخلي. أمام مثل هذا الوضع، يجب طرح السؤال حول معرفة فيما إذا كان ممكناً إعادة تشكيل نظرية للأجناس تكون متجانسة قليلاً بالاعتماد على هذا النسيج اللفظي المنتظم. هناك إغراء كبير لتجاوز المعضلة عن طريق تقرير أن النظرية الجنسية لا عمل لها إلا صنع الأسماء التقليدية والغموض فيها: أليس هدف النظرية هو التحرر من التصنيفات "قبل العلمية"؟ مما لا شك فيه أن هذا الحل الجذري ممكن. إلا أنه عندما تكون الأسماء الجنسية التقليدية هي الواقع الملموس الوحيد الذي انطلاقاً منه برهنا على وجود طبقات جنسية، فإن هذا الحل يمكن ألا يعلمنا شيئاً عن الأجناس. يمكننا أيضاً أن نقترح حلاً وسطاً وأقل جذرية مثلما فعل تزفيتان تودوروف، هو التمييز بين الأجناس النظرية والأجناس التاريخية.(1) ولكن هل الحل يطرح مشكلة هي كيف يمكن أن تكون العلاقة بين الأجناس النظرية والأجناس التاريخية؟ يجيب تودوروف عن ذلك بالتمييز بين الأجناس النظرية الأولية (متميزة بوجود وغياب سمة واحدة)، والأجناس المعقدة (المتميزة بالتعايش بين سمات عديدة)، ويضيف: "بكل وضوح، إن الأجناس التاريخية مجموعة فرعية من مجموع الأجناس النظرية المعقدة" (2) قد يكون هناك، إذن، نوع من العلاقة الاستنتاجية بين الأجناس النظرية والأجناس التاريخية. ويبدو لي أن هذا الاحتمال مشكوك فيه.‏

أولاً، إن منظومة الأجناس النظرية المبنية على تناقضات مختلفة، بسيطة أو معقدة، تتعرض لصعوبات في الانسجام تختلف عن صعوبات الأجناس التاريخية (مهما تكن حقيقة هذه الأجناس التي تحمل أسماء أجناس تقليدية). ثانياً، وعلى العكس من ذلك، إن عدد الخصائص التي يمكننا بواسطتها الجمع بين نصين مختلفين، غير محدد أو مطلق. هذا يعود إلى أننا عندما نقارن بين نصين، لا ننطلق من هويتهما العددية، ولكن مما يدعوه لويس ج. بريتو هويتهما النوعية (المحددة كمجموع من الخصائص غير المتناقضة). والحالة هذه، "مثلما أن كل مادة تمتلك عدداً لا متناهياً من الخصائص، فإنها يمكن أن تمتلك عدداً لا متناهياً من الصفات الخاصة، وبما أن أي صفة لمادة معينة تستطيع دائماً أن تشكل جزءاً من صفات مادة أخرى، فإن كل مادة يمكن أن تشترك في أي صفة من صفاتها الخاصة مع عدد لا متناه من المواد الأخرى."(3)‏

وفق أي معايير يمكن اختيار السمات التي تعد حاسمة، إذا لم يكن وفق قدرتها على تشكيل مجموعات من النصوص التي سبق التمييز بينها عبر الأسماء الجنسية التقليدية؟ إذا كانت هذه هي الحالة، فإننا ندخل ضمن حلقة مفرغة. أخيراً، وبصورة أكثر عمقاً، لا أرى بوضوح كيف يمكن استنتاج الظواهر التاريخية في الأدب انطلاقاً من تحديدات مستقبلية، في حين أن ذلك يبدو مستحيلاً في كل المجالات الأخرى من البحث التاريخي. لا أشكك أبداً بالخصوبة النظرية للمسعى التحليلي الذي اتبعه تودوروف: ببساطةأاأأأ، لا يبدو لي أنه يمكن استنتاج علاقة المقولات التحليلية (الأجناس النظرية)، من المقولات التاريخية (الأجناس التاريخية): والأجناس التاريخية تمتلك وضعها الخاص الذي لا يُختزل إلى وضع الأجناس النظرية.‏

هذا يعني أن المشكلة الجنسية بوصفها ظاهرة للتاريخ الْ}{لآلآ[لأ][لأ[{دبي الأدبي، وأيضاً عاملاً نصياً بصورة خاصة، تبقى قائمة. وأعتقد أنه يجب الذهاب إلى أبعد من ذلك: تشكل الأجناس النظرية، أي في الواقع الأجناس كما عرّفها هذا الناقد أو ذاك، جزءاً مما يمكن تسميته المنطق البراغماتي للتجنيس، وهذا المنطق هو دون تمييز ظاهرة إبداع وتلق نصية. بهذا المعنى يمكننا القول إن "المقدمة إلى الأدب الخيالي" لتودوروف هي نفسها إحدى عوامل الديناميكية الجنسية، والاقتراح النوعي لتجميع نصي نوعي أي من أجل نموذج جنسي نوعي: يتعلق الأمر هنا، بالتأكيد، بنموذج قراءة، ولكننا نعلم أن كل نموذج في القراءة يمكن أن يتحول إلى نموذج كتابة. هذا لا يعني فقط أن نظرية الأجناس ليس لها مادة، ولكن أن المادة نسبية دائماً إلى النظرية، وأنها تولد من تلاقي ظواهر معينة ومن طريقتنا في معالجتها. يجب أن نضيف أن الجنس التاريخي هو بدوره بناء معقد لا يختار إلا بعض السمات على حساب سمات أخرى ترسم صورة مختلفة: وهي أيضاً ليست تعبيراً عن الطبيعة الأساسية للنصوص التي تشتملها. لا تمتلك الأجناس التاريخية إذن أي أفضلية علمية بالمقارنة مع الأجناس النظرية. في الواقع، يعد التفريق بهذه الطريقة سيئاً.‏

على كل حال، قبل طرح هذه المسائل النظرية، من الأفضل، دون شك، محاولة فهم أولاً طبيعة العلاقة بين النصوص والأجناس (مهما تكن حقيقتها). لنقبل مؤقتاً إذن أن أسماء الأجناس تحدد دائماً أصناف النصوص، ولننظر عن قرب إلى علاقة انتساب النص إلى جنسه، هذه العلاقة المفترضة من خلال الاستخدام الشائع لهذه الأسماء الجنسية نفسها: مثلاً"X هي كوميديا". هل مختلف الأصناف مطلقة بصورة متبادلة، أي هل انتساب نص معين يفرض بالضرورة حذفه من الأجناس الأخرى؟ سنقبل بسهولة أن نصاً ما يستطيع الانتساب غالباً إلى صنفين أو عدة أصناف، يمكنه مثلاً أن ينتسب إلى جنس معقد وجنس بسيط في الوقت نفسه (من وجهة نظر تودوروف). هكذا، يمكن أن يكون نص ما قصة وسرداً إذا قبلنا أن القصة صنف تابع لجنس السرد (كذلك تكون العلاقة الحقيقية، دون شك، أكثر تعقيداً)، والسرد يتعارض مع الشعر الدراماتيكي في طريقة تقديمه (السرد عكس العرض). ولكن ليست كل علاقات الانتساب المتعددة بسيطة بهذه الصورة: عندما نقول إن "دون كيشوت" هي سرد ومحاكاة ساخرة في الوقت نفسه فإننا نطرح خاصتين نصف بهما عمل سرفانتس ـ وهكذا ما هو مشكوك فيه لم تعد العلاقة بين الصنف وما دون الصنف ولذلك سنقول بالاعتماد على زاوية التحليل المنتقاة، إن دون كيشوت سرد (إذا نظرنا إلى طرق التعبير)، أو محاكاة ساخرة (إذا نظرنا إلى البعد التركيبي والدلالي): والسرد والمحاكاة الساخرة صنفان جنسيان يختلف أحدهما عن الآخر. في النهاية عندما نؤكد أن رولان فوريو ملحمة وسرد خيالي، فإننا لا نريد القول إن أحد الأجناس هو "جنيس" تابع لجنس آخر، ولا إن الأمر يتعلق بتحديدين جنسيين مرتبطين بمستويين مختلفين للنص، ولكن أن بعض أجزائه النصية مفضلة في المستوى نفسه (المستوى الدلالي)، ترتبط رولان فوريو بالملحمة وبالسرد الخيالي في جزء منها.‏

نرى مباشرة أن هذين المثالين الأخيرين للتعددية الجنسية لا يهدفان إلى دمج الصنفين، ويجبرانا على تمييز مفهوم الأنساب. يبدو أن هذا المفهوم، كما هو شائع، يفرض أن تكون علاقة الانتساب بين النص كوحدة كاملة والصنف الجنسي. ولكن المثالين الأخيرين يظهران أن أسماء جنسية غير متداخلة تستطيع أن تستثمر مستويات مختلفة أو أجزاءً مختلفة في عمل واحد. كان هذا الغموض في علاقة الانتساب الجنسي، سواء كان متعلقاً بالنص كوحدة كاملة أم فقط ببعض مستوياته وبعض أجزائه، مجهولة لحقبة طويلة، عندما كان هناك ميل لتصور التصنيف الجنسي بالاعتماد على طريقة التصنيف البيولوجي، حتى عندما لا نعرّف الجنس ككائن بيولوجي ولكن كاسم عام. في هذه الحالة، إن التصنيف البيولوجي يفترض علاقة تضمين شاملة، ينتسب الفرد، كما هو، ضمن تركيبه العضوي إلى صنف خاص: إن ميدور Medor هو الذي ينتسب إلى صنف الكلاب وليس أحد أقسامه. هذا يعود‏

إلى أن وجود ميدور وخصائصه جاءت من الصنف الذي ينتسب إليه. بالطريقة نفسها، كما رأينا، كان يُعتقد أنه يمكن تعريف النص بالاعتماد على جنسه الذي هو الأساس الجوهري والأساس الكلي للنص: إذا كان النص يمتلك المميزات G فذلك لأنه ينتسب إلى الجنس G، مثلما أنني إذا كنت امتلك خصائص " ذوي القائمتين دون ريش" فذلك لأنني أنتسب إلى جنس البشر. ولكن منطق الرسائل المكتوبة التي هي الأعمال الأدبية الكاملة يختلف عن منطق الكائنات الطبيعية بيولوجياً، ويولّد بعضها بعضاً، ولذلك فإن وحدة الصنف مكفولة عبر هوية العوامل الوراثية التي تنتقل عند التوالد؛ في المقابل، إن النصوص لاتتوالد، ولا يولد بعضها بعضاً مباشرة. بقول آخر كما رأى أرسطو من قبل، إن تشكيل صنف بيولوجي يقوم على استمرارية التوالد، أي على سببية داخلية، في حين أن تشكيل صنف نصي هو لتطور متقطع مرتبط بسببية خارجية بصورة أساسية. لايوجد نص إلا بفضل تدخل سببية غير نصية: نقول يوجد لأنه منتج من إنسان آخر. إذن العلاقة بين الصنف والفرد لن تكون هي نفسها في الحالتين. إذا كان للأشياء الطبيعية بعض الخصائص المشتركة، فذلك لأنها تنتسب إلى صنف واحد، أي تأتي إلى الوجود عبر سببية وراثية تسبق الصنف. بصورة معاكسة، إذا كان يمكن أن تشكل أشياء اصطناعية صنفاً، فذلك لأنها تمتلك بعض الخصائص المشتركة، وهي تمتلك هذه الخصائص المشتركة بفضل أسباب خارجية عن الصنف النصي، وهي غايات إنسانية خاصة ( على الرغم من أنها ليست مطلقة)(5). في حالة الكائنات البيولوجية، الصنف المشكل مسبقاً هو الأساس الجوهري، وهو في الوقت نفسه سبب وجود كائن جديد مع خصائصه. في حالة صنف الأشياء الاصطناعية، مثل النصوص، لاتكون الأمور كذلك: لايمكن لأي عمل أن يتسبب مباشرة بوجود عمل آخر، إذن، لايوجد سبب وجود عمل جديد وخصائصه في الصنف الذي سنلحقه به بفضل خصائصه. في حين أن العلاقة الجنسية البيولوجية تنتقل من الصنف إلى الفرد، فإن العلاقة الجنسية الاصطناعية تنتقل من الأفراد إلى الصنف(6).‏

هذا التميز في علاقة الفرد ـ الصنف يفسر الاختلاف التطوري بين الشكلين من الأصناف، وأشير إلى هذا الاختلاف سابقاً من قبل تزفيتان تودوروف: "يوجد اختلاف نوعي فيما يتعلق بمعنى المصطلحين، جنس، وصنف، وفق تطبيقهما على الكائنات الطبيعية أو على الأعمال الفكرية، في الحالة الأولى، لايغير ظهور مثال جديد في خصائص الصنف، ونتيجة لذلك، فإن كل خصائص هذا الصنف استنتاجية بالاعتماد على ذاته [...]. إن تأثير العضوية الفردية في تطور الصنف بطيء إلى حد أننا نستطيع أن نعيقه عملياً [...]. الأمر ليس كذلك في مجال الفن أو العلم.‏

ينبع التطور هنا من إيقاع مختلف بصورة كاملة: كل عمل يغير مجموع الاحتمالات، وكل مثال جديد يغير الصنف"(7)‏

صحيح أن وصف تودوروف يمكن تطبيقه على بعض التعريفات الجنسية، ولكنه لايطبق بصورة شاملة: إذا اعتبرنا صنف كل المسرودات مناقضاً لصنف العروض، فإن كل نصوص الصنف متساوية في علاقتها مع الخاصية المستخلصة، وبقول آخر، الاختلافات الفردية مهمة أيضاً بالنسبة لتشكيل الصنف الجنسي بمقدار أهمية الاختلافات بين الكائنات الطبيعية بالنسبة لتشكيل صنف طبيعي. إن وصف تودوروف لم يأخذ في الاعتبار الفارق الأساسي الذي سنجده لاحقاً: ذلك الذي يوجد بين المصطلحات التي تستند على علاقات جنسية نموذجية خالصة (النص مثال لخاصيته الجنسية )، وعلى علاقات أكثر تعقيداً تقود النص بالتأكيد إلى تعديل خصائص الصنف الجنسي. ولكننا سنقول، العلاقات الجنسية للسيطرة الطبيعية هي بالتأكيد نموذجية: ألا يجب قبول أن قسماً، على الأقل، من أسماء الأجناس في الأدب، يخضع لمنطق الأصناف الطبيعية نفسه؟ في الواقع، العلاقة النموذجية ليس لها المعنى نفسه في الحالتين. في حالة الأشكال الطبيعية، إنها تقوم، كما رأينا، على السببية الداخلية للصنف. في حالة التمثيل الجنسي الأدبي، تبقى السببية خارجية: إذا كان يمكن لأي قصة أن تمثل التعريف الجنسي للمسرود، فإن السبب في ذلك لايوجد في نوع من السببية النصية الداخلية، ولكن ببساطة ، في خيار المؤلف للسرد المقصود، وفي طريقة التعبير. لاتمتلك حياة موباسان بنية سردية لأنها تنتمي إلى صنف المسرودات، ولكنها تنتمي إلى هذا الصنف لأن موبوسان قرر أن يروي قصصاً. إذن، إن علاقة الانتساب، في النظامين الجنسيين اللذين ميزناهما هنا، والتي تربط نصاً ما بجنسه، ليست أبداً هي العلاقة التي تربط الفرد بما هو سبب وجوده وخصائصه. لاتمتلك الأصناف الجنسية آلية توليدية داخلية (8). لهذا السبب، من العبث محاولة اختزال الأصناف الجنسية سببياً بالاعتماد على مبدأ داخلي ضمني: وإن كان هناك استعداد جنسي، فلن يكون إلا استعداد المؤلفين والقراء، وليس استعداد النصوص. لايمكن للعوامل التحليلية أن تكون عوامل سببية تسمح بتفسير تكوّن الأصناف نقطة لم توضح هذه الملاحظات السلبية وظيفة أسماء الأجناس. ولكننا نعلم على الأقل، أن الجنس لايمكنه أن يكوّن طبقة سببية تفسر وجود النصوص وخصائصها. ليس المشروع الهيغلي القائم على تحديد "البنية" الأدبية من خلال القوانين الجنسية التطورية، إلا حلماً، مثلما هو الحال مع اللوحة الوهمية الداروينية التي رسمها برونيتيير لتطور أدبي محدد من خلال صراع الأجناس. تظهر كل هذه الاعتبارات أن وضع التصنيفات الجنسية غير واضح.‏

مع ذلك، عندما يتجه مُنَظّر الشعر نحو مسألة الأجناس، فإنه يقبل غالباً بوضوح لايُشك فيه أن مهمته لاتهدف إلى إقامة تصنيف جنسي للظواهر الأدبية. ولكن، بما أن الأسماء الجنسية، وإذن الأجناس (مهما تكن حقيقتها ) توجد قبل تدخل مُنظر الشعر، ألا يمكننا القول إن هذه المهمة ليست فقط صعبة، ولكنها غامضة جزئياً ؟‏

بالإضافة إلى ذلك، إذا كان صحيحاً أن كل مطابقة جنسية هي في الحقيقة اقتراح لإقامة نموذج نصي، فهي إذن مرجعية ذاتية بمعنى أنها تنشئ هويات عندما تلاحظها. كل عمل تصنيفي، بعيد عن الوصول إلى فرضية تنظيم ذاتي داخلي للأدب، ليس إلا تضييعاً للوقت، وبناء فوق نصي يجد شرعيته في استراتيجية المعرفة لمُنظّر الشعر وليس في التفريق الداخلي المشترك للأدب. لايمكننا إذن أن نوافق نورثروب فري، عندما يلاحظ أن الهدف الرئيس لمنظر الشعر لايجب أن يكون فقط تصنيف الأجناس بل أيضاً توضيح العلاقات بين الأعمال عن طريق استخدام هذه الإشارات التي هي المميزات الجنسية (9).‏

على كل حال، أسماء الأجناس هي قاعدتنا الوحيدة الثابتة الآن، لذلك من الأفضل أخذها في الحسبان. إذا كان صحيحاً أنه لايوجد حقيقة مطلقة، وأن كل حقيقة هي "صورة عن الحقيقة " (نيلسون غودمان). فإن نقطة انطلاق الأسماء الجنسية واستخداماتها تفرض نفسها. كذلك، يبدو لي، أن المهمة الأكثر إلحاحاً ليس فقط اقتراح تعريفات جنسية جديدة بل تحليل وظيفة الأسماء الجنسية، مهما تكن، ومحاولة رؤية على ماذا تستند. في مقالة مهمة مخصصة للمسألة التي تهمنا هنا، يشير ماري ـ لورريان، بقوة إلى أنه: " إذا كانت الأجناس هي موضوع بحثنا أكثر من أداتها، وإذا كان الأمر يتعلق بذوات معينة، هي نفسها بحاجة إلى تفسير، فإن خاصيتها الغامضة لن تكون تحدياً نظرياً، ولكن ظاهرة يجب تفسيرها" (10)‏

لن أقترح إذن صنفاً جديداً إضافياً للأجناس، ولكنني سأدرس طرق التجنيس التي يفترض أن تكون متعددة أو معقدة، ويصنف هذا المصطلح المرجع أو المراجع، غير المحددة حالياً، للأسماء الجنسية. لايتعلق الأمر باستبدال نظرية الأجناس بدراسة لفظية للتسميات الجنسية، ولكن سأنطلق من هذه التسميات لرؤية الظواهر التي يغطيها استخدامها. لنحاول الابتعاد عن الدخول في مشكلة وهمية وهي مشكلة معرفة الأسماء الجنسية التي يجب الاحتفاظ بها. وهي مشكلة وهمية لأن، همي ليس تصنيفياً، الأمر لايتعلق باقتراح تعداد شامل للأسماء الجنسية ولاتقسيم حرفي بين الأجناس الأدبية وبين مجموع المصطلحات الأخرى لتصنيف النشاطات الخطابية أو النصوص.‏

على كل حال، من الصعب القيام بمشروع تعداد شامل، لأن عدد المتغيرات الجنسية تقبل التعديل بسهولة. أما فيما يتعلق بمسألة الخصوصية المحتملة للأسماء الجنسية المرتبطة بالأدب، فإنها لن تعرف الحل الجذري، بعكس ماتفترضه كل التصنيفات الآلية للأجناس الأدبية. هذا يعود خاصة إلى أن الأدب ليس مفهوماً ثابتاً: إذا انطلقنا من المعنى الحالي للمصطلح (ومن أي معنى نستطيع أن ننطلق؟)، فإننا مجبرون على الموافقة على أن الأمر لايتعلق بصنف وحيد للنصوص قائم على معايير دائمة، ولكن على مجموع من الأصناف القائمة على مفاهيم مختلفة(11)، وبوصفها المبدأ الحالي لسلسلة كاملة من إعادة تنظيم تاريخية تخضع لاستراتيجيات ولمعايير مفهومية مختلفة. هذا لايعني أن الأمر يتعلق بأي مجموع مهما كان نوعه ودون أي خصوصية، ولكن يجب، على الأقل، قبول معايير عديدة. كما أوضح جيرار جنييت، هذه المعايير لها أوضاع مختلفة: إذا كان مجال التخيل يعد، في كل الأوقات، أدبياً بصورة جوهرية، فإن المجال الذي يقترح جنييت تسميته بالإلقاء، أي مجال الأدب القائم على معايير ثابتة، ينقسم، في المقابل، إلى مجال أدبي جوهرياً هو مجال الشعر "المنظوم"، ومجال آخر هو مجال الأجناس غير التخيليية المنثورة، والتي هي كذلك بطريقة مشروطة(12).‏

لذلك قررت عدم استبعاد أي مصطلح بصورة مسبقة، شرط أن يكون مستخدماً لتصنيف الأعمال أو النشاطات اللفظية المتأثرة والمؤطرة لغوياً واجتماعياً، والتي تنفصل من هنا عن النشاط اللغوي الشائع، هكذا تتساوى الطرفة والمأساة، والشكل السحري والسونيتة، والرسالة والرواية...الخ. هذا لايعني بوضوح أنني افترض سوية أدبية واحدة لكل هذه الأسماء، ولاأركز بطريقة تفضيلية على الاسماء المرتبطة بالأجناس الأدبية الشرعية: في نهاية الأمر، مايهمني هو الاجناس الادبية. ببساطة، أدعو إلى حدود غير واضحة ومتحركة وأعطي لنفسي الحق في تجاوزها أو تجاهلها من وقت لأخر. سأهمل أيضاً مؤقتاً التمييز بين اسماء جنسية تحمل قيمتها من داخلها (يستخدمها المؤلفون وجمهورهم)، واسماء جنسية تحمل قيمتها من خارجها (تلك التي يشكلها مؤرخو الأدب عامة)، على الرغم من أن هذا التمييز يكون أحياناً حاسماً، كما سنرى لاحقاً. أخيراً، لن آخذ في الحسبان حقيقة أن اسماء الأجناس تمتلك طريقتين من الوجود مختلفتين تماماً: إما أنها تظهر ضمن مرفقات النص الذي تعرّف به، أو أن لها وضعاً فوق نصي. هناك أهمية معينة للتمييز:‏

المؤلف (أو الناشر) الذي يعاين نصاً جنسياً لايخضع بالضرورة إلى الرغبات نفسها التي يخضع لها الناقد الذي ينظم مكتبته بصورة نموذجية. لذلك، فإنه في بعض العصور حيث الانتساب الجنسي لنص مايقرر قيمته الأدبية، كانت وظيفة "التعميد" التي يقوم بها المؤلف تشريعية غالباً، ومن هنا هذا: الاتجاه الواضح لتفسير متحرر (ليبرالي) أو لإعادة تفسير خفية وواضحة لمعايير الهوية الجنسية المقبولة. في المقابل، وضمن هذه الظروف نفسها، يقوم الناقد بمهمة بوليسية للآداب ويحاول، إلى أقصى حد، حصر معايير الانتساب الجنسي. يكفي التفكير في النزاع حول مسرحية السيد، وكنوز التكتيك التي استخدامها كورنيه لفرض قبول مسرحية في المكان القوي للتراجيديا الذي دافع عنه بعنف الأكاديميون. هذا التنوع الوظيفي لأسماء الأجناس يجب ألا يستهان به، ذلك لأنه يسمح بفهم بعض التماثلات الجنسية التي يمكن ان تبدو لنا مضللة من وجهة نظر تصنيف نموذجي. مع ذلك، لن أهمله هنا لأنه قلما يتدخل في مشكلة مراجع اسماء الأجناس: مهما كانت الوظيفة التواصلية الأخيرة للاسماء الجنسية، فإنها تمتلك دائماً الطموح في التعرف على النصوص وعلاقتها باسم عام. باختصار، لايهمني هنا الأوضاع التواصلية للاسماء الجنسية، ولكن مايهمني فقط هو طبيعة مرجعياتهم، ولذلك ألزمت نفسي بقاعدة وحيدة لاختيار مجموعة من المصطلحات المتنوعة إلى حد ما لكي يكون ممكناً العثور على منطقها المرجعي. بالإضافة إلى المصطلحات الشائعة، الموجودة في القواميس اللغوية، سأستند مادياً على قائمة من الأسماء الجنسية التي اخترتها من فهارس خمس دراسات أدبية متنوعة إلى حد ما في أصلها، وموضوعها، وأهدافها، من أجل القدرة على تثمين جدول الأسماء الجنسية المستخدم هنا أو هناك(13).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244