ما الجنس الأدبي؟ - جان ماري شيفير ترجمة د. غسّان السيّد

من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:10 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

-العمل الأدبي كمادة دلالية معقدة.

عندما ندرس العلاقات بين النصوص والأجناس، فإننا نعالج النصوص دائماً كمواد فيزيائية تمتلك هوية متماسكة. نستخلص من ذلك أن علاقة النص بالجنس يجب أن تكون هي نفسها في كل الأجناس، أو إذا أردنا الدقة أكثر، يجب أن تستند كل التعريفات الجنسية على ظواهر نصية من المستوى والطبيعة نفسيهما. عندما ننطلق من أسماء الأجناس، فإننا نندهش من أنها لاتستند ظاهرياً كلها على النظام نفسه للظواهر.بصورة عامة، رد المنظرون على هذا الأمر المزعج بمحاولة "تقنين" التسميات الجنسية، أي بمحاولة إرجاعها كلها إلى نظام واحد للظواهر: هكذا أمكننا رؤية أن هيغل أعاد التعريفات الجنسية كلها إلى خصائص موضوعاتية. ولكن منذ اللحظة التي نتخلى فيها عن مشروع التصنيف المنهجي يصبح هذا التنافر في الظواهر التي تستند عليها أسماء الأجناس، أمراً إيجابياً لايجب تصحيحه بل تفسيره. إذا تأملنا في ذلك قليلاً، فإننا نجبر سريعاً على فهم ان هذا التنوع، هو في الواقع، طبيعي تماماً بصورة كاملة. يشير وولف ديتر ستيمبل إلى أن "من يحاول أن ينكّب على مشكلة تعريف جنس تاريخي سيكون من مصلحته أن يعلن موقفه من وضع النص الأدبي."(14) في الواقع، تفترض كل نظرية جنسية نظرية لهوية العمل الأدبي، وبصوة أكثر سعة، للعمل الكتابي. لأن العمل الأدبي، ككل فعل خطابي، حقيقة دلالية معقدة، ومتعددة الأبعاد، ولهذا السبب فإن مسألة هويته لن تعرف جواباً وحيداً، لأن الهوية، بالعكس، نسبية دائماً للبعد الذي من خلاله ننظر إليها. أو إذا أردنا أن نقول شيئاً آخر، العمل ليس فقط نصاً، أي سلسلة لغوية ودلالية، ولكنه أيضاً، وقبل كل شيء، فعل تواصلي بين البشر، ورسالة موجهة من شخص معين وضمن ظروف معينة، ولهدف محدد، يتلقاها شخص آخر له ظروفه وأهدافه الخاصة. منذ أن نركز على مجمل الفعل لخطابي، أكثر من تحققه النصي البسيط، سواء كان أدبياً أم لا، أم شفهياً أم مكتوباً، تتنافر الظواهر التي تستند عليها مختلف أسماء الأجناس، وتكف عن أن تكون شائنة: لأن الفعل الخطابي متعدد الوجوه، فمن الطبيعي، بصورة كاملة أن يقبل عدة وصفات مختلفة مع ذلك مناسبة(15).‏

في الواقع، كل فعل خطابي يرتكز على الأقل على خمسة أشياء مختلفة يجمعها منظروالإعلام تحت شكل سؤال أصبح مشهوراً: "من يقول ماذا، وعبر أي قناة، ولمن، وماهو تأثير ذلك؟". من المفيد ملاحظة أن السؤال لايشير إلى الغاية: هذا مايفترضه، لأن القصدية تشكل الفعل الخطابي، أكثر من كونه أحد الوجوه (لايجب الخلط بين القصدية والنتيجة او الوظيفة). أكثرأهمية من ذلك هو غياب كل اعتبار لمكان الفعل الخطابي وزمنه (متى؟ وأين؟): سنرى لاحقاً أن هذا البعد، أي السياق الموضعي، يجب ألايستهان به، مع ذلك، فيما يتعلق بمسألة الهوية الجنسية. على الرغم من ذلك، سأهمل، في الوقت الحاضر، هذا الجانب وسآخذ في الحسبان العوامل الخمسة المميزة سابقاً. عندما نستعرض قائمة أسماء الأجناس المستخدمة، يظهر سريعاً أن تنافر الظواهر التي تفرزها يعود ببساطة إلى أنها لاتستثمر كلها المستوى الخطابي نفسه، ولكنها تستند أحياناً على هذا وأحياناً على ذاك، وغالباً على مستويات متعددة في الوقت نفسه. إذا نظرنا عن قرب في صيغة السؤال، نرى أن ثلاثة أسئلة من الأسئلة الفرعية تتعلق بشروط الفعل التواصلي، أو إطاره التواصلي (مَنْ يتحدث، وإلى مَنْ، وبأي نتيجة؟) في حين أن السؤالين الفرعيين الآخرين يتعلقان بالرسالة المنفذة (ماالذي قيل، وكيف؟)(16)‏

يوجد إذن داخل العوامل الخمسة، حدود داخلية تعارض الفعل التواصلي في الرسالة المنجزة. لكي يكون هناك فعل خطابي....، يجب أن تستفيد الدعامة التواصلية من رغبة في التواصل: ويجب أن يكون فيها تعبير، وأن تصيب المرسل إليه وتضع لنفسها هدفاً.‏

الدعامة المادية لاتصبح حقيقة دلالية وتركيبية إلا لأنها تستفيد من فعل تواصلي فيزيائي وقصدي في الوقت نفسه: إنه حدث ولكنه حدث يعبر عن قصد. بالإضافة إلى ذلك، كل واحد من المستويات الخمسة توازي مجموعة من الظواهر التي تتمسك بها بصورة دائمة داخل مستوى معين. هكذا يمكن أن يستثمر مستوى التعبير من الأسماء الجنسية،ليس فقط بخصوص المعبر، ولكن أيضاً بخصوص وضع الفعل التعبيري المنفذ من قبل المعبر أو وضع طريقة التعبير. بقولٍ آخر، عند القيام بتحليل المصطلحات الجنسية، وجدت نفسي مجبراً على تقسيم كل واحد من هذه المستويات إلى عوامل خاصة عديدة. أريد أن أضيف أن تعداد العوامل التي اقترحها يشكل في كل مرة قائمة مفتوحة وليس تقسيماً تحتياً منهجياً للمستوى المقابل: يمكن أن تدخل عوامل أخرى على الخط غير موجودة هنا.‏

ـ الفعل التواصلي.‏

1ـ مستوى التعبير(أو الملفوظية):‏

أقصد بمصطلح التعبير مجموع الظواهر التي تقوم على حقيقة أن أي فعل خطابي، لكي يستطيع أن يوجد، يجب أن يعبر عنه بلفظة ينطقها كائن إنساني، سواء أكان تعبيراً شفهياً أم كتابياً. تتدخل خصوصيات من هذا المستوى ضمن عدة أسماء للأجناس، وإن كان ذلك يحدث غالباً تحت شكل فرضيات خفية. هكذا تربط شبكة من المميزات الواضحة القصة بالرواية، وبالقصة القصيرة،...إلخ، هذا لايمنع أن مصطلح القصة يفترض بصورة خفية الاستناد على نموذج تعبير خاص، هو السرد، الذي يمكننا بفضله معارضته، مثلاً، بالكوميديا. في مستوى التعبير، يبدو أن ثلاث ظواهر أساسية تؤدي دوراً في التمييز الجنسي:‏

يتعلق الأمر بالوضع الأنطولوجي (خاص بعلم الكائن) للمُعبِّر، والوضع المنطقي والفيزيائي للفعل التعبيري ولاختيار طرق التعبير:‏

آ- وضع المُعَبِّر: يمكن أن يكون المُعَبِّر عن فعل لغوي واقعياً أو خيالياً أو اصطناعياً. بالتأكيد، المعبر الخيالي هو دائماً واقعي، لأنه بخلاف ذلك لن يكون فيه فقط فعل تواصلي. ولكن هذا المعبر الواقعي. يمكنه أن ينيب معبِّراً آخر للتعبير عنه.(17). هذا الأخير خيالي إذا اخترعه المؤلف، ومصطنع إذا تطابق مع شخص كان قد وجد أو هو موجود في الواقع. من المفيد ملاحظة أن مفهوم التخيل لايختلف عموماً عند التمييز بين المعبَّر الخيالي والمعبر الاصطناعي: إذا نظرنا من زاوية التخيل (كمعارض للخطاب الجاد) إلى عمل "جيل بلاس" (الذي يمتلك مُعبراً خيالياً) وإلى "مذكرات هادران" (التي تمتلك مُعبِّراً اصطناعياً) فإننا نجدها متوازية، لأن العملين يصنفان ضمن جنس المذكرات الخيالية. لنشر مع ذلك، منذ الآن، إلى أن الوضع التخيلي لنص مالايعتمد بصورة أولية على وضع المُعبر ولكن على وضع الفعل التعبيري خاصة. في مجالي الشعر الدراماتيكي، الموقف الإدراكي هو أحياناً أكثر اختلافاً: هكذا نميز في عمل شكسبير، وفي المسرح الإليزابيتي، تقليدياً بين الدراما الخيالية التي أبطالها رموز تاريخية، وبين الدراما ذات الشخصيات الخيالية(18).‏

ونشير إلى أنه في المسرح يتم التعبير والفعل عملياً بالنيابة(19)، لأن المؤلف نادراً مايضع نفسه في الواجهة (أيضاً هل يجب أن يؤدي دوره الخاص): في كل الحالات لم أجد اسماً جنسياً يستند على فروقات بين مسرحيات المعبرون فيها بالنيابة، ومسرحيات دون ذلك. يجب الخروج من المجال الأدبي ومجال التخييل، من أجل العثور على موقف دراماتيكي، حيث لايكون الفعل أو (التعبير) بالنيابة: الهدف هو إعادة تركيب قضائي، حيث يؤدي بعض المشاركين دورهم الخاص (كمعتدين أو ضحايا)‏

ب- وضع الفعل التعبيري:‏

على الأقل، هناك فارقان مرتبطان بوضع الفعل تستثمرها الأسماء الجنسية. الفارق الأول بين التعبير الجاد والتعبير الخيالي(20)، بوصفه بديلاً عن التعبير غير الجاد (اللعبي).‏

ربما نرد على ذلك بأن هذا التعارض زائد بالمقارنة مع التعارض بين المعبِّر الواقعي من جهة، والخيالي والاصطناعي من جهة أخرى. في الواقع، هذا ليس دون معنى: يمكن للمعبر الواقعي أن يقوم بتعبير خيالي. هذه هي حالة جنس الخيال الذاتي: يقوم المؤلف الواقعي، المعرّف من خلال اسمه كمؤلف، بسرد خيالي(21):المعبر واقعي ولكن تعبيراته خيالية. هذه هي شخصية واضع الحبكة مثل شخصية البارون في Munchhausen. يوجد المكان المثالي بالنسبة للمعبر الخيالي في الخيال، لكن يوجد تعبيرات جادة لمعبرين خياليين: كما هو الأمر في المقالة النقدية تحت اسم مستعار(22). نضيف أيضاً أنه يمكن لفعل تخييلي جاد أن يمتلك معبراً اصطناعياً، أي أنه يمكنه أن يُرجع إلى معبر واقعي غير مطابق للمعبر الخيالي: هذا هو الأمر، مثلاً، في الحوارات المزيفة المنسوبة كذباً إلى أفلاطون. المنطقة الواسعة التي نضمها تحت اسم "الشعر الغنائي" تحقق كل حالات الرموز الممكنة: المعبر الواقعي، والمعبر الخيالي، والمعبر الاصطناعي، والتعبير الجاد، والتعبير غير الجاد ـ الخيالي. بقول آخر إن هذا الاسم جامد بالمقارنة مع التنوع التعبيري، وهذا هو أحد أسباب الصعوبة التي نجدها عندما نريد ربطه بأشقائه المزيفين الذين هم الشعر الملحمي والشعر الدراماتيكي، وكلاهما مرتبطان، إلى حد ما بخصائص تعبيرية. من المفيد الإشارة إلى أن هذا التمييز بين وضع التعبير ووضع المعبِّر محيّد في حالة بعض الأسماء الجنسية، حيث سيسمح، مع ذلك، بإدخال فروقات دائمة: بالإضافة إلى المذكرات الخيالية، فإن ذلك يحدث في الرواية الترسلية، ورواية المذكرات، وكذلك في بعض النشاطات التي يمكن أن تتعارض مع نظيراتها الجادة بطرق مختلفة، وفق ماإذا كان التخييل متعلقاً فقط بالفعل التعبيري أو بالمعبِّر. هكذا جيل بلاس تمتلك معبراً خيالياً وتعبيراً خيالياً في الوقت نفسه. في المقابل، تعيد مذكرات هادران، والثلاثية MOI (أنا)، وكلود لروبير غرافيس، التعبير الخيالي إلى مُعبِّر اصطناعي. في ليتير(LETTERS) لجون بارت، الموقف أكثر تعقيداً كذلك: التعبير خيالي، ولكن أحد المرسلين هو جون بارت نفسه ـ فهو إذن معبِّر واقعي ـ أما الشخصيات الأخرى فهي شخصيات خيالية. هذا التنوع في الموقف التعبيري داخل الجنس الواحد هو أحد الأمثلة المتعددة التي تُظهر أن الأسماء الجنسية نادراً ماتحدد النصوص التي تُعرفها بطريقة واحدة. التمييز الثاني الهام الذي بموجبه توزع أسماء الأجناس على مستوى الفعل التعبيري يتعلق بالوسيلة الفيزيائية: شفهية أم كتابية. يتعلق التمييز بالفعل التعبيري أكثر من الحقيقة التركيبية والدلالية، لأنه من حيث المبدأ لاشيء يمنع أن تكون السلسلة التعبيرية ـ الدلالية متحققة شفهياً أم كتابياً، حتى وإن كان هناك اختلاف بصورة عامة بين إنجاز الفعل التخيلي الشفهي والفعل التخيلي المكتوب. صحيح أننا نميل بصورة كاملة إلى ثقافة الكتابة، وإلى نسيان المجال الواسع للأدب الشفهي، خاصة أننا لانجده عامة إلا عندما نريد تثبيته من خلال الكتابة: مع ذلك، تبقى بعض الأجناس مرتبطة، في حضارتنا، بعمق الإنجاز الشفهي للأفعال القصدية التي تستند إليها، مثلاً، الصلاة، والكلمة الروحية، والأغنية... إلخ، ولكن يجب، دون شك، إجراء تمييز بين شفهية ظرفية، تعود ببساطة إلى عدم وجود نظام كتابة وبين شفهية مبدئية لاتنفصل فيها الخصوصية الجنسية عن الكمال الشفهي، وهي التي تحدد الفعل التواصلي. بعض أسماء الأجناس التي يستخدمها روث فينيغان في " الشعر الشفهي" يرتبط بشفهية ظرفية (مثلاً شعر بطولي، وشعر قصصي، وحكاية شعبية، ومَثَل، إلخ...) في حين أن بعضها الآخر يتطلب أعمالاً شفهية بالضرورة: قدر "سحري"، وتعويذة، وغناء ديني، وقطعة من الشعر العامودي (التي هي لغة حقيقية في مستوى مقطعي واحد، النغمة قادرة بمساعدة التورية على ترميز الإشارات المعقدة جداً في اللغة الشفهية الإنسانية)، كل ذلك لايوجد إلا ضمن فعل شفهي (أو أدواتي من أجل الشعر العامودي). بالتأكيد، تستطيع مثل هذه الأفعال أن تكون مدونة، ولكنها تفقد عندئذٍ خصوصيتها الجنسية (والأمر ليس كذلك في الأجناس المرتبطة بشفهية ظرفية): صيغة سحرية يمكنها أن تكون مدونة، ولكنها لاتبلغ قوتها كفعل تواصلي إلا عندما تكون حقيقة منطوقة؛ كذلك يمكن أن يكون المقابل الشفهي لقطعة من الشعر العامودي مدوناً، ولكنها تفقد عندئذ خصوصيتها المستهدفة من الاسم الجنسي. نضيف مسبقاً أن الاشتقاقات التاريخية لأسماء الأجناس المرتبطة بالأصل بأشكال شفهية قد تخلي عنها، أو قطعت علاقتها مع هذا الأصل: هذه هي حالة الموشح الغنائي ( سواء كان بنموذجه التعبيري الفرنسي، أو الأنكلو ـ سكسوني، أو الألماني)، والأدوارية * والرثاء، والأغنية جزئياً، إلخ. لن أتبع فري بصورة كاملة عندما يعلن أن "التمييز بين الأجناس يرتكز على تصور قديم مثالي للأعمال الأدبية، مهما تكن طرق التقديم الواقعي.(23)"‏

ولكن حتى عندما لاتكون الشفهية تقليداً خاصاً للكتابة، فإنها تبقى مرتبطة جزئياً بانتمائها الجزئي الأصلي. يمكننا أن نشير إلى أن هذا الانتقال من الشفهية إلى الكتابية يترافق غالباً بتحول وظيفة بعض الصعوبات الشكلية. هكذا يفقد تنظيم الموشحات الغنائية إلى مقاطع متساوية، معناه الوظيفي، الذي يسمح بتكرار اللحن، ويصبح ضرورة شعرية خالصة. كذلك الأمر، عندما اضطر هوغو في "أغاني الشوارع والخشب" إلى تركيب كل المقاطع على شكل رباعيات فإنها بقيت متصالبة، هذا الاضطرار للتنظيم لم يعد وظيفياً مبرراً بوجود اللحن. تزول بعض المبررات الوظيفية ببساطة: إن فيلون لايضع في بعض الموشحات الغنائية، القوافي الذكرية والأنوثية في الأبيات نفسها من كل المقاطع، مما يسمح لنا بافتراض أنها لم تكن مخصصة للغناء(24). عندما تضيّع الأسماء الجنسية مرجعيتها الأصلية في الشفهية، فإنها تغير جزئياً بالمعنى. كذلك يرسم مصطلح الأغنية عند فيكتور هوغو شكلاً مستوحى أكثر من كونه تجنيساً حقيقياً للنصوص، مثلما تحاكي رواية ترسلية تبادلاً ترسلياً دون أن تكون جزءاً منه، بالإضافة إلى ذلك، يختار المصطلح ليس فقط لإضفاء الشرعية على المبررات الشكلية، ولكن أيضاً بفضل دلالته التأويلية المرتبطة "باللحن" و "الموضوعاتية" : إنه يتفهم الجيل الشاب، واستهتاره، وعدم حماسته. في الواقع، نعرف أن المجموعة مقسمة إلى كتابين "شباب" و" حكمة" ، وأن هوغو أراد في وقت من الأوقات إعطاء تسمية "أغان " للأول، و"أناشيد" للثاني(25).‏

ت ـ معيار ثالث مهم للتمييز هو معيار طرق التعبير، أي التمييز بين السرد والعرض. ويدخل كافتراض ضمن الأسماء الجنسية التي تعرّف الممارسات الخطابية أو الأدبية، ويحمل حوادث واقعية أو خيالية. ماهو وضع هذا التعارض؟ نحن نعرف أن أفلاطون يميز ثلاث طرق: سردي وتقليدي ومختلط، في حين أن أرسطو يقتصر على طريقتين: الطريقة المسرحية، والطريقة السردية(26). يأتي التناقض بين التصنيفين، دون شك، من حقيقة أن لهما موضوعات مختلفة. يمكننا القول، إن أفلاطون يهتم بالتمييز الخطابي حصراً والمنطقي والتركيبي في الوقت نفسه، بين السرد والعرض؛ في الحالة الأولى، يتحدث المؤلف باسمه الشخصي، ويسقط أقواله على الشخصيات، في حين أنه في الحالة الثانية الشخصيات هي التي تتحدث وتتصرف: ومن هنا تأتي إمكانية طريقة مختلطة، حيث يرتبط السرد والعرض في القصة بالمعنى الشائع للكلمة. يبدو لي أن موقف أرسطو أقل وضوحاً. عندما يقابل بين الدراماتيك والسرد، فإنه يقابل في الواقع، بين المسرح والسرد، أي أن إشكاليته تخص الأعمال كأفعال قصدية عامة: الملاحم الهوميرية هي مسرودات لأن إطارها العام هو إطار المسرود، والخطب المباشرة موجودة داخل هذا المسرود وليس ممثلة عبر شخصيات. في حين أنه، على الأقل، في مكان واحد من كتاب (فن الشعر) يعود إلى مشكلة طرق التعبير كما يطرحها في مستوى خطابي داخلي، عندما يصف الملاحم الهوميرية بمحاكاة دراماتيكية، ولذلك هناك سبب للأهمية التي تأخذها فيها الحوارات المباشرة بين شخصيات على حساب السرد(27).‏

على الرغم من هذا الغموض، أظن أن الأساس هو أن الموقف الأول هو الذي يتفوق في "فن الشعر". يمكننا إذن إجمال الخلاف بين الفيلسوفين بالقول إن أفلاطون يعرض مشكلة طرق التعبير في مستوى البنى النصية، في حين أن أرسطو يقدمها في مستوى الاتصال العملي‏

في الحقيقة، يتجه هذا الاختلاف نحو مشكلة مهمة: ليس أكيداً أن تمييز طرق التعبير يتطابق مع التمييز الذي يقابل بين المجالات المختلفة عبر الأسماء: الشعر الدراماتيكي والشعر القصصي. يمكننا أن نأخذ ذلك في عين الاعتبار عندما نتذكر أن الطريقة السردية والطريقة الدراماتيكية، عند أرسطو، هما عنصران للمحاكاة، أي للشعر الذي يحاكي أعمالاً وأقوالاً إنسانية بدءاً من اللحظة التي نعتبر فيها إشكالية المحاكاة كفعل تواصلي خاص، فإن التمييز يطغى على الإطار الخاص للأفعال الخطابية: في العرض الدراماتيكي الفعل الخطابي ليس إلا نشاطاً تقليدياً من بين نشاطات أخرى، يضاف إليه، الإيماءات، والإشارات والحركات، إلخ، في المقابل، المحاكاة، من خلال السرد هي أحياناً فعل خطابي. يمكن تفسير الاختلاف بسهولة: العرض الدراماتيكي هو الذي يحاكي فقط أعمالاً، بالمعنى القوي للكلمة، لايستطيع المسرود إلا نقلها وروايتها. إذن، في المعنى التقني للكلمة، لايستطيع المسرود أن يحاكي سوى الأقوال، لأنه لايتكون هو نفسه إلا من الكلمات(28).‏

إذا طابقنا بين الشعر الدراماتيكي في المسرح، فإن تمييز الطرق، والتمييزات اللغوية الخالصة، بصورة عامة، لم تعد تكفي لمقارنته مع الشعر القصصي. لم يعد التمييز فقط هو تمييز طرق التعبير، ولكنه أيضاً التمييز بين أسماء جنسية، تستند على نشاطات لغوية خالصة، وأسماء جنسية تستند على نشاطات تواصلية مختلطة. وهذه الأخيرة، هي دون شك، أكثر تعدداً مما يبدو: بالإضافة إلى المسرح، هذه هي فائدة الأجناس الشفهية، مثل الأغاني (بالمعنى الأصيل للمصطلح)، والأناشيد، إلخ(29).‏

بالإضافة إلى ذلك، من المفيد الإشارة إلى أن اللغات المختلفة لاتعالج التمييز بالطريقة نفسها: في الإنكليزية يوجد تعارض واضح بين الأدب والمسرح(30)، وفي الفرنسية والألمانية مثلاً نجد هناك ميلاً للحديث عن شعر مسرحي، ووضعه في صنف الأدب كشكل خاص له. في كل حالة، نرى أنه يوجد اختلافات جنسية لاتستند فقط على الحقل اللغوي، ولكنها تستند أيضاً على نشاطات فوق لغوية. بهذا المعنى، لاتنحصر فقط بخصوصيتها في المستوى التعبيري، وكان يجب، دراستها قبل الدخول في مجال الخطاب الخالص.‏

في الواقع، يعود قسم كبير من هذه الصعوبات إلى غموض الوضع التواصلي للنص الدراماتيكي. عندما نقرأ هذا النص، نجد أنه يمتلك مرجعين متميزين بصورة كاملة: إذا قرأناه كنص أدبي، فإن مرجعه، مثل مرجع السرد، حقيقة تاريخية أو خيالية؛ في المقابل، إذا قرأناه كنص مسرحي فإن مرجعه هو العرض المسرحي (بالطبع، عندما يعرض فإن مرجعه شبيه بالمرجع الذي هو موضوع في قراءته كنص أدبي).‏

يعطي جان ألتر، الذي أُخذ منه هذا التمييز، المثال التالي: "إذا اعتبرنا "ريتشارد الثالث" كنص أدبي أكثر من كونه نصاً مسرحياً، فإنه يرجع إلى أحداث خارجية: التاريخ الواقعي أو الخيالي لملك إنكليزي، يجلس زمانياً ومكانياً على عرشه التاريخي نفسه، وفي اللحظة التاريخية نفسها، وفي المكان نفسه [...] في المقابل، عندما يقرأ النص كمسرح، يحدث تطور مختلف، لأنه كشبكة من العلامات، يعتمد بصورة خاصة على شبكة أخرى من العلامات، هي العرض، وليس على حوادث خارجية [...]. يفترض الانتقال من مرجعية إلى أخرى، أي من النص إلى العرض، تطوراً تحولياً تفسيرياً(31)".‏

ولكن يوجد حالات مُحدِدة، مثل "مشهد دون كلمات " لبيكيت، وهو مشكل فقط من ممسرحيات*، ولايمكن قراءة هذا العمل إلا كإشارات مدونة للتمثيل (إلا إذا تحول شكله أي قُرِأ كقصة)؛ وإذا قام هذا العمل على المسرح، فإنه لايقوم بالتأكيد على الشعر الدراماتيكي، لأنه إيمائي خالص. يجب الإشارة إلى أنه عندما نقتصر على المستوى اللغوي، فإن المعارضة الأرسطوطالية لنموذجي التعبير لاتتطابق دائماً مع تعارض الاسمين الجنسيين للشعر القصصي والشعر الدراماتيكي، ويبدو أحياناً أن التقسيم الثلاثي الأفلاطوني أكثر انسجاماً.‏

نحن نعلم أنه في الأدب الشفهي يوجد أعمال أدبية ينتقل فيها المُقدِم باستمرار من السرد إلى العرض التقليدي وبالعكس. الحالة الطبيعية هي حالة المُقدِم الذي عندما يعيد الحوارات بين الشخصيات فإنه يبدأ بتقليد أصواتهم وحركاتهم. ولكن روث فينيغان يقدم مثال القصيدة الملحمية‏

"لجزر فيجي" التي تبدو فيهاالظاهرة أكثر تعقيداً: يسرد المُقدِم مرة أفعال البطل للشخص الثالث، ومرة يتطابق معه ويحكيها للشخص الأول، وقد يحدث الانتقال من موقف إلى موقف آخر فجأة. من المهم ملاحظة أن تعبيرات الشخص الأول ليست منتظمة في المسرود، أي ليست معادة من قبل الراوي، ولكنها تتوضع في مستوى المقاطع السردية نفسها: هناك تعاقب بين الراوي والبطل اللذين يرتبطان ببعضهما كمعبرين عن الفعل الخطابي(32).‏

لايقتصر الموقف فقط على المقطع المشهور من الأوديسا حيث يروي يوليس بنفسه قسماً من مغامراته: حكاية يوليس منتظمة في حكاية الراوي، أي أنها موجودة زمانياً ومكانياً داخل العالم الخيالي المشكل من سرد الشخص الثالث(يحكي يوليس حكاية "للفيسيان" الذين يتواجد عندهم في هذه اللحظة من التاريخ، يعيد هومير قصة بطله، كما يعيد أعماله الأخرى). عندما يختزل أرسطو الشعر الملحمي في النموذج السردي، فإنه يستند على هذه الحالة الطبيعية من انتظام النموذج التقليدي ضمن النموذج السردي، لاتؤثر المقاطع التقليدية في خصوصية الفعل التواصلي العام الذي هو السرد.‏

مع ذلك، فإن نظريته غير قادرة على الأخذ في الحسبان المثال الذي يقدمه روث فينيغان، لأن فيلميان دوبيتو المؤلف ـ المنفذ للقصيدة الملحمية "فيجي" يستخدم النموذج المختلط بالمعنى القوي للمصطلح: روايات البطل غير منتظمة ضمن رواية الراوي ولكنها تتناوب.‏

يستطيع المشروع الأفلاطوني الذي قبل النموذج المختلط، وتفكك وحدانية الإطار التواصلي، أن يأخذ في الاعتبار هذا الشكل الغريب الذي يبدو داخلياً مُرتبطاً بالشفهية.‏

هناك عامل آخر يمكن أن يزعزع العلاقة بين نماذج التعبير والأسماء الجنسية التي تستند على الأدب التقليدي، هو عامل تحول النماذج. هكذا يستطيع كل مسرور أن يتحول إلى عرض. لاأريد أن أقول من خلال هذا إن أحداث المسرود يمكن أن تعرض، ولكن أن المسرود نفسه كفعل كلامي يمكن أن يُعرض، ويمكن أن يتحول من السرد إلى العرض، وذلك من خلال تجسيد مسرحي بسيط للراوي: سيكون عندنا عندئذٍ قصيدة دراماتيكية ترتكز فقط على محاكاة في الأقوال. يبدو الشعر الدراماتيكي، ضمن هذه العلاقة، غير مستقر. إذا اعتبرنا النص كإشارة من أجل العرض المسرحي، فإنه يقبل العرض بصورة خالصة، الممسرحيات لها وظيفة وصفية. في المقابل، عندما نقرأه كعمل أدبي، فإن الممسرحيات التي تستند عندئذٍ على ظروف العالم الخيالي الذي تتوضع ضمنه الحوارات، تأخذ لوناً سردياً. هذا التحول في نموذج القراءة يكون واضحاً إلى حد ما وفق امتداد الممسرحيات وطبيعتها. هكذا تغتني الممسرحيات في عمل ريشارد فاغنر "رانغ" إلى حد تشكيل صوت شبه سردي، مميزة الحوادث في العالم الخيالي، بل في حالات الروح، والأفكار الداخلية للشخصيات، مثل الديكور، والتصرفات، والإيماءات للممثلين. وهي أكثر وضوحاً في "مشهد دون كلمات" الذي، كما قلت سابقاً، يرتكز فقط على ممسرحيات، ويمكن إذن أن يكون مقروءاً بسهولة كنص سردي. في مقابل ذلك، إن الغياب شبه الكامل لإشارات مسرحية ضمن مسرحيات كورنيه أوراسين يجعل تحول النموذج غير ممكن. تمييز الأشخاص القواعديين في المسرود، أي التمييز بين سرد الشخص الأول، وسرد الشخص الثالث، يمكن أن يكون مرتبطاً بمشكلة تحول النموذج؟ سرد الشخص الأول يمكنه بوضوح وبسهولة أن ينتقل إلى النموذج الدراماتيكي: من أجل هذا يكفي أن يكون فيه مُعبّر جسدي حقيقي، أي أن الأمر يتعلق بسرد شفهي، وأن هذا الراوي الحقيقي يترافق مع معبر مفترض. هذه هي الحالة في المثال الذي قدمه روث فينيغان. ويحدث مثل ذلك في قصائد ملحمية شفهية أخرى حيث يتطابق المُقدِّم مع البطل نحن هنا ضمن النموذج الدراماتيكي الخالص لأن المستمعين يعتبرون أن المقدِّم يحاكي البطل(33).‏

بقول آخر، سرد الحكاية في الحكاية مع معبِّر خيالي أو اصطناعي ليس له الوضع نفسه في الأدب المكتوب وفي الأدب الشفهي: عندما نقرأ مذكرات خيالية، فإننا نقرأ سرداً، في المقابل، عندما يستمع شخص إلى فيليما دوبيتور يروي للشخص الأول أعمال بطله الأسطوري، فإننا نجد أنفسنا في النموذج شبه التمثيلي. أما فيما يتعلق بسرد الشخص الثالث، فإنه يمكن أن يخضع هو أيضاً لتحول النموذج، وذلك من خلال تجسيد جسدي بسيط، أو شفهي للمعبِّر الذي يصبح منذ ذلك الوقت شخصية دراماتيكية معبِّرة، عن طريق شكل من أشكال الحوار الداخلي الدراماتيكي الخاص، وتصل قصته إلى الشخص ثالث.‏

هنا أيضاً، يجب بوضوح التمييز بين المعبر الشفهي الحقيقي والمعبر المفترض: المؤلف الذي يقرأ عمله الخاص لاينقله إلى نموذج تمثيلي، إلا إذا كان هناك وجود لمعبر خيالي. عندما يقرأ توماس مان LES BUDDENBROOK، فإن الموقف هنا موقف مؤلف يقرأ عمله: في المقابل، عندما يقرأ "دكتور فوستو " فإنه يتطابق مع المعبر الخيالي "زيت بلوم"، ويصبح عندئذٍ الموقف التواصلي هو أيضاً موقفاً خيالياً لممثل يجسد شخصاً. في الواقع، لايبدو لي أن التمييز بين سرد الشخص الأول وسرد الشخص الثالث يمتلك إلا استمرارية نسبية جداً في المستوى التعبيري: كل مسرود، بوصفه تعبيراً، يكون للشخص الأول. يستند التمييز الجنسي المقصود إلى المستوى التركيبي والمستوى الدلالي للنص، ولكن ليس إلى المستوى التعبيري: هنا يبدو لي أن التمييز الحقيقي الدائم هو بين المسرود دون معبّر بالنيابة، ومسرود مع معبِّر بالنيابة. على كل حال، إذا عدنا إلى مسألة نماذج التعبير، يبدو واضحاً أن تمييزها لايغطي بصورة آلية التمييز بين الشعر القصصي والشعر الدراماتيكي، الذي يستفيد من خلافات تواصلية لايمكن حصرها في المستوى الخطابي البسيط: مثال من بين أمثلة أخرى لعدم إمكانية اختزال الأسماء الجنسية إلى مميزات تقوم على مستوى واحد من الفعل الشفهي.‏

2ـ مستوى المقصد:‏

أستخدم مصطلح المقصد بمعنى الاتجاه، أي أن يحدد قطب المتلقي الذي يتوجه إليه الفعل الخطابي، واحتُفظ، في المقابل، بمصطلح وظيفة من أجل الهدف المقصود، المقصد بمعنى "الاستخدام".‏

يتدخل محور المقصد، بطرق مختلفة، في تمييز الأسماء الجنسية‏

آ ـ التمييز الأول الدائم هو بين رسائل موجهة إلى شخص محدد، ورسائل موجهة إلى شخص غير محدد. هناك رسالة توجه إلى جهة محددة مثل الصلاة، والمدح، والهجاء، إلخ. في المقابل، إن لأكثر الأجناس المرتبطة بنشاطات خطابية غير جادة مقاصد غير محددة: أي كمستقبل حقيقي هو مرسل إليه. بالتأكيد، هناك نشاطات خطابية جادة تتوجه إلى أشخاص معروفين: هذا هو الأمر في أكثر الأفعال الخطابية في وسائل الإعلام الجماهيرية. ليس أقل من ذلك أن إحدى السمات التي تميز غاية الأفعال الخطابية الجادة عن الأفعال الخطابية غير الجادة، توجد ضمن حقيقة أنه في الحالة الأولى يمكن أن يكون التمييز بين المرسل والمرسل إليه والمتلقي الحقيقي دائماً، في حين أنه قلما يكون كذلك في الحالة الثانية. هكذا، تتوجه السجلات الملكية البابلية المدفونة في أعماق المعابد إلى الإله صاحب المعبد فقط، وإلى ملك الأزمنة القادمة الذي سيتوجب عليه أن يعيد بناء هذا المعبد: وجد علماء الآثار الذين حللوا هذه الرموز اليوم، أنفسهم ضمن وضع غير المرسل إليهم ولكنهم تأثروا بشدة. كذلك، لم توجه ملحمة الخلق البابلية "L'ENOUMA" إلى التابعين ولكن إلى الإله نفسه: لم يكن التابعون إلا شهوداً على الاتصال المباشر بالإله(34).‏

إذا أخذنا مثالاً أكثر شيوعاً، نجد أنه عندما نقرأ رسالة خاصة كانت قد نشرت، مثل رسائل SADE إلى زوجته ورسائل فلوبير إلى أمه، فإننا نكون في موقف المتلقي غير المرسل إليهم. بالتأكيد عندما يكون المرسلون هم الكتاب، فإن الموقف يبدو أكثر غموضاً. هكذا تبدو رسائل ديدرو إلى صوفي فولاند ذات طبيعة خاصة، ولكننا نعرف أن صوفي قد قرأت على الأقل بعض المقاطع منها على الجمهور، وأن ديدرو أخذ ذلك في الحسبان. يمكن الإشارة إلى تبادلات رسائل أخرى لكتاب أو رجال معروفين قد تنشر في المستقبل. أحياناً يكون هدف الرسائل الخاصة والجماهيرية مشتركاً بالصدفة كما في رسائل هوراس الموجهة إلى شخص محدد وإلى جمهور غير محدد،(35) في الوقت نفسه. الازدواجية نفسها توجد في الرسالة المفتوحة: المرسل إليه غير المحدد الذي هو الجمهور يكون غالباً المرسل إليه الوحيد الحقيقي، لم يعد المرسل إليه المحدد (الذي يمكن أن يكون عاماً) إلا الهدف المنشود.‏

ب ـ هناك معيار آخر يجب أخذه في الحسبان هو التمييز بين المقصد الانعكاسي (الراوي يتوجه إلى نفسه)، وبين المقصد المتعدي (الراوي يتوجه إلى شخص ثالث). وضع المقصد المتعدي هو بوضوح المجموعة التواصلية الطبيعية، ولكن بعض الأجناس مرتبطة بوضع المقصد الانعكاسي: المذكرات الخاصة، وبعض الكتابات الشبيهة بالسيرة الذاتية، مثل السيرة الذاتية التقوية* القائمة على مبدأ تجربة تحليل أخلاقي ذاتي غير موجه إلى شخص ثالث، واختبارات الشعور... إلخ.‏

هنا أيضاً، عندما تتغلب الغاية الأدبية، أي الجماهيرية، على الغاية الخاصة، يصبح المقصد المنعكس الحقيقي معروضاً، وظاهراً: كل المواقف الوسيطة ممكنة بين صموئيل بيبيس الذي، عندما كتب مذكراته، وضع رمزاً سرياً لتجنب إمكانية تحليله من قبل شخص ثالث، وبين جيد الذي كتب مذكراته من أجل نشرها، هذا ما أوضحه جان روسي(36)، الذي يميز سلسلة كاملة من مواقف المرسل إليه: المقصد الذاتي (حالة طبيعية)، والمقصد المجهول (كتب جورج صاند؛ " يا أطفالي لن تعلموا أبداً كم أحبكم "، المرسل إليه الخاص مثل القارئ المحتمل هو‏

"جورج صاند أيضاً، بالمقارنة مع موسيه"، القارئ الخاص مسموح له ولكن غير مرسل إليه (أنيس نين الذي سمح لهنري ميللر وأتو رانك بقراءة مذكراته)، المذكرات الزوجية (كل المذكرات موجهة إلى الشريك الآخر)؛ وأخيراً، المذكرات التي نُشرت في حياة المؤلف أو بعد وفاته ولكن بموافقته. في حالة المذكرات الخاصة، التمييز بين المرسل إليه والمتلقي الحقيقي قائم كما في حالة الرسائل.‏

بالتأكيد، يمكن أن تقلد المذكرات الخيالية والرواية اليومية كل واحدة من هذه المجموعات المختلفة للمقصد. هذا التقليد يمكن أن يتعقد كما يظهر في "الاعتراف الفاجر" لجونيشيرو تانيزاكي حيث عرض مايمكن أن تخفيه المذكرات الخاصة في الإطار الزوجي، وهنا يتحول المقصد الذاتي ظاهرياً، ويصبح فخاً منصوباً للآخر، الذي هو المرسل إليه الحقيقي ولكن عليه أن يتجاهل نفسه لكي يستطيع أن يكون مخدوعاً بعلمه: بذلك تصبح المذكرات حرباً مستترة يتبادلها شريكان يستخدمان الحيل المختلفة، كل شخص يكيف نصه من أجل التلاعب بالمتلقي ضمن حركة لاتنتهي من حيث المبدأ: هي تقرؤني، هو يقرؤني، هي تعرف أنني أقرؤها، هو يعرف أني أقرؤه، وهي تعرف أنني أعرف أنها تعرف أنني أقرؤها ... وهكذا إلى مالانهاية(37).‏

ت ـ المُرسل إليه في الفعل الخطابي يمكن أن يكون مرسلاً إليه حقيقياً (قارئاً محدداً أو غير محدد)، أو مرسلاً إليه خيالياً. هنا أيضاً، كما في حالة المعبِّر، يمكننا القول دون شك، إن المرسل إليه الأخير في كل عمل هو مرسل إليه حقيقي، ولكن عدة أعمال خيالية تدخل مرسلاً إليه خيالياً بين المُعبِّر والمرسل إليه الحقيقي. كذلك ترتبط بعض الأجناس السردية الخيالية بأشخاص خياليين، أي أن الأعمال المقصودة تمثل الرواية الترسلية، حيث المرسل إليه المعروض ليس إلا المرسل إليه الخيالي للرسائل، والمرسل إليه الواقعي في العمل هو بوضوح القارئ.‏

عندما يوجد مقدمة افتتاحية أو قصة إطارية تتوجه إلى القارئ الواقعي، يكون الموقف أكثر تعقيداً. كذلك في "فيرتر": الناشر غير المحدد يتوجه إلى القارئ الحقيقي الذي يصبح المرسل إليه في القصة، أي أن قصة فيرتر أعيدت من خلال الناشر عبر سرده الخاص، وبمساعدة رسائل، والقارئ الذي يعد مرسلاً إليه ضمن السرد هو المرسل إليه ليس في رسائل فيرتر، ولكن في فعل الشاهد العام للناشر.‏

بالإضافة إلى ذلك، إذا لم يكن هذا القارئ مرسلاً إليه خيالياً (كما هو لوت LOTTE) فهو، من الآن فصاعداً خاضع لعملية تخييل لأن وضع الاتصال المتضمن فيه خيالي، والقارئ بوصفه مرسلاً إليه متخيلاً للناشر (الخيالي)، ولذلك يجب أن يكون متميزاً عن هذا القارئ نفسه بوصفه المرسل إليه الحقيقي لرواية غوته. يعود هذا الوضع المعقد للمقصد، ولمجموع مستويات الفعل التواصلي إلى أن الرواية الترسلية، مثل المذكرات الخيالية أو الرواية ـ اليومية، تقوم على ما يسميه ميشال غلوفينسكي المحاكاة الشكلية(38)، والذي يصف من خلال هذا المصطلح نصوصاً خيالية تخفي أفعالاً خطابية جادة. يتطلب كل تعبير بوصفه فعلاً تواصلياً قطباً تعبيرياً وقطباً استقبالياً. وتفترض حقيقة عرض فعل خطابي ولادة قطب للتعبير وقطب للمقصد متطابقين مع التعبير والمقصد الواقعيين. نضيف إلى ذلك أن عناصر المحاكاة الشكلية توجد، على الأقل تحت شكل آثار، التي تمتنع عن لعب لعبة التخفي، والتصنع، للتعبير الجاد. من هنا يتخلص المعبر بسهولة من المؤلف في كثير من المسرودات الخيالية بما فيها المسرودات التي لاتشارك في المحاكاة الشكلية بالمعنى القوي للمصطلح، مثلما يتخلص المرسل إليه الحقيقي من المرسل إليه المعروض في المسرح، الفارق بين المرسل إليه الحقيقي والمرسل إليه الخيالي مؤثر عملياً بصورة دائمة: المشاهدون الذين هم المرسل إليهم الحقيقيون للمسرحية، ليسوا ممثلين في مستوى الفعل الدراماتيكي؛ والمرسل إليهم للتبادلات الحوارية هم من حيث المبدأ دائماً شخصيات للتخييل الدراماتيكي. يجب استثناء مواجهات المسرح الكوميدي الإغريقي والمسرح الملحمي البريختي. الموقف ليس هو نفسه في الحالتين:‏

في المواجهة نرى اعتداء على الفضاء الخيالي، والمشاهد بوصفه المرسل إليه الحقيقي هو الذي وُبِخ. في المسرح الملحمي نرى غالباً تخييل المُشاهد الذي هو أحياناً متورط كمرسل إليه حاضر: إنه موهم كالبروليتاريا في الصراع ضمن مجموعة من الرفاق في الحزب...إلخ‏

3ـ مستوى الوظيفة:‏

مثل كل الأفعال القصدية، الأفعال الخطابية هي عموماً أفعال وظيفية غائية. وهي تنشأ أيضاً لتقوم بوظيفة. ليس مدهشاً، إذن، أن يتدخل قطب الوظيفة ضمن تحديد الأسماء الجنسية، وفق النماذج المختلفة هنا أيضاً.‏

آـ تبدو بعض الأسماء الجنسية مرتبطة بأفعال غير تعبيرية خاصة. نعلم أن هذا المصطلح الأخير يصف مواقف خطابية، مثل: الوصف، والطلب، والصلاة، والوعد، أي أنه يستند على الهدف التواصلي الذي يقوم به الكلام المُعبَّر به. هكذا إن هدف الوصف هو أنه يمثل حالة أشياء (صحيح، أو غلط، أو خيالي)، وهدف الوعد هو أن نوعاً من الالتزام تعهد به المتكلم(39).‏

يؤسس سيارل(40) تضيفاً من خمسة نماذج للأفعال النطقية:" نقول لشخص آخر كيف هي الأشياء (تأكيدات)، نحاول أن نعمل أشياء للآخر (توجيهات)، نلتزم بفعل أشياء (وعود)، نعبر عن مشاعرنا ومواقفنا (تعبيرات)، ونثير تبدلات بتعبيراتنا (إعلانات) (41)".‏

إذا وضعنا هذه النماذج في مستوى الأفعال الخطابية المركبة المستهدفة من أسماء الأجناس، نلاحظ أن عدداً من الأسماء تشابه أفعالاً تأكيدية (هذه هي حالة كل الأسماء العائدة إلى ممارسات خطابية بالمعنى المنطقي للمصطلح: سرد، شاهد، بيان، وكذلك شبيهاتها الخيالية)، وأفعالاً تعبيرية (مثل الرثاء، وقصيدة حب، وقصيدة غنائية، والمدح، وأكثر أسماء الأجناس المنضوية تحت اسم الشعر الغنائي) نادرة هي الأسماء التي تقابل الأفعال التوجيهية (مثل الصلاة والتهويدة*) الإعلانية (مثل الأسماء المرتبطة بالنتائج، كالسحر أو القدر السيء)، والأفعال الوعدية (مثل القسم). بالإضافة إلى ذلك نرى أن الأسماء التي تستند على أفعال توجيهية، ووعدية، وإعلانية، مرتبطة عموماً بممارسات خطابية جادة (يمكن أن تظهر أيضاً عبر المحاكاة الشكلية، وتدخل ضمن النظام اللعبي (غير الجاد)، في المقابل، إن أغلب أسماء الأجناس تعرّف الممارسات الأدبية الشرعية على أفعال خطابية ذات طبيعة غير جادة، وتفترض عدم تحقيق أفعال نطقية موازية، ويتم عدم التحقق هذا عبر المحاكاة التخييلية أو عبر التشويش التواصلي، كما في حالة الأفعال النطقية البليغة المستخدمة في الشعر الغنائي(42).‏

يمكن تحليل الأجناس المسرحية بصعوبة في إطار تحليل الأفعال النطقية. لا أتحدث عن التحليل الداخلي في النشاط المسرحي: لأن العرض المسرحي محاكاة للأفعال والأقوال، فإن هذه الأخيرة تحقق بوضوح الأفعال النطقية الأكثر تنوعاً. في المقابل، في مستوى الفعل التواصلي الشامل الذي يشكله عمل دراماتيكي، لايؤدي التحليل النطقي إلى نتيجة كبيرة، وذلك لأن العمل الدراماتيكي لايمتلك إلا بطريقة غير مباشرة وحدة الفعل الخطابي: إنه غالباً مونتاج لمشاهد خطابية وأفعال. في الواقع، الصعوبة تأتي هنا من أن التناقض بين السرد والعرض كتعارض نموذجين من التعبير اللغوي.‏

أخيراً، يجب إضافة أن بعض الأجناس مرتبطة بالوظائف النطقية المزدوجة والخاصة: هذا مايحدث في الكوميديا التي تتميز، من بين أجناس أخرى، من خلال حقيقة أنها تهدف إلى إثارة الضحك، إلى حد أنه في الاستخدام الجماهيري، الكوميديا والعرض الهادفين إلى إثارة الضحك هما عملياًأسماء مستعارة، كذلك القصة الغزلية، أو على الأقل نظيرتها الإباحية، تهدف إلى إثارة الرغبة الجنسية.‏

بصورة عامة، يهدف كل عمل له أهداف أخلاقية أو توجيهية إلى نتائج تعبيرية مزدوجة، لأنه يقترح تغيير تصرفات مستقبلية.‏

ب ـ الوجه الثاني المهم لمستوى الوظيفة هو التمييز، الذي مر سابقاً في مناسبات عديدة بين الوظيفة الجادة والوظيفة غير الجادة.‏

إذا كان صحيحاً أن الأدب ركام أكثر من كونه نظاماً محدداً بطريقة مشتركة، فإنه يجب عدم الاندهاش عند اكتشاف أن أسماء الأجناس لاتتواجد جميعها في الجهة نفسها من الحدود: الأدب لايختزل إلى التخييل ولا إلى أفعال خطابية غير جادة. صحيح أن أكثر أسماء الأجناس الشرعية للتقليد الأدبي الغربي تقوم على المجال اللعبي: علماً بأن بعض الأجناس غير اللعبية مثل الأدب الترسلي، والسيرة الذاتية، والتاريخ، قد دخل ضمن مجال الأدب. كذلك إذا بحثنا عن شروط التغيرات الثقافية إلى ممارسات يعتبرها الغرب أدبية، وإذا قبلنا أن كل نشاط لغوي له أساس اجتماعي وواقعي، أو الذي يفسح المجال لتركيب لغوي متميز يمكن أن يندرج تحت عنوان الأدب، فإننا نرى أنه في عدد كبير من الحضارات، خاصة الشفهية منها، يتضمن المجال المقصود عدة أنشطة غير لعبية، مثل الرثاء، والصلوات، والأغاني الجنائزية، والأمثال، والأناشيد الدينية، والخطب الوعظية. من المفيد تحديد أنه إذا كان التمييز بين أسماء الأجناس المستندة على المجال اللعبي وبين أسماء الأجناس المستندة على ممارسات لغوية جادة، ذا طبيعة وظيفية، فإنها كلها، مهما تكن الوظيفة التي تستند عليها، تستطيع التعريف بظواهر مرتبطة بمستويات أخرى للفعل التواصلي في الوقت نفسه: هكذا يتميز التخييل ليس فقط من خلال وظيفته اللعبية (ليس كذبة، ولايهدف إلى تعليم الغلط) ولكن أيضاً من خلال وصفه التعبيري (ألغيت الضرورات المرجعية بالنسبة للعمل الشامل).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244