ما الجنس الأدبي؟ - جان ماري شيفير ترجمة د. غسّان السيّد

من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:10 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـ الفعل الخطابي المُنجز

ترتبط المستويات الثلاثة الأولى التي استعرضناها بالموقف الواقعي للفعل الخطابي، حيث يتموضع كل عمل أدبي، مهما يكن وضعه، ضمن الفضاء التواصلي، ويجب أن يتضمن التدليل على كل اسم جنس أيضاً سمات ترتكز على هذه المستويات الثلاثة، وتكون كما هي الحال غالباً، تحت شكل فرضيات مضمرة: إذا كان مصطلح السرد يشير بوضوح إلى تحديد الإطار التواصلي، فإن مصطلح الرواية لايشير إلى ذلك إلا بصورة خفية. لأن الإشارة اللغوية عشوائية، فإن المصطلح نفسه يستطيع بوضوح أن يمتلك إشارات مختلفة، وفق الظروف التاريخية. هذا مهم أيضاً بالنسبة لمستوى الفرضيات المضمرة: هكذا يشير مصطلح كوميديا، بصورة عامة، إلى عمل مسرحي خفية، علماً بأن المعنى الواضح له ذو طبيعة دلالية؛ ولكن أتذكر أنه كان يستند في العصر الوسيط على أعمال سردية وفق طريقتها التعبيرية. مهما كانت التبدلات التاريخية للمصطلحات، ومهما يكن أيضاً انزياحها عبر التبدلات اللغوية، فإن المهم هو أن أسماء الأجناس مرتبطة بالضرورة بتحديدات الفعل التواصلي، وذلك لأن حقيقة الفعل الخطابي هي أنه فعل تواصلي.‏

لاتقبل مسألة معرفة إلى أي حد تفرض اختلافات الفعل التواصلي تطبيقات تركيبية ودلالية خاصة، جواباً واحداً. في حالة النصوص المكتوبة، لايمكن التعرف على الاختلافات التواصلية إلا عبر مؤشرات نصية للتخييل (مثل الوصف المباشر للأفكار والحالات النفسية لشخص ثالث)(43)، وفهارس مصاحبة للنصوص (مثلاً، عندما يُلحق عنوان العمل بالإشارة الجنسية: رواية). عندما تغيب هذه الأشياء، فإنها تهدد بأن يكون الوضع القصدي للنص غير محدد: مثل العمل LAZARILLO DE TORMES الذي اعتبر أحياناً سيرة ذاتية حقيقية، بسبب غياب كل إشارة نصية أو فهارس مصاحبة للنص تسمح بمعرفة وضعها الجاد أو الخيالي. أما فيما يتعلق بمعرفة فيما إذا كانت أسماء الأجناس تشير إلى خصوصيات واقعية تفرض حدوداً تركيبية ودلالية على الرسالة المنقولة، وراء كل الإشارات النصية التي تسمح بمعرفة الوضع التواصلي للنص، وهنا السؤال الذي لايقبل جواباً بسيطاً. تستطيع الرسالة التي هي جنس محدد من خلال مقصدها الخاص، أن تكون شعراً أو نثراً، ويمكنها أن تمتلك الموضوعات الأكثر تنوعاً دون أن تتوقف مع ذلك، عن أن تكون رسالة . على الرغم من ذلك، يفرض عليها وضعها الواقعي بعض السمات التركيبية: عنوان مباشر إلى شخص ثالث، عبارات للمقدمة والخاتمة... إلخ. كذلك تفرض الوظائف النطقية بعض المحاذير على الحقيقة التركيبية والدلالية الموازية. صحيح أن سيارل يميز بين الموقف الخطابي والمضمون الافتراضي (أي المستوى الدلالي)، ويصرح بأن المضمون المفترض نفسه يمكن أن يكون في خدمة المواقف النطقية المختلفة.‏

مع ذلك، تسجل الوظائف النطقية أيضاً مجالات دلالية (بل معجمية)، وتستبعد مجالات أخرى: هكذا الغناء الجنائزي المتميز من خلال وظيفة نطقية خاصة (يريد المعبر أن يعبر عن حزنه)، ويقتطع مسبقاً مجالاً دلالياً ومعجمياً خاصاً، ويستبعد من معجمه كل كلمة مناقضة تتعلق بالموت. من الواضح أن أهمية الإشارات النصية والفهارس مركزية لأنها هي التي تسمح بالتعرف على نموذج الرسالة المقصودة: "يعرف المتكلم أن نموذج رسالته يجب أن يرتكز على نموذج استخدام خاص، لأن المفسِّر لايستطيع أن يكتشف نموذج الرسالة المقصودة من المتكلم إلا عبر سمات الاستخدام، مثال المجال المعجمي، والبنى التركيبية، والموازيات ذات الطبيعة الشكلية،إلخ"(44).‏

سأقف لاحقاً عند مشكلة العلاقات بين الإشارات النصية للغاية التواصلية والتحديدات التركيبية والدلالية الخاصة بالعمل. ولكن أولاً يجب تقديم هذين المستويين باختصار. أكثر النظريات الجنسية أفردت القسم الأكبر للمستويات التركيبية والدلالية لأسماء الأجناس خاصة عن طريق تفسير الأسماء المرتبطة بتحديدات الفعل التواصلي من أجل حصرها في هذين المستويين: هكذا يحاول هيغل أن يحصرها في مميزات موضوعاتية خالصة، منطلقاً من معارضة التراجيديا والملحمة بحسب طرق التعبير(45).‏

رأينا منذ قليل أنه عندما نعالج أسماء الأجناس دون فكرة مسبقة فإنها تحمل غالباً الشهادة على الشروط التواصلية الخاصة. ومثلما أن النظريات الجنسية هي أحد الأمكنة "لحياة" أسماء الأجناس، وفي بعض الظروف تعد مكانها المفضل، كذلك فإن الأهمية التي تعطيها هذه النظريات للطبقة الدلالية التركيبية، تشكل بدورها، إلى حد ما، القدر التاريخي لهذه الأسماء. هذا يعني أن دراسة السمات التركيبية والدلالية للأجناس قد توسع كثيراً، لذلك لن أثقلها هنا، وسأقتصر على التذكير ببعض العوامل الأساسية.‏

4ـ المستوى الدلالي‏

آ ـ سمات المضمون ("فاعل، ودافع، وموضوع...إلخ")، تؤدي هذه السمات دوراً مهماً ضمن أسماء الأجناس التي لاتحصى: يمكن أن نذكر عشوائياً، السيرة الذاتية، وقصيدة الهجاء، والشعر العاطفي، وقصة الخيال العلمي، واليوتوبيا، وقصة الرحالة، وقصيدة العرس، والغزل، ورواية المغامرات، والرواية الرعوية (أبطالها من الرعاة)، والشعر الريفي، والشعر الميتافيزيقي، وأغنية الشرب، وحلم اليقظة، والوصية والشعر السياسي، وهكذا إلى مالانهاية. ليس في الأهمية المعطاة لسمات المضمون مايدهش، وإن لم يكن ذلك من أجل حاجات التبسيط والانسجام النظرية (كما عند هيغل):‏

بعد كل شيء، يتواصل الناس فيما بينهم من أجل أن ينقلوا لبعضهم معلومات، ومسألة مضمون الرسالة وفهم محتواها، هي بصورة كاملة وطبيعية الشيء الذي يجلب انتباههم. إن مسألة استناد أغلب أسماء اجناس، خاصة الأدبية، على معايير المضمون، مؤشر، إذا كان الأمر بحاجة إلى مؤشر، وأن فرضية المرجعية الذاتية للنص الأدبي قلما تكون ممكنة بشكلها الجذري.‏

ب ـ يوجد أيضاً أسماء أجناس، التي على الرغم من عدم استنادها مباشرة على سمات مضمون خاص، فإنها ترتبط بعوائق دلالية، أكثر تجريداً: لذلك عندما ندرس الانتشار التاريخي لهذين الاسمين اللذين لايجتمعان لأنهما متناقضان وهما التراجيديا والكوميديا، فإننا نكتشف أن التناقض يرتبط غالباً بتقييمين دلاليين، يناقض الأول الفعل الرفيع والفعل الجماعي، والآخر يختص بنتيجة العمل المأساوية في حالة التراجيديا، والسعيدة في حالة الكوميديا. نعلم أنه في العصر الوسيط قام اختلافهما بصورة أساسية حول هذين التقسيمين، وكذلك حول التناقض (الموجود في المستوى التركيبي) بين الأسلوب الرفيع والأسلوب العامي. دانتي مثلاً يبرر في كلمة الإهداء إلى كانغراند ديلا سكالا، اختياره لعنوان الكوميديا الذي قدم تحته قصيدته القصصية بالاستناد إلى نتيجتها:"الكوميديا هي نوع من جنس القص الشعري، مختلفة عن كل الأجناس الأخرى. أقول، تختلف عن التراجيديا في مادتها وأن بداية التراجيديا رائعة وهادئة، أما نهايتها أو نتيجتها فتكون ذات رائحة لاذعة ونظرة مرعبة [....]. الكوميديا، بالعكس، تكون نقطة انطلاقها نوعاً من ضربة الحظ، ولكن موضوعها يصل إلى نهاية سعيدة، كما ظهر في كوميديات تيرينس(46)."‏

من المفيد ملاحظة أن دانتي يضيف المعيار الشكلي، التعارض بين الأسلوب الرفيع والأسلوب العامي، ولكنه يهمل التعارض المتعلق بالموضوع (لأنه، دون شك، غير منظم في الكوميديا الإلهية). بالعكس من ذلك، في تراجيديات شكسبير، يفقد المعيار الشكلي كل مبرر بالاستمرارية، ويبقى معيار الموضوع ومعيار النتيجة.‏

هذا الأخير أثر في كورنيه:عند طبعتها الأولى عام 1637، وصف مسرحية السيد بالتراجيديا ـ الكوميديا، بسبب غياب كارثة نهائية؛ ولم يغير التسمية إلى التراجيديا إلا عام 1648.‏

ج ـ القدر القروسطي (المتعلق بالقرون الوسطى) لمصطلحي التراجيديا والكوميديا لم يكن بعيداً عن الانتهاء إلى توافق الاسمين بطرق التعبير، وإلى إعادة تفسيرهما بمصطلحات يسميها النقد الأنكلو ـ أمريكي "نماذج" (47)، أي بتحديدات موضوعاتية خالصة غير مرتبطة بأي تحقيق شكلي خاص، ولابطرق تعبير محددة. كذلك الحال مع جنس القصيدة الرعوية التي يمكن أن تكون أغنية، أو قصيدة ريفية، أو قطعة مسرحية، أو مرثية(48)" غالباً مايتعلق الأمر بمجردات مستخلصة من أجناس أكثر تعقيداً: هكذا يُجرد التراجيدي انطلاقاً من سمات جنسية للتراجيديا التي لاتأخذ منها إلا الخصائص الدلالية (خاصة المعيار المحتم للقدر والنهاية المأساوية)، التي تسهم في نشر المصطلح. يتطابق الشكل الوصفي عامة للمصطلحات "نموذج" مع حقيقة أنها غالباً مترافقة مع أسماء أجناس أكثر تعقيداً تشير إلى مجموعة فرعية خاصة: هكذا نتحدث عن قصيدة ريفية رعوية، وعن رواية كوميدية، وسونيتة بطولية ...إلخ. النماذج الخمسة التي يميزها فري هي: الخرافة، والأسطورة، والجنس التقليدي العالي، والجنس التقليدي الهابط، والهجاء. وكلها ذات طبيعة واحدة لأنها تقوم على العلاقة التي يقيمها البطل مع متلقي العمل ومع قوانين الطبيعة، أي على سمات دلالية. الأمر نفسه بالنسبة للنماذج الأصلية الأربعة للقصيدة العاطفية، والهجاء، والكوميديا، والتراجيديا. يجب الإشارة إلى أن فري لايعتبر نظريته في النماذج ولانظريته في النماذج الأصلية كنظريتين جنسيتين، محتفظاً بهذا المصطلح للتصنيفات القائمة على اختلافات أشكال العرض. في حين، يبدو لي أنه لاشيء يبرر هذا التقييد وأن نظرية النماذج مثل نظرية النماذج الأصلية تظهر الاختلافات الجنسية مثلما تُظهر نظرية أشكال العرض.‏

د ـ يجب أن يُحتفظ بمكانة خاصة لمسألة الوضع الحرفي (اللفظي) أو الرمزي للبنية الدلالية. في الواقع، يمكن أن يتحقق المعنى الظاهر نصياً: ولكن يمكن أن يترك أيضاً على عاتق القارئ: في الحالة الأولى يتعلق الأمر بظاهرة نصية خالصة (يقدم النص المعنى الحرفي والتفسير الرمزي)، في حين أنه في الحالة الثانية، موضوع الخلاف هو الغاية الخطابية والمستوى الوظيفي بصورة خاصة. تقدم حكاية متبوعة بأخلاقها، في مستوى النص المُنجز، بنية دلالية بمستويين هي القصة وتحولها الرمزي؛ في المقابل، عندما تغيب الأخلاق، فإنها تكون على عاتق القارئ، أي أن التفسير الثاني، في الواقع، هو الذي يستهدفه العمل في مستوى غايته الوظيفية. وفي هذه البنية، مثلاً، تشارك الكوميديا الإلهية:"إذا أخذ العمل بحرفيته فقط فإن كل موضوعها هو حالة الأرواح بعد الموت؛ لأن فحوى القصيدة كله يدور حول مصير الأموات وظروفهم. ولكن إذا أخذنا العمل رمزياً، فإن موضوع القصيدة هو الإنسان بوصفه مالكاً للعقل، ويمثل أمام العدالة التي تُكافئ وتعاقب(49)."‏

يمكن القول بوضوح إن التفسير الثاني يوجد مسبقاً في قمة العمل ويتحكم بسياق هذا العمل لكي يستطيع أن يكون جاهزاً لقراءة رمزية؛ وهذا صحيح، ولكن إذا كان النص المُنجز محدداً عبر الغاية الرمزية، فإن تفسيره الثاني غير معطى في النص، بعكس مايجري في حكاية تمتلك أخلاقيتها. الفارق بين معنى ثانٍ منجز نصياً ومعنى ثان مقصود وظيفياً، يحتفظ إذن بكل استمراريته: يشكل الأول جزءاً من المستوى الدلالي، ويشكل الثاني جزءاً من مستوى الوظائف القصدية.‏

5ـ المستوى التركيبي.‏

استخدم المصطلح "تركيبي" بالمعنى الواسع (كما نعمل في المنطق قليلاً)، أي لوصف مجموع العناصر التي ترمّز الرسالة. وتشكل كل العناصر الشكلية جزءاً من هذا المستوى لتنفيذ الفعل الخطابي. يتعلق الأمر،هنا أيضاً، بمستوى مدروس بصورة واسعة من قبل كل النظريات الجنسية، وسأقتصر هنا على التذكير ببعض العوامل الخلافية من بين العوامل الأكثر أهمية.‏

آـ العوامل القواعدية (التركيبية بالمعنى اللغوي للمصطلح) يرتبط قسم كبير من أسماء الأجناس، خاصة في مجال الشعر الغنائي، بضرورات قواعدية في المستوى الافتراضي: هكذا تتطلب القواعد Lu - SHIH، الثمانية الكلاسيكية في الشعر الصيني، أن يكون يكون الصفان الثاني والثالث مؤلفين من بيتين متوازيين ـ مثلاً في كل مرة تأتي مجموعة اسمية متبوعة بمجموعة فعلية، في حين أنه في الصف الأول والأخير يجب أن يكون البيتان متعارضين من خلال قلب نظام الجذور من بيت إلى آخر(50).‏

في النظام نفسه تكون القواعد التركيبية المتناظرة مرتبطة جزئياً ببعض الأشكال الثابتة الغربية.‏

ب ـ العوامل الصوتية والنطقية والعروضية.‏

أهمية العوامل الشكلية لهذا الجنس في تمييز الأجناس الشعرية، في الثقافات المختلفة، معروفة كثيراً، لذلك سأركز عليها هنا. مع ذلك يجب التمييز بين الضرورات التي تفرض تقسيماً متواتراً وتلك التي تفرض شكلاً منغلقاً: ضرورة البيت الثماني المقطع في أغنية الحركة من النموذج الأول، في حين أن ضرورات السونيته، مثل ضرورات كل الأشكال الثابتة، من النموذج الثاني. يوجد جنس الموشح الغنائي الفرنسي بين الاثنين: عدد المقاطع دائماً ثلاثة، ولكن عدد الأبيات يمكن أن يصل من ستة إلى اثني عشر بيتاً، على الرغم من أن هذا العدد متساوٍ بين مقطع وآخر.‏

يُظهر لنا مثال الموشح الغنائي أيضاً كيف أن المصطلح نفسه يمكن أن يخضع لضرورات مختلفة، بحسب العصور أو البلدان: يوجد العامل الوحيد المشترك بين الموشحات الغنائية الفرنسية، والأنكلو ـ سكسونية، والألمانية، في تنظيم القصيدة ضمن مقاطع متساوية؛ في المقابل، إن عدد المقاطع ثابت في الفرنسية(51)، وحر في الموشحات الغنائية الأنكلو ـ سكسونية، والألمانية؛ ويحدد الموشح الغنائي الأنكلو ـ سكسوني بدوره عدد الأبيات من خلال المقاطع (أربعة)، في حين أنه متنوع في الموشحات الغنائية الفرنسية والألمانية.‏

إذا أخذنا بعين الاعتبار معيار المضمون، فإن الاختلافات تزداد أيضاً: إن الموشحات الغنائية الأنكلو ـ سكسونية هي دائماً سرد حوادث، أما الموشحات الألمانية فهي غالباً كذلك، ولاينطبق ذلك مطلقاً على الموشحات الفرنسية.‏

من بين القواعد الجنسية التي ابتكرها "أوليبو"، تظهر الضرورات العروضية والنطقية، وكذلك الصوتية أيضاً، بعدد كبير. من الواضح أن الضرورات الصوتية ليست خاصة بالشعر المنظوم، ولكنها يمكن أن توجد أيضاً ضمن نص نثري.‏

"الاختفاء" لبيريك رواية تُسقط بعض الأحرف الصوتية (تهمل الحرف e).‏

التعارض بين النثر والشعر يمكن أن يكون مشمولاً تحت التعارض بين السمات العروضية والسمات النطقية، قلما يمكن تمييز النثر إلا سلبياً، أي كغياب للسمات العروضية والنطقية المناسبة. صحيح أن فري يؤيد أن النثر يمتلك إيقاعه الخاص، "الإيقاع الدلالي للمعنى"(52)، ولكن من الواضح أن الأمر يتعلق بمعيار للتمييز قلما يمكن استخدامه: بعض الأجناس المنظومة شعراً لها أيضاً إيقاعات دلالية محددة، مثلاً السونيتة، التي هي غالباً منظمة وفق التضاد الدلالي بين المثمنات والسداسيات، أو بين الثلاث رباعيات والصفين الأخيرين، (في السونيتة الإليزابيتية).‏

إن التعارض بين الشعر المنظوم والنثر يؤدي دوراً كبيراً في تقسيم أسماء الأجناس، لأن بعضها مرتبط بأشكال شعرية منظومة، وبعضها الآخر مرتبط بالنثر. خلال مدة طويلة، وتم التمييز بين الأدب وغير الأدب.‏

ت ـ السمات الأسلوبية:‏

بخصوص التراجيديا والكوميديا، استشهدت سابقاً بمسألة مستويات الأسلوب: التعارض بين الأسلوب الرفيع والأسلوب المتوسط والأسلوب الركيك، أدى دوراً لايستهان به في التقليد الأدبي الغربي، منذ العهد القديم حتى العصر الكلاسيكي، وكان دائماً مرتبطاً بخصوصيات جنسية.‏

بالإضافة إلى ذلك، نستطيع أن نجده كأحد العوامل للتعارض الحالي بين الأدب العالِم والأدب الشعبي، أو بين الأدب العظيم وأدب العامة. من غير المفيد التذكير أيضاً إلى أي نقطة تأثر مصير الشعر الغنائي في القرن التاسع عشر في فرنسا، وفي إنكلترا، وفي بلدان أخرى، بمسائل مثل مقدمة السمات الأسلوبية النموذجية للنشاط اللغوي النثري، والمهجور من المصطلحات، إلخ. يستثنى من هذا المستوى كل الاختلافات بين أسماء الأجناس التي كانت قد تأسست على معايير قدمتها البلاغة: استخدام أو عدم استخدام استعارات أو رموز، واختيار استعارات مقبولة أو مستبعدة... إلخ.‏

ث ـ سمات التنظيم الخطابي الجمعي:‏

في مجال الأدب التقليدي (بالمعنى الأرسطوطالي للكلمة)، السمات الأكثر أهمية هي الخصائص الدراماتيكية والسردية. هكذا، هناك بين السمات المختلفة التي تفصل التراجيديا الإليزابيتية عن التراجيديا الكلاسيكية، مسائل وحدة الفعل، في الزمان والمكان، كذلك لايستند التعارض بين التراجيديا والدراما التوراتية لراسين على معيار موضوعاتي فقط، ولكن أيضاً على عامل دراما تولوجي ـ غياب أو حضور اللحن. أما فيما يتعلق بالخيال السردي، فإنه يتضمن عدداً من الأجناس الخاصة تاريخياً التي تتميز أيضاً من خلال سمات سردية: وكذلك، مثلاً، تُعارض الرواية الترسلية بالرواية ذات الأدراج*. المعايير السردية، بعكس المعايير الدراما تولوجية، ليست محددة بالفضاء التقليدي. إنها تتجاوز، جزئياً، التعارض بين السرد التخييلي والسرد الجاد (مثلاً التمييز بين سرد الحكاية في الحكاية وسرد الحكاية المخالفة)، كما تتدخل جزئياً في تحديد الاثنين: إن إحدى السمات الجنسية للسرد الجاد في الحكاية المخالفة، هي غياب التركيز الداخلي على الشخصيات.‏

من الواضح أن الخصائص الخطابية مهمة إذ تسمح لنا بالتمييز داخل الأجناس غير الخيالية، بين الدراسة، والاعتراف، والمعالجة، والتقرير، والشهادة، إلخ.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244