|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 01:10 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ـ تعدد المراجع الجنسية وخصوصيتها المعقدة أذكر أن العوامل المختلفة التي عزلتها سابقاً داخل المستويات الخمسة للفعل الخطابي لاتدعي الشمولية ولكنها نموذجية فقط. لايتعلق الأمر بتعداد كل الوجوه التي يمكن أن تدرس جنسياً(53)، ولكن بإظهار أن الوضوح ينقصه انسجام أسماء الأجناس ويُفسر عبر حقيقة أن الفعل الشفهي هو فعل دلالي معقد. وسنقدم فيمايلي مخططاً للاختلافات التي عثرنا عليها.
يمكن إرجاع السمات المتبوعة بنجمة، جزئياً، إلى مستوى الفعل المتضمنة فيه: رأينا، مثلاً، أن التقسيم الثنائي بين الرمزي والحرفي يمتلك طريقتين، لأنه يمكن أن يتحقق دلالياً أو يوجد فقط كقاعدة للقراءة، إذن كغاية وظيفية، أما فيما يتعلق بالتعارض بين طرق التعبير، فإنه يتجاوز أحياناً واقع الفعل الخطابي، لأنه يمكن أن يُعاد، جزئياً على الأقل، إلى تعارض أكثر عمومية بين الحكاية الشفهية والعرض. من بين أسماء الأجناس التي اخترتها، يستند بعضها على تحديدات لاتحصر الفعل الشفهي الذي ميزته منذ قليل في خمسة مستويات. أشرت سابقاً إلى أن طريقة الاتصال التي استفدت منها لاتأخذ في الحسبان الظرف والمكان والزمان. ولذلك، يوجد عدد من أسماء الأجناس تشكل بمساعدة تحديدات المكان أو الزمان. إن مصطلحات مثل التراجيديا الإليزابيتية، والتراجيديا الكلاسيكية، والرواية القديمة، وسونيتة من العهد الباروكي، إلخ، تحدد تقاليداً في الزمن، أي أنها تستند على أجناس تاريخية بالمعنى القوي للمصطلح. منطقها الظاهر بسيط، ويبدو أنها تقتصر على اقتطاع جزء محدد زمنياً ضمن مجموعة نصية أكثر سعة. إن هذه البساطة تخدع، لأن الأسماء المعدلة ليس لها جميعها الوضع نفسه: من الواضح، مثلاً، أن التعديل المؤقت لاسم يستند على شكل ثابت، مثل السونيتية، ليس له المعنى الجنسي نفسه لاسم آخر مثل الرواية والذي يستند على ظواهر دلالية غامضة ومن الصعب تعدادها. هكذا، نستطيع أن نحصي، كتعديل مؤقت، تلك التي يصنعها اسم العلم للمؤلفين: تراجيديا راسينية، رواية بلزاكية، سونيتة بودليرية، إلخ. نادراً مايكون لهذه التسميات وظيفة توسعية، أي أنها لاتقتصر فقط على وصف كل الروايات البلزاكية مثلاً، ولكنها تستخدم مثل ذلك أو أكثر، من أجل الإشارة إلى خصوصية فوق جنسية للرواية (الرواية البلزاكية المختلفة). يتواجد التعديل بحسب المكان تحت شكلين. الأول هو تعديل خصوصية جنس بحسب الجماعات اللغوية، ولكن داخل فضاء ثقافي متماسك تاريخياً إلى حد ما. هذه الظاهرة منتشرة كثيراً في الغرب: هكذا نتحدث عن الملحمة الإغريقية والملحمة الرومانية، والرواية الفرنسية، والرواية الإنكليزية، والقصة القصيرة الإيرلندية، والقصة القصيرة الأمريكية، والغناء الغزلي البروفانسي، والغناء الغزلي الإيطالي، والرواية البيكارسكية الإسبانية، والرواية البيكارسكية الألمانية...إلخ. الظاهرة الثانية هي ظاهرة انتقال أسماء الأجناس من ثقافة إلى أخرى. لأن موازين القوى الثقافية على وضعها الحالي، فإن أسماء الأجناس في التراث الأوربي هي التي سيطرت عامة على وصف ظواهر الثقافات الأخرى: يستخدم روث فينيغان مصطلح قصيدة ملحمية لوصف قصيدة قصصية "لجزر فيجي"، كذلك نصف بالحكايات الغنائية مختلف الأشكال الأدبية غير الغربية التي يتعاقب فيها مقاطع سردية ومقاطع مغناة (نعلم أنه في فرنسا التي جاء منها المصطلح، هناك مثال واحد باق هو أوكسان ونيكوليت). لايمكن تجنب الانتقالات، لأنه، حتى عندما نقرر الاحتفاظ بالأسماء الأصلية، لايمكننا تجنب إعطاء موازٍ في لغتنا، هذا من أجل أن يكون للمصطلح معنى بالنسبة للقارئ الغربي: لذلك سنقول إن "إيزونغو" قصيدة من مدائح "زولو" وإن "الغابوي، والبالو" هما قصيدتان غنائيتان صوماليتان، إلخ. مع ذلك، يمكن أن يثير هذا الانتقال مشاكل، خاصة عندما يتعلق بمصطلحات مرتبطة بتقاليد جنسية بقوة متميزة وخصوصية. هذا هو حال مصطلح الملحمة: يرتبط هذا المصطلح، في ثقافتنا، بطريقة داخلية بالقصائد الهوميرية؛ في المقابل، عندما ننقله إلى ثقافات أخرى، فإنه يستند على نصوص تتميز، عبر المضمون والشكل، من أعمال هومير، مثلما تتميز من الرواية الحديثة. إنَّ وجود هذه التعديلات الزمانية والمكانية لأسماء الأجناس، يثير مسألة الاستخدام السياقي التاريخي للتحديدات الجنسية، وهذه المسألة أهملها المخطط التواصلي الذي صنعته، ولذلك سأثيرها في الفصل القادم. في النقطة التي نحن فيها هنا، لايمكن لهذه المسألة إلا دعم النتيجة التي فرضها الأخذ في الحسبان سابقاً لتعدد أبعاد الرسالة الشفهية، مع أن أسماء الأجناس، بعيدة كلها عن تحديد الموضوع نفسه الذي سيكون "النص" أو واحد أو عدة مستويات ثابتة لهذا النص، وهي مرتبطة، بحسب الأسماء، بالوجوه الأكثر تنوعاً للأعمال الخطابية. لنعد مرة أخيرة إلى مخططنا التواصلي. استطعنا سابقاً الإشارة إلى أن الأسماء المختلفة لاتستند كلها على مستوى واحد على الأقل. من الواضح أننا نفكر مباشرة بالأشكال الثابتة بتحديدات تركيبية خالصة. هكذا يبدو أن شعر الهايكو الياباني يستند تحديداً على ضرورات مقطعية: قصيدة من سبعة أو خمسة مقاطع. كذلك تخضع قصيدة اللو ـ شيه لضرورات مرتبطة بعاملين للمستوى التركيبي: العامل العروضي (رباعيتان مؤلفة كل واحدة منهما من صفين من المقاطع الخماسية أو السباعية) ورأينا ذلك سابقاً، والعامل الثاني هو العامل القواعدي (توازي الأبيات ذات الصفوف الثنائية أو الثلاثية، وقلب النماذج القواعدية بين البيتين في الصفين الأول والرابع). أما في حالة الأشكال الثابتة، فإنه من النادر أن تبقى القواعد تركيبية خالصة: هناك ميل لدى الأثر المؤطِر للأعمال الموجودة مسبقاً ضمن شكل ثابت، أن يشتمل شيئاً فشيئاً على مستويات أخرى ضمن القانون الجنسي، خاصة المستوى الدلالي. لا أعرف إذا كان الأمر كذلك في قصيدة "الهايكو أو اللو ـ شيه". ولكن من الواضح أن الأمر كذلك في السونيتة: إذا كانت قواعدها الأصلية عروضية خالصة (مثمنات وسداسيات، موزعة بانتظام ضمن رباعيتين ومقطعين ثلاثيين، بالإضافة مؤقتاً إلى قواعد متعلقة بالقافية)، فإن الضرورات الدلالية تشترك معها بالتدريج. من أجل البقاء في فرنسا، يرى بوالو مثلاً أن المقطعين الثلاثيين يتميزان "عبر المعنى" (الفن الشعري، النشيد الثاني)، ويفرض تيدور بانفيل تنظيماً دلالياً ثنائياً : بناء التوتر الدلالي ضمن الأبيات الثلاثة عشر الأولى، وارتخاء هذا التوتر في البيت الأخير الذي يجب أن يكون القمة. في نهاية المطاف، هناك غموض في طرح المسألة: إذا كان هناك مايصعب نفيه، فإنه التنوع السياقي لمعنى المصطلحات الجنسية، أي أن يستطيع الاسم نفسه الاستناد بحسب استخداماته، على عدد كبير من العوامل لذلك تستند المصطلحات، في قسم كبير من استخداماتها على ضرورات متعلقة بالتعبير وحده، مثل السرد أو الدراما في المقابل، ضمن سياقات خاصة (مثلاً، على غلاف رواية فرنسية معاصرة)، يمكن أن يتعارض السرد مع الرواية أي مع إحدى نظيراتها بحسب الاستثناء الصيغي. كذلك في القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر، توقفت الدراما عن وصف المسرح كما هو وعارضت التراجيديا والكوميديا، اللتين كانتا تابعتين لها فيما مضى (54). في هاتين الحالتين، توقفت المصطلحات المقصودة عن الاستناد فقط إلى المستوى التعبيري (طرق التعبير)، وبدأت بوصف خصوصيات دلالية مثلاً هناك ميل لدى المصطلحات التي ارتبطت بشدة بممارسات لغوية جادة لأن تبقى مستقرة. وهي تستند غالباً على سمات الفعل التواصلي. لذلك يستند مصطلح الوعظ فقط على الهدف العملي الخاص بالخطاب، ويترك كل وجوهه الأخرى غير محددة: على الرغم من بوسوي، وبوردالو، أو الكاردينال نومان، احتفظ المصطلح بهذه المرجعية الخطابية العامة، على حساب تعقيداته التاريخية. كذلك الأمر بالنسبة للمذكرات الخاصة، المتميزة في الوقت نفسه عبر المستوى التعبيري (معبّر حقيقي)، وانعكاسية المقصد (هوية المعبّر والمرسل إليه)، وعبر وظيفتها الحقيقية (هدف النص بوصفه ذات طبيعة مقوية للذاكرة): على الرغم من التحرر الحديث للممارسة المقصودة كجنس أدبي، فإنها مازالت مصنفة بحسب هذه الطرق الخطابية العامة. صحيح أن الأمر يختلف بالنسبة للرسالة، لكن الممارسة الخطابية تأخذ خصوصيتها من حقيقة أن الأمر يتعلق بتعبير مكتوب(55)، موجه إلى مرسل إليه محدد، فردي أو جماعي، حقيقي أو خيالي: في العصر القديم تم تمييز ليس أقل من تسعة وأربعين شكلاً من الرسائل. دون حساب الأجناس المتعددة للمراسلات المهنية، عرفت الرسالة الخاصة عدة نماذج جنسية فرعية، مثل رسالة العزاء، ورسالة التهنئة، ورسالة الالتماس، إلخ. ولكن نرى أن هذه الخصوصية للمصطلح تعود إلى أن الرسالة يمكن أن تشغل عدة وظائف نطقية، وتقوم بأعمال تواصلية مختلفة. أظن أن أغلب أسماء الأجناس تُستثمر من الفعل التواصلي والرسالة الموجهة في الوقت نفسه. كذلك الأمر في أغلب الأسماء المرتبطة بممارسات أدبية تركيبياً والتي من أجلها يتفوق الرجوع إلى صنف من النماذج النصية على التحديدات التواصلية الخالصة. يكفي التفكير بالأجناس القديمة الكبيرة: الملحمة، والتراجيديا، والكوميديا، وكذلك بالأجناس الحديثة؛ وهي تستند كلها على خصوصيات ذات إطار خطابي (طريقة التعبير مثلاً)، والرسالة المنفذة (تحديدات موضوعاتية وشكلية). هذه هي أيضاً حالة الأسماء المرتبطة بالأجناس الصغيرة سواء أكانت نثرية أم شعرية: مثل الحكاية، وقصيدة الهجاء، والموشح الغنائي، والقصيدة الوصفية، والأهجية، والسوتي*، والقصيدة الغنائية الرعوية، وقصيدة العرس، والتمثيلية الفكاهية، والحكاية الشعبية المنظومة، إلخ. يمكننا أن نُظهر أن كل هذه الأسماء تنظم فرضيات متعلقة بالفعل التواصلي مع تحديدات للمستوى الدلالي أو التركيبي: وبذلك تكون الحكاية الشعبية سرداً (تحديد طريقة التعبير) في أبيات ثمانية المقاطع (تحديد تركيبي) ذات مضمون طريف أو تثقيفي (تحديد دلالي)؛ والقصيدة الغنائية الرعوية هي أغنية حوارية (مستوى التعبير) قصيرة بصورة عامة (مستوى تركيبي)، ذات تفسير رمزي وتقدم غالباً حيوانات (مستوى دلالي). في الواقع، منذ أن يرتبط اسم الجنس داخلياً بصنف شائع ومحدد تاريخياً، كما هو الأمر بالنسبة لأسماء الأجناس الصغيرة التي تعرضنا لها، فإن الثقل الرئيسي لمعناه يقع على السمات الدلالية والتركيبية، لأن الانتباه الجنسي يتركز على الأعمال التي تشكل الصنف، أكثر من الفعل التواصلي الذي تُؤطره هذه الأعمال. السبب نفسه يفسر أهمية مستوى الرسالة المنجزة (وجوه دلالية وتركيبية) في أسماء الأجناس الكبيرة، المرتبطة بموروث أدبي قائم: العمل ونتيجته يتفوقان على الفعل التواصلي. وكذلك أيضاً الموقف نفسه الذي يتفوق بالنسبة لكل الأسماء التي تشير إلى نصوص في عصر تاريخي أو من أدب قومي خاص. لذلك فإن بعض المصطلحات مثل: دراما قروسطية، ودراما إليزابيتية، ودراما كلاسيكية، أو دراما باروكية، لاتستند فقط على تحديد تأريخي خالص للنصوص التي بالإضافة إلى ذلك، ستكون موازية، بمعنى أنها ستقوم على الإطار التواصلي نفسه (دراما)، ولكنها ستحدد أصنافاً جنسية خاصة من وجهة نظر موضوعها وشكلها. كذلك الرواية التثقيفية تصف عدداً من نصوص الأدب السردي الألماني من القرن الثامن عشر حتى القرن العشرين، من فيلاند إلى موزيل، وتوماس مان، مروراً بغوته، وتحدد وثيقتها النصية ليس فقط في مستوى التعبير (يتعلق الأمر بتخييل سردي مكتوب)، وفي مستوى المقصد (المرسل إليه هو القارئ الحقيقي، أي أنه لايوجد مرسل إليه فوق خيالي)، ولكن أيضاً في المستوى الدلالي (الموضوع: تثقيف الإنسان)، وفي المستوى التركيبي (أكثر دقة السردي: السرد هو حكاية مخالفة وتاريخية). لايجب الاعتقاد بأن هذا التعقيد في المستويات النصية المعروفة محدود بأسماء الأجناس السياقية تاريخياً ومكانياً. يمكن أن يتواجد هذا التعقيد أيضاً في أسماء الأجناس المرتبطة قليلاً بسياق خاص: كذلك الأمر في حالة الأجناس فوق النصية التي درسها جيرار جينيت وهي المحاكاة الساخرة، والتنكر، والنقل والمعارضة*، والحمل والتصنع، التي ترجع إلى تحديدات تركيبية ودلالية (معرفة علاقة تحول أو محاكاة بين نصين أو بين نص وأسلوب)، ووظيفية أيضاً: المحاكاة الساخرة والمعارضة لهما غاية لعبية، والتنكر والحمل لهما غاية نقدية، أما النقل والتصنع فلهما غاية جادة (56). يبقى إيضاح نقطتين متعلقتين بتعدد مستويات الفعل الخطابي التي تستثمرها أسماء الأجناس، وإذن بتعدد معايير الهوية الجنسية. النقطة الأولى مرتبطة بالتمييز بين مستوى الفعل التواصلي وفعل الرسالة المنجزة. يمكننا أن نتساءل إذا لم يكن من الأفضل أن نرى في الإطار التواصلي مجرد وجه بسيط للحقيقة المادية للنص، أكثر من كونه حقيقة خاصة. لنأخذ حالة المذكرات الخاصة: أيدت أنها في مستوى إطارها التواصلي تتحدد كفعل لمقصد منعكس ووظيفة تقوية الذاكرة، ولذلك فإن هاتين الميزتين تمثلان أيضاً حقيقة نصية، كغياب كنية الشخص الثاني، بصورة عامة، ووجود بنية خطابية متقطعة، وحضور مؤشرات تاريخية إلخ. كذلك بالنسبة للرسالة: يعرّف اسم الجنس تعبيراً ونوعياً (رسالة مكتوبة)، وغاية خاصة (مرسل إليه محدد)، كما يعرف أيضاً سمات تركيبية ودلالية: وجود ضمير الشخص الثاني، وأهمية الإشارات التنبيهية (تعابير مهذبة أو مودة)، إلخ. يمكن الإكثار من الأمثلة، وحقيقة الأفعال أكيدة. ومع ذلك لاتهدد التمييز بين مستوى الإطار التواصلي ومستوى الرسالة المنجزة. في الواقع، ليست السمات التركيبية والدلالية التي أحصيتها إلا الأثر، في مستوى الرسالة المنجزة، للأطر الخطابية التواصلية الخاصة بالمذكرات أو الرسالة. القوة المعرّفة للاسم ليست أقل ارتباطاً في الإطار التواصلي. من هنا تأتي ضرورة التمييز بين شكلين من الأفعال التركيبية والدلالية: تلك التي تسمح لنا بالتعرف على الإطار التواصلي (والتي ليست إلا النتيجة لتحديدات جنسية تتواجد في مستوى هذا الإطار)، وتلك التي تنفذ تحديدات جنسية تركيبية خالصة أو دلالية. هذه الظاهرة معروفة جيداً في تحليل النشاطات اللغوية: في أي تعبير، مثلاً: "هل عاد ثانية؟" يمكننا تمييز المضمون المفترض "أنه عاد" لطرق الفعل الخطابي، وبالنظر إلى ذلك، التساؤل، وأيضاً الإشارات التركيبية التي تنتج عنه وإشارة الاستفهام كذلك في مستوى الأفعال الخطابية المركبة المستهدفة من أسماء الأجناس، من الضروري بصورة كاملة التمييز بين ثلاثة أوضاع وظيفية ممكنة للحقيقة النصية: يمكن للخصوصيات التركيبية أن تكون مستقلة (كما في حالة القواعد العروضية)، وأن تخضع لضرورات شكلية خالصة؛ ويمكنها أن تعطي شكلاً للمضمون الدلالي المنقول (في السرد يكون الأمر كذلك في مختلف السمات السردية التي تثبت طرق تقديم القصة، أي المضمون الدلالي)؛ وأخيراً يمكنها أن تكون المؤشرات لخصوصية الإطار الخطابي. هذه الوظيفة المركبة ليست مستغربة، لأن البنية التركيبية، في الأدب المكتوب على الأقل، أي النص بالمعنى المادي للمصطلح، هي الحقيقة الوحيدة للرسالة، الحقيقة التي من خلالها يتم الإمساك بكل المستويات الأخرى، ويتم إعادة بناء الفعل التواصلي العام. تتعلق النقطة الثانية بالقوة التعريفية لأسماء الأجناس: بالتأكيد، لاتكون درجتها هي نفسها دائماً. إذا كانت بعض الأسماء، مثل السرد، والدراما، والسونيتة، والرسالة، والقصيدة الوصفية أو الغنائية من القرون الوسطى، والحكاية، تحدد بدقة امتدادها (لأسباب متعارضة أحياناً: بفضل وضعها العام جداً في حالة السرد مثلاً، وبالعكس بسبب وضعها المحصور جداً في الزمان والفضاء بالنسبة لاسم مثل القصيدة الوصفية أو الغنائية القروسطية)، فإن بعضها الآخر ينبثق بعد عملية صعبة جداً. لذلك من الصعب تمييز استخدامات مصطلح القصة في بعض الظروف عن استخدامات مصطلح الحكاية أو الرواية (يصف ستاندال "شارترية برام" بالقصة)؛ وكذلك الأمر بالنسبة للقصة القصيرة الأنكلو ـ سكسونية، هذا المصطلح (الجنس) الذي من الصعب تمييزه عن الاسكتش (مشهد مسرحي قصير) أو عن الحكاية التي يصعب تمييزها، ضمن بعض السياقات، عن الشكل الروائي أو القصة (57). يوجد عدم التحديد نفسه، على الأقل في مستوى الدراسات الألسنية، في حالة الرواية: في العصر الوسيط لم يكن المصطلح يتطابق مع الجنس نفسه للنصوص إلا في القرن التاسع عشر مثلاً. لماذا هذا التنوع في القوة التعريفية لأسماء الأجناس؟ دون شك هناك عدة أسباب. لقد غيرت بعض الأسماء مرات عديدة، وأحياناً بصورة جذرية معايير التعريف ، والتطبيق عبر تاريخها: منذ اللحظة التي تتغير فيها معايير التعريف، لم يعد من سبب لوجود تقارب وحيد بين كل النصوص المجموعة تحت الاسم نفسه. هذا يفسح المجال أحياناً لمواقف غريبة: يعطي الأب رابان، المتأثر بهوراس، مكاناً شرعياً لما يسميه "ساتير"*، ويضع هذا النوع مباشرة بعد الملحمة، والتراجيديا والكوميديا، ولكن، في حين أن هوراس يستند على الدراما الساتيرية، فإن رابان يفكر بأهجيات جوفينال، أي أن ننتقل من جنس محدد شكلاً وموضوعاتياً (عرض دراماتيكي، وخليط من العناصر التراجيدية والمضحكة) إلى جنس محدد فقط في المستوى الموضوعاتي، وأيضاً لايرتبط هذا التركيب الموضوعاتي كثيراً مع الأول (تريد أهجيات جوفينال أن تكون كاشفة في حين أن المقاطع المضحكة في الدراما الساتيرية كانت مسلية فقط) (58). بالإضافة إلى ذلك، الوظيفة المشتركة التي افترضتها حتى الوقت الحاضر لأسماء الأجناس، وهي أن تكون مصطلحات تصنيفية خالصة، لاتأخذ بعين الاعتبار تعقيداتها الواقعية. تمتلك أسماء الأجناس القائمة الوظائف الأكثر تنوعاً، كذلك تولد ضمن الظروف والغايات الأكثر تنوعاً: إن اعتبارها ببساطة كأسماء وأصناف خاضعة إلى وظيفة مشتركة، التي هي وظيفة التصنيف، يعني إعطاء صورة مبسطة جداً لوضعها التواصلي. تمتلك التسمية الجنسية جزئياً خاصية مرجعية ذاتية، بمعنى أنها تفرض مركباً حاسماً: عندما يغير "هوبكان" في "سونيتاته" الثلاثيات بالرباعيات، ويخرق القاعدة الثابتة ظاهرياً القائمة على أربعة عشر بيتاً، فإنه لم يتوقف عن وصف مقطوعاته باسم السونيتة. وبذلك يبدل في تعريف السونيتة، أو يجعلها، على الأقل، تحت شكل كلاسيكي أقل إجبارية: تؤكد قاعدة الرباعيتين والمعايير التي تتطلبها، في بعض الحالات، استراتيجيات حاسمة وليس إجراءات وصفية. يبدو التنوع الوظيفي للتسميات الجنسية منذ اللحظة التي نميز فيها بين التعريفات الجنسية التي هي من صنع الكاتب نفسه والتعريفات التي تعود إلى النقاد والمنظرين والاستخدام اللغوي المجهول أو نقول بصورة أخرى: إن دوافع التعريفات الجنسية "الداخلية" بعيدة عن أن تكون مقتصرة دائماً على دوافع التعريفات "الخارجية": تصنيفية أو وصفية (أو نرى الاثنين معاً) في الحالة الثانية، وتخضع غالباً لاستراتيجيات أكثر تعقيداً في حالة "تعميد" نظمية. إن وظيفتها، التي تشكل جزءاً من منظومة مرفقات النص (59) بصورة عامة،(صفحة العنوان، تمهيد، تنبيه القارئ، إلخ)، هي براغماتية بصورة أساسية: قاعدة القراءة، وكذلك أيضاً محاولة إعطاء الشرعية للممارسة الأدبية للكاتب، خاصة في عصور يكون فيها للنظريات الخارجية المنشأ نفوذ قوي على المؤسسة الأدبية. لايتقاسم كل الكتاب بالضرورة رأي بلان الشاب الكاتب لباترنوس: "أفكر بتسمية هذه الترهات التي كتبتها بأحد عشر مقطعاً، دون الرجوع إلى شيء آخر غير البحر المختار. تستطيع أنت أن تسميها قصائد هجاء، أو قصائد غزلية، أو قصائد ريفية، أو "كما يفعل كثير من الناس" قصائد، أو التسمية التي ترضيك: أنا لن أسميها إلا ترهات (60)". قلت سابقاً إن اختيار التسمية الجنسية، خاصة في عصر الكلاسيكية الفرنسية، لم يكن قراراً بريئاً: كان "صعود" مسرحية السيد من الوضع التراجيدي ـ الكوميدي إلى وضع التراجيديا، يعود إلى موازين قوى بين المؤلف والمؤسسة أكثر من كونه نتيجة نضوج تدريجي لمعايير التحليل والتصنيف (سيكون العكس صحيحاً غالباً: يسمح مصطلح تراجي ـ كوميدي بالتعرف على خصوصية "السيد"، غياب الكارثة النهائية، التي أخفتها من جديد التسمية اللاحقة) إن إضفاء التسمية الجنسية على نص مالايفرض آلياً أن تكون القواعد المطبقة حقيقة، أو السمات المقدمة، مقتصرة على القواعد المشتركة للاسم الجنسي المختار. من السهل تعداد الروايات التي لم تعنون كما هي إلا من خلال حذر مشروع، في حين أن الأمر يتعلق بسيرة ذاتية (غير خيالية: التسمية الذاتية لعمل يمكن، إذن، أن تزيل وضعه القصدي والتواصلي الحقيقي)(61). من السهل التعبير عن الخاتمة النهائية التي يفرضها هذا التحليل لمرجعية أسماء الأجناس: من العبث الأمل في العثور على هوية ضمن اختيار المستويات النصية الملائمة التي تحتفظ بهذه الهوية، حتى إذا وضعنا بين قوسين تنوع الوظائف التي يقوم بها التعريف الجنسي، أي حتى إذا أخذنا بعين الاعتبار فقط وظيفتها المعرفية، ويبدو لي هذا مشروعاً من أجل الهدف الذي أسعى إليه هنا. مع ذلك، هل هذا يعني أن المجال الواسع لأسماء الأجناس محروم من كل تمييز داخلي مناسب؟ سيقلقنا هذا السؤال فيما بعد. في هذه اللحظة هناك نتيجة واحدة مهمة: من وجهة نظر جنسية لايوجد هوية نصية غير نسبية إلى مستويات الرسالة المستثمرة من قبل اسم الجنس. بدلاً من العلاقة الظاهرة البسيطة بين النص والجنس، تدخل العلاقات المركبة غير المتجانسة بين مختلف وجوه الأفعال التواصلية والعلاقات النصية، أو بين مختلف أشكال تعريف النص ومختلف أسماء الأجناس: القول عن نص بأنه موعظة وعن آخر بأنه سونيتة لايعود فقط إلى تصنيفهما وفق جنسين مختلفين، ولكن أيضاً بسبب المعايير المختلفة للهوية النصية: فعل تواصلي في الحالة الأولى، وتنظيم شكلي في الحالة الثانية. كذلك القول عن هذه القصيدة أو تلك بأنها سونيتة أو قصيدة غزل، يعني مقاربة النص نفسه وفق المعيارين المختلفين للمعرفة، وهما المعيار الشكلي والمعيار الدلالي. بالإضافة إلى ذلك، إن الهوية الجنسية في أي مثال من الأمثلة التي مرت معنا لاتتطابق مع النص كمجموع تعبيري - دلالي: ليس فقط النص الكامل المميز عبر اسم الجنس، ولكن الفعل التواصلي الشامل أو الشكل المغلق، وهذا، كما رأينا، لايعني الشيء نفسه، إن النص هو تنفيذ الفعل أما الشكل فليس إلا وجهاً للنص. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |