|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 01:10 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
- الهوية الجنسية وتاريخ النصوص - إن صعوبة مشكلة الهوية الجنسية للأعمال الأدبية لاتعود فقط إلى أن النصوص هي أفعال معقدة دلالياً، ولكنها مرتبطة أيضاً بحقيقة أن الأعمال، سواء كانت مكتوبة أم شفهية، تمتلك الصفة التاريخية دائماً. لا نستطيع الوصول إلى الحقيقة الكاملة لكل نشاط لغوي سياقي إلا إذا استطعنا تثبيته ضمن هذا السياق. في الأعمال الأدبية، يشكل اختلاف السياقات التي رأى فيها عملان ينضويان تحت اسم الجنس نفسه، النور وتعدد السياقات التي يعاد فيها تنشيط العمل نفسه، عاملين. يجب أخذهما بعين الاعتبار عندما نطرح على أنفسنا مسألة الهوية الجنسية، مع إعطاء هذه الأعمال الأدبية المعنى الواسع جداً للروائع والوثائق اللغوية المحتفظ بها فيما وراء مهمتها الأولية (هذا يتضمن عملياً كل فعل تواصلي مكتوب وعدداً من الأفعال الشفهية). لنبدأ من «بيير مينارد مؤلف دون كيشوت» لبورج. نعلم أن من بين أعمال هذا الكاتب الفرنسي هناك مقطع يتألف، بحسب رأي المؤلف الأرجنتيني، «من الفصل التاسع والفصل الثامن والثلاثين من القسم الأول من دون كيشوت، ومن مقطع من الفصل الثاني والعشرين».(1) يؤكد بورج على حقيقة أن مينارد لم يحقق انتقالاً: بطله ليس كيشوتاً حديثاً ولكنه كيشوت سرفانتس. مع ذلك لايتعلق الأمر بنسخة عن عمل سرفانتس ولكن بنص مستقل، على الرغم من أنهما يتطابقان «كلمة كلمة وسطراً سطراً» (2). معنا إذن، على الأقل بالنسبة للمقاطع التي كتبها مينارد، نصان لايمكن تمييزهما تركيبياً ولكنهما عملان فنيان مختلفان. الاختلافات متعددة. بذلك، يظهر لنا بورج أن نص مينارد أكثر براعة من نص سرفانتس: «يعارض عمل هذا الأخير بفظاظة بين التخيلات الفروسية والواقع الفقير البروفانسي في بلده، أما مينارد فإنه يختار واقع بلد كارمن خلال عصر ليبانت ولوب دوفيغا. [...] هذه المقارنة بين دون كيشوت لمينارد وعمل سرفانتس كاشفة. كتب هذا الأخير مثلاً (دون كيشوت، القسم الأول، الفصل التاسع: «الحقيقة التي تكون فيها الأم هي التاريخ، منافسة للزمن، وإبداع للأفعال، وشاهد على الماضي، ومثال عن الحاضر ومعرفة له، وتحذير للمستقبل». كتب هذا الكلام في القرن السابع عشر من قبل «العبقرية المجهولة»، سرفانتس، وهو مجرد ثناء بلاغي للقصة. في المقابل، كتب مينارد: «الحقيقة التي تكون الأم تاريخها، منافسة لزمن، وإبداع للأفعال، وشاهد على الماضي، ومثال للحاضر ومعرفة له، وتحذير للمستقبل». التاريخ هو أم الحقيقة، والفكرة خادعة. لايعرّف مينارد المعاصر لوليام جيمس التاريخ كبحث عن الحقيقة ولكنه أصلها. الحقيقة التاريخية، بالنسبة له، ليست هي ما جرى. مصطلحات النهاية، مثال للحاضر ومعرفة له، تحذير للمستقبل، هي واقعية بفظاظة. التناقض بين الأسلو بين واضح أيضاً، الأسلوب القديم لمينارد غريب، ويخطىء في بعض الانفعالات، ليس الأمر كذلك بالنسبة لسابقه، الذي كان يجيد الإسبانية الدارجة في عصره»(3) إذا لخصنا براهين بورج يمكننا القول إن نص مينارد، يتميز عن نص سرفانتس بنقطتين، على الرغم من أنه مماثل له تركيبياً: آ - أسلوب مينارد قديم، وهو مؤلف من بداية القرن العشرين، وربما يوضح هذا الأصل الأجنبي للمؤلف، الذي كان قد تعلم، دون شك، اللغة في المدرسة، ويعرف بصورة أفضل الإسبانية الممارسة اليوم، في حين أن سرفانتس يستخدم الإسبانية الدارجة في عصره، أي في القرن السابع عشر. ب - تغيرت العناصر الموضوعاتية والوظيفة التأويلية. العناصر الموضوعاتية: يقابل سرفانتس الواقع البروفانسي في عصره مع المُثُل الفروسية، أما مينارد فقد كتب قصة خيالية تاريخية تجري في إسبانيا ليبانت ولوب دوفيغا. الوظيفة التأويلية: تغير السياق التاريخي للأصل يعيد التعبير نفسه إلى حقلين تأويليين مختلفين، لأن التأكيد نفسه حول التاريخ ليس عند سرفانتس إلا شكلاً بلاغياً تقليدياً، في حين أنه عند مينارد يعبر عن مواقع الفلسفة الواقعية لوليم جيمس. سأسمح لنفسي بإكمال تحليل بورج، بإضافة اختلاف ثالث، له طبيعة جنسية:" ت - قصة سرفانتس ضد الرواية أو محاكاة ساخرة للرواية الفروسية، أما عمل مينارد فهو إما رواية تاريخية، أو رواية نفسية (قصة جنون وهمي)، أو رواية ميتافيزيقية (نفكر بالقراءة الوجودية لدوكيشوت من قبل أونامونو)، أو معارضة لجنس المحاكاة الساخرة من قبل سرفانتس وآخرين، أو، على الغالب، كل هذه الأشياء مجتمعة. إن الاختلافات الأسلوبية، والتأويلية، والموضوعاتية، التي يحصيها بورج، مرتبطة بهذه الاختلافات الجنسية. لذلك إن أسلوب مينارد القديم يمكن أن يكون مؤشراً على جنس الرواية التاريخية، ولكن يمكن أن يشير أيضاً إلى جنس المعارضة. في الواقع، يُظهر تناقض "بيير مينارد" مؤلف "دوكيشوت" شيئاً بسيطاً: النص ليس فقط سلسلة تركيبية ولكنه أيضاً فعل تواصلي، ولذلك فإن الهوية من خلال زمن السلسلة التركيبية لاتكفل هويته كرسالة. مما لاشك فيه أن الهوية التركيبية ضرورية، ولكنها غير كافية: لكي يكون هناك هوية للرسالة، يجب أن يكون هناك أيضاً هوية للسياق (بالمعنى الواسع الذي أعطيه لهذا المصطلح هنا). من أجل قول الشيء نفسه بطريقة أخرى: لايمكن أن يكون للرسالة معنى إلا ضمن سياق ومن خلال هذا السياق، لذلك فإن الهوية السيميائية للنص متنوعة سياقياً، أي أنها لاتنفصل عن الموقف التاريخي الذي وُجد فيه هذا النص. من أجل العثور على الفعل القصدي "الأصلي" يجب أيضاً "العثور" على السياق الأصلي المرسل ـ المستقبل: إعادة التحقيق التي يطمح إليها "أحيانا" التاريخ الأدبي، ولكنها ليست، بالتأكيد، الهم الرئيس للقارئ المتوسط. لقد دفع بورج هذا البرهان حتى معارضة غياب الهوية النظمية والقرائية بصورة شاملة مع المحافظة على هوية تركيبية ضيقة. في الحقيقة، تبدو الأشياء أقل وضوحاً: التبادل نادر بين الهوية الضيقة والاختلاف الجذري، وغالباً في داخل الطيف المتواصل الذي يمتد بين هذين الطرفين يجب وضع التنوع السياقي للأفعال التواصلية. بعد كل شيء، تحول السلسلة التركيبية الفعل التواصلي إلى مادة، ولانرى بوضوح كيف يستطيع الاثنان أن يستقلا عن بعضهما بصورة شاملة. على الرغم من هذا التقييد المهم، يحتفظ الرأي ـ المجرب لبورج بقيمته، حتى من أجل مشكلة الأجناس الأدبية: الهوية الجنسية لنص معين متنوعة سياقياً، في بعض الظروف وإلى درجة معينة، بمعنى أنها تعتمد على المحيط الماوراء ـ نصي والتاريخي الذي حقق فيه النص كفعل تواصلي. سأقتصر هنا على تنوع السمات الدلالية والتركيبية لأنها ستظهر في الفصل القادم. بالإضافة إلى ذلك، إن هذا التنوع وفق السياق يتجلى بطريقتين مختلفتين يجمع بينهما خيال بورج الذي يفترض تطابقاً كاملاً بين نص سرفانتس ومقاطع مينارد. من جهة أخرى يوجد تنوع في المرجعية الجنسية للسمات النصية المتماثلة المنتمية إلى نصوص مختلفة مكتوبة في عصور مختلفة. إذا كانت حالة مينارد تشكل في الواقع تناقضاً، فذلك لأن بورج يفترض وجود عملين مختلفين كمياً وأنطولوجياً*، لأنهما ناتجان عن شخصين مختلفين(سرفانتس ومينارد)، مع التأكيد على أن هذين العملين. يشتركان في كل السمات النصية التي تسمح بالتعرف عليهما، وإذن فهما في مستوى معين، مثالان لنص واحد، ولكن بتناقض. في الواقع الأدبي الحقيقي التناقض يتفكك، لإفساح المجال أمام مشكلتين حقيقيتين، مرتبطتين، ولكنهما مع ذلك متميزتان: إعادة التحقيق الاستقبالي للنص نفسه في عصور مختلفة، واستخدام السمات النصية المرتبطة بأجناس خاصة داخل نصوص غير متماثلة بعيداً عن هذه السمات.
لننطلق من الظاهرة الثانية: ما الذي يحدث عندما يستعير مؤلف، من القرن العشرين، سمات جنسية من جنس توقفنا عن ممارسته منذ زمن معين، مثلاً منذ القرن السابع عشر؟ هل تستمر السمات الدلالية والتركيبية المناسبة في التعبير عن التحديدات الجنسية مثلما كان الأمر في القرن السابع عشر؟ رأينا أنه بالنسبة لعمل بيير مينارد الجواب هو النفي. بالتأكيد، عندما يعيد إنتاج نص سرفانتس كلمة كلمة، فإنه يعيد إنتاج السمات الدلالية والتركيبية التي سمحت في عصر سرفانتس، بتحديد القصة كنقيض للرواية أو كمحاكاة للرواية الفروسية، ومع ذلك، فإن نص مينارد ليس محاكاة ساخرة للرواية الفروسية، ولكن كما رأينا هو رواية تاريخية، أو رواية نفسية، أو معارضة أو الأشكال الثلاثة مجتمعة. لجعل الموقف أكثر تصديقاً، نفترض أن مينارد لم يعد إنتاج دون كيشوت نصياً، ولكنه اقتصر على إعادة استخدام بعض السمات الجنسية المناسبة في القرن السابع عشر.ويمكننا أيضاً تبديل المؤلف مينارد بقارئ حديث لدون كيشوت، كما أحب النقد الجديد، الذي سيجرّد (من خلال الجهل أو من خلال الاهتمام بالمنهج) كل معرفة وراثية متعلقة بمكان التثبت التاريخي لرواية سرفانتس، والذي سيعاملها ببساطة كأحد النماذج لمكتبة واسعة متزامنة حقيقة أو مستبطنة، ملغياً بذلك كل اختلاف تأريخي. مثل هذا القارئ سيقرأ دون كيشوت في علاقتها مع سياقها الجنسي الذي لم يعد هو نفسه سياق عصر سرفانتس: ستكون الاختلافات التي تميز قصة مينارد من قصة سرفانتس هي نفسها. ولكن بما أن الاستخدام الإبداعي للسمات الجنسية هي التي تهمنا حالياً، يجب أن نبقى على موقفنا بالنسبة لتناقض بورج، "والقابل للتصديق". كيف تُفسر التغيرات المؤثرة في السمات النصية المتماثلة؟ بعض السمات التي كانت مناسبة في صيغة سرفانتس لم تعد هي نفسها في صيغة مينارد: هذا هو الأمر في حالة السمات المرتبطة بمحاكاة الرواية الفروسية (في الواقع، لم يعد يمثل هذا التقليد جزءاً من سياقنا الأدبي الحالي، وإن عرفناه بطريقة واسعة جداً). بعض السمات الأخرى تغير المرجع الجنسي: لم يعد موضوع جنون دون كيشوت مرتبطاً بالمحاكاة، ولكنه يعود إلى الرواية النفسية (مرَّ من هنا بيني وفيشنر ووند وكذلك فرويد)، وإلى القصة الميتافيزيقية (ذكّرت سابقاً بالقراءة الميتافيزيقية لدون كيشوت من قبل أونامونو). في الختام، أصبحت بعض السمات النفسية الأخرى التي كانت جامدة جنسياً عند سرفانتس ملائمة: لذلك إذا كانت اللغة عند سرفانتس ليست مطبوعة، لأنها تتطابق مع الاستخدام الشائع في عصره، فإنها مطبوعة "كلغة قديمة" ضمن نص مكتوب في بداية القرن العشرين. إن هذا القدم سمة نموذجية للرواية التاريخية، أفكر بالكابتن فراكاس لغوته الذي استعار بعض السمات الأسلوبية من الفرنسية في عصر لويس الثالث عشر. كما نرى، كل هذه التبدلات الجنسية متعلقة بتغير الأفق الماوراء ـ نصي والتاريخي: لم نعد نكتب روايات فروسية، ولم يعد أحد يقرؤها. تعد إسبانية القرن السابع عشر اليوم قديمة، ولم يعد موضوع الجنون مرتبطاً بموضوع الغرور، ولكن بموضوع المعاناة الوجودية أو الميتافيزيقية، إلخ. من الواضح أنه لايوجد قواعد عامة تسمح بالقول كيف سيتم توظيف مثل هذه الاستخدامات الجنسية ضمن سياق جديد: دون شك، سيعتمد مصيرها على الأجناس المقصودة ودرجة مطابقة النص الحديث للقواعد القديمة في الوقت نفسه. المحاولات المتعددة لكتابة قصيدة هجاء، وهي جنس روماني، من قبل كتّاب مثل بورج، وإيراسم، ودوبيللي، وآخرين ،لم تجعل بوالو وغوته يقتربان من هويتها الجنسية: لا تختلف قصيدة هجاء لمارينال عن قصيدة هجاء لغوته بصورة أساسية. في المقابل، عندما يعيد جون بارت أخذ نموذج الرواية الترسلية للقرن السابع عشر، أو الرواية الواقعية الإنكليزية في القرن نفسه في (THE SOT - WEED FACTOR)، فإنه يكتب، في الواقع، معارضات جنسية. عندما أراد فوس في لويز وغوته في هيرمان ودوروتي أن يدخلا التقليد الملحمي الإغريقي في ألمانيا الرومانسية، فإنهما انتهيا إلى قصائد غزلية. موقف غوته وفوس، هو، في الواقع، موقف كل الكلاسيكية على الصعيد الجنسي، ومن الواضح أنه يختلف عن موقف بارت: يستفيد هذا الأخير بوعي من البعد بين النموذج الجنسي المحدث وهدفه ككاتب حديث، في حين أن الكلاسيكية تهدف إلى حماية السمات المناسبة جنسياً للأشكال الأدبية الملغاة على أمل العثور على "روح" هذه الأشكال، أي في الواقع العثور على الأجناس الزائلة. يختلف الضغط السياقي عن الضغط الذي سبح فيه الجنس الأصلي، ويصبح الموقف أحياناً صعب المراقبة، وهناك أكثر من كلاسيكي أراد إحياء جنس كبير وقديم، ولكنه وجد نفسه في النهاية مع معارضات غير إرادية: هكذا كان غوته في ACHILLEIS. هذا لا يعني أن إعادة أخذ السمات الجنسية "الميتة"، ضمن سياق مختلف، لا يمكن أن يقود إلا إلى المحافظة على الهوية القديمة، أو إلى معارضة إرادية أو غير إرادية. في الواقع، إن الهوية الجنسية مفهوم نسبي، كما رأينا سابقاً، والحدود بين استمرارية تقليد ما زال حياً وإعادة إحياء تقليد ميت، ليست دائماً واضحة. كل تقليد نصي سيتعرض إلى انقطاعات، ولذلك فإن الجنس سيموت بالضرورة خلال الفترة القصيرة من الزمن التي تفصل النصين المعروفين تحت اسم جنس واحد. بقول آخر، الآثار المختلفة وغير المرئية الناتجة، في عصور مختلفة، عن إعادة إحياء السمات الجنسية نفسها، ليست إلا حالة خاصة لظاهرة أكثر عمومية من حالة التعددية في زمن الظواهر النصية الموضوعة تحت اسم واحد. هذه مشكلة معقدة، لأنها تطرح مسألة الاختلاف بين التسمية الجنسية والتجنيس النصي الحقيقي، وسنعود إلى هذه المشكلة في وقت لاحق. تدخل ممارسة الترجمة ـ الاقتباس التي سادت حتى نهاية القرن السابع عشر ضمن نظام الظواهر نفسه. في الحقيقة، لقد كانت عاملاً مهماً في الاشتقاق الجنسي، بمعنى أنها تقود غالباً إلى إعادة تأطير مهمة لتجنيس النص المصدر، تمتلك السمات نفسها صلة جنسية مختلفة ضمن النص النهائي، وذلك بسبب تنظيمها مع سمات جنسية مستحدثة، يدخلها مؤلف النص النهائي. بالنسبة لبعض الأجناس، كانت هذه الترجمات ـ الاقتباسات أحد العوامل الأساسية لتبدلها. درس "هندريك فان غورب" الظاهرة بالنسبة للرواية التشردية، وهي جنس مثالي في هذا المجال(4). الدور التبدلي الرئيس كان قد شغل هنا عبر الترجمات الفرنسية، التي قامت الترجمات الألمانية والإنكليزية والايرلندية، عليها. ولذلك أدخلت هذه الترجمات الفرنسية للروايات التشردية عدة تبدلات دلالية بالمقارنة مع النصوص الأصلية. تتعلق هذه التغيرات أولاً بدوافع الفعل: تتغلب المغامرات الغزلية على الطوارئ التي تنشأ من الوضع المادي المؤقت للبطل المتشرد. بموازاة ذلك، ضعف النقد الأخلاقي للمجتمع المعاصر، لا بل هجر، لصالح الغايات اللعبية. هكذا يبرر ليزاج التغيرات التي أجراها " ALFARACHEَ GUZMAND " ملاحظاً أنه: "أرهق ألومان كثيراً بالنصائح الأخلاقية لغوزمان ألفراشي"(5). تغير آخر ذو صلة بالموضوع: إلى النهايات المفتوحة والكاشفة غالباً عن الأصول الإسبانية، تبدل الترجمات مجرى النهايات السعيدة، أي النهايات المغلقة. يؤكد فان غورب على حقيقة تفضيل النهايات المغلقة، والتي يبدو أنها مرتبطة كثيراً بتأثير قاعدة جمالية للكلاسيكية الفرنسية، تلك التي فُرضت بالنسبة لكل قصة "ختامية"، أي الاختتام بكارثة نهائية أو بنهاية سعيدة. نرى إذن أن هذه "الأجنبيات الجميلات" مست الماهية الجنسية للرواية التشردية الإسبانية، وأعطت نموذجاً جنسياً جديداً نصفه قصة مغامراتية ونصفه الآخر قصة غزلية، وسيكون نموذجه "جيل بلاس" الذي حظي بنجاح كبير في القرن الثامن عشر، خاصة في بريطانيا (نفكر بسموليت الذي ترجم بعد ذلك ليزاج). من جهته، لاحظ مولهو (6) أنه عندما تُرجم "جيل بلاس" إلى الإسبانية، جرت تبدلات في الاتجاه المعاكس على نموذج الرواية البيكارسكية الغزلية، ذلك من أجل جرها إلى النموذج البيكاريسكي الخالص: بذلك انتقلت الأم عند جيل بلاس من وضع برجوازية إلى وضع فلاحة وستُستبدل النهاية السعيدة بنهاية غير سعيدة، وسيتحول البطل الغزلي إلى ناسك منعزل (7). في كل الحالات، بالنسبة لموضوعنا الحالي، لا توجد الظاهرة المهمة في هذا الاشتقاق ولكن غالباً في حقيقة أن ليزاج والمترجمين ـ المقتبسين الآخرين غيروا الصلة الجنسية للسمات التي حافظوا عليها، عن طريق إدخال تحديدات جنسية مستحدثة، متعارضة غالباً بصورة مفتوحة مع تحديدات النص الأصلي. هكذا يصبح موضوع "الخادم لعدة أشياء " المرتبط بقوة ضمن الرواية البيكارسكية الإسبانية بنظرة توازنية للعالم والخادم إذن كموسوعة اجتماعية لنماذج إنسانية (الطبيعة الإنسانية هي نفسها في كل مكان) يصبح عند ليزاج عاملاً ديناميكياً، والدعامة للارتقاء الاجتماعي، أي أنه الأكثر قرباً من جنس الرواية التعليمية لا من جنس الرواية البيكارسكية الإسبانية.
الظاهرة الأخرى التي يمكن استخلاصها من التناقض عند بورج، هي ظاهرة التحول الجنسي الممكن لنص واحد من خلال تاريخ استقباله، وهذه الظاهرة هي دون شك أكثر انتشاراً من الأولى. لا تعود هذه الإمكانية في التبدل الجنسي لنص واحد بحسب العصور، إلى تعدد دلالات حقيقية أو مزيفة للنص الأدبي (معارض للنص غير الأدبي الذي سيكون مشتركاً دلالياً). لا يمكن إذن تفسير هذه الظاهرة ببساطة من خلال إمكانية اكتشاف الغنى المجهول للقراء السابقين. السبب الأساسي لهذا التنوع يوجد ضمن ظاهرة أكثر عمومية ضرورية لكل فعل خطابي منذ أن نلغي سياقه، أو على الأغلب منذ أن يستمر في الحياة ضمن سياقه الأصلي. قلت سابقاً، إن هذه الاستمرارية في الحياة، هي القاسم المشترك، والهدف، في الوقت نفسه، لكل الأفعال الخطابية المثبتة كتابياً. وهي أيضاً القاسم المشترك والهدف لعدة نصوص شفهية، سواء كانت شعائرية أم أسطورية أم أدبية. وهذا هو الحال خاصة مع الأعمال الأدبية بالمعنى القوي للمصطلح: في المجتمعات الأوروبية الخالصة التي ما زالت تمارس الأدب الملحمي الشفهي، وهي كذلك أيضاً ضمن سياقات اجتماعية وعقلية لم تعد تتطابق مع حالة المجتمع الذي يصفها. إن تأييد فكرة أن ممارسة الشعر الملحمي يتطابق مع العصر الملحمي، كما فعل شادويك وبور (وهيغل قبلهما)، يعني جهل هذه القدرة لإلغاء السياق، وإعادة السياق الملازمة لكل فعل تواصلي الذي، لسبب أو لآخر، تقرر جماعة إنسانية الاحتفاظ به(8). وأشار روث فينيغان إلى أن أكثر الأشكال الشعرية الشفهية غير ثابتة (9) وتتناسب مع السياقات المتنوعة. لذلك إن كل فعل خطابي يلغي سياقه، يخضع كثيراً أو قليلاً لإعادة السياقات التي تجريها فيه مواقف التلقي التالية التي أُعيد أحياؤه فيها. بما أن التحديدات الجنسية مترابطة، فإنها تكون غير ثابتة. في نص مشهور(10) أيد أرثورس. دانتو الفكرة القائلة إن عالم الأعمال الفنية يتميز "بإغناء انعكاسي للذات" : منذ أن يُدخِل عمل مجدد مرجعاً فنياً جديداً، فإن كل الأعمال الموجودة سابقاً تتأثر آلياً بالمرجع المناقض. لم تصبح الخاصية الرمزية للرسم "التقليدي" مناسبة لوصف خصوصيته داخل مجال التقاليد الرسمية، منذ ولادة الفن المجرد، في حين أنه قبل القرن العشرين، كانت هذه النوعية والخيارات التي ارتبطت فيها جامدة تصورياً، لم يكن الرسم كما هو بوصفه رمزياً معتبراً كبديل عن الرسم، ولكن كفن خاص. هذه الديناميكية الرجعية مهمة أيضاً في المجال الأدبي فيما يتعلق ببعض المراجع الجنسية. مثلاً نضع الملاحم الهوميرية ضمن الشبكة الجنسية التي صنعها لنا الإغريق في العصر القديم، خاصة أنه عبر الزمن تطورت القصة التاريخية الجادة التي تشترك في موضوعها مع الملحمة (الماضي)، وتخالفها من وجهة الموقف العلمي لتأكيداتها: هكذا نصنف العالم الموضوعاتي للملحمة بعالم أسطوري وخيالي، وهذه الخاصية لم تكن تمثل جزءاً من السمات المناسبة جنسياً في عصر الشعراء الإغريق. ولكن يبدو لي أن دانتو قد أخطأ بتقليص هذا الغنى ذي المفعول الرجعي إلى نوع من الثنائيات الجديدة للتعارضات الناتجة عن إدخال مستندات جديدة. يوجد ظواهر انتقال أكثر براعة من معارضات جبهو ية بسيطة. قبل تطور الأدب الرومانسي، وقبل أن يعي الأدب الغربي التقاليد الملحمية غير الإغريقية، (الملاحم الشمالية الجرمانية، أغاني الحركة، ملاحم شفهية للبلقان، تقاليد ملحمية أوروبية خالصة، إلخ،) كانت تعد الإلياذة والأوديسة جزأين من ملحمة واحدة جنسياً. ولكن بعد أن أعيد سياق القصيدتين بالمقارنة مع الأدب الروائي من جهة، ومع التقاليد الملحمية غير الإغريقية من جهة أخرى بدأتا بالتباعد جنسياً على الرغم من تماثل شكلهما الخارجي. هكذا اقتربت الأوديسة بشدة من التقليد الروائي، وبذلك أصبحت مناسبة جنسياً من خلال السمات التي كانت سابقاً جامدة جنسياً ومعتبرة قائمة فقط على خصوصية الأوديسة :مغامرات فردية، موضوع البحث والعودة، قصة حب زوجي وأبوي، الخ، بالنسبة للإلياذة فقد رأت، بالعكس، تركيز سماتها الملحمية. استغل جويس في يوليس التقارب بين الأوديسة والعالم الروائي، وشرح خياره للرمز يوليس كنموذج بالنسبة ليوبولد مشيراً أنه، من كل الرموز الأسطورية الكبرى في التراث الأدبي الغربي (المسيح، فاوست، هملت،إلخ)، فقط يوليس كان "مزاجاً كاملاً" أي أنه كان إنساناً معقداً (طيباً وخبيثاً وفق الظروف ووفق وجهة النظر، ومتناقضاً أحياناً يكون شجاعاً وأحياناً أخرى جباناً)، وأخيراً إنساناً صادقاً (الجنتلمان الأول في أوربة)(11). في كل الحالات نرى أنه بالنسبة للأوديسة، لم يؤد إعادة السياق من خلال التراث الروائي إلى تطابق قصيدة هومير مع أحد المصطلحين المعارضين الموجودين بهذه الصورة، ولكن إلى انتقالها إلى مكان وسط بين الاثنين يجعلها أكثر نسبية. هنا أيضاً، تقدم لنا الترجمات عدة أمثلة لتحول في نص واحد وفق إعادة سياقاته. يجب بوضوح تمييز التحول العائد إلى التغير البسيط في السياق الذي يفرض نفسه بطريقة معينة، من خلال النص الأصلي من التحول الإبداعي الذي مرّ معنا سابقاً والذي ينتج عن الانحرافات الإرادية من قبل المترجم الذي يحاول أن يلاءم النص المترجم مع قواعد جنسية لم تكن هي نفسها في الأصل. بالتأكيد، ليس من السهل تمييز الظاهرتين دائماً، وعندما تكون حدود الهوية النصية غامضة، فإن الترجمات ـ الاقتباسات تعمل على تواصل نصين مستقلين جزئياً عن بعضهما، في حين أن الترجمات الأمينة تهدف إلى المحافظة على هوية النص، وإن كانت هذه الهوية دلالية فقط وليست تركيبية ولهذا السبب، تدخلنا الترجمة ـ الاقتباس غالباً إلى التبدل الجنسي للسمات النصية نفسها المشمولة في نصين مختلفين في حين أن الترجمة الأمينة تدخلنا إلى التبدل الجنسي للنص نفسه عبر إعادة سياقاته المتتابعة. من الواضح أن كل انتقال من لغة إلى لغة أخرى يفرض إعادة السياق. يمكننا أن نقبل كقاعدة عامة أنه عندما تشكل لغة الانطلاق ولغة الوصول جزءاً من فضاءين ثقافيين داخليي المنشأ، فإن بعض السمات الجنسية للنص الأصلي تُهدد بفقدان وظيفتها في لغة الوصول، أو أيضاً بأن تكون مرتبطة بتعريفات جنسية غير مناسبة للنص الأصلي. عندما نصف ألف ليلة وليلة بأنها حكاية شرقية، فذلك بالمقارنة مع معاييرنا الجنسية الخاصة التي عرّفناها كما هي وليس بالمقارنة مع معايير ثقافتها الأصلية: بالنسبة للإنسان العربي، لا تشكل ألف ليلة وليلة جزءاً من جنس حكاية شرقية فقط لأن مثل هذا التركيز الجنسي ليس له أي معنى بالنسبة له. لذلك بعض السمات المناسبة جنسياً للقارئ الغربي والتي تسمح له بالتفريق بين حكاية شرقية وبين تقليده الخاص للحكايات، ستكون جنسياً جامدة بالنسبة للقارئ العربي. المشكوك فيه هنا، ليس "الأمانة " في ترجمة غالان أو (آخر)، ولكن الحقيقة نفسها أنه كان يوجد ترجمة، أو أكثر تحديداً، انتقال من ثقافة معينة إلى ثقافة مختلفة. بهذا الصدد، مدى التبدلات في الأفق الجنسي التي تؤثر في نص مترجم هو مؤشر موثوق عن مدى الاختلافات الثقافية الموجودة بين مجتمعين. ولكن حتى عندما يكون المجتمعان قريبين من وجهة نظر ثقافية، فإنه يمكن للترجمات أن تؤدي إلى تبدلات جنسية. هذا ما يجري عندما نترجم قصائد وتكون المخططات العروضية للغة الأصلية وللغة المُترجَم إليها خاضعة لمبادئ مختلفة: إحصاء مقطعي من جهة، وحركات عروضية من جهة أخرى. إن ترجمة فرنسية ضمن نظام عروضي ذي تعداد مقطعي لقصيدة هولدرلان "هيمن في الراين"، أو "للمرثيات الرومانية" لغوته، وهي قصائد منظمة عبر مخطط عروضي بحركات، تهمش التناسب الجنسي الواضح (أي الذي يتبناه المؤلفون كما هو) لاستخدام القواعد العروضية المستعارة من اللغة الإغريقية أو اللاتينية. من هنا التمييز بين "تقليد القديم" المحسوب بدقة من أحدهم، والكلاسيكية الأنيقة بالنسبة لآخر (التي تنبع خاصة من تحول مختلف للأنظمة العروضية القديمة والتي تعارض ليس فقط أسلوبين شعريين ولكن أيضاً نموذجين جنسيين) يتلاشى في الترجمات الفرنسية، لأن هذا التمييز لا يستطيع أن يتظاهر فيها إلا كمعارضة بين تركيب "متذبذب" وتركيب نظامي وليس كمعارضة بين استخدامين مختلفين لخطط عروضية قديمة.هذه التبدلات في النص كلها في المجال الجنسي الداخلي والتي لم أقدم هنا إلا بعض الأمثلة الناقصة عنها، تمر غالباً دون ملاحظتها، لأنه لدينا رغبة في اعتبار أن تنظيم المجال الأدبي، الذي هو مجالنا الآن، يتطابق مع الواقع الحقيقي للأدب، وفي أحسن الحالات، ليست التقسيمات الداخلية إلا مقاربات من هذه الحقيقة. ولكن منذ أن نتخلص من هذه الموضوعية ونسلم بأنه لا يوجد تصنيف غير نسبي للمعايير (اختيار هذه المعايير غير محدد مبدئياً، لأنه يتعلق ليس فقط بالمادة التي يجب أن تصنف ولكن أيضاً على هذه الأهداف والخطط التحليلية التي هي خطط المصنِّف، وخطط وأهداف وسطه التاريخي)، هذه الانتقالات الجنسية الداخلية للأعمال عبر إعادة سياقاتها المتعاقبة تصبح مؤشرات مهمة على التعقيد المتصاعد في التقاليد الأدبية وعلى تغيرات بنيان المجال الأدبي عبر العصور، في الوقت نفسه.
يجب أن نحلل عن قرب الظاهرتين اللتين ميزناهما، سأبدأ من المشكلة التي مرت أخيراً، والمرتبطة بما يمكن أن نسميه (تنوع صيغة دانتو) ظاهرة المفعول الرجعي الجنسي. هذا يسمح لي بالتذكير بتمييز اقترحته في دراسة سابقة(12) وتصحيحه، وهو التمييز بين النظام النصي للظواهر الجنسية ونظامها التصنيفي. في الواقع، لآثار المفعول الرجعي علاقة بالنظام التصنيفي فقط: وتعود إلى أن النص لا يحدد مسبقاً كل صلاته السابقة مع النصوص أو أصناف النصوص غير الموجودة في لحظة إنتاجه، تعتمد هذه الصلات على النصوص المستقبلية (وتغيرات تاريخية محتملة متعلقة بمعايير التصنيف)، بمقدار ما تعتمد على صفات أصلية للنص المقصود. لهذا، فإن الهوية الجنسية التصنيفية لنص معين هي مفتوحة دائماً والأمر خلاف ذلك عندما تتمركز في القطب الآخر الذي أصفه في "من النص إلى الجنس" بالنظام النصي بوصفه تصنيفياً في الواقع، مثلما هوأيضاً نظمي. في المستوى النظمي، أي في مستوى جنس النص، السمات الوحيدة المناسبة جنسياً هي السمات التي تستند على الموروث السابق للنص. بهذا المعنى، الجنسية النظمية مستقرة: "تنوع التصور الجنسي هو بصورة كاملة سمة للتفسير وليس للبيان. " (13) في الحقيقة، إن الظواهر الجنسية، في مستوى إبداع الأعمال، تتطابق في الأساس مع أفعال قصدية لاختيار، المحاكاة والتحول (مهما تكن دوافع هذه القرارات)، ولذلك يمكن أن تطرأ القرابات فجأة على النص، بعيداً عن كل غاية نظمية، وباستقلال عن سياقه الجنسي، ولكنها تكون غير مناسبة. الشيء نفسه مهم بالنسبة للقرابات الفجائية المحتملة التي يحافظ عليها النص المقصود، بعيداً عن كل غاية نظمية، مع نصوص أخرى موجودة سابقاً. يمكننا أن نقدم بيانياً هذا الاختلاف عن طريق أخذ نص كمرجع T موجود في أي نقطة من الخط المستقيم المؤقت يذهب من T-n à T-n، ويحدد صنفاً لنصوص يقوم على تجميعات جنسية، T-9 - T-6 et T-4، ويقدم النصوص حقيقة مبررة من وجهة نظر التجنيس النظمي لT: نظام نظمي *
T-n T*-9 T*-6 T*-4 T T+n نظام تصنيفي إن التمييز بين النظام النظمي والتجنيس ونظامه التصنيفي مهم ليس فقط لأنه يسمح بتجنب عدد من الالتباسات (من بينها، الالتباس بين قرابات الأمر الواقع والقرابات المبررة )، ولكن لأنها تفتح على دراسة تاريخية ونظرية للعوامل الديناميكية للتقاليد النصية، في الوقت نفسه: لم يعد موضوع هذه الدراسة الأجناس كأصناف للنصوص، ولكن التجنيس كعنصر لإنتاج الأعمال(14). هذه الجنسية النظمية ليست شيئاً آخر غير الذي يسميه أي. د. هيرش "الجنس الأصلي". ويميزه من الجنس التصنيفي، الذي يسميه "الجنس الظاهر"، ولا يعطيه سوى وظيفة كشفية. ويضيف: "تكون قرابات الجنس الأصلي أحياناً كثيرة جداً، ويمكنها أن تنشأ من آفاق متنوعة جداً." (15) سأذهب أبعد من ذلك: الجنس الأصلي جمعي دائماً إذا كان صحيحاً أن كل عمل شفهي يمتلك وجوهاً متعددة. بالإضافة إلى ذلك، إننا نستطيع أن نقيم تمييزاً بين النظام النظمي والنظام القرائي، وهذا يرتبط، بوضوح، مع الخاصية المنطقية للأصناف الجنسية التي كانت قد حُللت في الفصل السابق. وهذه نتيجة طبيعية لأن النصوص أولية منطقياً بالمقارنة مع الصنف غير المستقر والمتبدل وفق السياقات. تبدو الظاهرة الأخرى مبدئياً أكثر غرابة: لماذا نحيي نموذجاً جنسياً لا يؤدي بصورة إجبارية إلى الهوية الجنسية للنص الجديد ولنصوص الماضي ذات النموذج المجرد؟ سبب ذلك موجود، هنا أيضاً، في الاعتماد السياقي لبعض التحديدات الجنسية (لنذكّر بأنني أقصد بالسياق مجموع العوامل اللغوية، والأدبية، والثقافية التي تخبر بوضع استقبال النص). لنحاول أولاً تقديم الموقف المقصود بيانياً: T-N إلى T هو النموذج الجنسي للمرجع، T+1 النص الذي يعيد تعبئة هذا النموذج، وC-n.C، وكذلك C+n السياقات المناسبة في لحظة معينة
C+n C C-n T+1 T T-n نظام نظمي إذا قارنا هذا المخطط بالمخطط السابق، نلاحظ اختلافاً جوهرياً: كنت قد أهملت في المخطط الأول الإشارة إلى العوامل السياقية، لأن تطورها الزمني، كان فرضياً، وكانت متطابقة مع تطور الصنف النصي. ولكن هنا تغير الموقف: T+1 تلتقي، من وجهة نظر نظمية، مع النقطة T، المرتبطة بالسياق C، في حين أنها من وجهة نظر استقبالها، مرتبطة بالسياق C+n، ولذلك فإن السمات الجنسية، بوصفها عنصراً لفعل تواصلي، مرتبطة غالباً بسياق هذا الفعل، كما حاول أن يظهر بورج. على الرغم من أن السمات الجنسية لT مماثلة تعبيرياً لسمات T+1، فإنها لا تتطابق معها، ويختلف السياق C+n، بطريقة واضحة عن السياق C، والسمات الجنسية حساسة لهذا التغيير السياقي. نجد هنا اختلافاً في طبيعة الخلاف بين النظام النظمي والنظام التصنيفي: يبدو أن النظام التصنيفي ليس في الواقع إلا حالة رمز خاص للنظام القرائي، نظام مرتبط بموقف استقبال العمل، الذي اقترح ش. ر. جوس تسميته "أفق التوقع الجنسي"(16) والذي هو أفق سياقي خاصة. التعارض الأساسي ليس إذن، كما تصورته، بين النظام النصي والنظام التصنيفي، ولكن التعارض بين النظام النظمي والنظام القرائي، لأن النظام القرائي للتجنيس موجود في كل فعل استقبال، قبل أن يجيب على اهتمام تصنيفي، ويفترض كل استقبال تفسيراً لا يمكن أن يجري خارج الأفق الجنسي.من المؤكد أن "أفق التوقع" مرتبط بهذا التصنيف الجنسي المهيمن أو ذاك التصنيف بصورة عامة تقوم التصنيفات الجنسية على قوانين أدبية، مختارة بعناية غالباً، ولذلك يمكن أن يكون التباعد بين الموقف الجنسي النظمي لنص ووضعه القرائي كبيراً جداً. في الشعور الأدبي الحالي، الخصوصية الجنسية لمسرح راسين محددة في تعارضها مع مآسي كورنيه والتراجيديا القديمة، في الواقع، هذا يعني أننا لا نختار إلا قسماً بسيطاً من المحرضات والردود الجنسية المناسبة بالنسبة للمؤلف راسين، وأننا نهمل، خاصة، مجموعة من الشعراء التراجيديين الذين كانوا من معاصريه ومنافسيه. غالباً ما تكون عدة انتقاءات متعاقبة هي المسؤولة عن الوجه الذي يقدمه في أيامنا هذا الجنس أو ذاك. الحالة الأكثر شهرة والأكثر تطرفاً هي بوضوح حالة التراجيديا الإغريقية. ليس فقط التراجيديات الوحيدة المحتفظ بها تتوزع بين ثلاثة مؤلفين، ولكن أيضاً لم يحتفظ إلا بقسم ضئيل من أعمالهم: سبع مآسٍ من أصل تسعين لإيشيل، وسبع من أصل مئة وثلاث وعشرين لسوفوكل، وثماني عشرة من أصل اثنتين وتسعين ليوربيدس (بالإضافة إلى المآسي الساتيرية). تتطابق المسرحيات المُحتفظ بها مع خيارات مؤسسة من قبل النحويين الاسكندرايين أولاً، والعصر الإمبريالي بعد ذلك، وفق المعايير التي تخضع لأهداف تربوية أساساً، بالنسبة للنحويين الإمبرياليين في كل حالة. بذلك أعطوا، بصورة عامة، الأفضلية لأعمال الشيخوخة على غيرها: كانت مآسي سوفوكل التي احتفظت لنا مكتوبة بعد تجاوزه سن الخامسة والخمسين، علماً بأنه حاز على أول انتصاراته في مسابقة الشعراء التراجيديين عندما كان عمره 28 سنة!(17) إذا أخذنا، إذن، بعين الاعتبار إمكانية التنوع الكبير الذي نجده بين مختلف المآسي المحفوظة، فإنه من المستحيل عملياً إعادة تشكيل الشكل العام للأعمال الكاملة لسوفوكل، وإيشيل، ويوربيدس، ولهذا فإن الإدعاء بإعطاء تعريف لجوهر التراجيديا الإغريقية في مجموعها يقوم على مخاطرة. من أجل هذا المثال الدقيق على الأقل، لا يمكننا إلا أن نوافق على ما قاله ألاستير فولير: "نؤيد غالباً أن الأجناس تقدم وسيلة للتصنيف. وهنا الخطأ المحتوم [...]، في الواقع [...] تستخدم النظرية الجنسية لشيء آخر تماماً: وظيفتها هي القراءة والتفسير." (18) في ضوء الملاحظات التي مرت سابقاً، يجب أن تتلقى مسألة الوظيفة والغاية النظمية في الديناميكية الجنسية جواباً مختلفاً (سواء تعلق الأمر بمؤلف الأدب المكتوب، أم بالمؤلف الممارس لتقاليد شفهية): مثلما أن المُعبَّر عنه، على الرغم من كونه هادفاً، لا يعتمد فقط على قصد المتكلم، ولكن أيضاً على موقفه التواصلي (وعلى علاقاته مع المتلقي)، فإن تجنيس النص، على الرغم من كونه نتيجة للخيار القصدي، لا يعتمد فقط على هذه الخيارات، ولكن أيضاً على الموقف السياقي الذي يرى فيه العمل النور أو الذي يحدث ضمنه. المؤلف يقترح، والجمهور يحكم: القاعدة مهمة أيضاً للتحديدات الجنسية.(19) يمكننا أن نفترض أنه، في لحظة تكوّن النص يتطابق التجنيس القرائي والتجنيس النظمي إلى حد ما، ولا يحدث ذلك إلا لأن المؤلف هو أيضاً قارئ، ولأنه لا يوجد ابتكارات جنسية عدمية مسبقة، ولكن يوجد فقط إعادة تنظيمات وامتدادات انطلاقاً من أفق جنسي جاهز مسبقاً. كلما ابتعدنا تأريخياً أو ثقافياً عن السياق الذي ظهر فيه العمل، كان هناك خطر بأن تكون الاختلافات بين التجنيس النظمي والتجنيس القرائي كبيرة: يبقى التجنيس النظمي مرتبطاً بالسياق الأصلي لأن ذلك دائم، في حين أن التجنيس القرائي متبدل يغتني (أو يفقر) عبر كل سياق مستحدث. نقول ذلك بطريقة مختلفة: إذا أخذنا نقطة مرجعية سياق إبداع العمل، يبقى النظام النظمي متجانس اللون، في حين يصبح النظام القرائي متغير اللون. هكذا يقودنا تناقض بورج إلى نقطة ضرورة معرفة أن الإشكالية الجنسية ليست واحدة، ولكنها تبدو نفسها على شكل مسألتين مختلفتين على الأقل: مسألة خلق النص ومسألة استقباله (منها مسألة بناء المجال الأدبي كمجموع أعمال متمايزة). يتطابق مع هاتين المسألتين ظاهرتان مختلفتان: التجنيس النظمي والتجنيس القرائي (منها الحالة الخاصة للتصنيف الجنسي الاستعادي). يبدو لنا من المفيد عدم دمجهما: ليست الرهانات هي نفسها، ولا الحقائق التي يتعلق الأمر بتحليلها. أما فيما يتعلق بتجنيس النص المشكل من خلال المرسل والمستقبل في الوقت نفسه، أكثر من كونها مماثلة للتجنيس النظمي، كما افترضت بصورة مضمرة في "من النص إلى الجنس"(20)، فإنه موجود في كل مكان وغير موجود في الوقت نفسه، لأن النص يستخدم كحامل لإظهار الغايات الجنسية النظمية، وحجر المحك للتفسيرات الجنسية للمتلقين. إن النص مُحَدد تحتياً من خلال الغايات، ومُحدِّد تحتياً للتفسيرات، وهو المكان المستحيل لهوية وهمية. إننا نرى، مثلما حدث عند مناقشة مستويات الرسالة، أن الإشكالية الجنسية لا يمكن مقاربتها مع الأمل بالنجاح إلا إذا جعلنا مفهوم الهوية النصية نسبياً. ولكن لنذكر أننا اقتصرنا في هذا الفصل على السمات التركيبية والدلالية للتجنيس. وهنا يفرض سؤال نفسه: هل التمييز بين النظام النظمي والنظام القرائي مناسب لكل التحديدات الجنسية، مهما يكن مستوى الرسالة التي استُثمرت؟ وهذا بدوره يفترض منا تمييزاً آخر، وسؤالاً آخر: هل يمكن إرجاع مختلف مستويات الرسالة الشفهية المستثمرة من قبل أسماء الأجناس، إلى منطق جنسي واحد أو أكثر؟ هذان هما السؤالان اللذان اقترح مقاربتهما كخاتمة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |