المســـــرحية في الأدب العربي الحديث - د. خلــيل المــوســى - (تـــأريــخ - تنــظــــير - تحليل)

من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:11 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الأول المسرحية العربية: الريادة والبدايات

مرّ مصطلح "المسرحية" بتطورات في تقاليدنا الثقافية في هذا القرن وفي النصف الثاني من القرن الماضي، فأُطلق -أولاً- على المسرحية اسم "الرواية"، وكان ثمة قرينة تشير إلى أنها رواية تمثيلية وليست رواية سردية، كأن يضاف إليها كلمة "تشخيصية" أو "تمثيلية" أو سواهما، ثم استخدمت كلمة "تياترو" للدلالة على المسرحية، وأطلق المغاربة على خشبة المسرح "الركح" وهو الساحة"1".

ولم يُعرف المسرح ولاالمسرحية بمفهومها المعاصر قبل منتصف القرن الماضي في الوطن العربي، وإنما عرفت أشكال مسرحية تنتمي إلى ماقبل المسرح العربي، وهي أشكال إشكالية تحتاج إلى دراسات موسّعة ، وقد مرّ بعض الحديث عنها في التمهيد، ولذلك فإننا سنتوقف في مرحلة الريادة والبدايات عند ثلاثة رواد لايمكننا إغفال أيّ منهم، لأن ذلك يجعل الدراسة ناقصة وغير موضوعية، وهم مارون النقاش وأبو خليل القباني ويعقوب صنّوع، ولكّل منهم تلاميذ ساروا على نهجهم، ثم إننا سنتوقف -في هذا الفصل- عند مسرحية "أبو الحسن المغفّل أو هارون الرشيد" لمارون النقاش، لنحلّلها تحليلاً فنّياً لتدلّ على النصّ المسرحي في مرحلة الريادة من جهة، ولأن لهذه المسرحية فاعلات خفيّة فيما بعدها، كالاتجاه إلى التراث الشعبي للتعبير به عن تجربة معاصرة، ثم إنّ لهذه المسرحية صلة بعيدة أو قريبة ببعض المسرحيات المعاصرة، ومنها مسرحية "الملك هو الملك" لسعد الله ونوس، وسيأتي الحديث عن ذلك في الفصل الأخير.

1- مارون النقاش مؤسس المسرح العربي:

هو مارون بن إلياس النقاش مؤسّس فنّ التمثيل العربي، ولد في صيدا في 9 شباط عام 1817، وكان أبوه تاجراً، فانتقل بأسرته إلى بيروت سنة 1825، فأتقن فيها مارون القراءة والكتابة العربية، وتعلّم النحو والصرف وعلم المنطق والعروض والمعاني والبيان والبديع، وأخذ وهو في سّن الثامنة عشرة -ينظم الشعر بعيداً عن التعقيد والركاكة بالقياس إلى الشعر الذي كان سائداً في ذلك العصر، ثمّ أتقن الحساب والمحاسبة ومسك الدفاتر على الأصول الإفرنجية، وبرع بتعلّم اللغات، فأتقن إلى حدّما التركية لغة البلاد الثانية في ذلك الزمان، والإيطالية لحاجة التجارة إليها، والفرنسية، كما تعلّم الموسيقا وأتقنها، ثمّ انصرف إلى التجارة بعد أن شغل منصب رئيس كتّاب جمرك بيروت، ازدهرت تجارته، ودرّت عليه الربح الوفير، وكان يقوم في سبيلها برحلات إلى أوروبة، ولاسيّما إيطاليا، ليدرس حالات السوق ويستورد بعض السّلع، إضافة إلى أنه كان يسافر إلى بعض المدن الشامية كحلب والشّام، وسافر إلى الإسكندرية والقاهرة عام 1846، ثمّ عرّج من هناك إلى إيطاليا.

شاهد النقّاش في رحلاته إلى أوربة عامة وإيطاليا خاصة بعض المسرحيات والأوبرات، فاستهواه ذلك، عاد من إيطاليا بزادين: زاد التجارة وزاد الفتح المسرحي، ثمّ سافر إلى طرطوس في أيلول 1854 في رحلة تجارية، ومكث هناك ثمانية أشهر، وأصيب بحمّى شديدة في أواخر أيار سرعان ماأودت بحياته في الأول من حزيران عام 1855، ثمّ نقلت أسرته، فيما بعد، جثته إلى لبنان"2".

لما عاد النقاش إلى بيروت من رحلته إلى إيطاليا ضمّ إليه جماعة من أهله وأصدقائه، وأخذ يعلّمهم فنّ التمثيل، وانصرف إلى المسرح، ونذر له جهده وماله، فقدّم خمس مسرحيات من النوع الكوميدي، وهو أصعب أنواع الفنون المسرحية وأرقاها، متأثراً بالمسرحي الفرنسي الكوميدي موليير، ثلاثاً منها من تأليفه وإخراجه، واثنتين من تأليف أخيه الشاعر المحامي نقولا النقاش (1825- 1894)، وكانت كوميديا "البخيل" أولى مسرحياته، وهي أول مسرحية عربية، وقد الفها وأخرجها ومثّلها في أواخر عام 1847 وأوائل عام 1848 في منزله في بيروت، ودعا إليها علية القوم، فلاقت استحساناً كبيراً، وهي مستوحاة من مسرحية "البخيل" لموليير، ولكنها ليست ترجمةً ولااقتباساً، بل هي من تأليفه، فلم يستطع موليير أن يستلب النقاش، ولاأن يمحو فاعليته وشخصيته الذاتية والقومية، فقد غير المكان وأعاد صياغة الشخصيات خالعاً عليها سمات عربية، وذهب الدكتور محمد يوسف نجم في دراسته لهذه المسرحية إلى أن أسلوبه الشعري أقرب إلى الركاكة"3"، ولكنه قال عنها: "زعم الكثير من الباحثين أن مسرحية البخيل لمارون النقاش، هي اقتباس أو ترجمة للمسرحية المعروفة بهذا الأسم، التي كتبها المسرحي العظيم موليير. والحقيقة التي لايرقى إليها شكّ، أنّ هذه المسرحية مؤلفة من ألفها إلى يائها. بيد أن النقاش الَّفها بعد قراءته للمسرحية المولييرية، واستيعابه لبعض شخصياتها، ولمقومات الإضحاك فيها، إلاّ أنه لم يقتبس شيئاً من المادة (الموضوع) أو التنسيق الفني بنوعيه الخارجي والداخلي""4"، وهو يرى أنّ صلتها بمسرحية موليير واهية، بل منبتة "5" ، ويرى أن قراداً «شخصية البخيل في مسرحية النقاش» يقف على قدم المساواة مع "هرباغون" موليير"6".

وعى النقاش وأدرك جيداً في مسرحيته الأولى الفروق بين المجتمع الأوروبي الذي أنتج وتلقّى مسرحية موليير "البخيل"، وهو مجتمع ذو إرث مسرحي طويل وذهنية درامية، وبنى المجتمع العربي الذي لم يعرف المسرح من قبل، وبرز هذا الفهم في خطبته التي تلاها عند تقديمه المسرحية، وقد بيّن فيها غاياته من هذا الفنّ الجديد، كما بيّن فيها رسالة المسرح، وتعدّ هذه الخطبة أول بيان في المسرح العربي، وأهم ماجاء فيه: "وها أنا متقدّم دونكم إلى قدّام، محتملاً فداء عنكم إمكان الملام، مقدّماً لهؤلاء الأسياد المعتبرين، أصحاب الإدراك الموقرين، ذوي المعرفة الفائقة، والأذهان الفريدة الرائقة، الذين هم عين المتميّزين بهذا العصر، وتاج الألبا والنجبا بهذا القطر، ومبرزاً لهم مرسحاً أدبيَّاً وذهباً إفرنجياً مسبوكاً عربيّاً""7". وهذا يبيّن أن إدخال ماهو غريب علىالتراث تبعة يتحمل نتائجها المبدع، ولذلك أدرك هذه القضية بعبارته ـ"محتملاً فداء عنكم إمكان الملام"، ولكنه يحمّلهم قسطاً من هذه التبعة في عباراته التي يمتدحهم بها، ومن هنا يمكننا أن نفسّر الحكمة من إقامة المسرح في المنزل من جهة، وأن يكون علية القوم ونخبتهم أول المدعوّين من جهة أخرى، ثمّ أنّه بين صلة المسرح بالأدب، وبيّن أنه فنّ وافد وجنس إفرنجي، كما وعى جيّداً أهمية أن تكون الصياغة عربية خالصة، وهو في ذلك يختصر قضايا مسرحية هامة، كالإعداد والتأصيل والهوية وماشابه ذلك.

وقد اشتملت هذه الخطبة على فهم واعٍ لوظيفة المسرح وأنواعه والسبب الذي دعاه إلى أن يبتدئ المسرح العربي بالكوميديا المطعّمة بالأشعار والأغاني وتقليد المسرح الموسيقي ملاءمة للذوق العام في بلده، ودعا المتفرجين إلى أن يلاحظوا الأخطاء التي قد يقع فيها هو وفرقته ليتنبّه عليها، مبيّناً أنّ هؤلاء الممثلين هم في الحقيقة هواة، وهم هواة بلا رواد ولامعلمين ولاآباء في المسرح سوى ماشاهده النقاش واختبره بحسّه، بل هم يجهلون فنّ التمثيل جهلاً يكاد يكون كلياً، ومع ذلك فإنه يختتم خطبته ببيان وظائف المسرح وفوائده، فيقول"8": "فأنتم أيضاً ستنظرون عند كثرة تكرارها. منافع تعجم الألسن عن وصف مقدارها. لأنها مملوءة من المواعظ والآداب. والحكم والإعجاب، لأنه بهذه المراسح تنكشف عيوب البشر. فيعتبر النبيه ويكون منها على حذر. وعدا اكتساب الناس منها التأديب. ورشفهم رضاب النصايح والتمدن والتهذيب. فإنهم بالوقت ذاته يتعلمون ألفاظاً فصيحة. ويغتنمون معاني رجيحة. إذ من طبعها تكون مؤلفة من كلام منظم. ووزن محكم. ثم ويتنعمون بالرياضة الجسدية. واستماع الآلات الموسيقية. ويتعملون إن أرادوا مقامات الألحان وفنّ الغنابين الندمان. ويربحون معرفة الإشارات الفعّالة. وإظهار الأمارات العمالة. ويتمتّعون بالنظارات المعجبة. والتشكلات المطربة. ويتلذّذون بالفصول المضحكة المفرجة. والوقايع المسرّة المبهجة. ثمّ يتفقهون بالأمور العالمية. والحوادث المدنية. ويتخرجون في علم السلوك. ومنادمة الملوك. وبالنتيجة فهي جنّة أرضية. وحافلة سنية. فأرجوكم أن تصغوا لها وتسمعوا. وهذا ضرب منها فتمتّعوا".

إن هذ الفقرة غنية بمافيها من معرفة بفوائد المسرح ووظائفه، فالمسرح أولاً مواعظ، وأولى وظائفه إبراز العيوب ليتجنّبها المتلقي النبيه، وقد جاء في خطبته: "والروايات التي يتشكّلون بها ويعتمدون عليها. من ظاهرها مجاز ومزاح وباطنها حقيقة وصلاح حتى أنها تجذب بحكمتها الملوك من أعلى أسرّتهم""9"، وهو بهذا يُعيد على أسماعنا نظرية التطهير التي جاءت في كتاب "فنّ الشعر" لأرسطو، والمسرح عنده مدرسة في عصر عزّت فيه المدارس والتعليم، فهو يعلّم اللغة العربية الفصيحة في زمن انتشرت فيه العاميات، وهو رياضة وحركة، وهو مدرسة لتعليم الموسيقا الشرقية والمقامات اللحنية، وهو وسيلة حضارية لاغنى عنها، ناهيك عن التسلية والمتعة اللتين يقدّمهما للمتفرّج، وهنا يتبين لنا الوجه الآخر للنقاش، وهو وجه الناقد المسرحي الذي يتحدّث عنه الدارسون.

وقدّم مارون النقاش عام 1849 مسرحية "الشيخ الجاهل"، وهي من تأليف أخيه نقولا النقاش، وقدّم في أواخر سنة 1849 في منزله أيضاً مسرحيته الكوميدية الشهيرة "أبو الحسن المغفّل او هارون الرشيد"، وهي هزلية مضحكة ملحنة في ثلاثة فصول، وقد مثّلت كثيراً فيما بعد، ومن الذين مثّلوها أبو خليل القباني، ثم قدّم النقاش مسرحية "ربيعة بن زيد المُكدَّم" من تأليف أخيه نقولا النقاش، أما آخر مسرحياته فهي "الحسود السليط" أو "السليط الحسود" عام 1853، وهي من تأليفه، وتتمتّع ببناء راق بالقياس إلى ماقبلها، وهي كوميديا أخلاقية اجتماعية معاصرة، أجاد فيها المؤلف صياغة الحوار، والتزم الموقف الاجتماعي لكلّ شخصية من الشخصيات، فأبدع في تصوير شخصية سمعان بطله وتطوير مواقفه وتنامي الحدث، وكان أسلوبه فيها بسيطاً سهلاً قريباً من الواقعية.

نجح مارون النقاش في نقل الظاهرة المسرحية من المجتمع الأوروبي إلى المجتمع العربي، وقد يعود ذلك إلى عوامل أهمها:

1- أن الرجل كان موهوباً، وكانت موهبته تهيّئه لمثل هذا الدور، وهي موهبة متعددة الجوانب والأبعاد مركّبة وظّفها في المسرح، فهو شاعر وموسيقي ومؤلف ومخرج وممثل وناقد، وهذا ماأهّله ليقوم بكثير من الأعمال في المسرحية الواحدة، فهو يؤلّفها ويخرجها ويدرّب الممثلين ويقوم بالتمثيل إضافة إلى وضع الألحان وسواها، وهذا ماجعله يجرّب، ويتنبّه على كثير من الأخطاء التي كان يرتكبها هو أو أحد أفراد فرقته التي ألّفها، وقد سلك في التأليف الطريق التي ينبغي للمسرحي أن يسلكها، وهو في أن يكون مسرحياً أولاً ومؤلفاً أو شاعراً ثانياً.

2- وأن الرجل كان يمتلك العدّة الثقافية اللازمة التي ترفد أيّ إبداع، وأهمّها معرفة اللغة والاطلاع والسياحة والتجول في البلدان المختلفة.

3- وأن المسرح يحتاج إلى المال، وكان الرجل تاجراً ناجحاً، فلم يكن بحاجة إلى المال ليعيش من مسرحه، وإنما أنفق بسخاء على مسرحه من ماله الخاص، ولم يكن يهمّه سوى النجاح وتأسيس مسرح عربي.

4- وأنّ البداية التي بدأ بها النقاش مسرحه سليمة وصحيحة، فهو استهدى بأعمال موليير في مسرحياته الثلاث وأعجب بها، ولكنه لم يقم بترجمتها، وكأنه كان يدرك أهمية أن ينشأ المسرح عربياً، ولذلك ذهب إلى التراث الشعبي في مسرحيته "أبو الحسن المغّفل"، ولذلك أيضاً ذهب إلى الكوميديا مع أنه في خطبته عارف بالأنواع المسرحية الأخرى، فهل ذهب إلى هذا النوع لأنه لاقى استحساناً في نفسه، أولأنه يتلاءم مع الغناء، وهو النوع المسرحي الأصعب، وخاصة أنه لايرتكز على الحدث بقدر مايرتكز على الموقف وكشف العيوب الاجتماعية، فبدأ بداية سليمة في مجتمع تجسّمت عيوبه وتعدّدت؟‍

لم تنتهِ الحركة المسرحية بوفاة النقاش، فهو الذي مهّد لها وسوّاها، وألّف فرقته التي أثمرت جهودها المسرحية في بلاد الشام أولاً ثم في مصر، وأنتشر تلاميذه يؤسّسون الفرق ويؤلفون لها المسرحيات، ومن هؤلاء أخوه نقولا النقاش الذي ألّف في حياة أخيه مسرحيتين، ثم ألفّ بعد ذلك مسرحيته "الموصي"، وابن أخيه سليم النقاش (ت 1884م) الذي ألّف وترجم عدداً من المسرحيات، منها (المقامر) و(الكذوب) و(غرائب الصدف) و(الظلوم) التي أغضبت الخديوي إسماعيل إذ ظن أنها نقد لأساليب الحكم في ذلك الوقت ، فطرد الجوقة من مصر، وأديب إسحق (1856- 1885) الذي ألّف وترجم بعض المسرحيات، ومنها (غرائب الأتفاق في أحوال العشاق) و"شارلمان" لفكتور هوغو، وإبراهيم علي الأحدب (1824- 1891)، وله مسرحيات كثيرة، منها "ابن زيدون مع ولادة" و"أبو نواس مع جنان" و "الاسكندر المقدوني -ترجمة" و"جميل بثينة وكثيّر عزّة" و "عروة بن حزام مع محبوبته عفراء" و"قيس ولبنى" و"مجنون ليلى" و"المعتمد بن عبّاد" و"المنخّل اليشكري مع المتجردة" وسواها، وخليل اليازجي (1856- 1889)، وله مسرحيتا (المروءة والوفاء)و(الخنساء وكيد النساء)، وسليم بطرس البستاني(1848-1884)،وله "الاسكندر و"قيس ولبنى" و"يوسف واسطاك" ونجيب الحداد (1867- 1899) الذي ترجم للمسرح ماينوف على عشر مسرحيات، منها "أوديب الملك" لسوفوكليس، "والبخيل" لموليير، و"شهداء الغرام" لشكسبير، وهي مسرحيته "روميو وجولييت"، وألّف عدداً من المسرحيات، منها "الرشيد والأمير غانم" و"المهدي وفتح السودان"، وفرح أنطون (1874- 1922) الذي ترجم للمسرح عدداً من المسرحيات، منها "أبو الهول يتحرّك" و"بنات الشوارع وبنات الخدور" و"السلطان صلاح الدين الأيوبي ومملكة أورشليم" و"مصر الجديدة ومصر القديمة" 1913 التي تعدّ بداية لتاريخ نهضة التمثيل الشرقي، مثلتها فرقة جورج أبيض بتاريخ 5-7- 1914.

 

2- أبو خليل القباني:

هو أبو المسرح الغنائي ومؤسس المسرح في سورية، ولكنّ المراجع تختلف بين زمني ولادته (1832-1841) ووفاته (1902- 1904)، ولد في دمشق، ودرس اللغة والعلوم الدينية والموسيقا والموشحات، وأحبّ رقص السماح، ونظم الشعر والزجل مبكراً، ثمّ أولع بالمسرح وانصرف إليه مؤلفاً ومخرجاً، فهو موسيقي نشر فنّ السماح، وله في الغناء باع طويل، وأديب وشاعر وممثّل وكاتب مسرحي، ويروى أنه كان يحضر عروضاً لمسرحيين لبنانيين سبقوه، وخاصة لمارون النقاش وأتباعه، وقد عرضت الفرقة اللبنانية في دمشق عام 1868 مسرحية "الإسكندر المقدوني" لإبراهيم الأحدب، إضافة إلى عروض مسرحية في مدارس العازاريين في منطقة باب توما بدمشق تذكر الروايات أنه كان يتردّد عليها ويحضر عروضها P.

كان القباني يمثّل مع فرقته في منزل ذويه في دمشق، ثم أنشأ مسرحاً عرض فيه بضع روايات غنائية من وضعه وتلحينه اقتبس حوادثها من "ألف ليلة وليلة"، لكنه صادف عنتاً من القوى المتزمتة بدمشق، فاستصدرت أمراً من السلطان بإغلاق مسرحه، ولم تكتف بذلك، بل أحرقت مسرحه، وحاولت أن تكيد له، فكانت تحاصره في منزله، وترسل وراءه بعض الصبية إذا خرج، وهي تنشد لإزعاجه:

 

 

أبو خليل النشواتي

 

يامزيف البناتِ

ارجع لكارك أحسن لكْ

 

ارجع لكارك نشواتي

أبو خليل مين قال لك

 

على الكوميضيا مين دلكْ

ارجع لكارك أحسن لكْ

 

ارجع لكارك قباني"11"

وهكذا رحل الرجل إلى مصر عام 1884 فلاقى فيها نجاحاً ملحوظاً، وشاركه العمل الشيخ سلامة حجازي صاحب الصوت الجميل، فكان "صاحب الفضل في تثبيت أقدام هذا الفن في مصر.. والراجح أيضاً أنه هو الذي بذر بذرة المسرح الغنائي في مصر ومهّد الطريق للشيخ سلامة حجازي وسيّد درويش وغيرهما مّمن اشتغلوا بالمسرح الغنائي في مصر""12".

مثّل وأخرج أكثر من ستين مسرحية غنائية له ولغيره، ألّف منها حوالي خمس عشرة مسرحية، ولم يصلنا منها سوى ثماني مسرحيات، نقلها لنا الدكتور محمد يوسف نجم في كتابه الشيخ أحمد أبو خليل القباني، وهي على التوالي:

1- رواية "هارون الرشيد مع الأمير غانم بن أيوب وقوت القلوب"، وهي تاريخية غرامية أدبية تلحينية تشخيصية ذات خمسة فصول.

2- رواية "هارون الرشيد مع أنس الجليس" تشخيصية ذات خمسة فصول.

3- رواية "الأمير محمود نجل شاه العجم"، وهي غرامية أدبية تلحينية تشخيصية ذات خمسة فصول.

4- رواية "عفيفة" تاريخية أدبية أخلاقية تمثيلية تلحينية ذات خمسة فصول. وهي مستوحاة من مسرحية "جنفياف"، وقد تردّدت في الكتب الدينية وسير القديسين.

5- رواية "عنتر بن شداد" تاريخية أدبية غرامية حربية تلحينية تشخيصية ذات أربعة فصول.

6- رواية "لباب الغرام" أو "الملك متريدات" تشخيصية ذات خمسة فصول، وهي رواية أدبية غرامية حربية. وهي من تأليف جان راسين ترجمها سليم النقاش، ثم اقتبسها القباني، ولم يكن يتقن اللغة الفرنسية.

7- رواية "حيل النساء" "الشهيرة بلوسيا"، وهي رواية تمثيلية غرامية أدبية ذات أربعة فصول.

8- ناكر الجميل.

تنتاب مسرحيات القباني عيوب كثيرة، أهمها:

1- سيطرة الغناء والشعر الغنائي والرقص والموسيقا والموشحات على بنية العمل المسرحي، ولذلك فإنّ الموسيقا والغناء يأتيان أولاً في مسرحه، وهذا مادفع محمود تيمور إلى أن يقول:"13"

"وكان أكبر مايعنيه في التمثيل إتقان الألحان الموسيقية والغنائية والأفتنان في توفير الرقصات الإيقاعية".

2- معظم مسرحياته مستمدة من الحكايات الشعبية، وخاصة "ألف ليلة وليلة"، وهو لم يستطع عامة أن يغيّر في أحداث الحكاية الأصلية، وكأنّ عمله اقتصر على توزيع الحوار على الشخصيات.

3- ضعف الحبكة لسيطرة الغناء والموسيقا، وخلو مسرحياته من الشخصيات المتماسكة المتنامية التي وجدناها عند سلفه النقاش.

ومع ذلك يظلّ القباني رائداً من رواد المسرح ناضل ليرسي دعائم هذا الفن في مجتمع لم يتهيأ بعد لمثل هذا الفن، وخلّف تلاميذ له في سورية، وأهمهم اثنان: المعلم داود قسطنطين الخوري (1860- 1939)، وكان الآخر موسيقياً، أخلص لفن القباني، فألّف المسرحيات التالية:

1- "مثال العفاف في رواية الأميرة جنفياف" مثلت في حمص 1890

2- "الصدف المدهشة"

3- اليتيمة المسكوبية"

4- عمر بن الخطاب والعجوز.

5- الابن الضال"14"

ولكنّ هذه المسرحيات كانت محدودة الأثر، إذ مثّلها تلاميذ مدرسة الروم الأرثوذكس بحمص، وكان الرجل معلّماً فيها، وهي روايات تمثيلية ذات عيوب كثيرة.

أما تلميذه الثاني فهو معروف الأرناؤوط (1893- 1948) الذي ترجم عدة مسرحيات، ومنها "حرب المائدة" و"ديانا" و"الستار الأسود" و"محمد"، وألّف عدة مسرحيات، منها "أبو عبد اللَّه الصغير" و"الرجوع إلى أدرنة" و"الشريف" و"عمر بن العاص"، ولايختلف هذا المؤلف عن سلفه.

 

 

3- يعقوب صنوُّع المعروف بأبي نظارة: (1839-1912 )

ولد في القاهرة وتوفي في باريس، وكان يتقن عدّة لغات، أهمها الإيطالية والفرنسية، وقد هيّئت له ظروف جيّدة في مصر، فقد كان والده مستشاراً للأمير أحمد يكن حفيد محمد علي، وهذا ماساعده أن ينشئ مسرحاً للتمثيل في القاهرة سنة 1870، فعُدّ بذلك مؤسّس المسرح المصري، وكان يكتب مسرحياته بنفسه ويجمع الممثلين ويدرّبهم، ولما مرّ بضعة أشهر على تأسيس مسرحه استدعاه الخديوي إسماعيل ليمثّل مع فرقته على مسرحه الخاص في قصر النيل، ثم قال له أمام الوزراء وكبار رجال القصر: "نحن ندين لك بإنشاء مسرحنا القومي، فإن كوميدياتك وغنائياتك ومآسيك، قد عرّفت الشعب على الفنّ المسرحي. فاذهب، فإنك موليير مصر، وسيبقى اسمك كذلك أبداً""15".

كان صنوع قريباً ومقرّباً من القصر، ولكنه في الوقت ذاته كان ينزع إلى الحرية والتحرّر، وهو الذي درس في أوربة، ثم غدا مقرّباً أيضاً وقويّ الصلة بالأفغاني ومحمد عبده، وهما على طرفي نقيض من الخديوي، ولذلك فإنّ يعقوب صنّوع كان أكثر جرأة من سلفيه النقاش والقباني في طرح القضايا الاجتماعية والسياسية على خشبة المسرح، وهذا يعود إلى أمرين: الظروف الجيّدة التي هيئت له واختلاف النظام والمجتمع حينذاك في مصر عن بلاد الشام.

ألّف وترجم واقتبس صنّوع مايزيد على ثلاثين مسرحية، لم يصل منها سوى سبع مسرحيات كتبت باللهجة المصرية، وقطعة حوارية قصيرة، نشرها الدكتور محمد يوسف نجم"16".

يذكر الدارسون من مسرحيات صنّوع (آنسة على الموضة (عامية- ملهاة) و(الأميرة الإسكندرانية) و(البربري) و(البنت العصرية) و(البورصة) و(الحشّاش) و(راس ثور وشيخ البلد والقواص) و(الضرتان) و(الغندور) و(الوطن والحرية) و(موليير مصر ومايقاسيه) و(زبيدة) و(زوجة الأب) و(الأخوات اللاتينية) و(الزوج الخائن-بالإيطالية) و(السلاسل المحطمة- بالفرنسية) و(طرطوف -لموليير ترجمة) و(فاطمة -الإيطالية والفرنسية والعربية)"17"، وقد خلّف صنوع أثراً كبيراً في المسرح والمسرحية في مصر، وخاصة في المسرحين الاجتماعي والسياسي من جهة وفي المسرحية المكتوبة باللهجة المصرية من جهة.

وهكذا صار علينا أن نتوقف عند النتائج أو القواسم المشتركة التي يمكننا استنتاجها من مرحلة الريادة والبدايات قبل أن نتوقف لقراءة مسرحية "أبو الحسن المغفل" نموذجاً لهذه المرحلة، وأهمها:

1- أنّ هؤلاء الرواد قدّموا مسرحا لاطقساً احتفالياً، وقدموا نصّاً مسرحياً، وأن اللبنانيين كانوا السباقين إلى هذا الجنس بحكم اتصالهم المبكّر بأوروبة ولغاتها، وقد نقلوه إلى مصر وبلاد الشام الأخرى، فلاقى تجاوباً حسناً في مصر، وشجّعه الشعب والدولة معاً، ولكنّ المجتمع في بلاد الشام آنذاك كان غير مهيّاً لولادة هذا الجنس الأدبي، وخاصة في ظلّ الاستبداد العثماني.

2- وأن المسرحية كانت تُؤلف أو تُترجم أو تقتبس لتمثّل على الخشبة، فالنص كُتب لهذه الغاية، وكان الكتّاب مخرجين وممثلين ومشتغلين بالمسرح، وهذه سمة عامّة وهامّة وضرورية.

3- وأن الموسيقا والغناء والرقص كانت تقحم في العمل المسرحي والمسرحية إرضاء للذوق العام واستجلاباً للمتفرجين، ولذلك فإن المسرح قد لبى رغبات الجماهير على حساب وحدة المسرحية وبناء حبكتها بناء متماسكاً في كثير من الأحيان، أو رغبة في الغناء (سلامة حجازي)، فاقترن الغناء بالتمثيل، فلانكاد نجد مسرحية واحدة في هذه المرحلة لايغنّى فيها أو لايصاحبها الغناء والرقص، وقد أدرك مارون النقاش هذه الصفة في مجتمعه، فذهب إلى أن المسرح الغنائي هو الذي يوافق الأسماع، فعدل عن المسرح النثري إلى المسرح الشعري الموسيقي، وقد بيّن في خطبته أن المراسح تقسم إلى مرتبتين، كلتاهما تقرّ فيهما العين، إحداهما بغير أشعار وغير ملحّنة، والأخرى تسمى أوبرا، وكان يظنّ أن الأولى أسهل وأوجب في البداية، ولكنّه فضّل أن يبدأ بالثانية لسببين: الأول لأنها ألذّّ وأشهى، وثانياً لأنها أحبّ عند قومه وعشيرته، ولذلك ذهب "إلى تقليد المرسح الموسيقي المجدي""18"

4- استمدّت هذه المسرحيات مادتهامن:

آ- الواقع التاريخي: وهو يشمل التاريخ العربي وسواه (خليل اليازجي- ابراهيم الأحدب- سليم البستاني- فرح أنطون- معروف الأرناؤوط)

ب- الواقع الأسطوري: ويقتصر هنا على الترجمة (نجيب الحداد -فرح أنطون).

جـ التراث الأدبي: (نقولا النقاش وإبراهيم الأحدب الذي اشتهر بهذا اللون)

ء- التراث الشعبي: الاستفادة من ألف ليلة وليلة وبعض السير الشعبية (مارون النقاش -أبو خليل القباني -نجيب الحداد)

هـ- الواقع الاجتماعي المعيش: (مارون النقّاش -سليم النقاش -فرح أنطون -يعقوب صنّوع).

5- وأن المسرحيات المترجمة كان ينتابها الحذف والتلخيص مراعاة للأصالة والتأصيل والظروف الاجتماعية، وكانت هذه المسرحيات تزوّد بالأشعار المصنوعة مراعاة لهذه الظروف، فتصبح مزيجاً من النثر والشعر، وكانت العناوين تعرب، وهذا ماكان يحدث للشخصيات.

6- وأن المسرحيات استهدفت في هذه المرحلة تحقيق غايتين: أولاهما الإمتاع والتسلية، والأخرى الوعظ والإرشاد والتعليم، فقد كان المسرح نهضوياً إصلاحياً، وهو في ذلك يوازي الشعر الموضوعي (القصصي -التاريخي -الدرامي) الذي كان ينتاب بنيته شيء غير قليل من الوعظ والإرشاد.

7- وأن التمثيل كان في بداياته، وكان الممثل جاهلاً بكثير من أمور المسرح، وهذا ماوعاه مارون النقاش في خطبته، فطلب من السادة المتفرجين أن يلاحظوا عثراته وعثرات جماعته، فقال: "19” "ولكني مع ذلك أرجوهم لكي ينبهّوني عما فرط. ويرشدوني بمعزل إلى إصلاح الغلط. لأنّ هذا الفنّ بحر زاخر. وفلك دائر. لاسيّما أن المشتركين معي للتشكّل بهذا المظهر اللوذعي. الذين ساعدوني على هذا العمل. ووافقوني وأنجدوني لبلوغ الأمل. لم يزالوا متجدّدين ومبتدئين بفعله. ولم يمرَّ عليهم قبلاً مظهر كمثله. فلا يخلو الأمر من أنهم يقعون في بعض ورطات. ويشجبون على بعض سقطات. يشعر بها من له المطالعة. على دقايق هذه الحقائق الساطعة. ولكنهم بالحقيقة معذورون نظراً لبدائتهم. وعدم وجود إمام كاف لهدايتهم. خصوصاً نظراً لافتقارنا إلى المحلاّت اللائقة. والكواسم والطواقم الموافقة".

8- وأنّ هذه المرحلة هي المرحلة المولييرية بلامنازع، وهي مرحلة الكوميديا الملحنة المغنّاه. ابتدأ المسرح العربي بالكوميديا المغنّاة.

9- وأن هذه المسرحيات اتصفت أخيراً بكثير من العيوب الفنية في بناء الشخصيات والحوار واللغة وسوى ذلك، ومع هذا فإنها تظلّ مؤشّراً حقيقياً على المعاناة التي كان يعانيها هؤلاء الرواد لإيجاد مسرح عربي.

 

 

 

 

قراءة مسرحية "أبو الحسن المغفّل" أو "هارون الرشيد" لمارون النقاش"20"

تتألف هذه المسرحية (الرواية) من ثلاثة فصول، وهي -كما جاء في عنوانها- رواية مضحكة ملحّنة، وهذا يعني أنها من نوع الكوميديا، وأن المؤلف أدخل فيها الغناء، وهذا ماجاء في خطبته التي مهدّ بها لمسرحيته الأولى "البخيل"، لتتناسب والمجتمع العربي حينذاك، ونظرة على الفهارس التلحينية التي أقامها النقاش في نهاية المسرحية (ص ص263- 271) تدل دلالة قاطعة على معرفته بالأنغام الشرقية والألحان العربية والمقامات الموسيقية معرفة دقيقة.

 

1ً- مستويات القراءة:

أ- قراءة المصدر:

موضوع المسرحية مستمدّ من إحدى حكايات "ألف ليلة وليلة"، وهي بعنوان: "النائم واليقظان"، وهي الحكاية التي ترويها شهرزاد في الليلة الثالثة والخمسين بعد المئة"21". وهي حكاية رجل اسمه أبو الحسن يتمنّى أن يجتمع الأمر بيده ليوم واحد ليعيد الأمر إلى جادّة الصواب، وخاصّة بعد أن تخلّى عنه أصدقاؤه الذين كانوا يلازمونه حين كان ثريا، وقد انفضوا عنه بعد أن انفق عليهم أمواله وغدا معدماً، وتطرق أذني الرشيد هذه الأمنية، وكان يسير متنكراً ومعه سيافه مسرور، فيسارع إلى تحقيقها. فيغري أبا الحسن بتناول طعام دسُ له فيه بعض المخدر، ولم يمض وقت طويل حتى وجد أبو الحسن نفسه في قصر الخلافة، وحوله الوزراء والخدم ينتظرون أوامره ليحققوها، ويختلط الأمر على أبي الحسن، فيظن أن الأمر حلم سعيد، ولكنّه يعلم بعد ذلك أنّه الخليفة وأنه ليس في حلم، وتحدث مفارقات كثيرة،ولكنّ الرشيد يعيد أبا الحسن إلى حالته الأولى بوساطة المخدّر، ويعود إلى ماكان عليه،ولكنّه يصرّ على أنه الخليفة،ويجادل أمه التي تحاول أن تعيده إلى رشده، ويتوصل إلى أن يقوم بضربها، ويدرك أخيراً أنه لم يستطع أن يحقّق شيئاً من أحلامه وهو خليفة، لانّ المدّة القصيرة التي قضاها على سدّة الحكم ضاعت بين الضجيج والصخب، فلم يستطع الاستفادة منها.

ب- قراءة المسرحية:

تتألف هذه (الرواية) المسرحية من ثلاثة فصول، نجد أبا الحسن في الفصل الأول في بيته في بغداد فقير الحال، يحلم بأن يقتصّ من طه إمام الجامع الذي استغلّ وصية والده في التركة واستلب الكثير منها، وأن يقتصّ من أصحابه الأربعة سابقاً الذين استغلّوا صداقته، ثم تخلّوا عنه، وهو يحلم حلم اليقظة بالخلافة وتعيين خادمه عرقوب وزيراً بدلاً من جعفر، وهو يرغب من خادمه المسنّ عرقوب في أن يطيعه كما تطيعه ابنته سلمى التي تزمع- كما يتراءى له- أن ترفض الزواج من عثمان، لأن الأخير يرفض أن يزوّج أبا الحسن من أخته دعد بعد أن تخلّى عن زوجته، ويزوره عثمان ودعد، وهما يدبرّان مكيدة له، لكي يوافق على زواج ابنته سلمى من عثمان وعلى زواج دعد من أخيه سعيد.

ويزور الخليفة هارون الرشيد، وهو متنكر بثياب درويش (دادا مصطفى) ووزيره جعفر، وهو متنكر بثياب درويش (دادا محمود) أبا الحسن، ويتمازجان معه بحضور دعد وعثمان، ويظهر من كلام عثمان صديق أبي الحسن أنه على وفاق مع سلمى، وأنها وعمها سعيد على وفاق، يستسّر كل منهما الآخر، وهم يحاولون تدبير الأمور للفوز بالحب والزواج في حين أن أبا الحسن كان هو الآخر يريد أن يستغل مطلب عثمان لابنته مقابل أن يوافق على زواجه من أخته دعد التي يهيم بها. ويلتقي أبو الحسن أخاه سعيدا، ويدور بينهما حوار عن رأي سعيد في الزواج، وتحدث المفاجأة والمفارقة الدرامية حين يكتشف سعيد أن أخاه لايريد له الزواج، وإنما يريده لنفسه، وأن يتزوج هو من دعد، وقد تقدّم إلى أخيه للمشورة فقط، ويحدث الصراع بين الأخوين على الزواج من دعد، ويتدخل دادا مصطفى لحلّ الخلاف، وهو في الحقيقة يزيد النار اشتعالاً للتسلية بهذا المغفّل، ثم يتفق (دادا مصطفى) مع عرقوب ويغريه بالمال، ليسهم معه ومع (دادا محمود) في إتمام اللعبة.

ونرى أبا الحسن في الفصل الثاني في سرايا الخليفة، وهو نائم على سرير الملك، يستيقظ فإذا هو أمير المؤمنين، والجوقة تنشد وتواصل الدعاء له بالدوام، ويمضي أبو الحسن في ذهوله، ولكنه ينظر فيشاهد عرقوباً الذي يدعي أنه الوزير جعفر وأنّ أبا الحسن سيّده الخليفة، وتنطلي الحيلة على أبي الحسن، وهو بين مصدّق ومكذّب، فيبيّن له (جعفر) عرقوب أن طلباته قد استجاب لها ربّ العباد، ويجري بينهما الحوار التالي:

-أبو الحسن لذاته"22": بدأت أصدّق بهذا الأمر الجسيم. فسبحان القلاّب العظيم.

-أبو الحسن عرقوب: أوضح لي إذاً بالمعروف واللطافة. أي متى توجهت عليّ الخلافة.

-عرقوب أبو الحسن: يكفي أن تهزى بي أنسيت يوم تمنيت أن تصير خليفة. وكنت تتنعم بالتصورات وتورد تلك العبارات الظريفة. فبوقته أما طلبت منك الوزارة. فأنعمت علي بها بأفصح عبارة.

-أبو الحسن عرقوب: صحيح أنك حمار. ياحمار. هذا جرى لنا جملة أمرار. ولكنه كان بالفكر والحدس. لابالنظر واللمس.

-عرقوب أبو الحسن: صدقتَ غيرأنَّ آخر مرّة كانت في ليلة القدر. فاستجاب اللَّه طلبك ونجّح لك الأمر.

-أبو الحسن لذاته: هذا برهان مقبول. هذا يدخل في العقول. ولكن...

-أبو الحسن عرقوب: أنت تقول إن خلافتي هي من أعوام جزيلة. وأنا مفتكر أني كنتُ أبا الحسن من أيام قليلة. أنسيتَ حين كنّا على الدجلةِ مع الدروايش. ومعاطاتي الأفيون وشربَ المُدام والحشيش. فأظنّ ماعدا الغلط والسّهو. أنّ خروجنا من هناك لم يكن إلاّ من نحو.... نحو..... (يضع يده على جبهته).

-عرقوب بذاته:

لم يكن إلاّ امسِِ المسا
حينما بنّجوك في غفلةٍ

 

مع شرب المُدام وقتَ العشا

أبو الحسن عرقوب: نحو... من نحو أربع سنين.

-عرقوب أبو الحسن: مضبوط. صدقتَ ياأمير المؤمنين.

-أبو الحسن عرقوب: فإذاً الآن أنا...

- عرقوب أبو الحسن: خليفةُ بغداد.

-أبو الحسن عرقوب: ومالكُ هذهِ البلاد. (يعجب بنفسه مفتخراً متبختراً).

-عرقوب لذاته: موقتاً من الآن لحد هذه العشيّة.

- أبو الحسن عرقوب: مابالكُ تحدث ذاتك بألفاظٍ منخفضة خفيّة.

- عرقوب أبو الحسن: قلتُ إنكّ الخليفة وأنا وزيُرك جعفر.

-أبو الحسن عرقوب: وكلٌّ منا معتبرٌ وموقر. (ص ص162-164)

ومع ذلك كلّه فإنّ أبا الحسن لايصدّق تماماً أنه أمير المؤمنين، فيسأل الحاجب إسحق الذي يشترك باللعبة، فيؤكد له أنه أمير المؤمنين،ويظلّ أبو الحسن يكرّر عبارة: "لاشك أني مسحور أو دخل على عقلي أمر من الأمور"، ويقصده الدرويشان (دادا مصطفى ودادا محمود) يستعطيانه، ويتنبّأ (دادا مصطفى) بان الخلافة ستؤول إلى التهلكة، وأن عساكر العجم مثل الجراد قاصدين بغداد، ويذكّره في الوقت ذاته السيّاف مسرور بأن الجواري والقيان بانتظار سيّدهن، ويعدد له أسماءهن وأوصافهن، فيقع أبو الحسن رهين صراع حاد بين ان يبقى ملكاً بين الجواري والقيان وبين أن يفرّ بجلده من ملك العجم وجنوده الأبطال، ويُقبل على دار الخلافة عثمان وسعيد ليتظلّما إلى الخيلفة، ويتشكيا له من أن أبا الحسن يقف حجر عثرة في سبيل زواجهما،وهما يظنّان أن أبا الحسن يقضي يومه في التنزه مع بعض الدراويش على ضفاف دجلة، ثم يعلن جعفر في ثوبه التنكري أمراً من الخليفة بزواج عثمان من سلمى وسعيد من دعد، وندرك من الحوار أن الجارية هنداً الحجازية هي التي اغرت أبا الحسن ووقعته على هذا الأمر. ويقضي أبو الحسن وقتاً مع الجواري وهنّ يسخرن منه، ويحاول اخيراً أن يفر متنكراً بثياب امرأة خوفاً من جنود العجم على حسب ماتنبأ به (دادا مصطفى)، ولكنّ وزيره (جعفر) عرقوب يقصّ عليه بأنه باع وزارته، فيطلب منه أبو الحسن أن يدبر له شخصاً ليبيع الخلافة، ثم يعود إلى المتع والملذات بين الجواري الحسان.

ويعود بنا المؤلف في الفصل الثالث إلى المكان الأول، فإذا أبو الحسن نائم مخدر، وتعود أمه الحاجة وتسأل عنه، ولما استيقظ أصّر على أنه الخليفة، وتحاول أمه أن تردّه إلى وعيه، فيحاول أن يضربها، ويأتي الآخرون، فيصرّ أبو الحسن على الزواج من دعد، ولكن الأحوال تتكشّف شيئاً فشيئاً أمام ناظريه، فابنته سلمى تزوّجت من عثمان، ودعد تزوجت من أخيه سعيد، ومع هذا فإنه يظل مغفلاً حالماً متعلّقاً بدعد، ويحلم أن تُطلق من أخيه في العام القادم ليتزوجها، بل يتراءى له أنها أكرهت على هذا الزواج، ويجري الحوار التالي:

-أبو الحسن دعد: ياناكرة الجميل. ولكن بغير شك هم ألزموكِ. وعلى الزواج بسعيدٍ هم غصبوكِ.

-دعد أبو الحسن: وحياتك لم يغصبني أحد. في هذه البلد. ولكنّ الرشيد هو الذي أمرنا لنتزوج كما رأيت. وأنعم على كل منّا بألف دينارٍ لتجهيز البيت. وكان ذلك بهمّة دادا محمود.

وهو ذا أمر الخليفة (مبرزة له الورقة التي تناولتها من جعفر في الفصل الثاني) أيّده الإلهُ المعبود.

-أبو الحسن بذاته: يا سلام. ياسلام. هذا أنا الذي أمرت بتكتيب هذا الأمر. إذ كنتُ في الإيوان.

-عرقوب بذاته: ياسلام. ياسلام. وأنا نظرته هناك بعدما بعتُ وزارتي بأوكس الأثمان. أين دادا محمود. أين دادا محمود. (يجول هنا وهنا) فأنا مابعتهُ وزارتي إلا حينما كنتُ سكران.

-عرقوب أبو الحسن: قل أيضاً إن هذا سحر فهل يوجد أعظم من هذا البرهان.

-أبو الحسن عرقوب: الحقّ معك تعال لننظر الدراويش.. لا لاأصبر لأفحص عن شيء ورد إلى بالي.

-أبو الحسن دعد: هند.... دعد تعالي هنا.. أنا سمحت لكم عن كلّ شيء بحيث تخبريني عن حقيقة حالي. (يخاطبها في همس. كأنه يقول لها سراً إنه كان ملكاً وهو آمر بما صار)

-سعيد عرقوب: ويلك عرقوب ماهذا الكلام الذي تتكلّمه أنتَ أيضاً مجنون.

- عرقوب سعيد: عن قريب يظهر السرّ المكنون (يختلي مع سعيد وعثمان)

- دعد أبو الحسن:

لاتكمّل لله هـ

 

ذا الحديث المكدّرا

إنما النجمُ أقرب

 

لك حتى حال الكرى

ثمّ فلنفترض كلا

 

ماً محالاً مستنكرا

أنتَ لوصرتَ مالكاً

 

هل تولّي مقهقرا

أو ترضى لزيجتي

 

بسعيدٍ كما جرى

-أبو الحسن دعد: مسكينةُ على قلة عقلك... وهل مثلي حينيذٍ كان يسألُ عن مثلك. يامسكينة أنا كان عندي... ولم يزل عندي مبلغٌ من الجواري. كل منهنّ تفوق عليك وعلى الحواري

-عرقوب بذاته: بلاتلتلات. ماكان عندك غير الخدامات. وكم جارية من المغنيات. (ص ص249-251)

ويعود أبو الحسن إلى توهمه بأنه حقاً أمير المؤمنين، ويجري الحوار التالي:

-أبو الحسن بذاته: ياأمّة الدين. أدركوا ملككم ناصر الدين (وينهض واقفاً) الوحا الوحا فأمري واضح مبين. تملكت منذ أربع سنين. في اليوم السابع والثلاثين. من شهر محرم الحرامين. سنة إقبال العنب والتين.

-عرقوب بذاته: نعم وأشهد واللَّه خير الشاهدين.

-أبو الحسن الثلاثة: قولوا لي بعد هذه الشهادة أما تصدّقون بأنّي أمير المؤمنين (ص253) ويحضر الرشيد وجعفر متنكرين فرحين بهذا المزاح الذي ذهب أبو الحسن ضحية له بسذاجته وغفلته. ثم يكشفان للجمع في منزل أبي الحسن عن اللعبة، ويبدأ الخليفة بخلع ثياب الدرويش وارتداء ثيابه (الملكية التي يتذكرها أبو الحسن وقد ارتداها من قبل، وكذا يفعل جعفر، وتنكشف اللعبة للجميع، وتنتهي المسرحية بالدعاء للخليفة الذي يعطي مبلغاً من المال لوزيره جعفر لينثره على المسرح، ويكتشف أبو الحسن أن عرقوباً هو الذي دهى به، وتنتهي المسرحية بهذا الشكل:

-أبو الحسن بذاته:

ها ها هها عقلي اندهى

 

دهاه ذا الشيطان

(مشيراً على عرقوب)

شيخ الضلال

 

هذا المقال

 

مضمن بيان

فالآن جاد

 

عقلي وعاد

 

حسستُ فيما كان

عرفتهُ

 

كشفتُهُ

 

ياأيها الخوان

(أبو الحسن يصفع عرقوب هايجاً عليه وعرقوب غير مبالٍ ويجمع من الدنانير التي رشها جعفر على الأرض وذلك لحدّ نهاية الفصل)

- الجميع بذاتهم: لقد درى بما جرى لكنْ مضى الأوان

-خليفة بذاته: ياللعجب

-خليفة جعفر: فليكتتب حديثُ ذا الإنسان

(مشيراً إلى أبي الحسن)

وسربنا لسربنا (يأخذ جعفر من يده ويتأهب للذهاب)

-الجميع : خليفة بالحفظ والأمان ..

انتهت (ص ص 260- 261)

جـ- قراءة العمق:

المسرحية نقد لبعض العادات الاجتماعية السلبية، وأهمّها الإسراف، فالإسراف مذموم في كل شيء، في الحلم والبخل والتبذير، والتوسط محمود، وبهذا تتوازى هذه المسرحية مع مسرحيته الأولى "البخيل" من حيث الإسراف، ولكنها تتقابل معها من حيث الموضوع، فالإسراف في البخل في شخصية "قراد" مذموم، وهذا ماجعله أضحوكة، والإسراف وتبذير الأموال في شخصية أبي الحسن مذموم، وهذا ماجعله أضحوكة لشخصيات المسرحية، وكما أن البخل يجعل من صاحبه سخرية فكذلك التبذير، وهذا مايقوله النقاش على لسان دعد:

-دعد عثمان: ماذا تنفعه الخيرات والكرامات. فيعود كالأول ينفقها على اللهو والتنزهات.فلا تظنّ بذلك أنيّ أمدح البخل بل أعترف أنه مذموم وقبيح. غير أن الكرم أيضاً اذا كان بدون ترتيب فليس هو مليح. وهل تصرفُ أبي الحسن هو من باب الكرم. لالعمري بل هو من باب إزالة النعم.

فهو قد أفنى كلَّ إرث إبيه

 

مسرفاً ماله ومال أخيهٍ

والذي قد أبقاهُ طه وصي الـ

 

مال قد أفناهُ على الترفيهِ

والمراؤون إذا رأوه غبيَّاً

 

صاحبوه وأمه تنهيه

سلبوا ماله ومامنهم الآن

 

صديقاً نراهُ يعبأ فيه

إن الغنى لمثله لايصلحُ

 

لأنَّه مغفَّلُ

أما أخوهُ بارحٌ ومفلحُ

 

له الغنى يوهلُ

فهو كريمٌ خلقةً لكنه

 

مصّرفٌ بفطنةِ

- دعد وعثمان لذاتهما: كذا جديرٌ للكريم أنه يفي السخا بالحكمة (ص129)

 

2ً-الصراع ونمو الحدث:

أسس النقّاش مسرحيته على حكاية "النائم واليقظان" في "ألف ليلة وليلة"، ولكنه لم يلتزم تلك الحبكة ولا الحوادث كما جاءت في الحكاية، وإنما أفاض في تفاصيل حياة أبي الحسن الخاصة ومشكلاته، وأضاف موضوعاً آخر لم يكن في مصدر الحكاية،وهو حبّ أبي الحسن لدعد ومنافسة أخيه سعيد له في هذا الحب، وهذا لاوجود له في الحكاية.

جعل النقاش مسرحيته في ثلاثة فصول متماسكة من خلال الصراعات التي تنتاب بنيتها أفقياً وعمودياً، وتنامى الصراع منطقيّاً تراتبياً فصلاً بعد فصل إلى أن أفضى إلى نهايتها، وأهم هذه الصراعات مادار بين أبي الحسن من جهة وبين عثمان ودعد وسلمى وسعيد من جهة، وهو صراع لم يكن في أصل الحكاية، وإذا كان الصراع بين عثمان ودعد وسلمى وبين أبي الحسن مخفياً في بعض خيوطه فإنه ظاهر بين سعيد وأبي الحسن، فالأول يدرك أن أخاه بذّر أمواله مع طه إمام الجامع، ولكنه لايخالفه في البداية ولا يواجهه لأنه أكبر منه، وهو الذي ربّاه، ولكن هذا الصراع يظهر على الساحة قويّاً ويدخل في نطاق الفعل والفاعلية ويسهم في تحويل العمل المسرحي ويزداد تعقيداً حين تتكشف لسعيد خبايا أبي الحسن في رغبته بالزواج من حبيبته دعد، فقد كان سعيد يظنّ أنّ أخاه أبا الحسن يعمل على تزويجه من دعد، ولكنّ النيّة المبيّتة تتكشّف من خلال هذا الحوار فيتأجج الصراع:

-سعيد أبوالحسن: سامحني عما افتريت به عليك وآمر بالذي يحسن لديك.

-أبو الحسن سعيد: هكذا كان الواجب أن تجيبني من البداية. ولاتعترضني على قصدي بهذه الغاية.لأن المثل الساير ينادي على روس الأعلام. لارهبانية في الإسلام. ومعلومك أنّ أخاك هذا المسكين قد تطلّق من امرأته. وهو لم يزل شاباً فهل يعيش راهباً بقية حياته.

-سعيد أبو الحسن: وبعده... هذه النتيجة يجب لها الاستغراب. لأنها لاتوافق بداية الخطاب.

- أبو الحسن سعيد: كيف... أتتعجب لقصدي على التأهيل بدعد... كما تتعجّب من البرق قبل الرعد.

-سعيد أبو الحسن: على التأهيل بدعد. دعد. دعد. من يتزوجها.. أ.. أنتَ... أنت... (مغضباً)،

-أبوالحسن سعيد: نعم أ... أنا أ..،أنا لعلك مااستحسنت (مستهزياً).

- سعيد أبو الحسن: عن إذنك لاتطمع نفسك بالمحال. فهذه البنت نصيبي بلاقيل وقال.

-أبو الحسن سعيد: فشرتَ ياسلحفاة ملسا. وخنفسة فطسا. وضفدعة خرسا. بل هي عروسي وفي مرآها أجلي بؤسي. قسماً باعضا مكة والحطيم. لئن لم تنتهِ لنصفعن بوجهك الوخيم.

-سعيد أبو الحسن: قل كما تشتهي وتريد. فأنا عن قصدي لاأحيد. كلّه عندي سوا. وكلامك مثل الهوا.

-أبو الحسن سعيد: اخرس ياتعيس. ياضرطة إبليس. (ويتقابضان متخاصمين) (ص ص136- 137)

إن هذا الصراع أدخله النقّاش على الحكاية لتكون ملائمة للإضحاك والعمل المسرحي يبنى أولاً وأخيراً على الصراع، ويتذكر الكثيرون -بعد قراءة هذه الفقرة- المشهد الرابع من الفصل الأول في مسرحية "البخيل" لموليير، إذ يسأل "هرباغون" ابنة "كليانت" عن رأيه في ماريان- وكلاهما يريد الزواج منها مع فارق السنّ- فيمتدحها كليانت حتى يفاجأ آخر الأمر بانّ أباه يريد رأيه ومشورته فقط، وهو الذي يريد أن يتزوّج منها "23".

ويتمثّل هذا الصراع بين الإنسان الجشع الذي يريد أن يمتلك كل شيء، وهو إنسان مريض، وبين الإنسان السليم الذي لايبحث إلا عما يمتلكه، كما تمثّل صراعاً جيلياً فأبو الحسن رجل متزوج ومسنّ، وهو يودّ أن يتزوج من فتاة صبية بعمر ابنته سلمى، أما الصراع الآخر -وهو في أساس الحكاية، ويتمثّل بين أبي الحسن من جهة ومستغليه من جهة، وعلى رأسهم طه إمام الجامع- فهو صراع مذكور، وهو أساس العقدة والعمل،ولكنه يظل رغبة لم تتحقّق لعدم وجود الطرف الثاني في العمل وعدم ظهورهم على ساحته من جهة، ولأن أبا لاسحن نسي الهدف الذي يريد أن يكون خليفة من أجله، وانشغل بالضجيج والمتع الوهمية من جهة أخرى.

3- الشخصيات:

الشخصيات كثيرة في هذه المسرحية، ولكن أهمّها شخصيتان عنون بهما النقاش مسرحيته، وهما أبو الحسن المغفّل وهارون الرشيد، وسنتوقف عند شخصيتين أخريين لدورهما في بنية الصراع، وهما عرقوب وسعيد.

شخصية أبي الحسن المغفّل: هي الشخصية المحورية الأولى، وهي الأهّم، وقد خلقها النقاش خلقاً جديداً، فهي مختلفة عن شخصية أبي الحسن السوية في حكاية "النائم واليقظان"، فهناك هي متذمرة من الواقع المريض، وهي تنشد الحقّ في الحياة والصدق بين الناس، والأهم من ذلك أنّ هذه الشخصية لايبدو عليها الغفلة أو الجنون، ولكن النقّاش قدّم في مسرحيته نموذجاً للإنسان الساذج المبذر الذي يحيا بين الحلم والواقع، وهو يصدق حياته الحالمة أكثر مما يصدق الواقع المعيش، وهو رجل انفصامي الشخصية، وهذا ماجعله شخصية غنيّة معقّدة نامية متكاملة، وزاد على ذلك أنه جعله شخصية مغفّلة، فصارت تستدعي الضحك والسخرية. ويكشف الحوار لنا عن إنسان ساذج، ولكنه ذو صوت جميل، وقد هيأ له المؤلف من حوله فئة من المستغلين الذين وجدوا في غفلته فرصة سانحة لاستغلاله والسخرية منه، وأول هؤلاء خادمه عرقوب الذي وجد في سذاجة سيّده فرصة لاستلابه بقيّة مايملك، وأبو الحسن مبذّر أنفق أمواله وأموال أخيه في اللهو والتنزّه، وهو سكير وصاحب مجالس مع الدراويش يتعاطى الخمرة والحشيش، ويحلم بأن يستغني عن امرأته العجوز ليتزوّج من دعد الشابة الحسناء، ثم هو لا يدري بعد أن انتقل إلى سرير الملك كيف انقلبت به الحال، فلايعود يميّز توالي الأيام.

إن هذه الشخصية تخلق فضاء من الوهم حول نفسها وتعيش فيه، وكأنها شرنقة حرير القزّ، ففي الفصل الأول يعيش ضمن هذا الفضاء، وهو فضاء السلطة وحبّ التملك بعد أن هزم الواقع هذه الشخصية الساذجة، وتخلى عنها المراؤن والمستغلون، وهي تخلق فضاء الوهم وتتخلّى عن الواقع لتخلق الممكن وتعيش ضمنه، وهي في الفصل الثاني تجد نفسها ضمن هذا الممكن الذي يتحقّق ويغدو واقعاً، ولكنّ الشكوك تنتاب هذا الواقع الجديد، فيفرّ منه إلى الممكن، ويتمنّى أن يظلّ في الحلم الذي يستمرّ في الفصل الأخير مع أنه جسميّاً قد عاد إلى واقعه، وهو لايريد أن ينسى حلمه حتى إنه لُيقدم على ضرب أمه التي حاولت إعادته إلى الواقع.

شخصية الخليفة: يمثّل شخصيتين في المسرحية: شخصية الدرويش (دادا مصطفى)، وهي الشخصية الأهم التي تظهر في معظم العمل، وهي من الداخل شخصية هارون الرشيد الذي يظهر في نهاية المسرحية، وشخصية دادا مصطفى تؤدي دورين مع سعيد وجماعته من جهة وبين أبي الحسن من جهة، فيتوسط (دادا مصطفى) لحلّ الخلاف بين الأخوين حول دعد، ويصير الزواج منها القضية التي تشغل أبا الحسن، فهو يتخلى عن أيّ شيء مقابل الفوز بها.

والفضاء الذي تخلقه هذه الشخصية هو فضاء التسلية وتزجية وقت الفراغ، ولكنّ دورها فعّال في بنية المسرحية، فهي التي تشكل الحركة بين الفصلين الأول والثاني وبين الفصلين الثاني والثالث حين ينقل أبا الحسن بوساطة المخدّر من منزله إلى البلاط وبالعكس، وهو الذي يظهر في نهاية المسرحية ليرتدي ملابسه، ويظلّ الخليفة الأول والأخير، ولكنّ همّه هو التسلية، وهذا مايبدو من خلال هذه النجوى:

-خليفة بذاته: حقّاً صدري قد انشرح بأنواعٍ غزيرة، في مداعبة هذه العيلة الفقيرة. ومع ذلك لابدّ لي أن أتممّ ماخطر في بالي. والصواب أن أتعاهد مع عرقوب لإبلاغ آمالي. (ص153)

شخصية عرقوب: شخصية ثانوية، ولكنها ذات فعالية أساسية، فهو خادم أبي الحسن، وهو شيخ مجرّب يستطيع أن يظهر بوجهين، فهو يدعي بأنه مخلص لسيده ظاهراً، ولكنه في الحقيقة يستغل سذاجة أبي الحسن ويتعاون مع من يستغله ويسخر منه إذا دُفع له، وهو لايهمّه سوى المال، شخصية انتهازية رخيصة، فلما دفع له الوزير جعفر، وهو متنكّر بلباس (دادا محمود) ليتعاون معه في تخدير سيّده لم يرفض، وهو لايهتمّ بمصير سيده، وإن كانوا يريدون قتلته، والمهم في ذلك أن يدفعوا الثمن.

-عرقوب لذاته: معلمي أبو الحسن (ناظراً ومخشخشاً الدراهم التي قبضها من جعفر)

-عرقوب الثلاثة: عليّ مشترى الكفن لا يسوى نصف ذا الثمن.

إن شئتم اقتلوه (ص157)

وهو قد يبيع نفسه وكرامته في سبيل المال، فلما اشترى منه جعفر الوزارة بالمال قال:

- عرقوب جعفر: أنا... أنا... (حتى يتناول الكيس) أنا عرقوب الكذوب. أنا شقيّ مغضوب. وإن زدت لي كم دينار. فلك أن تسميني حمار. (ص186)

وهو في أحواله كلّها ماكر لايتعامل مع أي شخصية من شخصيات المسرحية بلامقابل، فهو عبد المال:

-عرقوب بذاته: ياتُرى من منّا يضحك على رفيقه أكثر. أظنّني أنا الرابح عليهم من الأصغر إلى الأكبر. لأنني أساير الجميع كلّ واحد على مرامه، وأتنعّم بعطاياه وأنعامه. وحينما يطربون أطرب معهم. وحينما يذهبون أكن متبعهم. لازم أن أقابل سعيد وسلمى. لأخبرهما بما حصل بهذه البرهة. لكي أنال منهما.. (مشيراً عن الدراهم) هاهي معلمتي سلمى بغير شبهه. هاهو معلمي سعيد كلُّ منهما آتٍ من جهة (ص ص131- 132)

ولذلك كانت هذه الشخصية ضرورية لفاعليتها في الاحداث.

شخصية سعيد: هو أخو أبي الحسن الأصغر، وقد استلب طه إمام الجامع تركة الوالد، ثمّ أنفق أخوه أبو الحسن ماتبقّى منها، وهو يحبّ دعداً وهي تبادله هذا الحبّ، ولكنّ أبا الحسن يرغب في الزواج منها، ولذلك كان لهذه الشخصية دور فعّال في الصراع الظاهري في المسرحية، فقد وقف سعيد إلى جانب الآخرين الذين تتضرّر مصالحهم بسبب غفلة أبي الحسن وجشعه، ومنهم ابنته سلمى، وهذا مازاد في حدّة شخصية أبي الحسن المحورية، إذ تجمّع عليه الغريب والقريب، وانفضّ الأصدقاء عنه، ولم يبق إلى جانبه إلا بعض المستغلين الذين طمعوا بالمزيد، وهذا مادفع هذه الشخصية إلى أن تقوم بأفعال مضحكة وتزيد في تعقيدها وغناها، ومع ذلك فإن دور سعيد أقلّ فاعلية من دور عرقوب، فدور الأول ظاهر على السطح، ودور الآخر في العمق.

وهناك شخصيات ثانوية، لها حضورها في المسرحية، ولكنّ فاعليتها أقلّ من فاعلية الشخصيات الأربع السابقة، وأهم هذه الشخصيات شخصية (دادا محمود) الوزير جعفر، وشخصية دعد أخت عثمان الصبيّة الحسناء، وسلمى ابنة أبي الحسن التي تحبّ عثمان، وعثمان أخو دعد، والحاجة أم أبي الحسن وسعيد، ومسرور سيّاف الخليفة، وإسحاق، وهو مملوك وبّواب دار الخليفة والجوقة.

4ً- البنية الفّنية:

سنتناول في هذه العجالة الأساليب وفضاء المسرحية والحوار واللغة والجوقة والغناء.

أما الأساليب التي تطالعنا في بنية المسرحية فهي كثيرة، منها السرد، وهو في غير مكان من هذا العمل، ويلجأ الكاتب إلى سرد الحدث على لسان الشخصيات، ويختصّ هذا السرد برواية مامضى، وخاصة لأبي الحسن في وصف أصحابه وسرد ماحدث بينه وبينهم من مثل قوله:

قد كنتُ عندهم أعزّ الناس

 

فغادروني إذ رأوا إفلاسي (ص112)

وثمة الأسلوب الواقعي، وهو الذي يعتمد على التفاصيل ، ومن أمثلة ذلك مادار بين الأخوين عن وصف دعد، وكان سعيد يظنّ أنّ أخاه يريدها له:

-أبو الحسن سعيد: شريفة مرتّبة عظيمة. وهي أحسن جداً من امرأتي القديمة. فاصغِ ياأخي لما أقول. ولاتكن بالجواب عجول. فأنا بالحقيقة أدعى باسم أخيك. ولكنني ربيّتك عوض أبيك.

-سعيد بذاته: نعمْ نعمْ. نعمَ التربيةُ التي ربيتنيها. ماكلّفتني غيرَ ضياع متروكات أبي على بكرة أبيها.

-أبو الحسن سعيد: وها أنتَ لحدّ الآنَ عايش في خيري. ومستغنٍ عن كلِّ أحدٍ غيري. فأريد أن لا تخالفني بما صوبتُ فكري إليه (ص135)

هذه التفاصيل الواقعية يعرفها المتفرّج، ولكن الرجل يغرق فيها تـأكيداً، وثمة الأسلوب التعبيري، وهو أسلوب السخرية الذي ينظم مسار الأحداث والفصول والشخصيات، وهو كثير في هذه الكوميديا. أما الكلام على الفضاء فإنه ينبغي لنا أن نتوقف عند نقطتين: الإبعاد الزماني والمكاني وفضاء المسرحية.

أما النقطة الأولى (الإبعاد) فإنّ النقاش استطاع أن يخلق واقعاً فنيّاً بديلاً من الواقع الذي يتحدّث عنه ويبتعد عنه زمانياً ومكانياً، فالمسرحية تستهدف العيوب الاجتماعية التي عاصرت النقاش، وهي عيوب يُحتمل وجودُها في كل زمان ومكان، فلم يعبّر عنها المؤلف بالحوار المباشر بين الشخصيات، وإنما التجأ إلى "ألف ليلة وليلة"، ليستعير منها الحكاية التي تعبّر عن هذا الواقع، فأحدث المشابهة بين الواقعين الفني والمعيش، أو الماضي والحاضر، وهو -هنا- إبعاد محدّد زمانياً ومكانياً، فهو من عصر هارون الرشيد، والمكان بغداد، فجاء الموضوع الحكائي خلفية لأحداث الحاضر، وليعرض من خلال هذه الخلفية قضية اجتماعية، هي الإسراف في التبذير، والإبعاد هنا وسيلة لمعالجة هذه العيوب التي يطرحها المؤلف، وهو يترك المجال مفتوحاً إزاء المتلقي لتأويلات عدّة.

والمسرحية ذ ات فضاء رحب للتغيّر في المكان واللباس والأحلام. أما التغيّر في المكان فهو واضح بين الفصول الثلاثة، يدور الحدث في الفصلين الأول والأخير في بيت أبي الحسن، وهو فقير الحال يدلّ على ذلك اللباس والأثاث، ولكن الحدث يدور في الفصل الثاني في سرايا الخليفة بغرفة ملوكية، وبها ملابس ملوكية وتاج وصولجان . وإذا كان المكان في الفصلين الأول والثالث فقيراً فإن الأحلام فيهما غنية، وأبو الحسن صاحب أحلام متنوعة معقّدة؟ فهو يحلم بالقضاء على طه إمام الجامع الإنسان المخادع الذي خان الوصية، ويحلم أيضاً بالقضاء على الأصحاب المرائين، ولولا هذه الأحلام لكان إنساناً عادياً، وحلمه الأهمّ هو أنه ينسى واقعه وسنّه ويحلم بالزواج من الصبية الحسناء دعد، وهذا الحلم لامعقول، لأنها لاتبادله الحبّ، أما أحلامه في الفصل الثاني فهي تتغيّر أيضاً وتتلاشى، فتغيّر اللباس والمكانة يعني تغيّر الشخصية وأحلامها التي دفعتها إلى سدّة العرش، فالجميع ينادونه يامولاي، فينسى في غمرة هذه الأبّهة مرة واحدة ماكان يحلم به، حتى إنه يوقّع على أمر بزواج دعد من سعيد، وكأنه يئدُ الحلم الأكبر الذي كان يلازمه، بل يئد الصراع ويتخلّى عن شخصيته السابقة. وهذه الأحلام هي التي تخلق الفضاء الغني، فتقلب المكان على أعقابه، ويصبح المكان الفقير (الفصل الأول والفصل الثالث) أكثر غنى بالأحلام من المكان الغني. فأبو الحسن يعيش بأحلامه في المسرحية أكثر مما يعيش في واقعه، وهو لايستيقظ إلاّ حين يرى بعينيه (دادا مصطفى) يرتدي الثياب التي ارتداها هو في الفصل الثاني، وحينذاك تستيقظ هذه الشخصية من غفلتها، ويعود إليها وعيها، وتدرك أنها كانت ضحية لعبة جماعية بدءاً من الخليفة وانتهاء بخادمه الخؤون عرقوب، وقد ترك المؤلف هذه الشخصية مفتوحة على أبعاد تأويلية متعدّدة، فهل اقنتع أبو الحسن بواقعه أو أنّ أحلاماً أخرى ستنتشله من هذا الواقع، وترتفع به إلى فضاءات أخرى؟..

والحوار في هذه المسرحية رشيق مع أنه شعري ونثري، ولكنه في الشعر قصير الأوزان، غنائي ليتناسب مع الألحان التي وضع لها المؤلف فهارس في نهاية المسرحية، وهي أوزان متنوعة بتنّوع الحالات التي تعيش فيها الشخصيات، ويجزم الدارس هنا أنّ هذا الحوار متقدّم مسرحيّاً على الشعر المسرحي الذي نراه في القرن العشرين، فلا نجد القصائد الغنائية المطوّلة التي نجدها في مسرحيات أحمد شوقي وأتباعه، ونثره مصنوع كما وجدنا، ولكنها الصناعة القريبة من العفوية لغةً، ويرتفع نثرها أحياناً إلى مصاف الشعر لولا بعض الركاكة في بعض الألفاظ أحياناً، ثم إن الغناء الذي تؤديه الجوقة أساسي في بنية المسرحية ، وهو غناء قصير تقوم به الجوقة لتخلق المناخ الذي يهيمن على فضاء المسرحية، ومن ذلك -مثلاً- الغناء في بداية الفصل الثاني إذ يستيقظ أبو الحسن، فإذا هو خليفة، فيأتي دور الجوقة بالغناء ليعزّز الوهم:

- جوقة بذاتهم:

يامالك الملك الأمين

 

احفظ أمير المؤمنين

-أبو الحسن بذاته:

حقاً منامٌ طربٌ

 

ياليتهُ شيءٌ يقين

أبا الحسن احرص على نومك

 

وألا تقع في الندامة...

ياليتني أبقى نايماً إلى يوم القيامه

 

.......

(يجلس قليلاً ثم يرجع فينام)

- جوقة بذاتهم:

أدمهُ للممالك

 

واحرسهُ بالملايكِ

- أبو الحسن بذاته:

رؤيا ولكنْ حلوةٌ

 

ياربُّ زد وباركِ

-جوقة بذاتهم:

ياربُ البرية

 

أبّد الدولة العليه

(ثلاث مرار بأعلى أصواتهم ويذهبوا) (ص ص158- 159)

هكذا كان عمل الجوقة متمّماً للعمل وفاعلاً في بنية النص المسرحي.

5ً الخاتمة:

لايعني ماتقدّم أن هذا العمل يخلو من العيوب التي نراها اليوم، كالسجع الخفيف والصور البيانية المصطنعة أحياناً وبعض الألفاظ العامية وركاكة الجملة التعبيرية، وغلبة المعنى على اللفظ، ولكننا إذا نظرنا إلى هذه المسرحية في عصرها وجدنا أن هذا العمل يستحقّ الوقوف عنده، وهو عمل ريادي فعلاً، فإذا وقفنا -مثلاً- عند اللغة التي صاغ منها النقاش مسرحيته ، ووضعنا بالحسبان الأدب في منتصف القرن الماضي ، ونظرنا إلى اللغة الشعرية التي كانت ترسف بقيود بديعية ومعانٍ هزيلة... أدركنا دور المسرح الشعري في تطوير لغة الشعر في نهاية القرن الماضي وبدايات هذا القرن، وخاصة أن الذين طوروا لغة الشعر كانوا يعملون في المسرح تأليفاً أو ترجمة أو إخراجاً أو تمثيلاً (خليل اليازجي -نجيب الحداد --أديب إسحق -خليل مطران -شوقي.. الخ)، والداعي إلى تطوير لغة الشعر في المسرح واضح، وهو أن المسرح يقدّم للعامة، ولذلك قُدّم المعنى على المبنى، واتجه المؤلفون إلى وضوح المعنى وجودته.

إذا نظرنا أخيراً إلى ماسبق بمنظار الأدب في منتصف القرن الماضي وحداثة المسرح والمسرحية وجدناه عطاءً ريادياً يستحق الوقوف عنده هذه الوقفة الطويلة.

 

هوامش الفصل الأول:

1- للتوسع أنظر: مثلاً بن ذريل، عدنان -فنّ المسرحية -دار الفكر بدمشق- 1963 -ص ص11-18 والخطيب، محمد كامل -نظرية المسرح (القسم الأول) منشورات وزارة الثقافة بدمشق 1994 -ص7.

2- للتوسع في حياته وأعماله انظر مثلاً: النقاش، مارون -أرزة لبنان- طبع بالمطبعة العمومية في بيروت- سنة 1869- ص ص9-12، وزيدان، جرجي -المؤلفات الكاملة (المجلّد السادس عشر) -دار الجيل للنشر والتوزيع -بيروت 1982 -ص ص 386- 388، وعرسان، علي عقلة -مارون النقاش -الموقف الأدبي -س17 -ع196- آب 1987.

3- المسرحية في الأدب العربي الحديث (1847- 1914) بيروت -ط2 -1967- ص421.

4- نفسه ص416.

5- نفسه -ص419.

6- نفسه -ص420.

7- أرزة لبنان -ص15.

8- نفسه -ص18.

9- نفسه -ص16.

10- للتوسع انظر مثلاً الكيلاني إبراهيم -أبو خليل القباني- المعلّم العربي -س1- ع1 -ك2 1948، وكنعان، حسني- أبو خليل القباني باعث نهضتنا الفنية -الرسالة (م 16) (1948) الصفحات 1120 -1351- 1461 و(م17)(1949) الصفحات 12-13-1397، وآل جندي، أدهم -أعلام الأدب والفنّ (الجزء الأول)- مطبعة مجلة صوت سورية 1954 -ص ص 248- 252، وسّمان، نجاح -من تاريخ المسرح السوري، أبو خليل القباني -الآداب. س5- ع1- ك2 1957، وداغر، يوسف أسعد -مصادر الدراسة الأدبية(2)- ص ص644- 645، ونجم، د. محمد يوسف -المسرح العربي -دراسات ونصوص(2) -الشيخ أبو خليل القباني- دار الثقافة- بيروت 1963، وونوس، سعد الله- لماذا وقفت الرجعية ضد ابي خليل القباني -ملحق ا لثورة الثقافي -ع32- تاريخ 21-10-1976 ثم نشرت في كتابه "بيانات لمسرح عربي جديد" -دار الفكر الجديد -بيروت 1988، والنجاري، حيدر -أبو خليل القباني- الموقف الأدبي -ع161- أيلول -1984، ومحمد، د. نديم معلا- من المسرح السوري -أبو خليل القباني -الحياة المسرحية- العددان 24-25 ربيع وصيف 1985 ثم في كتابه "الأدب المسرحي في سورية -نشأته تطوره" منشورات مؤسسة الوحدة -دمشق 1986- ص ص7- 19، ومحمد، د. نديم معلا -المسرح في عصر النهضة ثلاثة رواد -ثلاث تجارب -المعرفة- العددان 318- 319- س28 -ك2 وشباط. 1990، والعواني، محمد بري -أبو خليل القباني- الموقف الأدبي- س23- ع267 -أيلول 1993.

11- نجم، د. محمد يوسف -المسرحية في الأدب العربي -ص70.

12- مندور، د. محمد -المسرح- نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع -الفجالة -القاهرة -1989 -ص40.

13- نقلاً عن ياغي، د. عبد الرحمن -في الجهود المسرحية الإغريقية الأوروبية العربية (من النقّاش إلى الحكيم -المؤسسة العربية للدراسات والنشر -بيروت -ط1- 1980 -ص 115.

14- انظر تلك المسرحيات في الكتاب الذي صدر عن وزارة الثقافة والإرشاد القومي بدمشق 1964 بعنوان "المعلم داود قسطنطين الخوري" وقدّم له الدكتور شاكر مصطفى.

15- المسرحية في الأدب العربي الحديث- ص183.

16- هي "بورصة مصر العليل -ابو ريدة وكعب الخير -الصداقة- الأميرة الاسكندرانية- الدرتين (الضرتين)- موليير مصر ومايقاسيه -وحوارية قصيرة بعنوان "السواح والحمار" -نشرها د. محمد يوسف نجم -المسرح العربي -دراسات ونصوص(3)- يعقوب صنّوع (أبو نضارة) -دار الثقافة -بيروت1963.

17- انظر في ذلك: داغر، يوسف أسعد -مصادر الدراسة الأدبية(2)- منشورات جمعية أهل القلم في لبنان- بيروت -1956- ص ص550- 551، وداغر، يوسف أسعد -معجم المسرحيات العربية والمعربة (1848- 1975) -وزارة الثقافة والفنون -بغداد1978- عدة أمكنة .

18- أرزة لبنان -ص16.

19- نفسه -ص17.

20- نفسه -ص ص108- 272. والإشارات في المتن إلى رقم الصفحات من هذا المصدر.

21- ألف ليلة وليلة -المطبعة الكاثوليكية (بيروت) 1889- ج2 -ص 153 ومابعدها.

22- إشارات الأشخاص هنا: "أبو الحسن لذاته" أي في سره، أومانسميه اليوم "مونولوغ" نجوى -أبو الحسن عرقوب: أي أنّ أبا الحسن هو الذي يتكلّم، وكلامه موّجه إلى عرقوب.. وهكذا.

23 - Voir: L’AVARE- classiques Larousse -27ed. P.P.23 -26.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244