|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 01:11 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الرابع المسرحية في أدب توفيق الحكيم لم يكن محمد ومحمود تيمور أو توفيق الحكيم أول من اتجه إلى النثر والمسرحية الواقعية الاجتماعية، فقد كانت المسرحية الأولى منذ عهد مارون النقاش موزّعة بين النثر المصنوع والشعر، واتجه يعقوب صنّوع اتجاهاً جاداً نحو النثر الميسّر في مسرحياته التي تعالج القضايا الاجتماعية بنزعة انتقادية، لكنّ المشكلة في مسرحياته أنها كانت باللهجة المصرية، ثم سار فرح أنطون بالمسرحية الاجتماعية النثرية شوطاً لابأس به، وخاصة في مسرحيته الشهيرة "مصر الجديدة ومصر القديمة" 1913 التي تعدّ ديباجة لتاريخ نهضة التمثيل الشرقي الجديد، ومثلتها فرقة جورج أبيض بتاريخ 5- 7- 1914"1"، وكان للأخوين تيمور دور آخر في هذا المجال، فألف محمد بعض المسرحيات، منها "العصفور في القفص" و"عبد الستار أفندي" و"العشرة الطيبة" و"الهاوية"، وهي باللهجة المصرية، أما أخوه محمود فألف مسرحياته بالعامية لتمثل وبالفصحى لتقرأ، ومنها "ابن جلا" عن الحجاج بن يوسف الثقفي و"اليوم خمرٌ" عن الشاعر امرئ القيس، و"صقر قريش" عن عبد الرحمن الداخل، و"المخبأ رقم 13" و"حوّاء الخالدة" و"الخالدون، ويؤخذ على بعض مسرحياته تجويد العبارة ورصانة الجمل وبروز الطابع اللغوي على حساب الحركة المسرحية. سنتوقف -هنا- للحديث عن مسرحيات توفيق الحكيم (1898- 1987) بصفته المسرحي الكبير الذي نذر حياته للمسرح، وهو أهم من كتب هذا النوع من النصوص حتى منتصف هذا القرن بلغتنا، وهو من المؤسسين والمؤصلين لحركة المسرحية العربية، وقد ارتبط اسمه بالمسرحية وبالثقافة المسرحية على الرغم من أنه كتب المقالة والقصة. مرت المسرحية عند الحكيم بخمس مراحل هامة: أ- مرحلة المسرحية الفكاهية: تمثّل هذه المرحلة بدايات الحكيم، وهي متصلة بالمسرحية التي كانت معروفة قبل أعمال الحكيم في بدايات هذا القرن، وكانت ممتزجة بالغنائية من جهة وبالتوجه إلى الحياة الاجتماعية من جهة، وقد وجدنا ذلك عند كثير من المسرحيين الذين سبقوا الحكيم، سواء كتبوا مسرحياتهم بالفصحى أم بالعامية، وتنتمي إلى هذه المرحلة مسرحيته المفقودة "الضيف الثقيل" 1919 وهي تنديد رمزي بالمستعمر البريطاني، وقد ذكرها الحكمي في مقدمة مجلّده "مسرح المجتمع"، وتدور أحداثها حول محامٍ هبط عليه ذات يوم ضيف ليقيم عنده يوماً، فمكث شهراً، ومانفعت في الخلاص منه حيلة ولاوسيلة، وكان المحامي يتخذ من مسكنه مكتباً لعمله ، فكان الضيف يستغل ذلك فما أن يغفل المحامي لحظة أو يتغيّب ساعة حتى يتلقّف الضيوف الوافدين الجدد، فيُوهمهم أنه صاحب الدار، ويقبض منهم ماتيّسر له قبضه من مقدّم الأتعاب. وقد حاول الحكيم في كتبه ورسائله ومقابلاته والدراسات عنه وعن أدبه المسرحي أن يتجاهل مرحلة البدايات التي تمتّد إلى مسرحياته الذهنية ونضجه الفني"2". ب- مرحلة المسرحية الاجتماعية الواقعية: أصدر الحكيم في هذه المرحلة مجلدين ضخمين جمع في كلّ منهما إحدى وعشرين مسرحية متفاوتة الطول، وعنوان المجلد الأول "المسرح المنوّع" والثاني "مسرح المجتمع"، يضمّ الأول منهما بعض مسرحياته المكتوبة بين عامي (1923- 1966)، وهي مسرحيات لايجمعها قاسم مشترك أو صفة واحدة سوى أن مؤلفها واحد، وهو يصفها في المقدمة بقوله"3": "والواقع أنها مسرحيات منوّعة في أسلوبها وفي أهدافها، ففيها الجدي والفكاهي، وفيها ماكتب بالفصحى وبالعامية، وفيها النفسي، والاجتماعي، والريفي، السياسي ونحو ذلك"، ومن أهمّ مسرحياته المكتوبة بالفصحى في هذا المجلد "سرّ المنتحرة" و"الأيدي الناعمة" و"الخروج من الجنة" و"صاحبة الجلالة" و"نهر الجنون". ولابدّ من الوقوف -هنا- عند قضية هامة في مسرحيات الحكيم الاجتماعية، وهي موقفه من المرأة، فقد وصف هذا الرجل بأنه عدوّ المرأة ،وموقفه منها شبيه إلى حدّ مابموقف العقاد منها، وقد كثر الحديث حول ذلك، وردّه بعضهم إلى تربية والدته التركية الصارمة، وردّه بعضهم إلى خشيته منها وإخفاقه في الحبّ الذي أسلمه إلى الاندماج في الحركة الوطنية والإنتاج المسرحي"4"، والمهمّ أنّ الرجل كان محافظاً وأنه كان ينظر إلى المرأة من هذه الزاوية، ولم ينفع في ذلك خروجه إلى باريس أو سواها وإن حاول أن يساير الثورة في مصر وأن يتراجع عن بعض أرائه، وربما كان تراجعه شكلياً، وقد يعود موقفه من المرأة إلى أسباب في تركيبة الحكيم النفسية والبيولوجية نجهلها، وزواجه المتأخر قد يساعد في معرفة بعض هذه الأمور، ولنتوقف هنا عند بعض كلماته في المرأة والحبّ والزواج لنتبيّن بعض ملامح صورة المرأة في مخيّلة الحكيم. المرأة أولاً في رأيه مخلوق جميل، ومن أقواله في ذلك"5": "الجنة لاتسمّى جنّة إذا لم تكن فيها حواء"، و"الجمال هو العذر الوحيد الذي يغفر للمرأة كلّ تفاهتها وحماقتها". والمرأة ثانياً مخلوق حسّاس وفيّ، وهو يقول في ذلك: "المرأة تستطيع أن تعيش مع الحبّ الميّت لأنها تستطيع أن تضع على قبره في كل يوم زهرة من دموع الذكرى". والمرأة ثالثاً- عنده- تمتلك قدرات خارقة، ومن ذلك قوله: "إذا تمكن حلم من امرأة وتمكّنت هي منه، فلن تتركه حتى يغدو حقيقة"، و"المرأة عندما تهتّم برجل تستطيع أن تعرف عنه ماقد يجهله هو عن نفسه". والمرأة رابعاً لا تعرف عملاً سوى الحبّ، وهو وحده عالم المرأة: "ليس للنساء عمل في الحياة غير الحبّ. أما حياة الرجال فهي حبّ العمل... ومن هنا نشأ سوء التفاهم!". والمرأة خامساً متناقضة في طبيعتها، متعدّدة الصفات: "المرأة فاكهة شهيّة ينخر فيها الدود" و"خُلقت المرأة لتشّدنا إلى البهائم بيد، وترفعنا إلى القديسين بالأخرى" و"المرأة هي المخلوق العجيب الذي يضّم بين ذراعية السماء والأرض". والمرأة سادساً وبناء على هذا التناقض في طبيعتها، من وجهة نظر الحكيم، مخلوق تافه: "المرأة مخلوق تافه، صنعت من ضلع تافه من أضلاع آدم، وخرجت من الجنة وأخرجته بسبب تافه"، و"المرأة لاتستطيع أن تخلص لمبدأ، ولكنها تستطيع أن تخلص لشخص". والمرأة سابعاً مخلوق مخادع: "الخداع هو الأوكسجين في هواء كل امرأة، فإن لم تجد من تخدعه خدعت نفسها"، و"منذ فجر التاريخ والمرأة تتزيّن أي تخدع، ولقد عرف الطلاء على وجه المرأة قبل أن يعرف على جدران الهياكل"، وينسى الحكيم في هذه المقولة شيئاً هاماً، فالمرء قد يفهم منها أن المرأة أكثر ذكاء من الرجل، وهي تخدعه لبساطته وسذاجته. ومع كل ماتقدّم فالمرأة ثامناً عالم الرجل وفضاؤه: "المرأة هي السّجان الدائم لنا نحن الرجال، تحبسنا بين جدران بطنها ونحن أجنّه، فإذا خرجنا إلى الحياة وقعنا بين سياج حجرها ونحنُ أطفال، فإذا اجتزنا بالكبر تلك السياج تلقّتنا أغلال ذرا عيها فطوّقت أعناقنا حتى الممات". ويعّبر الحكيم عن رأيه في الزواج: "الزواج هو مقبرة الحبّ الملتهب"، وهو يعيد هذا الرأي في مكان آخر: "إني أدرك لماذا يفتر الحبّ الملتهب بين الخليلين إذا تزوجا""6"، وكأن الحكيم هنا رومانسي خالص، فهو يريد الحبّ عذرياً مثالياً دائماً لاتشوبه النزعة المادية أو الجسدية، فالمرأة مثال لاتُلمس عنده، وهذه الفكرة رومانسية الجذور، ويُسفر الحكيم لنا عن رجل شرقي ممّزق بين المرأة الجاهلة والمرأة المثقفة الذكية: "آه للمرأة! إذا ابتليت بالجهل فهي مخلوق تافه. وإذا منحت الذكاء فهي مخلوق خطر"، وواضح أنه يخاف المرأة المثقفة ويحتقر المرأة الجاهلة، ولكنه في قول آخر لايرى فروقاً تُذكر بين امرأة وأخرى، ويناقض رأيه السابق: "المرأة هي المرأة دائماً لايرى فروقاً تُذكر بين امرأة وأخرى، ويناقض رأيه السابق: "المرأة هي المرأة دائماً سواء ألبست النقاب والخلخال، أم الوسام وخوذة القتال" فهل كان الحكيم يخشى على فنّه من هذا المخلوق الجميل حين قال: "المرأة الجميلة عدّو الرجل المفكر". تمثّل الآراء السابقة خلاصة نظرة الحكيم إلى المرأة، فهو يتقرّب منها ويبتعد عنها، يحبّها ويخشاها في لحظة معاً، لكنه الرجل الذي لم يستطع الخروج من عقلية الرجل الشرقي الذي ينظر إلى المرأة على هذه الصورة في الشرق، ومجمل أعماله المسرحية حول المرأة لم تخرج على هذه الصورة. وإذا توقفنا -مثلاً- عند مسرحيته "المرأة الجديدة" 1923- 1924 وهي مسرحيته الثانية، وقد كتبها لفرقة عكاشة، وتتألف من ثلاثة فصول، وهي باللهجة المصرية فإننا نجده يعالج فيها قضية السفور والحجاب ويقف منها موقفاً محافظاً، فيرى أن السفور يعني اختلاط المرأة بالرجل، ويعني أيضاً خروجها للعمل وصداقتها للرجل، ونجد هذه الفكرة بين أخذ وردّ على لسان شخصيات المسرحية، ويبدو من خلال الحوار أن المرأة الجميلة تفضّل السفور وأن المرأة الدميمة تفضل الحجاب، وهذه وقفة نفهم منها أن الحكيم إلى جانب السفور، ولكن ختام المسرحية ينسف هذا الرأي نسفاً، فهو يحمّل -على لسان شخصياته- السفور تبعة المصائب التي حلّت، وهذا واضح من المصير الذي انتهت إليه نعمت وليلى، وقد اختارهما الحكيم لتمثّلا المرأة الجديدة المتحررة، فالأولى فقدت زوجها وهدمت بيتها، والثانية فقدت حبيبها الراغب في الزواج منها وشوّهت سمعتها، وهذا يعني أن السفور يؤدي إلى انهيار الحياة الزوجية من جهة وانصراف الشباب وعزوفهم عن الزواج من جهة، وسفور المرأة يعني سقوطها"7". فسّر الحكيم لنا موقفه ذلك من المرأة في المقدمة التي كتبها لهذه المسرحية في سنة 1952 أي بعد ثلاثين عاماً من كتابتها، وبيّن أنه موقف كان ينمّ عن خوف وقلق، ثم بين أنّ هذه المخاوف قد تجاوزها الزمن، وقال بعد ذلك: "على أن من الإنصاف لحركة المرأة الجديدة في ماضيها وحاضرها ان نعترف بأن الكثير من مخاوف اللحظة قد لاتحققه ظروف الغد. فالتندر على مطامع المرأة السياسية اليوم قد يكون تجنياً مسرفاً عندما نرى في المستقبل أنّ الأوضاع الجديدة قد استقّرت دون أن يقع مما توهمنا شيء ذو خطر.. لقد تعودنا اليوم منظر المحامية والصحفية والأستاذة والموظفة، مامن شيء يمنع من تعودنا غداً منظر النائبة والشيخة والوزيرة، وكثير من أفكارنا الحاضرة سيبدو غريباً في عين المجتمع الذي سيولد بعد ثلاثين عاماً""8". والحقيقة أن الزمن تجاوز أفكار الحكيم حول المرأة منذ زمن بعيد كما تجاوز مسرحيات الحكيم حول المرأة، لأنها أفكار تنطلق من أفكار شديدة المحافظة، حتى إن الدكتور مندور يبيّن لنا أن هذه المسرحية تعالج مشكلة المرأة في عصر الحكيم لأن المرأة في الطبقتين العليا والدنيا تخالط الرجال منذ القديم، وإنما هي تعالج مشكلة المرأة في الطبقة الوسطى، ثم كان الزمن كفيلاً بحلّ هذه المشكلة، ولذلك فقدت مسرحية الحكيم الكثير من أهميتها ومن اهتمام الناس بها، وأصبحت أشبه ماتكون بوثيقة من وثائق التاريخ"9". ولايعني ماتقدّم أن الحكيم كان محافظاً في مسرحياته الاجتماعية الأخرى، فهو -مثلاً- يعالج في مسرحيته "أغنية الموت" مشكلة متأصلة في المجتمع العربي وخاصة في صعيد مصر، وهي مشكلة الثأر والبحث عنه على مدى العمر، وبيّن فيها أن الثأر لا يأكل إلاّ صاحبه، وصوّر في مسرحيته "الأيدي الناعمة" المنحى الاشتراكي للثورة، وبيّن أن لامكان في المجتمع لمن لايعمل أو للعاطلين بالوراثة لأنهم جمعوا أموالهم من عرق الطبقة الدنيا، وقد سخر في هذه المسرحية من تفاهة العلوم الجدلية، فأطلق على إحدى شخصيات المسرحية اسم "الدكتور حتى" الذي أمضى عمره في البحث في هذا الحرف، وصّور في مسرحية "الصفقة" الحالة التي كانت سائدة في الريف قبل الثورة يوم كان الفلاحون يخشون سيطرة الإقطاع على الأرض الزراعية، فنرى إحدى الشركات العقارية الأجنبية تقرّر بيع "تفتيش""10" من أراضيها في إحدى قرى الريف، فيتضافر أهل القرية على شرائه ثم توزع الأرض فيما بينهم، ويجمعون المال اللازم، لكنهم يسمعون بوصول إقطاعي قريتهم حامد بك أبو راجية إلى محطة القطار لزيارة القرية، فيظنون أنه قادم لمعاينة "التفتيش" وشرائه من الشركة، مع أنه لم يكن قادماً لهذه الغاية، فيجمع الفلاحون كمية من المال ليقدموها له رشوة لكي يترك لهم الأرض، فلما علم بوجود هذه الصفقة استيقظ جشعه، فطلب مزيداً من المال إضافة إلى فتاة ريفية (مبروكة) بحجة أنّ أطفاله يحتاجون إليها، ولكن الحقيقة أنها راقته، ويذعن الفلاحون لمطالبه، لكن الفتاة مبروكة الواثقة من نفسها تنقذ شرفها بان تتظاهر بإصابتها بالكوليرا في منزل الإقطاعي بالقاهرة، فيخلّى عنها لتعود إلى قريتها وخطيبها محروس، ويفوز الفلاحون في النهاية بالصفقة، ويتزوج محروس من مبروكة. ويعالج الحكيم صفوة الغرائز البشرية بوساطة الفكاهة في مسرحيته الكوميدية الاجتماعية "أريد أن أقتل"، وهي تحكي عن رجل وامرأته يتبادلان دائماً عبارات الوفاء والإخلاص والإيثار، ويعلن كلَّ منهما للآخر عن رغبته في أن يسبق رفيقه إلى الموت حتى لايفجع بأعزّ مخلوق لديه، وتشاء المصادفة أن تقتحم عليهما المنزل فتاة شبه مجنونة شاهرة مسدساً، وتبيّن لهما أنها تريد أن تقتل أحدهما وأن تترك لهما اختيار من تقتله، وهكذا يتضرّع كلّ منها إليها أن تقتل الآخر لاستيقاظ غريزة "حبّ الحياة" أمام خطر الموت، وتُطلق الفتاة في النهاية العنان لمسدسها، فإذا هو محشوّ بالبارود بدلاً من الرصاص، وينجو الزوجان بعد أن يكتشف لهما ولنا حقيقة الإنسان نفسه. إن معظم مسرحياته الاجتماعية من نوع الكوميديا، وهي في نقد العيوب والأخلاق الاجتماعية، ويحاول معالجتها في السخرية منها، لتنقلب في الأعماق إلى مأساة دامعة، فهي محزنة لما في هذا المجتمع من عيوب وأمراض متجذّرة في بنيته، وليس الضحك منها سوى قشرة خارجية، أما باطنها فمأسوي. ج- مرحلة المسرحية الذهينة: هي المرحلة التي تمثّل نضج المسرحية عند الحكيم، وفيها كتب أروع مسرحياته وأكثرها بقاءً، وقد كتبها بعد أن سافر إلى فرنسا ليواصل دراسة القانون بجامعتها للحصول على درجة الدكتوراه كما يريد والده، لكنه انصرف هناك إلى الأدب والمسرح، وابتعد عن المسرحيات ذات الموضوعات الاجتماعية والسياسية، واتجه إلى الأدب الإنساني الخالد، وقد قال في ذلك"11": "منذ عشرين عاماً كنتُ أكتب للمسرح بالمعنى الحقيقي، والمعنى الحقيقي للكتابة للمسرح هو الجهل بوجود المطبعة، لقد كان هدفي وقتئذ في رواياتي هو مايسمّونه المفاجأة المسرحية.. ولكني أقيم اليوم مسرحي داخل الذهن، وأجعل الممثلين أفكاراً تتحرّك في المطلق من المعاني مرتدية أثواب الرموز... لهذا اتسعت الهوة بيني وبين خشبة المسرح، ولم أجد قنطرة تنقل هذه الأعمال إلى الناس غير المطبعة، لقد تساءل البعض: أولا يمكن لهذه الأعمال أن تظهر على المسرح الحقيقي؟ أما أنا فأعترف بأني لم أفكّر في ذلك عند كتابه روايات مثل "أهل الكهف" و"شهرزاد" و"بيجماليون"". إذا بحثنا عن الأسباب التي دفعت الحكيم إلى هجران خشبة المسرح والانتقال إلى المسرحية الكتاب فإن الحكيم نفسه يقدّم لنا في بعض كتبه بعض الأسباب، فقد أعاد ذلك إلى ظروف خاصة بأسرته أو بوظيفته في القضاء، كما أعادها إلى حالة التمثيل المتدنية في مصر حينذاك، فالعمل في المسرح لم يكن محترماً، وقد عرضه للازدراء والمهانة من أهله ومعارفه ومن نقاد المسرح، لذلك فكر وحاول الكتابة في أجناس أدبية أخرى كالشعر والمقالة والرواية، ولما وجد أن المسرح هو طريقه ابتعد عن المسرحية التي تمثّل إلى المسرحية -الكتاب التي تُقرأ"12". تعالج المسرحية الذهنية قضية عامة أو فرضية نظرية بحتة يتأملها الفكر ويعالجها ويحلّلها بعيداً عن حركة الواقع، وينظر إليها نظرة تجريدية، وإذا كان المسرح الأرسطي يقوم على الصراع بين الفعل وردّ الفعل فإن المسرح الذهني يحصر اهتمامه في نطاق التأمل الفكري وصراع الأفكار عبر التجريد، ففي كل مسرحية من المسرحيات الذهنية يفترض الحكيم فرضية ما، ثمّ يعالج نتائج هذه الفرضية لينتهي من مجموعها إلى أنّ الإنسان شبكة من العلاقات الزمكانية التي لايمكنه الخروج منها، ففي "أهل الكهف" يفترض أنّ الله أمات القوم ثم بعثهم بعد ثلاثة قرون، ثم يدرس حياتهم بعد بعثهم، وكيف سيتصرفون في الحياة الجديدة، وفي "عودة الشباب" يفترض الحكيم أن شيخاً عاد بعقل الشيخوخة إلى فترة الشباب، فكيف سيتصرف؟ وفي "رحلة إلى الغد" يفترض الحكيم أن أناساً انطلقوا بمركبة فضائية إلى الأمام قرابة 300سنة، فكيف سيتصرفون في مكان وزمان آخرين؟ وينتهي الحكيم من هذه الفروضات إلى أن الإنسان ابن بيئته، وهو أسير زمان ومكان محددين، وإذا فقد علاقاته بزمانه ومكانه فالأفضل له أن يموت.. وسندرس مسرحية "أهل الكهف" في ضوء هذه المعطيات. د. مرحلة المسرحية الهادفة: اتجه توفيق الحكيم إلى كتابة المسرحية الهادفة بعد ثورة 23 تموز 1952 ، وهي مسرحيات تصدر عن الفلسفة الاشتراكية ، فكتب في هذه الفترة مسرحيات مثل "الأيدي الناعمة" و"الصفقة"، وهما مسرحيتان تصدران عن أفكار الثورة وتوحيان بالثقة بالشعب، ويبيّن الدكتور محمد مندور أن الحكيم يمثّل الطبقة البورجوازية، وهو ممّن يؤثرون السلامة ويتجنبون تبعة الرأي الحاسم، وليس له فلسفة اجتماعية محدّدة، وهو لم يكن في يوم من الأيام رائداً، وإنما هو تابع، وأدبه "أدب الصدى" لا"أدب القيادة""13"، وهذا يعني أن الحكيم لاموقف له، أو أن موقفه إلى جانب مصلحته الشخصية وأحياناً إلى جانب طبقته. هـ- المسرحية اللامعقولة: حاول توفيق الحكيم مواكبة تقنية المسرح الجديد في العالم، فكتب مسرحيته "ياطالع الشجرة" وهي مسرحية وحيدة له في هذا الباب، وهي مستقاة من الموال الشعبي الذي يقول: "ياطالع الشجرة/ هات لي معاك بقرة/ تحلب وتسقيني/ بالملعقة الصيني"، والموال يستنكر ماأصابه بعض الناس من ثراء فاحش في فترات وجيزة. أصدر الحكيم هذه المسرحية أولاً في كتاب وجعل لها مقدمة تحدّث فيها عن اللامعقول، ورغم أن أدبنا الشعبي عرف هذا النوع من الأدب في الموال "ياطالع الشجرة" والمشهد الوحيد اللامعقول هو أن جلس الزوج والزوجة يتحاوران، ولكن كلا منهما يتحّدث عن أمر لايتحّدث عنه الآخر، ويستمر الحديث وكل منهما في وادٍ غير الوادي الذي فيه الآخر. قراءة مسرحية "أهل الكهف" لتوفيق الحكيم"14" 1ً- مستويات القراءة: قراءة المصدر: تعود بنا الحكاية إلى بداية انتشار الديانة المسيحية في طرسوس إذ وجد توفيق الحكيم معجزة تصلح وعاء لفحص قضية البعث، وهي تقول إن نفراً من المسيحيين الأوائل خافوا على حياتهم من بطش امبراطور الرومان الوثني دقيانوس الذي حكم بين عامي 249-251م، ففرّوا إلى كهف ناموا فيه مئات السنين، ثم بعثوا في عصر الإمبراطور المسيحي الصالح تيدوسيوس الثاني الذي تولى العرش بين عامي 408- 450م، وكان بعثهم استجابة من الاله لصلوات هذا الإمبراطور الذي طلب من ربّه أن يظهره على برهان محسوس لحقيقة البعث، وقد استقى الحكيم هذه الحكاية من القرآن الكريم من قوله تعالى"15": "أم حسبتَ أنّ أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا: ربَّنا آتنا من لدنكَ رحمةً وهيِّئ لنا من أمرنا رشداً، فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً، ثم بعثناهم لنعلم أيُّ الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً، نحن نقصّ عليك نبأهم بالحقّ إنهم فيتة آمنوا بربهم وزدناهم هدى، وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا: ربُّنا ربّ السموات والأرض لن ندعوَ من دونه إلهاً لقد قلنا إذاً شططاً، هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهةً لولا يأتون عليهم بسلطانٍ بيِّنٍ فمن أظلمُ ممن افترى على الله كذباً، وإذا اعتزلتموهم وما يعبدون إلاّ الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقاً، وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهدِ الله فهو المهتدي ومن يُضْلل فلن تجدّ له ولياً مرشداً، وتحسبُهُمْ أيقاظاً وهم رقود ونقلّبهم ذات اليمين وذاتَ الشمال وكلبُهم باسطٌ ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئتَ منهم رعباً ، وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائلٌ منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوماً أو بعضَ يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيُّها أزكى طعاماً فليأتكم برزق منه وليتلطّف ولايُشعرنَّ بكم أحداً، إنهم إن يظهروا عليكم ويرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تٌفلحوا إذ أبداً وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أنّ وعد الله حقّ وأنّ الساعة لاريب فيها إذا يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنُوا عليهم بنياناً ربّهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذنَّ عليهم مسجداً سيقولون ثلاثة رابُعُهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدّتهم مايعلمهم إلاّ قليلٌ فلا تمار فيهم إلاّ مراءً ظاهراً ولاتسْتَفْتِ فيهم منهم أحداً، ولاتقولنَّ لشائ إني فاعلٌ ذلك غداً، إلاَّ أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهديني ربي لأقربَ من هذا رشداً، ولبثوا في كهفهم ثلاثمئة سنينَ وإزدادوا تسعاً قل اللَّهُ أعلمُ بما لبثوا له غيبُ السموات والأرض أبصْر بهِ وأسْمع مالهم من دونه من وليِّ ولا يُشْركُ في حكمهِ أحداً". أخذ الحكيم بما جاء في القرآن الكريم ، واكتفى بثلاث شخصيات وردت أسماؤهم في تفسير النسفي، وهم ميشلينا ومرنوش وزيراد قيانوس، ثم الراعي يمليخا وكلبه قطمير، وأضاف إليهم الفتاة يريسكا ومربيها غالياس، ولم يذكر اسم يودوسيوس، واكتفى بكلمة "الملك"، ويعيد الدكتور محمد مندور سبب اختيار الحكيم لهذه الحكاية من التاريخ المسيحي لأمرين: ورود الحكاية في القرآن من جهة وصعوبة قبول عدد كبير من المحافظين المسلمين ظهور بعض الصحابة على خشبة المسرح"16". ب- قراءة المسرحية: نشرت هذه المسرحية عام 1933 ومثّلت عام 1935، وهي تتألف من أربعة فصول، يستيقظ مرنوش ومشلينا في الفصل الأول ويتساءلان عن المدّة التي قضياها في نومهما، ويتراءى لهما أنهما ناما يوماً أو بعض يوم. ويظهر عليهما الخوف من دقيانوس، ثم يتحاوران مع يمليخا الذي يستيقظ هو الآخر، ويتبيّن لنا أنه مسيحي متخفِّ في عهد الطاغية الوثني دقيانوس الذي أمر بذبح المسيحيين، وهو لايدري أن ابنته يريسكا منهم، كما يتبيّن لنا أنّ سبب المذبحة أن الملك وقع على رسالة حبّ من وزيره مشلينا إلى ابنته، ثمّ يقدّم مرنوش نقوداً للراعي يمليخا لكي يخرج من الكهف ويشتري لهم طعاماً، ويتبيّن لنا من الحوار أن مشلينا هو الذي هدى مرنوش وبريسكا إلى المسيحية مع أن مرنوش كان ساعد دقيانوس الذي ضرب به المسيحيين في المذابح السابقة.. ويعود الراعي يميلخا إلى الكهف هلعاً بعد أن عرض على فارس صياد أن يشتري من صيده، فظنّه قد وجد كنزاً، ويتنبّه مشلينا إلى لحيته الكثة وشعره الطويل وقد نام حليقاً، كما تنبّه إلى اظافره وقد طالت، ويتناقشون في المدة التي قضوها داخل الكهف، ثم سمعوا جلبة في الخارج، ولما دخل الناس ظنّوا الثلاثة موتى فولّوا هاربين. ونقف في الفصل الثاني على مقابلة بين الأميرة بريسكا ومؤدبها غالياس والملك في بهو البلاط وهم يتحاورون حول المعجزة الدينية التي تمت، ويبيّن غالياس أن عهد الملك هو عهد المسيحية الزاهرة، وأن هؤلاء هم القديسون الذين انتظروهم، وهم مشلينا ومرنوش ويمليخا وكلبه، وهذا ماأخبرت به الرهبان وتنبأت به الكتب، ثم يحضر الرجال الثلاثة ومعهم الحراس، ويستقبلهم الملك المؤمن في البلاط سعيداً، لأن الله استجاب لصلواته وبعثهم في عصره، لكن مشلينا يدهش لوجود بريسكا، وهو يظنّ أنها بريسكا التي أحبّها وأحبته وتعاهدوا على الزواج وخطبها لنفسه، وهي تتعجب من نظرات القديس إليها، ثم يكتشف يمليخا غربته عن المكان، فهو في بلدغير بلده، ولباس الملك غير لباس الملك الذي يعرفه،والناس يرتدون ثياباً غير الثياب التي كانوا يرتدونها، وهو يظنّ أن شهراً على الأكثر أمضوه في الكهف حدث فيه من التغيير مالم يحدث في زمن آخر، ويستأذن مرنوش الملك في الذهاب إلىمنزله وأسرته، ويسـتأذن يمليخا للذهاب إلى قطيعه الذي تركه، ومشلينا إلى حجرته في القصر ليغير من أحواله، فتعود إليه بريسكا الجميلة، ويظنّ الملك أن كرّمهم- أنهم مجانين، ويحاول مرنوش أن يشتري هدية لولده الصغير وقد وعده بها قبل هجعة الكهف، ثم يعود يمليخا هلعاً وقد اكتشف الحقيقة المرّة، وهي أن هذا العالم غير عالمهم، وأنه لاصلة تربطهم به، وعليهم أن يعودوا فوراً إلى الكهف، فبينهم وبين هذا العالم ثلاثمئة عام، لكن مرنوش يظنّ أن يمليخا يهذي، ويظهر مشلينا وقد حلق لحيته وقصّ شعره، وارتدى ثياباً عصرية، وقد علم من الخدم أن عمره ثلاثمئة عام، لكنه لايهتّم بذلك ما دام الهدف الذي خرج من أجله قد وجده (بريسكا)، ولكن يمليخا أخذ يحسّ أن رفيقيه أصبحا غريبين عنه، وبدأ يحسّ الهرم وهو يتسلّل سريعاً إلى أوصاله، وهو يحمل على منكبيه تبعة ثلاثمئة عام، حتى كلاب مدينة طرسوس أخذت تنبح على كلبه قطمير وتحاصره، وكأنه حيوان آخر، لذلك ودّع صديقيه ومضى إلى الكهف. ويطلب مشلينا في الفصل الثالث في القصر من غالياس أن يقابل الأميرة وأن يمتنع غالياس عن خطابه بعبارة "أيها القديس"، ويستنكر أن تتمنّع بريسكا على مقابلته وأن تدخل إلى غرفة الملك وتقرأ له، وهو غريب عنها، ويعود في هذه الأثناء مرنوش مهدود القوى، خائر الأعصاب بعد أن اكتشف بنفسه الحقيقة، وهي أنه لا احد في المدينة يذكر الزمن الذي مات فيه ولده إلاّ شحاذ هرم قد أخبره بأن أجداده أخبروه عن ذلك الأسم، وقد مات ولده بطلاً شهيداً وهو في سن الستين ، وكان قائداً للجيش وماتت امرآته وتهدّم منزله، وبني مكانه سوق للرماح والدروع، وقد آلمه أن يشتري الآن لولده لعبة ليلهو بها، وهو يريد أن يلحق بيمليخا إلى الكهف، ولكن مشلينا يحاول أن يثنيه عن فكرته، ويقدّم له دليلاً على بطلان تصوّراته، فكيف يكون مرنوش أصغر من ولده؟ ثم ماذا يقول في بريسكا التي لاتزال شابة كما تركها؟ لكن مرنوش يلتحق بميليخا، وتخرج بريسكا من غرفة الملك، فيكون مشلينا العاشق في انتظارها في البهو، يحدثها عن حبه وهي تخاطبه بعبارة: "أيها القديس"، فيضجر منها ويصرخ: "لست قديساً"، يحدّثها عن بريسكا التي يعرفها، وتحدّثه عن القديس الذي أمامها وقد تغيرت ملامحه، ويحدثها عن العهد الذي كان بينهما، وهي تحدّثه عن عهدها الإيماني، فهي لاتفهم من حديثه شيئاً حين يتهمها بخيانة العهد، وهو يقصد حبهما، في حين تفهم منه عهد إيمانها بالسيّد المسيح، فتتهمه بالجنون، ويبيّن لها أنها تغيّرت في زمن قصير غادرها به، فغدت امرأة أخرى استبدلت به رجلاً آخر تدخل إلى غرفته وتقرأ له، وكانت الصدمة الكبرى أو الحقيقة الموجعة حين قالت إن هذا الرجل هو أبي، ولكنه ليس دقيانوس الملك الوثني، ويكتشف بعد ذلك أن بريسكا هذه ليست بريسكا التي اعتنقت المسيحية على يديه منذ ثلاثمئة عام مع أنها تضع على جيدها الصليب الذهبي الذي أهداها إياه، وتدرك بريسكا أخيراً حقيقة الحال، فتبيّن له أن بريسكا التي يتحدّث عنها لم تخن عهده، وقد ماتت في الخمسين من عمرها منذ ثلاثمئة عام، وظلتّ طوال عمرها تنتظره، فيصاب بالمرارة ويودّعها إلى الكهف، لأن مارزئ به رفيقاه لا يساوي مارزئ به هو، وحجم مصيبته أكبر من حجم مصيبتي رفيقيه معاً. ويعود بنا الحكيم في الفصل الرابع والأخير إلى الكهف، يخاطب مشلينا مرنوش وكأنهما في الفصل الأول أو الحلم، ولايتذكران من خروجهما شيئاً، بل يظنّان أِنهم ماخرجوا وأن خروجهم لم يكن سوى حلم، ثم كيف يكون مرنوش ابن أربعين عاماً وابنه ابن ستين وقد مات منذ ثلاثمئة عام؟ وكيف تكون بريسكا غير بريسكا وطرسوس ليست طرسوساً، ويظلّ مشلينا يحلم، ويستيقظ يمليخا قليلاً ليموت، ويموت بعده مرنوش وثنياً، ولكن مشلينا مؤمن لأن قلبه عاشق، ثم تصل بريسكا وغالياس بعد شهر من عودة الرجال الثلاثة إلى الكهف، وتدخل لتجد مشلينا على الرمق الأخير، فتعترف له بحبّها الذي هو أقوى من الزمن، وقد عادت إليه ولا يهمّها إن كانت هي بريسكا القديمة أم الجديدة، إن كانت تشبه جدتها أم لا، ويعترف مشلينا لها أنه قهر الزمن بحبه وأن السعادة قادمة إليه، لكن قواه تخونه، فيموت سعيداً بين ذراعيها، وتقصّ بريسكا على غالياس حكاية شبيهة بحكاية أهل الكهف (حكاية أوراشيما)، ويصل الملك والشعب إلى الكهف لإقامة معبد على المكان، ويخرج غالياس وترفض بريسكا الخروج، وتبقى إلى جانب مشلينا، وتدفن نفسها حية مع مشلينا بعد أن أغلق البناؤون باب الكهف، وهذا ماتنبّأ به العرّاف، وتغدو بريسكا قديسة مع القديسين، أو هي امرأة أحبت.. ويُغلق الكهف عليها وعلى الموتى. جـ- قراءة العمق: يعالج الحكيم في هذه المسرحية ككل مسرحياته الذهنية مشكلة الزمن، وهي مشكلة شبيهة إلى حدّ كبير بمشكلة القدر في المآسي الإغريقية، فالإنسان هناك في صراع مع قدره المكتوب عليه (أوديب ملكاً)، والإنسان هنا في صراع مع الزمن، فهو عدوّه اللدود، وهو يسخر من أحلامه ويحوّلها ويحوّله إلى أوهام وعدم، وقد تمثلت هذه الفكرة على لسان مرنوش في الفصل الأخير، فيجري الحوار الطويل حول هذه الفكرة، فقد ظلّ مشلينا بعد مواجهة الحقيقة حالماً بالحبّ والحياة، ولكن مرنوش يدفعه إلى مواجهة حقيقة الزمن: -مرنوش: أنت جننتَ يامشلينا.. -مشلينا: لم أجنَّ إني فتي، ولي قلب فتي. قلب حي، كيف تريد أن أدفن قلبي؟ كيف أدفن نفسي حيّاً، ومن أحبّ على قيد الحياة، لايفصلني عنها فاصلٌ. -مرنوش بل يفصلك عنها فاصل. -مشلينا: الزمن. -مرنوش: (في صوت خطير هائل) نعم.. -مشلينا: (في يأس) آه.. يامرنوشُ! الرحمة.. أريد أن أعيش. أرحمني يامرنوش! أريد أن أعيش. -مرنوش: سوف تعيش.. -مشلينا: (في فرح) أصحيحٌ يامرنوش؟ أأستطيع أن أعيش؟ مرنوش: نعم. بين جلدتي كتاب. -مشلينا (يائساً) آه. -مرنوش: لافائدة من نزال الزمن.. لقد أرادت مصرُ من قبلُ محاربةَ الزمن بالشباب، فلم يكن في مصر تمثال واحد يمثّل الهرم والشيخوخة كما قال لي يوماً قائد جند عاد من مصر، كل صورةٍ فيها هي للشباب من آلهة ورجال وحيوان.. كل شيءٍ شاب. ولكن الزمن قتل مصر وهي شابة وماتزال ولن تزال.. ولن يزال الزمنُ ينزل بها الموت كلما شاء، وكلما كُتب عليها أن تموت.. (مشلينا لايجيب) مشلينا.. (مشلينا لايجيب. ويتكلم مرنوش بعد لحظة في صوت ضعيف)، مشلينا إن الكلام قد نهك مابقي من قواي. أحسّ البرودة تسري في جسدي.. قد نسينا أنّا في طريق الموت منذ أسابيع! (مشلينا لايجيب.. مرنوش في صوت خائر) مشلينا! لماذا لاتجيبني؟ -مشلينا: ماذا تريد منّي؟ -مرنوش: (ضعيف الصوت) أصغِ إليَّ... لاتحاول المستحيل. -مشلينا: لستُ أحاول شيئاً. -مرنوش: (متخاذل الصوت) افهم انك رجل ميت. -مشلينا: أفهم.. (صمت عميق) -مرنوش: (في شبه أنين) مشلينا (مشلينا لايجيب) سأذهب.. يا.. مشلينا.. -مشلينا: (كأنما يخاطب نفسه) الزمن.. ماهو الزمن!؟ -مرنوش: (يُحتضر) مشلينا.. ضع يدي اليسرى في يد يمليخا.. (مشلينا واجم) مات المسكين.. ولم يعرف الحقيقة.. مع ذلك.. هل عرفناها نحن؟ مشلينا: ماذا تعني.. يامرنوش؟. مرنوش: أحلام .. نحن أحلام الزمن . -مشلينا: الزمن يامرنوش؟ -مرنوش: نعم.. الزمن يحلمنا! -مشلينا: كي يمحونا بعد ذلك؟! -مرنوش: إلاّ من استحق الذكر فيبقى في ذاكرته. -مشلينا: التاريخ؟! -مرنوش: نعم. -مشلينا: (في قلق) أهذا هو كل مانرتجيه بعد الموت؟ أهذا كلّ تلك الحياة الأخرى؟! -مرنوش: نعم. -مشلينا: (في قلق) مرنوش؟ أنت إذن لاتؤمن بالبعث؟ -مرنوش: أحمق! أولم نرَ باعيننا إفلاسَ البعث!؟ -مشلينا: أستغفر الله. أنتَ الذي عاش مسيحياً تموت الآن كوثني؟ -مرنوش: (في صوت خافت) نعم.. أموت الآن.. -مشلينا: مجرّداً عن الإيمان... -مرنوش: مجرداً.. عن كل شيء.. عارياً كما ظهرتُ.. لاأفكار ولاعواطف.. ولاعقائد.. -مشلينا: رحمةً لك أيّها التعس! (ص ص149-153). والزمن عند الحكيم بمعنى القدر، والحبّ وحده يواجه الزمن ويقهره، وهذا ماكان يؤمن به مشلينا، فصلاته بالحياة ظلّت من خلال صلته ببريسكا، أما صلات رفيقيه فقد تبدّدت، لأن يمليخا ومرنوش لم يجدا ماخرجا من أجله من كهفهما، لكنّ مشلينا وجد مايتصل بهدفه، وهو الحبّ، والحبّ يحلّق فوق الأجيال والزمن والموت نفسه، ويتجاوز المسافات الزمنية بقدرته الخارقة، وهذه فكرة رومانسية خالصة، وقد جاء ذلك على لسان غالياس وبريسكا في حوارهما، وهذا مايمثّل رأي الحكيم نفسه: -بريسكا: لستُ أبكي لنفسي ياغالياس.. أنت تعلم أني لم أشأ المجيء إليه وهو على قيد الحياة، وانتظرت عن قصد طول هذا الشهر.. ألم أقل لك: محالٌ أن يجمعنا الحبُّ في هذا العالم.. أو على الأقل في هذا الجيل؟.. -غالياس: إذن لمَ تبكين يامولاتي؟ -بريسكا: آه ياغالياس..! لو أنك تحسّ وتفهم. ياللقسوة! إني أبكي تلك السعادة التي لمعت كالبرق لحظة ثم انطفأت.. وهذا المشهد المؤلم الساعةَ.. مشلينا يجالد الموت ويتمسكُ بالحياة ويتشبث بها.. وفاضتْ روحه في اللحظة التي ظفر فيها بالسعادة، ولفظ النفس الأخير وهو يأملُ في الملتقى. نعم إلى الملتقى ياحبيبي مشلينا،هنا محال.. لكن في جيلٍ آخر حيث لافاصلَ بيننا. -غالياس: في جيل آخر؟ -بريسكا: نعم.. أو في عالم آخر.. -غالياس: صدقتِ.. صدقتِ يامولاتي، إنّي أعجبُ بإيمانكِ هذا. -بريسكا: إيَّاك وأن تشك ياغالياس.. -غالياس: حاشا.. يامولاتي.. إني مؤمن..مؤمن غير أن... -بريسكا: ماذا؟ -غالياس: غير أن إيمانك يبهرني. إنك تتكلمين كالواثقة بحقيقة ماتقولين، بل كمن رأت وعاشت مرّة في ذلك العالم الآخر، لايامولاتي.. إيمانك من نوع فوق طاقتي. وفوقَ طاقة البشر فهمه... ولعل صلتك بالقديس والقديسين. -بريسكا: كلا. ليس هذا بالسبب أيها الأحمق! -غالياس: نعم.. أعرفُ ماتريدين.. ولكن.. -بريسكا: ولكنك لاتفهم ولاتحسّ ولاتصدّق. -غالياس: أصدق يامولاتي.. أصدّق.. ولكن ربما لاأفهم ولاأحسّ... -بريسكا: وما النفع أيها المسكين؟. -غالياس: مولاتي! ماهو الحبّ الذي يفعل هذه الأعاجيب ويحلق فوقَ الأجيال كما تحلّق.. -بريسكا: كما تحلق الفراشة فوق الأزهار.. -غالياس: نعم.. نعم.. ماهو؟! -بريسكا: هو.. هو.. أيها الشيخ الفاني.. ماذا أقول لك؟ وكيف أخبرك به؟ (ص ص160-162) والزمن عند الحكيم مجموعة الروابط التي تربط الإنسان بالحياة، فإذا انقطعت انقطعت صلته بالحياة، ولذلك كانت الحياة بلا حبّ جحيماً بارداً، ولذلك أيضاً تترافق قضية الزمن بقضايا فرعية تخدمها في هذا العمل المسرحي، أهمها الحدّ الفاصل بين الحلم والحقيقة، فالزمن هو الحقيقة الخالصة، والحلم هو اللاحقيقة مع أنه يجمل الحقيقة المرّة، ولذلك وجدنا يمليخا وصاحبيه لايفُرقون بين الحلم والحقيقة، وكأن ماعاشوه حلم مع أنه حقيقة، أو كان حقيقة مع أنه حلم(ص142)، والحلم يجمّل الأشخاص والأشياء (ص144)، وهو مقترن بالأحلام، وليس الحبّ سوى حلم جميل، أو أن القلب على لسان مرنوش نافورة الأحلام والآمال، ولذلك خلق الحلم امرأة جميلة مثقفة ذات كتاب هي بريسكا الجديدة ( ص 149 ). لكن الزمن ليس سهلاً، فهو القادر في النهاية على تدمير الأحلام والحبّ والجمال، فهو الذي غيّر بريسكا من أنثى وادعة لطيفة إلى أنثى خبيثة لاترعى عهداً ولا ذمّة على حدّ تعبير مشلينا (ص ص 101-112). هكذا كانت خيبة أهل الكهف حين تنتصر الحقيقة على الحلم، فلا يستطيعون ان يحققوا أحلامهم وأهدافهم التي خرجوا من أجلها، فيعود يمليخا أولاً، ثم يعود مرنوش، أما مشلينا الذي ظنّ أنه وجد هدفه فهو الذي يعود ليحقق هدفه بالحبّ بعيداً عن الحياة التي لاتسمح للأحلام ان تكون بديلاً منها. 2ً- الحدث والصراع: يتمتّع هذا العمل بوحدة الموضوع، فقد دار موضوع المسرحية حول بعث أهل الكهف وعودتهم إلى الحياة العامة، ثم اصطدامهم بواقع مؤلم وعودتهم إلى الكهف والموت. وفي النص عيبان يعترضان سير الحدث، ويعيقان نمو حركته، ويزيدان من هيمنة الحضور الثقافي على الحركة داخل المسرحية، ويؤكدان اتجاه سير الحكيم وسيطرة الفكرة والثقافة في مسرحه، وإن كان موضوع هذين العيبين متصلاً بموضوع المسرحية. أما العيب الأول والأكبر فهو إقحام الحكيم قصة يابانية مماثلة على الحدث، وهي قصة موت الامبراطور أوراشيما وبعثه،وقد ساقها الحكيم على لسان بريسكا بعد وفاة مشلينا في نهاية المسرحية (ص ص163-168)، ويكمن العيب الثاني في إقحام ثقافة الحكيم عن الزمن في مصر القديمة على لسان مرنوش (ص150)، ولو حذفنا هذين المقطعين لاستوى بناء المسرحية، وغدا متماسكاً تماسكاً فريداً. والصراع في هذه المسرحية كما في سواها من مسرحيات الحكيم الذهنية فكري، فهو ليس صراعاً بين الشخصيات كما نجد ذلك في مسرح راسين وكورنيي وشكسبير، ولكنه صراع داخل الذهن يقيمه بين الأفكار، ولذلك كان اهتمامه بالفكرة أكبر من اهتمامه بالحركة، وكأنه هنا إزاء المآسي الإغريقية إذ تواجه الشخوص أقدارها المرسومة لها سلفاً، ويصبح المرء محركاً من قوّة خارجية، فليس هو الذي يتحَّرك، وإنّما هو يُحرك، وليس هو الذي يتكلّم، وإنما يتكلم من خلاله، فكان الحوار في المسرحية هادئاً عقليّاً منطقيّاً مرسوماً بدقة متناهية مركزاً مكثفاً،وكان الصراع باهتاً ضعيفاً يحتاج المرء في تلمسه إلى الصبر والرؤية المتناهية في الدقة والخبرة، ومن هنا تحتاج هذه المسرحيات، وعلى رأسها المسرحية التي نحن بصددها، إلى القراءة قبل التمثيل، وهي لاتناسب العامة، وإنما تناسب الخاصة والطبقة المثقفة التي يكتب لها الحكيم. 3ً- الشخصيات: في "أهل الكهف" عدد قليل من الشخصيات، وهي رجال الكهف: مشلينا ومرنوش ويمليخا، وثمة بريسكا وغالياس والملك. شخصية مشلينا: الشخصية المحورية في هذه المسرحية، مسيحي مؤمن متخفٍّ، كان وزيراً للملك الوثني "دقيانوس"، وقد ولد مسيحياً، وكان يحب أبنة الملك دقيانوس بريسكا الجدّة، ثم فرّ من بطشه إلى الكهف. شخصية مشلينا طريفة متحولة نامية معقّدة، وقد حاول المؤلف أن يعيد ارتباطها بالحياة من خلال بريسكا الجديدة، ويمثّل مشلينا الإنسان الذي يريد أن يعيش الحياة كما هي وكما تسير، وهو قابل للتلاؤم مع الواقع الجديد، فلا يهتمّ بالأعوام التي قضاها في سوى أرقام الكهف مادام الغرض الذي خرج من أجله في الحياة، وليست هذه الأعوام سوى أرقام (ص95)، ويتساءل الدكتور محمد مندور: لماذا أعاد الحكيم مشلينا إلى كهفه رغم تجدّد أقوى صلة تربطه بالحياة، وهي صلة الحبّ، بل جعل بريسكا الجديدة تلحق به إلى الكهف؟ وكأن الدكتور مندور نسي أن الحبّ كان من طرف واحد وأن بريسكا الجدّة خرجت من الحياة منذ مايزيد على ثلاثمئة عام، أما بريسكا الجديدة فقد لحقت بمشلينا إلى الكهف لأنّ العراف قد تنبأ لها بذلك على طريقة القدر المرسوم لها سلفاً، ثمّ إنّ الحبّ الذي تكنّه بريسكا الجديدة لمشلينا هو الحبّ الإيماني، ولو فعل الحكيم غير مافعله لسقطت مسرحيته الذهنية سقوطاً مريعاً، لأن الفكرة التي تقوم عليها، وهي فكرة الزمن، تتلاشى وتتناقض مع طبيعة الشخصيات الأخرى من جهة ومع بنية المسرحية من جهة ، ومع المصدر من جهة، ومع مسرحياته الذهنية الأخرى من جهة أخرى. شخصية مرنوش: كان وزير الملك الوثني دقيانوس ومساعده في المذابح المسيحية التي قام بها الملك، لكنّ صديقه مشلينا هداه إلى المسيحية بعد أن زوّجه من امرأة مسيحية مؤمنة، فأخفى دينه الجديد عن الملك إلى أن اكتشف الأخير ذلك، ففَرّ إلى الكهف، ولما بُعث صُدم بالحقيقة وراح يبحث عن زوجه وولده وبيته دون جدوى، ثم عاد إلى الكهف ليموت ميتة قريبة من ميتة الوثني (ص ص152-153). شخصية يمليخا: راعٍ ولد مسيحياً، وقلبه عامر بالإيمان، بل هو أشدّ الشخصيات الثلاث إيماناً بالمسيحية،وهو أول من عاد إلى الكهف لانّ صلته بالحياة مادية، وهذه أوهى الصلات، وشخصيته بسيطة. شخصية بريسكا: فتاة مسيحية مؤمنة وابنة لملك مسيحي مؤمن، سميت على اسم جدتها بريسكا ابنة الملك الوثني دقيانوس التي استشهدت منذ مايزيد على ثلاثمئة علام، وليس لحاقها بمشلينا بسبب الحبّ، لأن مقدّمات المسرحية تنفي ذلك، وإنما إيمانها بالقديسين هو الذي دفعها إلى أن تكون بين الشهداء القديسين، فالسماء هي التي اختارتها لهذا المصير، وقدرها كان ينتظرها، وهي تتشابه مع بريسكا الجدّة بإيمانها المسيحي، ولكنها تختلف عنها في أمور كثيرة، فجسد بريسكا الجديدة عمره عشرون ربيعاً، أما عمر جسد بريسكا الجدة فهو غير ذلك: -بريسكا: (تشير إلى جسدها) نعم. هذا الجسد. انظر ياحبيب جدّتي.. ألا تعرفُ كم عمره؟ عشرون ربيعاً فقط. -مشلينا: (يخفي وجهه براحتيه) يالفظاعةِ.. ماتقولين! -بريسكا: أرأيت؟؟ مادمنا في عالم القلب فلن نرى إلاّ نوراً.. ذلك هو النور الذي تحكي عنه. -مشلينا: نعم.. نعم.. -بريسكا: وكان ينبغي أن تذكر الجسد المادي لننزل إلى عالم العقل فنرى الفظاعة والهول والشقاء الآدميّ الذي ينتظرنا. -مشلينا: نعم.. نعم.. الوداع.. يا.. يا لستُ أجسرُ. الآن أرى مصيتي وأحسُّ عُظمَ مانزل بي، لامرنوش ولايمليخا رزئا بمثل هذا.. إن بيني وبينك خطوةً.. وبين وبينك شبهُ ليلةٍ. فإذا الخطوةُ بحارٌ لانهاية لها. وإذا الليلة أجيال.. أجيال.. وأمدّ يدي إليك وأنا أراك حيّة جميلة أمامي فيحول بيننا كائن هائل جبار. هو التاريخ! نعم صدق مرنوشُ.. لقد فات زماننا، ونحنُ الآن ملكُ التاريخ.. ولقد أردنا العودة إلى الزمن ولكنَّ التاريخ ينتقم.. الوداع! (ص ص132-133). وليست المفارقة جسدية وحسب، لكنها مفارقة في معطيات التقدم الزمني، وهذا مايبدو على ثقافتها وأخلاقها وصفاتها، فبينهما هوة ثلاثمئة عام. أما الشخصية الخامسة فهي شخصية المؤدب غالياس، وهو مسيحي مؤمن، وكذا شأن شخصية الملك، وهما شخصيتان هامشيتان ثانويتان مع أنّ لهما دوراً وظيفياً في بنية المسرحية. 4ً- البنية الفنّية: سنتناول في هذه الفقرة الفضاء والحوار واللغة: المسرحية ذات فضاء رحب للتغيّر في الزمان والأحلام، فأهل الكهف، عاشوا قبل نيّف وثلاثمئة عام، وماتوا، ثم بعثوا بألبستهم وحالاتهم القديمة، وقد طالت لحاهم وشعورهم وأظافرهم، وخرجوا إلى الحياة بهذه الصورة وهذا الشكل، وكانت نقودهم قديمة، والقدم يبعث في نفوس البشرية الرهبة والتقديس، ولذلك استنكرت بريسكا أن يغيّر مشلينا هيئته التي ينبغي أن يكون عليها. والأحلام في هذا الفضاء رحبة غنية، فقد خرج هؤلاء الثلاثة يحمل كلّ منهم حلماً بعيد التحقيق، لكنهم ساروا وراء أحلامهم إلى آخر الشوط، فاصطدموا واحداً بعد الآخر بالحقيقة، وانكفأت أحلامهم على أعقابها، فعادوا من حيث أتوا،وقد سيّرت هذه الأحلام وحرّكت بنية المسرحية من الداخل، فهي التي أخرجتهم من الكهف، ولما أدركوا تعذر تحقيقها عادوا إلى كهفهم، وليست أحلامهم واحدة في قوّتها وطبيعتها وجوهرها، فحلم يمليخا الراعي المؤمن بسيط،وعلاقته بالعالم الجديد بسيطة، وهي علاقة مادية، ولذلك عاد أولاً،وحلم مرنوش أكبر من حلم يمليخا وأعمق، ولذلك جاءت عودته بعده، أما مشلينافهو صاحب الحلم الكبير ، وهو الحالم الشاعري وقد رفض أن يئد حلمه حين واجه الحقيقة وواجهته ، ولذلك استمرت المسرحية باستمرار هذا الحلم ، فلمشلينا قلب العاشق المتيّم، ولما واجه الحقيقة الزمنية التي واجهها زميلاه من قبل اعترف بها، وكانت صدمته قاسية،ولكن وجود بريسكا الجديدة كان دافعاً له على الاستمرار في الحلم، فحاول أن يخلق علاقات جديدة مع بريسكا الجديدة، وماهمّه ان يكون عمره ثلاثمئة عام أو أكثر إذ قبلت به بريسكا ذات العشرين ربيعاً وذات الجسد الغضّ الطري، وما اهتم باختلاف الزمنين والعقليتين، ومااهتم بواقعه وهو القديس الذي لم يتزعزع إيمانه لحظة واحدة في المسرحية مادامت بريسكا إلى جانبه ولكن بريسكا واجهته بالحقيقة، وهي تعذّر لقائهما على الأرض، فعاد هذا القديس وهو يجرّ وراءه حلمه القتيل، ولذلك عاش مشلينا بأحلامه في المسرحية أكثر مما عاش بواقعه، في حين أن واقع يمليخا ومرنوش كان أكبر من حلميهما. وليس فضاء الشخصيات في هذه المسرحية واحداً، وذلك لأنّ أعماق الأحلام ليست واحدة، ودرجة قوّتها مختلفة عند كلّ شخصية، ولذلك أعادهم الحكيم تسلسلياً تبعاً لقّوة الحلم الذي انطلق منه كل واحد، فقد انطلقوا من الكهف معاً، لكنّهم عادوا فرادى، فكان يمليخا مستسلماً لقدره اكثر من مرنوش، وكان مشلينا أقوى هذه الشخصيات وأكثرهم تعقيداً، وقد حاول غير مرّة الخروج من قداسته وقدره والإفلات من قبضة مصيره ليعيش مع أنه أرسخ إيماناً من مرنوش الذي يحمل بين جوانحه شيئاً غير قليل من الوثنية. وعلينا ألاَّ ننسى هنا فضاء القداسة، فقضية الإيمان عند الملك والشعب كبيرة، وخاصة أنّ المسيحية كانت في بداياتها، حتى إنّ اللَّه استجاب لتضرعات الملك والشعب، وخصّهم بأن بعث لهم أهل الكهف في زمنهم، وقد كانت نظرة الملك والشعب وخاصة المربي غالياس إلى هؤلاء على أنهم من السماء، وهذا ماجعل فضاء المسرحية مفعماً بالقداسة. هذا الفضاء يقابله في النّص المسرحي فضاء آخر مفعم بالتعلّق بالحياة العادية، وهذا ماشاهدناه في الشخصيات المقدّسة التي تريد أن تحيا، هذا التقابل في الفضاء جعل النص ذاغنى ظاهر، ومن هنا نفسّر تضايق مشلينا القديس من عبارة غالياس وبريسكا: "أيها القدّيس". ونجد التقابل أيضاً بين فضاءين لزمانين مختلفين مرّا على طرسوس: فضاء طرسوس في أيام الحكم الوثني، وفضاء طرسوس في أيام الحكم المسيحي، هناك كان التنكيل بالمؤمنين، وعمّ الإرهاب حتى أنّ المؤمن لايجرؤ على القيام بشعائره المقدسة، وهنا يكرم المؤمن وتُصان الحريات،ويمكننا أن نجد مثل هذا التقابل في فضاء اللباس والعادات والتقاليد في شخصية بريسكا الأنثى الجديدة، فقد أصاب التغيّر المكان والزمان والإنسان، ولم تكن هذه الأمور الإيمانية في هذه المسرحية سوى وسيلة لبيان أثر الزمن في الإنسان، وهي الفكرة أو الفرضية التي يريد الحكيم أن ينتهي إليها. أما الحوار فهو ممتع، متنّوع بتنوّع الألوان النفسية لهذه الشخصية أو تلك، وهو حوار موظّف توظفياً تصاعدياً يدلّ على حالة الشخصية بما يصيبها من فرح أو هلع أو سوى ذلك، وينساب هذا الحوار ويتفاعل وحالة الشخصية ونفسيتها وظروفها المختلفة بين لحظة، ولحظة، فقد أصيب يمليخا بهلع عميق الأغوار حين اكتشف أنهم موتى وأشباح في الحياة، فجاء الحوار تعميقاً لهذه الحالة النفسية: -يمليخا: (داخلاً في حال مضطربة) مرنوش. مشيلينا. أين أنتما؟ (يقع على ركبته بجوار مونوش). -مرنوش: (دهشاً) ماذا دهاك؟ -يمليخا: (وهو يشير إلى الملك وغالياس) ويلاه! أكنت تخاطبُ هذه المخلوقات؟! (الملك وغالياس يتبادلان النظرَ ويرتدان حتى يبلغا أقرب باب). -مرنوش: أجننتَ يايمليخا؟ (يشير إلى الملك وغالياس) هذا الملك وهذا الشيخ المعتوهُ! (عندئذ يخرج الملك والمؤدبُ في رفقِ من الباب ويتركان القديسين!) -يمليخا: أين مشلينا؟ أين مشلينا؟ -مرنوش: مابك يايمليخا؟ -يمليخا: ادعُ مشلينا على عجل! ولنذهب.. ولنذهبْ... -مرنوش: إلى أين نذهب؟! -يمليخا: إلى الكهف. ثلاثتنا، وقطميرٌ معنا كما كنّا. مرنوش : لماذا ؟ ماذا فعلتَ ؟ ماذا حدث ؟. يمليخا : إلى الكهف . ثلاثتنا وقطير معنا كما كنا . -مرنوش: لماذا يايمليخا؟ أجبْ. -يمليخا: هذا العالم ليس عالمنا. هذا ليس عالمنا -مرنوش: ماذا تعني؟ -يمليخا: أتدري كم لبثنا في الكهف؟ -مرنوش: أسبوعاً. (يمليخا يضحك ضحكاتٍ عصبية هائلةً) شهراً على حسابك الخرافي؟ -يمليخا: (على نحو مخيف) مرنوش إنَّا موتى! إنا أشباح.. -مرنوش: ماهذا الكلام يايمليخا؟ -يمليخا: ثلاثمئة عام. تخيّل هذا. ثلاثمئة عامٍ لبثناها في الكهف.. -مرنوش: مسكين أيها الفتى. -يمليخا: هذا الفتى عمره نيِّف وثلاثمئة عام. لقد مات دقيانوسُ منذ ثلاثمئة عام. وعالمُنا باد منذ ثلاثة قرون. -مرنوش: عالمنا باد؟ وأين نحنُ إذن؟ -يمليخا: هذا الذي نرى دنيا أخرى ليست لنا بها صلة. -مرنوش: أشربت شيئاً يايمليخا؟ يمليخا: لستُ بشارب ولابمجنون. إني أقول لك الحقيقة اخرج وطف بهذه المدينة وأنتَ تفهم. -مرنوش: أفهم ماذا؟ -يمليخا: تفهم أننا لاينبغي لنا أن نمكث بين هؤلاء الناس لحظةً واحدةً. -مرنوش: ماالذي يخيفك من هؤلاء الناس يايمليخا؟ أليسوا بشراً؟ أليسوا من الروم؟. -يمليخا: كلاّ، إنهم ناس لايمكن أن نفهم من هم! ولايمكن أن يفهموا من نحن.. -مرنوش: ومايضيرُك؟ تجنبهم وامكث بين أهلك.. (متذكراً) ولكنك ذكرت لنا أن ليس لك أهل يايمليخا. -يمليخا: وإن كان لي أهل فهل تحسبني واجدهم بعد ثلاثمئة سنة؟ -مرنوش: (في رعدة) ماذا تقول أيها الشقي؟! -يمليخا: (في صوت كالعويل) أجل. إنَّا أشقياء. نحن ثلاثتنا وقطميراً معنا لا أمل لنا الآن في الحياة إلاّ في الكهف. فلنعد إلى الكهف. هلمَّ يامرنوش! ليس لبعضنا الآن سميعٌ ولامجيب إلاّ البعض هلمّوا بنا: رحمةً بي! إني أموتُ إن مكثتُ هنا. -مرنوش: أنت جُننت أيها المسكين! -يمليخا: لستُ بمجنون. إلى الكهف.. الكهفُ كلّ مانملك من مقرٍّ في هذا الوجود! الكهف هو الحلقةُ التي تصلنا بعالمنا المفقود. -مرنوش: (مفكراً في اضطراب) أيستطيع العقل البشري تصوّرَ ماتقول؟.. إنك ولاريب صادفتَ من لعب بك، أو شُبِّه لك. -يمليخا: لم يشبه لي. لقد سمعت الناس بأذني تقول ذلك. وهذا كلّ مافهمت منهم- من هذه المخلوقات. وأنتَ يامرنوش؟ أفهمت من هذه المخلوقات شيئاً؟ أجب. ثمّ هذه الملابس العجيبة، وهذا التغييرات، والمدينة المقلوبة رأساً على عقب. اخرجْ وانظر. مدينة طرسوس لن تعرفها ولن تتبيّنها (ص ص62-66). والحوار فضاء الشخصية، ولذلك كان الحوار يجري بين فضاءين لاصلة ولااتصال بينهما، فكلّ طرف في فضاء مختلف عن الفضاء الآخر، والحوار منقطع الاتصال في الرسالة، والرسالة يفهمها كلّ منهما حسب حاجته وفضائه، فالحوار حول البيت بين مرنوش وغالياس يسير بين طرفين لااتصال بينهما، فمرنوش يقصد بيته على الأرض وأسرته، وغالياس يقصد بيته السماوي (ص62)، وشخصيات القديسين تريد الأرض وتحلم بها وتتقصّدها، وشخصيات المؤمنين على الأرض تريد السماء وتتحدّث عنها وتتقصّدها، فحياة مشلينا وسعادته في قبول بريسكا به، وحياة مرنوش في أن يجد بيته وأسرته، وحياة يمليخا في أن يجد قطيعه، هذا هو الهدف الذي خرجوا من أجله، وتريد الشخصيات الأخرى تبجيل هؤلاء الموتى، وتنظر إليهم بصفتهم قديسين، وهذه هي إشكالية أهل الكهف، ولذلك فإنّ سداً عظيماً يقوم بين هذين العالمين: عالم الأحياء وعالم الأموات (ص60)،ويجري الحوار بين مشلينا وبريسكا، وكلّ منهما في وادٍ، يحّدثها عن قلبه وحبّه، وهي تحدّثه عن القديس الذي أمامها، وهو يحدّثها عن بريسكا التي ماتت قديسة مثله، وهي تتحدّث عن بريسكا الجديدة، وهو يحدّثها عن العهد الذي أقامه بينه وبين بريسكا قبل ثلاثمئة عام، وهي تحدّثه عن العهد السماوي (ص ص102-115). ولغة المسرحية نثرية، ولكنه النثر الذي يرتفع أحياناً إلى مصاف الشعرية ويتخلّص من أوضار النثر بالتعبير اللامباشر أو الإيقاعية المختلفة المتلوّنة حسب المناخ النفسي والذهني، فيخيم على النص مناخ شعري ساحر لانجده في مسرحياته الذهنية الأخرى. 5ً- إعادة تركيب: هذه هي المسرحية في أدب توفيق الحكيم، وهي تمثّل ذروة الأدب المسرحي في أدبنا العربي الحديث، وخاصة أنّ الحكيم قد نّوع مسرحياته وطوّرها تطويراً ساير به تطوّر المسرحية في البلدان المتقدمة، وهذه هي مسرحيته الشهيرة " أهل الكهف " التي تمثل ذروة الأدب المسرحي عند الحكيم ، وقفنا عندها وقفة طويلة لتحليل عناصرها الفنيّة ومعرفة أسرار تركيبها واكتشاف آلياتها الداخلية، وقد خلت إلى حدّ كبير من العيوب الفنية التي لاتخلو منها معظم المسرحيات الطويلة في أدبنا، وخاصة أن المسرحية جنس وافد لم يزد عمره على قرن ونصف القرن، وقد تعثّر في مسيرته هذه غير مرَّة، وتتجلّى في هذه المسرحية خبرة الحكيم ودرايته باللعبة المسرحية التي ربما لانجد مثيلاً لها عند سواه في الأعمال المسرحية المعاصرة. وقد سارت المسرحية العربية شوطاً آخر بعد الحكيم واستفادت من تجربته في مصر ولبنان وسورية والعراق والمغرب العربي، وخاصة المسرحية السياسية والاجتماعية التي تتناول الهزيمة والحريات السياسية والاجتماعية التي انتشرت بعد نكسة حزيران 1967 في كثير من الأقطار العربية، ويمكننا أن نتوقف عند المسرحية المعاصرة في سورية لتكون إلى حدٍّ ما مثالاً لما هي عليه المسرحية المعاصرة في بقية الأقطار العربية الأخرى. هوامش الفصل الرابع: 1- داغر، يوسف أسعد -معجم المسرحيات العربية والمعرّبة- ص536. 2- الحكيم، توفيق -من البرج العاجي -مكتبة الآداب- 1941- ص145، وزهرة العمر (كتاب الهلال- فبراير1955) -ص187، ودوارة، فؤاد- مسرح توفيق الحكيم(1)- المسرحيات المجهولة -الهيئة المصرية العامة للكتاب-1985- ص ص185-189. 3- المسرح المنوّع(1923- 1966) -مكتبة الآداب ومطبعتها -د.ت ص6. 4- دوارة، فؤاد -مسرح توفيق الحكيم(1) -المسرحيات المجهولة -ص81. 5- هذه الأقوال مجموعة في كتاب "توفيق الحكيم المفكر" -مصر (دار الكتاب الجديد)- 1970 -ص ص357- 362. 6- زهرة العمر -ص ص92-93. 7- المسرحية في "المسرح المنوع" -ص ص533-635. وهي المسرحية السابعة في هذه المجموعة،وقد كتب عنها فؤاد دوارة دراسة في "المسرحيات المجهولة" (ص ص151- 184). 8- من مقدمة المرأة الجديدة" -الطبعة الثانية. 9- مندور، د. محمد -المسرح -الفجالة -القاهرة (نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع)- 1989- ص ص147-148. 10 مجموعة من الأراضي الزراعية في اللهجة المصرية. 11- من مقدمة مسرحية "بيجماليون". 12- انظر مثلاً زهرة العمر -ص ص177- 178، ودوّارة، فؤاد -المسرحيات المجهولة -ص ص267-284. 13- مسرح توفيق الحكيم -دار نهضة مصر للطباعة والنشر الفجالة -القاهرة ط3 د.ت -ص32. 14- أهل الكهف -مكتبة الآداب بالجماميز -د.ت- والإشارات في المتن إلى رقم الصفحات من هذا المصدر. 15- سورة الكهف -9 -26. 16- مندور، د. محمد المسرح- ص156. 17- مسرح توفيق الحكيم -ص49. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |