تحولات عازف الناي (قراءة ألسنية، نقدية، تحليلية للمسرحية) - عدنان بن ذريل

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:12 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الأول-المسرودية ومحاور الدلالة

مسرحية:‏

- تحولات عازف الناي-، للكاتب المسرحي النابه (علي عقلة عرسان) مسرحيةٌ ذهنيةٌ في (الاغتراب)، أو فقدان الذات؛ وخاصة من (الاغتراب الاجتماعي) الذي يصيب الإنسان نتيجة القهر السياسي؛ وقد عمل المؤلف على تنميط إبطاله فيها، فعمد إلى صيغة (الجلاّد والضحية)، جعلها وراءهم كضحايا لظلم الدولة، واستبدادها؛ فكانت الدولة هي (الجلاد)، وكان الأبطال هم (الضحايا)؛ وبذلك برزت في المسرحية تلقينات مختلفة، لازدواجيّات بليغة، ومعبّرة, مثل ازدواجيّة (الرمز والواقع)، أو ازدواجيّة (الواقع وما فوق الواقع)، نصادفها في تجارب هؤلاء الأبطال..‏

- تجميع مشاهد حياتية-‏

وليس في مسرحية: -تحولات عازف الناي- (درامية نضالية)، وبالتالي، ليس فيها (حبكة) سردية لتأزم أحوال تصير إلى حلٍ ملائم.. وإنما هي تقوم على (تجميع) مشاهد حياتية، عن الاغتراب، يعيشها الأبطال، ويحاولون تجاوزها، هي (ذروات وجودٍ، وفعلٍ)؛ إذْ يستمر (القهر السياسي) في المسرحية، وتستمر السلطة في مطاردتها لمناضل هارب؛ وتستطيع في النهاية إلقاء القبض عليه، وعلى رفيقيه عازف الناي، والمرأة، وتسوقهم إلى المحاكمة، فالموت.. وذلك بالفعل مجتلى الأصالة؛ إذْ هو مجتلى تركيزٍ على قهرٍ سياسيٍ يؤدّي إلى اغتراب اجتماعي، استطاعت المسرحية أن تقدم (مشهديةً عامةً) عنه..‏

فمنذ صفحاتها الأولى، تطالعنا المسرحية بمناضلٍ هاربٍ، مطاردٍ، تلاحقه (نداءات): - توقّفْ، ارفعْ يديك، سلّم نفسك، أنت محاصر، -ص11-12: فيترامى على الأرض قرب (نافورة) على سفح جبلٍ أخضر، ويلهج بالطلب: -أعطوني شمعة، وشربة ماء، لعلي أستعيد دربي، وصورتي، وصوتي.. فقد ضاع مني كل شيءٍ، حتى ذاتي.-, ص13.‏

وهذا يعني أنه منذ الصفحات الأولى للمسرحية، يلهج (الرجل) -وهكذا يحدّد المؤلف حيثيّة المسرحية- بضياعه؛ وفقدان ذاته؛ وبحكم أن لا أحد يستجيب له، يتوجّه إلى الماء، فيجد أن (النافورة) تهرب منه، ص14؛ فيظن أن الماء سراب، ويتساءل هل الأشياء تتراخص أمامه، أم تلك صور الأعماق تعرض عليه، ص16؛ وهنا نسمع من جديد جلبة الرجال المطاردين له، ونسمع نباح الكلاب، ونجده يهرع من جديد إلى (الماء)، إلاّ أن (النافورة) من جديد تهرب منه، ص19..‏

ثم فجأة يظهر سرب من الفتيات جئن يملأن جِرارهن، فيلهج (الرجل)، ماء.. ماء.. فتقدّم له إحدى الفتيات جرّتها التي ملأتها بالماء، فيجد أن الجرّة فارغةً من الماء، ص21، ويعجب أن تكون الفتاة تعبث به؛ ثم يكون نصيب الفتاة الثانية، والفتاة الثالثة، مثل نصيب الفتاة الأولى، حتى تظهر (المرأة)، وهي موصوفة في المسرحية بأنها رائعة الجمال؛ فتستطيع أن تسقيه.‏

يقول (الرجل) لها أن يدخل الحياة للمرة الأولى، ص31؛ فتطمنه أن الماء لن يهرب.. فيقول لها أن الأشياء تهرب منه، ثم يؤكد لها تعلّقه بالواقع، وأنه يتعذّب، فتقول له أن يهتم باللحظة التي هو فيها. الحياة الآن، ص35؛ وهنا يقول لها إنه يريد أن يكون معها، ويتعرف عليها، فتقول له إنه لن يصل إليها، ويعرفها، إلاّ إذا استعادها في صورة البشر، لا في صورة الملاك، في صورة الحقيقة، لا في صورة الوهم، ص37؛ فيجيبها أنه يبحث، ويسأل، وأن مسْاءلَيّة الأشياء هي من الأعماق، وإلى الأعماق؛ وأنه لا يستطيع (مساءلة) أحدٍ قبل ذاتِهِ، فترفض ذلك منه، وتتركه، وتغيب..‏

***‏

هنا قصير المسرودية إلى (الحديث الفردي) يشكو فيه الرجل أحواله، وعذاباته؛ ثم يندلع (لحن) لناي رقيقٍ، وتندلع معه (أناشيد)؛ إذ يظهر (عازف الناي) ص46، وتصير المسرودية إلى (مكاشفات) جدّ صميميّة بين الرجل وبين عازف الناي؛ حيث يسأل (عازف الناي) الرجل: من يكون؟. ومن أين هو؟. فيجيبه (الرجل) إنه فوق هذا الكوم من العتمة الذي يسمّى سفح الجبل، هو الآن. كلّ الأمكنة، والاتجاهات، والأين.. وإن كل شيء يتداخل، وإنه فاقد ومفقود، كما أنه في حالة بحثٍ، وخوف، ص49-50.‏

يعجب (عازف الناي) لجواب الرجل، ويقول في نفسه: -(غريب) فعلاً؛ حالةٌ تامةٌ، أنا نفسي اكتشف فيها صورة الغرابة؛ وأنا الذي يقال عني أنني (غريب)-، ص51. ثم شيئاً فشيئاً يتعاطف معه، ويطلب منه فرفضته إلى بيته، فيرفض؛ ولكنه يستطيع أن يصطحبه معه إلى (المدينة)، حيث تستمر (المكاشفات) الصميميّة بينهما فيها؛ ثم يعودان، عازف الناي إلى بيته، و(الرجل) إلى سفح الجبل، حيث تثير زيارة المدينة في نفسه الشجون، ويعود إلى (حديث فردي) عن ذكريات جلده حتى فقدان الوعي، ص153، وعذاباته، وهربه بعدها 160...‏

يعود (عازف الناي) إلى سفح الجبل، ويطلب من الرجل الذي يكون ينتظره أن يرافقه لمشاهدة شروق الشمس من قمة الجبل قائلاً: -هناك حيث الضباب يسيل فوق الوديان، وتزيد درجة الغموض.. المنظر من هناك بديع.. سترى أمنّا الطبيعة كما لم ترها من قبل.-، ص171؛ ويندمج (عازف الناي) في تأمل الشروق، حتى ليظن الرجل أنه يتعبد للشمس؛ ويسأل رفيقه عن ذلك، فيجيبه بأنه يعبد الله، وليس الشمس، ولا الأشخاص ص174 ويعودان إلى مكاشفاتهما الصميميّة.‏

***‏

وهنا يحدّث (عازف الناي) رفيقه الرجل عن الإهانة التي تعرض لها يوماً، وحاول الرد عليها، فديس بالأقدام- ص175-176، وسجن، ثم أخلى سبيله، وكان إنساناً آخر، ص176, فيقول له (الرجل): تركت لهم الدنيا، وأخذت منها (الشبابة)، أليس كذلك؟.-، فيجيبه: -والخنجر أيضاً....، ص176؛ وهنا نعود المسرودية إلى (الأناشيد) ويعود العزف على الناي، والمكاشفات، ويعود (الرجل) إلى حديث (العطش)، إذ يقول العازف الناي:‏

- أحسّ (عطشاً) شديداً.. الشمس تعيدني إلى استشعار النار؛ وقد بدأت النار تشتعل هنا في بؤرة قلبي ...عُدْ بي إلى حيث (الماء)... أسرع.. أسرع- ص201-202، وعندما يسأله (عازف الناي) هل يوقف العزف يقول له: -اللحن مريح، وأحياناً يشعل النار، المهم أن تسرع بي إلى الماء.- ص202؛ ويعودان؛ وفي الحقيقة لم ينقطع ذكر العطش، وأحياناً الظمأ في المسرودية كافة، ونجده ص13، 17، 23، 82، 83، 250، 257، 311 وعبرها؛ وكذلك الإشارة إلى (الطعام)، فإنها لم تنقطع في المسرودية، إذ كان (عازف الناي) يجلب معه طعامه إلى سفح الجبل، أو بترك رفيقه لجلب الطعام، كما كانت (المرأة) تؤمن الطعام لزوجها اللاجيء إلى الطبيعة، المتهالك والضائع فيها، انظر ص56, 72، 170، 247، 254 وغيرها..‏

أترها نسمع (صوتاً) للمرأة يتودد إلى (الرجل)، ويدعوه إلى معاودة حياة الماضي؛ يعلق (الرجل) على ذلك قائلاً: -كأنما أسمع صوتاً يكلمني.. كأنما أتعرف على رنينه.. كأنما من قريب يأتي.. وهم.. وهم.. قتلني الوهم.. نفخ رئتي، ورأسي، ومازال يطاردني ويعذبني.. وهم.. وهم. استجير بالله من شر الوهم.. يا خالق الناس، اجل عن قلبي الغمّ، وعن روحي الوهم.. لا أقدر من دونك على شيء..-، ص209.‏

ثم تشتد مطاردة السلطة للرجل، فيهرع رفيقه (عازف الناي) لإنقاذه، ويرغمه على تبديل مكانه إلى (كهف) في الجبل؛ وهناك توافيهما (المرأة)؛ إلاّ أنّ (الرجل)، لا يتعرفها، فتذكره بتفاصيل حياته، والإهانات التي تعرضّ لها، والجلد، ثم الهرب إلى سفح الجبل، وتقول له إنها هي كانت تؤمن له طعامه إلى هناك.. ثم تحاصرهم الجنود، ويلقون القبض عليهم، ويحالون إلى المحاكمة.. وبفعل أن الحكم عليهم يكون الموت، يصيرون يقاومون الموت، ويرسلون سؤالهم: -لماذا نعيش؟.. لماذا نموت؟.-، إلى الناس، توعية لهم بأوضاعهم، وحرياتهم، وكرامتهم، وبالتالي مقاومة للظلم، والاستبداد، والاستغلال..‏

-محاور الدلالة-‏

إذا بحثنا عن الخطوط العريضة لمحاور الدلالة في المسرحية، وهي المحاور التي حدّدها المشترع الدلالي (غريماس) بأنها: الرغبة، والاتصال، والمشاركة- بين الإبطال لتحقيق هدف معين، لم نجد في المسرحية الإ أمشاج أمرين؛ أحدهما مساعدة (الرجل) في اسيتعادة ذاته؛ والثاني تفويت المطاردة للرجل على الدولة..‏

وبحكم أن (الإنسان) من طبيعته يعمل على تجاوز أي شكل للاغتراب يصيبه؛ وأن (الاغتراب)، وخاصة الاغتراب الاجتماعي تجربةٌ قابلةٌ لأن تتجاوز، فقد عمل الأبطال الثلاثة، كل في زاويته على تجاوز اغترابه، ولم يفرض أحد على الآخر رأياً في ذلك؛ ولكن عندما اشتدت مطاردة (السلطة) للرجل، هبّ (عازف الناي)، و(المرأة) لإنقاذه؛ فتوقفت وشائج الاتصال، والمشاركة بين الأبطال الثلاثة لتفويت المطاردة على السلطة..‏

وإن (التكييف) في ذلك جد معبّر؛ لأن الأبطال الثلاثة رأوا في التفويت (واجباً)، في حين هو شيء يعاقب عليه القانون؛ وأن التكييف في المسرحية مؤثر حقاً، لتنوع ظروفه، وظروف كيفياته عند الأبطال الثلاثة، في: -الندرة، والإرادة، والوجوب، والعلم-...‏

إن الأبطال الثلاثة الرجل، وعازف الناي، والمرأة (يريدون) تنويت مطارده (السلطة) للرجل، ولم يسبق أن جمعتهم (إرادة) من قبل، حتى ولا في العمل لتجاوز الاغتراب.. إذ أن (عازف الناي) اكتفى بتصعيد اغترابه إلى (امتهان) العزف على الشبابة، مما ساعده على تبين علاقاته بالناس، والمجتمع؛ كما أن (المرأة) اكتفت بالتموضع، أي خدمة وضعها كزوجة، فربحت ذاتها إذ عرفت صلتها بالموضوعات..‏

الإرادة والقدرة‏

إن كلاً من الأبطال الثلاثة، الرجل، وعازف الناي، والمرأة كان يعمل لتجاوز الاغتراب، لأنه (يريد) أن يكون شيئاً، ويقيم مصالحة مع العالم، ومع الذات، ويستعيد صلته بالمجتمع، والآخرين.. و(الرجل) حين يقول لعازف الناي ليتها تزول غمامة روحي... يجيبه (عازف الناي): -وما الذي يمنعها من الزوال؟.. إنك لا تحاول كما ينبغي.-، ص270.‏

ناهيك بأن (الرجل) صريح الروحانية، ويستعين بالله، ويستجير به من الوهم: -يا خالق الناس، اجل عن قلبي الغمّ، وعن روحي الوهم-، ص210؛. إلا أنه يشعر أنه عاجزٌ في محنته عن استرداد ذاته، أو تدعيم تماسكه، وتذكره، ولذلك يتوجه إلى الله، ضارعاً مستجيراً، يعترف بأنه لا قدرة له بدونه: -لا أقدر من دونك على شيء.. لا أقدر من دونك على شيء.-، ص210 أيضاً.‏

وهذا يعني، أن الأبطال الثلاثة الرجل، وعازف الناي، والمرأة (أرادوا) تجاوز اغترابهم؛ كما (أرادوا تفويت مطاردة السلطة للرجل؛ إلا أن (قدرتهم) كانت محدودة جداً، بل معدومة في كثير من الملابسات..‏

فمثلاً، عندما يلقى (عازف الناي) خنجره، ليدافع الرجل عن نفسه في الطبيعة، يقول له (الرجل): -لماذا أدافع عن نفسي، وضدّ من؟.. بعد أن (تركت) الذين كان يجب أن توجه لهم (القوة)؟-، ص286..‏

كما يقول لممثل الدولة (رئيس المنصة): -بأي حق تمارس ضدي ما تمارسه؟. إن شهرة السلطة هي التي جعلت مني في عينيك (عدواً), وشيطاناً؛ وجعلتك تقتل الآخرين.-، ص320.‏

لقد كان الأبطال الثلاثة: الرجل، وعازف الناي، والمرأة (مدهوسين)، ولا اقتدار لهم على مقاومة ظلم السلطة.. فكيف تكون الحال، والمؤلف آثر أن يجعل (الدولة) نعادي الأفراد، وتلبسهم الجرائم تلبيساً، ولا تترك لهم حيلة في مقاومة، أو مصالحة، أو اقتدار.‏

المغالطات انتقاء فوق واقعي‏

وفي الحقيقة أن مغالطات ممثل الدولة (رئيس المنصة) للأبطال الثلاثة، وتلبيسهم الجرائم تلبيساً شيء تعبيري تماماً؛ لأنه شيء غير طبيعي.. ولذلك يرجح أنه (انتقاء) فوق واقعي لزاوية، آثر المؤلف رسمها للدولة؛ وهي زاوية ممكنة التحقق، والحصول في الواقع..‏

فمثلاً، عندما يسأل ممثل الدولة (رئيس المنصة) الرجل، هل هو يعرف. (عازف الناي).. يقول له (الرجل): -كنت جثة سقطت، فحاول مساعدتي على استعادة صلتي بالعالم-، ص327.‏

فيقول (رئيس المنصة) لزميله: -سَجّلْ، ساعده على الهرب، وكان دليله في عملياته ضدّ أمن الدولة.-، ص327.‏

ثم يسأل ممثل الدولة (رئيس المنصة) الرجل: -وماذا أيضاً..-، فيجيبه (الرجل): -كان أحياناً أيضاً يعزف لي..، ص327.‏

فيقول (رئيس المنصة) لزميله: -سَجّلْ، كان يقوم بأعمال شيفرة، ويرسل رسائل على الشبابة.-، ص328.‏

ثم يسأله هل كان يعزف فقط، أم يقوم بالعزف، والغناء، ص329، فيجيب (الرجل) -عزف فقط!!-.‏

فيقول (رئيس المنصة) لزميله: - سَجّلْ ذلك.. شيفرة لحن، دون كلام.-، ص329..‏

والأنكى من هذه المغالطات، إن (الرجل) عندما صار يتلكأ في الإجابة على أسئلة رئيس المنصة، يتهدده (رئيس المنصة) ويتهدد المرأة زوجته قائلاً:‏

- إذا لم يجد الأجوبة الملائمة فوراً، سوف يعرف كيف نعيد له الإحساس، والشعور بالخوف.. سنبدأ بكِ، ونصل إليه.. وعند ذلك سيفرد كالعليل.-، ص315.‏

هذا التحريف لصورة (الدولة) في المسرحية، وجعلها عدواً للأفراد عمل على التحولات (لامشاج) محاور الدلالة، وتكييفها عند الأبطال (انظر بعد قليل)؛ وهو ما آثره المؤلف ليتسنى له رسم (مشهدية عامة) للاغتراب..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244