|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 01:12 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثاني-تجارب الأبطال ومقولات المضامين في مسرحية - تحوّلات عازف الناي-، غَلَبَت المباشرة، والعفوية على جميع أشكال الإيصال الأدبي فيها؛ فجاء (محصول) المسرودية، عند القارئ للمسرحية، أو المشاهد، والمستمع لها: -مجموع- تلقينات اغترابية، عن تجارب الأبطال الثلاثة، الرجل، وعازف الناي، والمرأة.. -الرجل- جَسَّد الجانب الجَسَدي، والنفسي للاغتراب.. و-عازف الناي- جَسَّد الجانب الاجتماعي.. و-المرأة- جَسَّدت التموضع بالمعنى الصحيح.. عاش كل منهم اغترابه من زاويته، وحاول تجاوزه، أو لتقل بعبارة أخرى: أ- تميزت تجربة (الرجل) بأبعادها الجسدية، والنفسية؛ إذ أنه درج ينطلق في أحاديثه الفردية، وحواراته من (النفس الطبيعية)، ثم يوافى (الإحساس بالمطلق).. فيلهج بدءاً من الحاجات، والغرائز، والشهوات، والأوجاع، والإهانات، والجلد، والتعذيب، ثم يصير إلى ضياعه، وانتعاله به، وعلى الخصوص إزاء المطلق... فيلهج بروحانية صادقة، ومعبرة.. وهذه المراوحة بين (النفس الطبيعية)، و(المطلق) شيء من انتقاء المؤلف أيضاً؛ إذ ليس من الضروري أن يكون كل (مغترب) متهالكاً، يفقد الوعي، والذاكرة وغير ذلك.. إلا أن رسم هذا التهالك هو حقاً شيء قيّم؛ لأنه كشف عن مضامين التجربة، لما يقولون عنه تماماً، الإهانة، والجلد، والتعذيب، ثم لا يعرف القارئ، أو المستمع عنه شيئاً.. ب- وقد تميزت تجربة (عازف الناي) بتماسكها، واستمراره في حب المدينة، والعيش فيها في بيته، أو على الأقل المبيت في بيته التي تقوض زوجته دعائمه العائلية.. أنه يكاشف رفيقه (الرجل) بأنه أهين، وعذّب، وديس بالأقدام، وسجن، ثم لا تنصّل المسرودية شيئاً من ذلك، وإنما تفصل في مواقفه من فساد المدينة، والشرود في البرية، وامتهان الطرف، والتعلق بتأمل شروق الشمس، إلخ، كما رأينا: وهذا يعني أن (عازف الناي) اكتفي بتصعيد اغترابه في وجهات اجتماعية متماسكة، إذ هي امتهان العزف، والبحث والتأمل.. إلا أنه حين يصطدم بمغالطات (رئيس المنصة) يفقد ذاته، ويكسر الشبابة.. وقد اهتمت المسرحية بتجربته، وتحولاتها؛ وهي حقّاً شيء رصين، ومعبر، دفع المؤلف إلى جعل تحولات عازف الناي (عنواناً) لمسرحيته؛ والعنوان كما يقول النقاد الألسنيون يلخص النتاج الأدبي المعنون به، كما يشرحه؛ وهو ما يظل نبراساً لفهم (المشهدية العامة) للاغتراب في المسرحية. جـ- أما (المرأة) فقد تميزت تجربتها بأنها (تموضع) صريح؛ أي عيش موقعها كزوجه لمناضل هارب من ظلم السلطة، لجأ إلى سفح جبل، حيث تصير تؤمن له الطعام، ثم تعمل على تفويت مطاردة السلطة له؛ وبذلك تستطيع اكتشاف علاقاتها مع الناس، والآخرين، وتعرف ذاتيتها، وتريح حريتها، وكرامتها.. دون أن ننسى أن (المرأة) في المسرحية تظهر تارة كرمزٍ للجمال، والحب، يتعلق بها (الرجل)؛ ثم تظهر تارة أخرى، كشحادة متشردة، يمكن اعتبارها أيضاً (رمزاً) للزوجة حين تفقد السند الذي كان يوفره لها زوجها.. من الواضح أن هذه (الزوايا) المختلفة، التي رسمها المؤلف لجوانب من تجربة الاغتراب، زوايا منتقاة؛ تماماً كما أن جعل (الدولة) عدواً للأفراد شيء منتقى أيضاً.. إلا أن المؤلف آثره لرسم (مشهديةٍ عامةٍ) للاغتراب، بشتى أبعاده في تجارب الأبطال.. الدولة هي (الذات الكبرى) للأفراد.. وإن صورة (الدولة) في هذه المشاهد المختلفة صورة مفارقة للواقع؛ إذ جعلها المؤلف صورة (عدوٍ) للأفراد، يظلمهم، ويغالطهم، ويلبسهم الجرائم تلبيساً.. في حين أن (الدولة) هي (الذات الكبرى) للأفراد، ترعاهم، وتساعدهم على الحياة الحرة، الكريمة، وهو ما دفع (الرجل) إلى أن يقول الرئيس المنصة: - إن شهرة السلطة هي التي جعلت مني في عينيك عدواً، وشيطاناً؛ وجعلتك تقتل الآخرين.-، ص321. (الدولة) هي الذات الكبرى للأفراد، كما يقول هيجل؛ إنهاء الكليّة الواقعية، العقلية التي ينتمي إليها الأفراد.. ويكون ذلك عن طريق تحقيق سلطتها عليهم. وخدمتهم في شتى مواقعهم فيها؛ فتحقق لكلٍ من (الحاكم)، و(المحكوم) ذاته؛ وتبني (الدولة) كيانها العقلي في الوجود الواقعي؛ كما تحقق للأفراد توافقهم بين وجودهم الفردي، وبين طبيعتهم الجوهرية كأناسي، بني البشر، ذوي ذاتية حرة، مريدة.. إن هوية (الفرد) كشخص هي هويته كعضوٍ في (الكل العضوي) الذي هو (الدولة)، والتي نظل كياناً عقلياً، ينشأ فيه (الشخص)، ويترعرع، ويتقوى، ويتشامخ، وعلى الخصوص يحقق ذاته، كما يتحرّر من أنانيته، وخصوصياته، فيتجاوز الموضوعية، ويزول عنه الشعور بالانفصال عن المجتمع، أو الغربة عنه، وفيه؛ ومن هنا دور (التموضع) كعيش للاغتراب يحمل هو نفسه تجاوز الاغتراب.. و(التموضع) مفهوم هيجلي يقصد عيش الإنسان (الموضوع) الاجتماعي، الحياتي الذي يجد نفسه يكابده، سواء هو معقول، ومقبول، أو غير معقول، وغير مقبول، يكشف له عن عقلانية ظرفه الإنساني، وعلاقاته مع الناس، والمجتمع، ويحرره من تباريح اغترابه.. وفي نظر (هيجل) أن بإمكان الإنسان، بالتموضع تجاوز أشكال الاغتراب الاجتماعي؛ ولكن لا سبيل له إلى تجاوز (الاغتراب الوجودي)، والذي هو مكابدة المطلق..، ويعود إلى (جوهر) وجوده، وطبيعته كإنسان عاقل، وحر.. إن (الوجود) في نظر هيجل نفي، وألم، وموت، ولا سبيل إلى تجاوزها.. المقولات الفكرية، وملامح المسرودية ومسرحية: -تحولات عازف الناي-، رغم أنها تهدف إلى رسم (مشهدية عامة) للاغتراب الاجتماعي، الذي سببه القهر السياسي؛ إلا أنها تقوم على (روحانية) صريحة، ظل الأبطال الثلاثة الرجل، وعازف الناي، والمرأة يعيشونها، ويلهجون بها.. وتشكل (الروحانية) مقولة أساسية في المسرحية، وشتى فترات المسرودية فيها؛ ولذلك ظلت مهيمنةً على سلوكات الأبطال، وأقوالهم، إلى جانب (المقولتين) الأخريين في المسرحية، المقولة الهيجلية، والمقولة الكيركجاردية... (المقولة الهيجلية تعتبر (التموضع) اغتراباً اجتماعياً يصيب الإنسان؛ إلا أن الإنسان إذا خدمه، كان سبيله إلى عقلانيته، وتجاوزه اغترابه نفسه.. وأن تجربة (المرأة) في المسرحية، كزوجة متموضعة أكسبتها زوجها الضائع، وكرامتها؟ في حين أن إعطاء (عازف الناي) نفسه للعزف ساعده على التماسك، وتجاوز اغترابه، حتى يصطدم بمغالطات رئيس المنصة، فيفقد ذاته، ويكسر الشبابة.. و(المقولة الكيركجاردية) تعتبر (المغترب) إنساناً فاقداً للذاكرة، ولا يرجو من المستقبل شيئاً.. إن توحيد الماضي، والمستقبل في (الحاضر) سيحرره من اغترابه؛ وذلك بالتعرف إلى ذاته، وعذاباته؛ وقد سيطرت هذه المقولة على سلوكات (الرجل)؛ وتجلت كمساءلة للذات، وطرح الأسئلة، والبحث، ومعرفة للذات عامة.. وإن (عازف الناي) يلهج أيضاً بهذه المقولة، ويبحث عن أجوبة.. من هنا ما تميزت به المسرحية من (ملامح) إنسانية للمسرودية، مثل، أ- التقابل، والتداخل بين المدينة، والطبيعة؛ ب- تنوع إشكال المكابدة للاغتراب، وتنوع أساليب التعبير فيها؛ جـ- صدور المؤلف في ذلك عن ذاته، وليس عن أي تحزب لمذهب.. وبالفعل، إن الإنصاف يقتضيا أن ننوه بأن المؤلف رغم استهلاكه التقنيات الواقعية، والرمزية، وما فوق الواقعية في مسروديته، وصبغ بها قوالب الحوارات، والأحاديث الفردية، والأناشيد فيها، إلا أنه يصدر في ذلك عن نفسه، معتمداً على تعبيرية المواقف، والأشياء نفسها.. وإن ما يميز تجربة (عازف الناي) بالفعل ترسله في مقابلة الطبيعة بالمدينة، رغم استمراره في حب المدينة، والمبيت فيها في بيته المهدم عائلياً، ص141؛ وعندما يعلق (الرجل) على وصف (عازف الناي) للفساد في المدينة بأنه وصف لوباء، يردّ عليه (عازف الناي)، ليس وباء، وإن المدينة لم نفسد كلياً، ص130. الشعور بالوجود لقد كان (عازف الناي) يعتبر الطبيعة متنفساً له، يغني فيها شجونه؛ وقد أولع فيها على الخصوص بشروق الشمس، وعمل على دعوة رقيقة (الرجل) لمشاهدة الشروق، فاستجاب له (الرجل)، مثلما استجاب له في زيارة المدينة.. وبالفعل، عندما يزور الرفيقان (عازف الناي)، و(الرجل) المدينة يلفت نظرهما اصخب الذي فيها، فيقول (عازف الناي) للرجل: -أترى الفرق بين الصمت هنا، والهدوء هناك؟ -فيجيبه (الرجل): - مدهش.. مدهش.. لا تكاد أتصور أنهما يتجاوران. -فيقول له (عازف الناي): -هنا يضيع الإنسان.. هناك يشعر بوجوده.-، ص101.. وهذه هي المرة الوحيدة التي يرد فيها التنويه بالوجود، والشعور به في المسرودية؛ وعندما يقول (الرجل) العازف الناي أن لهجته تبدلت في المدينة. يجيبه (عازف الناي): -أنا هنا أتكلم لغة المكان.. وهناك أهرب من حياتي-، ص122؛ ثم يقول: -هنا قسوة الواقع، قسوة الفساد.. اهرب، وأشرد في البرية، أغنّى.-، ص123. ثم يقول له: - هل أدركت الآن بعض ما في (المدينة) التي أحبها، وأخشاها.. بعض ما فيها مني.. وما فيّ منها؟. هل أدركت الآن شيئاً في لحني منها؟.-، ص129. وهذا يعني أن (عازف الناي) رغم تموضعه في إمنهان الغرف، ظل يحب المدينة، كما ظل على الخصوص يرتادها، ويرتاد بيته، ويدعو له رفيقه، ص72 وص111.. وفي المقابل، ظل (الرجل) يلهج انطلاقاً من (النفس الطبيعية) حاجات الحياة، وغرائزها فيها؛ ويتحدث عن أوجاع بدنه، وآثار السياط فيه، ثم عن فقدان ذاكرته، ونسيان الماضي، وبالتالي عذاباته في حاضره، حاضر الحياة؛ وبالفعل نسمعه يقول: -هل الحياة ذنب يستمر العذاب عليه إلى ما لا نهاية؟.-، ص280. ناهيك بأن (الرجل) روحاني، ولا ينفك يلهج بتمجيد الروح، وخالق الموجودات؛ ومن هنا نفيه لعبتية الوجود، إذ يقول في أحد أناشيده: -وقفنا الثلاثة أمام شعاع من نور الأعماق/ روحي، والحب، وذاك الآخر/ وبقينا نرتجف هلعاً، حتى لا نعلّم بأننا ضعنا/ أو أننا خلقنا عبثاً.. أو تركنا هملاً.-، ص184، 185.. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |