تحولات عازف الناي (قراءة ألسنية، نقدية، تحليلية للمسرحية) - عدنان بن ذريل

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:12 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثالث-البناء المسرحي المكان والزمان

تضم مسرحية:‏

- تحولات عازف الناي-، خمسة (5) فصول؛ ووحده (الفصل الثالث) فيها يحوي على قسمين، يجريان كلاهما عند (النافورة) على سفح الجبل الأخضر"‏

وهذا المكان يجري فيه أيضاً (الفصل الأول)؛ في حين يجري (الفصل الثاني) في المدينة؛ ويجري (الفصل الرابع) على سفح جبل صخري؛ ويجري (الفصل الخامس) في معتقل في الصحراء..‏

يضاف إلى ذلك، أن (الفصل الأول)، و(الفصل الثالث) وحدهما يحويان على (أناشيد)، هي بالتحقيق للرجل؛ نجدها في الفصل الأول، ص44 وما بعدها، ثم ص77 وما بعدها؛ وفي الفصل الثالث، القسم الأول، ص116 وما بعدها، وص182 وما بعدها..‏

إلا أن (الفصل الثالث)، نجد في القسم الأول منه (استرجاعاً) لمشهد المحقق، ص157 وما بعدها؛ ثم (صوتاً) للأب، ينصح فيه ابنه (الرجل) بالحذر من السلطة، والسلطان، ص194 وما بعدها..‏

ثم في القسم الثاني منه نجد (صوتاً) للمرأة، نخاطب به (الرجل)، وتتودد إليه به، ص208.. إلا أن مطاردة السلطة للرجل تشتد ويضطر (عازف الناي) الذي يوافي الرجل أن ينقله إلى (كهف) في أعلى الجبل.. فتظهر (المرأة)، إلا أنها لا تجد (الرجل)، وتجد الخنجر، وجلد الخروف فتأخذهما، وتنبري تبحث عن الرجل..‏

في (الفصل الرابع) يجلس (عازف الناي) في ظل شجرة قرب الكهف؛ فتظهر (المرأة) وتجلس دون أن ترى عازف الناي؛ ثم يقدم عليها يسألها عن الخنجر، وجلد الخروف، فتقول أن فيهما رائحة من تحبث عنه: فيقول لها هل أدلك عليه، ثم يأخذها إلى (الرجل) في الكهف؛ إلا أن (الرجل) لا يتعرفها، فتنبري تعرفه بنفسها، وتورد له جميع تفاصيل الإهانات التي أهين بها، من الضرب، حتى السجن، وكيف أخذوه من المنزل، ثم كيف عرضوها عارية للضغط عليه، ثم كيف مات والده حسرة، وبالكاد يتعرفها، ويقول حين يهجم عليهم الجنود: - جميل أن يكون زوج الرجل إلى جانبه أيام الشدة.-، ص276، إلخ..‏

( المكان ) في المسرحية إذن متعدد، ومنوع: هو قرب (نافورة) على سفح جبل أخضر؛ أو هو قرب (كهف) على سفح جبل صخري؛ أو هو في (المدينة)، ثم في مقهى في المدينة، أو هو في (معتقل) في الصحراء، ثم في قبو مظلم فيه..‏

إلا أنّ الملاحظ على هذه (الأمكنة) إنها موظفة (توظيفاً) تعبيرياً، تلقينياً، لتعكس تجارب الأبطال، وتحولاتهم.. وهذا الأمر هو الذي يسمح للمؤلف بتشغيل هذا التوظيف، في صالح التعبيرية، والتلقين.‏

وعلى هذه الشاكلة صارت تظهر في هذه (الأمكنة) المختلفة (أشباح)، وعيون، وأيدي مهشمة، وأعضاء متداخلة، ص161؛ والقمر، ثم تلاشى ضوئه، ص168، أو اندفاع الرياح، وتساقد الأوراق على المكان، ص220؛ كما صارت تظهر (الأشخاص)، انظر ص103 وص127، أو صورة المحقق والتي تكبر في فضاء المسرح، ص159، وصورة المرأة التي سقت الرجل، ص161، وغيرها..‏

هذا الاستهلاك شيء تقني، وفني، ويمكن اعتباره بمثابة تغريب، وتسطيح. بمعنى اعتبار سطوحه، وسطوح الأمكنة بمثابة أداء (مقصد إضافي) هو في الحياة، يؤثر المؤلف التنويه به؛ وأبرز مثال عليه ما نجده في آخر مشاهد المسرحية وقد اقتيد الأبطال الثلاثة الرجل، وعازف الناي، والمرأة إلى الموت، في -ساحة مليئة بالرمال الوسخة؛ ويزداد الظلام بينما يقترب من بعيد (لحن) الناي الحزين, مشوباً بشيء من الأمل الذي يتدرج إلى فرح، أو ما يشيد الفرح، ويرافقه (شعاع نور) يكبر، ويصبح أشعة تحدد نوافذ ثلاثة على المدى اللانهائي الذي يمتد شرقاً خلف حواجز الظلام؛ ويرتفع عزف الناي مشرقاً، جميلاً، ومتفائلاً، يرتاد تلك الآفاق، وكائناً يردد: (الحياة تنتصر).-، ص347..‏

لقد ظلت هذه (الأمكنة) محل (استكشاف) تحولات الأبطال في مكابدة اغترابهم، كل من زاويته.. وبحكم أن مضامين (المشهدية العامة) التي يرسمها المؤلف هي في الأساس مضامين (اغتراب اجتماعي) سببه القهر السياسي، ظل حديث الأبطال في معظمه حول وجودهم الواقعي، وعذاباتهم فيه.. وقد تميزت في ذلك انعكاسات (الطبيعة) في الأبطال..‏

فمثلاً، نسمع (الرجل) يقول لعازف الناي: -سأتحمل البرد، إذا كان هناك برد أقسى مما تعرضت له.. أشعر أنني لا أتعرف على شيء مني، فلعل عوامل (الطبيعة)، وظروف تعامل مختلفة مع الأشياء، تجعلني أعرف من أنا، وأستعيد صلتي في الحياة، بشكلٍ أفضل-، ص78، 79..‏

وتقول (المرأة) بعد خروج (الرجل) مع عازف الناي إلى (الكهف)، فلم تجده: -لقد غاب ذلك الذي يحتل المكان؛ اختفى كمسحة عين؛ ما كان أحوجه لأن يرى، وما كان أحوجني لأراه.. ألغاز.. ألغاز.. لولا سحر (الطبيعة). وفتنتها ما احتملنا تقل الألغاز- ص227.‏

***‏

أما (عازف الناي) فإنه يصف حاله بين (المدينة)، و(الطبيعة) على النحو الآتي: - هنا قسوة الواقع، قسوة الفساد؛ اهرب، واشرد في البرية، أغني.. وماذا أفعل؟. أين أذهب؟. كيف اتخلص من ترسبات ذلك في روحي، وضميري.. أنني أختنق.. أختنق.. والناس.. الناس.. الناس ضرورة.. ولابد من العيش مع الناس. -، ص122،123.‏

كما أنه يقول أثر ذلك: -أين يذهب الإنسان ليستنشق الهواء، ويرى النور، ويستعيد مبرراً ليوم آخر يعيشه.. إنني كالمجنون، أهيم، وأهيم. وأختنق.. اركض في الفجر لأرى الشمس من قمة الجبل، قبل أن تتلوث، اركض.. اهرب.. ثم أعود، أعود، نعم أعود.. الناس ضرورة.-، ص129..‏

وليس كل ما في (المدينة) وباء، وإلا فسدت كلياً، على حد تعبير (عازف الناي)، وها هو يتابع، ويقول: - هناك شيء في الأعماق.. في عيون بعض الناس.. في أعماق عيونهم... في عمق الأعماق منها.. في خضرة بعض الأشجار؛ وفي أحاديث الزوايا، هناك ما ينعش فيك شيئاً ما، ويشدّك إلى أملٍ ما، إلى فعلٍ ما.-، ص131..‏

وهذا هو الشيء الذي ميّز تجربة (عازف الناي)؛ إذ جعلت ملابساته يكتفي بتصعيد اغترابه إلى امتهان العزف، والتشرد في البرية، أي الطبيعة، ويتعلق على الخصوص بمشاهدة شروق الشمس من قمة الجبل.. ولذلك ظل يحب (المدينة)، ويخشاها، كما ظل يأوي إلى بيته، للمبيت أثناء الليل على الأقل، ص141؛ ويقول للرجل إضافة إلى ذلك:‏

- المدينة تركت عندي وعندك حالةً من الاختناق؛ ولا أعرف ما قد يَتركه (بيتي) في نفسك، ونفسي.. اعتقد أنه يمكنك أن تمجد عندي ما ترتاح إليه.. هناك فسحة في الدار، وهناك شرفة أيضاً. دع لي قوة، ورغبة في الدخول إلى بيتي، والاقامة فيه أثناء الليل.، ص141..‏

الزمان‏

أما ( الزمان ) في المسرحية، وخاصة في بنائها المسرحي، فهو (زمان فيزيائي)، يظل (تسلسل) المسرودية، بكل مشاهده فيها، يجري في (خط صاعد)، ترتبط به سلوكيات الأبطال، والأحداث حولهم..‏

هذا الزمان الفيزيائي هو (زمان العالم)، والرباط فيه بين الأحداث وأيضاً السلوكيات هو رباط (السبب والنتيجة)؛ أي الاضطهاد، السجن، التعذيب، الحكم بالموت، السقوط من الشاحنة، الهرب إلى سفح الجبل، استمرار المطاردة، الوقوع في قبضة السلطة، المحاكمة، والحكم بالموت من جديد..‏

كل ذلك يجري في زمان العالم, في خط صاعد للمسرودية؛ وأن مطاردة السلطة للرجل حين تشتد ويهرع (عازف الناي) إلى سفح الجبل، لينقذ رفيقه، ويخبره بأن أشياء كثيرة تغيرت في المدينة، إذ يسألون عن غريب، ويبحثون عنه..، ص220.‏

ثم يضيف أنه لا يدري إذا كان المقصود هو الرجل إياه، أم أن هناك شخصاً آخر، ولكن الأمر ينذر بالخطر.. إذ قد يصل الجنود إلى سفح الجبل، وينزلون به السوء؛ ولابد بالتالي من مغادرة المكان، فوراً.. وبالفعل يغادران المكان إلى (كهف) في أعلى الجبل، ص226..‏

وبالمناسبة نورد هنا، كتدليل أيضاً على التغريب، والتسطيح اللذين يدخلهما المؤلف على الأمكنة، والأحداث: -يجره من يده، ويخرجان من المكان يسود صمت قصير؛ في فضاء المكان تتجلى (مناظر) ساحرة.. ويرتفع (صوت) عصافير من بعيد على أرضية (نغم محايد) لا يمت لأنغام العازف بصلة.-، ص226.‏

ثم يضيف الشرح: - تدخل (المرأة) بحلة ساحرة؛ تدور في المكان، كفراشة، ثم تجلس على حافة النوفرة،وتغمر ساقيها في الماء.. من آن إلى آن يبدو (شخص) يراقبها، ولكنها لا تشعر به، شخص غريب المظهر يبث في المشاهد شعوراً بالنفور.-، ص227..‏

إلا أنه في هذا (الخط الزماني الصاعد) تتلاحق أمشاج (آنات) زمانية مفككة، يمكن اعتبارها أمشاح زمان وجودي، لم يقوَ (الرجل) على عيشه، أو استنفاد التعبير عنه..‏

و(زمان العالم) الذي يعيشه (الرجل)، كثيراً ما تمثله (الرجل) زمان الفلك الآبد أيضاً: - نهر الزمان يستمر/ يدور الفلك الآبد، فلك الوقت/ ونحن غذاء الوقت، غذاء الوهم، غذاء الآن.-، ص62..‏

أمشاج وجودية‏

آن (حاضر) الرجل، فحاضر نسيان، وضياع.. وكثيراً ما شكا الرجل فيه من عجزه عن استرداد ذاته؛ وكثيراً ما سجلت المسؤودية عليه فقدان الوعي، والغياب، وخاصة فقدانه الوعي تحت سياط المعذبين له زبانية السلطة، انظر ص153، 251، 261، 265، 271 وغيرها، و(الرجل) نفسه يعترف بفقدانه الوعي ص257، ثم تذكره (المرأة) بفقدان وعيه، ص261؛ ناهيك بأن (عازف الناي) ظل يساعده للتخلص من (الثغرات)، والحلقة المفقودة في نفسه، عدة صحفات.‏

يضاف إلى ذلك أن إحساس (الرجل) بالوجود، أو الموجودات ظل في حدود الوجود الواقعي، والحياة؛ وهو ما تعرف عليه بوجود المرأة: - إن الأشياء لم تتواصل تماماً إلا بوجود المرأة، وقبل ذلك هل وجد شيء؟.. هل كان هناك شيء؟.. وأين كنت أنا، وتلك الأشياء التي كوّنت وجودي، وإحساسي بالوجود، والموجودات.. إنني ألقيت هنا.. ألقيت هنا أم وصلت إلى هنا؟.. لا أقوى على فعل شيء.. حتى ولا على التذكر.-، ص43, 44.. وظل على هذه الحالة تقريباً حتى آخر فصول المسرحية..‏

وأما (الماضي)، فلا عجب أن يكون مبدداً في وجدان (الرجل).. ولذلك هو يصير إلى (تاريخ) فلإنسانية، والانتهاك للجسد، والروح: - من بعيد أتيت /من تخوم لا أعرف لها بداية/ في الماضي السحيق تغيب بداياتي، وبدايات الأشياء، وتختلط تماماً.-، ص63..‏

ثم يقول: - في جوف البرد، ولذع وجود الأشياء سقطت /طفوت على وجه الغربة، سرت/ نحو الماضي الأبعد يتجه شراع الوعي/ مَنْ أنا قبل الجلد, وقبل الفرقة/ وقبل تكون نفسي لحماً مراً في أكوام العتمة/ تلك المتكاتفة الآن سفيح جبيل أخضر-، ص65..‏

ولا يخفى (التداخل) الصريح في هذا المثال بين الماضي السحيق الذي لزمان الفلك، وبين زمانيته كمناضل هاربٍ ضائع، كان جُلد وعذب، وافترق عن أهله، ويعيش الآن على سفح جبل أخضر-. وكذلك هو يعارض زمانيته بزمان الطوفان:‏

- قبل الطوفان بألف زمان/ وأنا من قبل، ومن بعد، كنت/ وأنا الآن ألم خيوط الأسى، لأبصر يومي/ ألم خيوط اليوم لأبصر يوم الغد الزاحف نحوي/ ويقطع سيف الوقت خيوطي/ فيضيع الأمس، يضيع الغد، يضيع اليوم، أضيع/ أعود سديماً فوق العتمة/ تلك الجاثمة سفحاً تحتي.-، ص69، 70.‏

وحقاً، هناك تنويه بالآنات الزمانية، الماضي، والحاضر، والسمتقبل، ولكنها لا تشكل زماناً وجودياً، وتظل في حدود الوجود الواقعي، وزمان الفلك: والذي يعتبره (الرجل) زمان العالم..‏

- أنا أريد أن أكون /أريد.. ولكن كيف/ وكلما كنت، قطعني سيف الزمان/ ويمضي (الآن) ليصبح (كان)/ (صار)، و(كان) سدى الزمان/ لحمته (الآن)، لحمة الزمان (الآن).-، ص61.‏

كما يقول: -ذات صباح/ ذهلت ذاتي مني/ هربت ذاتي مني/ ضعت، وضاع (الآتي)/ ضعت، وضاع الـ (كان)/ وصار (الآن) مراره.-، ص167، 168..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244