تحولات عازف الناي (قراءة ألسنية، نقدية، تحليلية للمسرحية) - عدنان بن ذريل

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:12 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل السادس-البلاغة والأسلوبية

تميزّت‏

الديباجة الكتابية في مسرحية: -تحولات عازف الناي-، بتلقيناتها الإيحائية عن تجارب اغترابية، هي في حقيقتها تجارب منتقاة، ومنمطة؛ مثّل (الرجل) فيها الجانب الجسدي، والنفسي؛ ومثّل (عازف الناي) الجانب الاجتماعي؛ ومثلت (المرا') التموضع؛ ناهيك بأن المؤلف جعل (الدولة) عدواً للأفراد، تظلمهم، وتغالطهم، وتلبسهم الجرائم تلبيساً، وتوسع في وصف انعكاسات ذلك في الأبطال على شتى المستويات، من الإحساس بالحاجات، حتى الإحساس بالمطلق، كما أوضحنا ذلك في الفصول السابقة..‏

ولما كان هدف المسرحية رسم (مشهدية عامة) للاغتراب، وكان هذا الرسم (استكشافاً) يكشف النقاب عن جوانب رهيفة، حسية، ونفسية، واجتماعية، وفكرية، هي تتداخلها الذهنية؛ فقد اكتسب (التعبير) في المسرحية قيمة فنية، وعلمية خاصة؛ وقد أوضحنا في صل سابق أيضاً كيف أن (لغة) المسرحية تميزّت بالحيوية، والشفافية، كما تميز الخطاب بالمباشرة، والعفوية..‏

وإن القارئ للمسرحية، والمشاهد، أو المستمع لنصوصها، سوف يعجبون للدقة، والتركيز اللذين في تراكيبها، وصورها البيانية، والتي جاءت (مبطنة) ببطانة ذهنية تتكشف في مسار الحوارات، والأحداث في المسرحية، وهي في الأساس (ذهنية روحانية) مؤمنة بالخالق، ومؤمنة بالإنسان، وتمجد الحب، والصبر، والصمود، فيحقق الإنسان ذاته، ويحافظ على حريته، وكرامته؛ و(شعرية) الخطاب هي الوجه الثاني لشاعرية الإبداع الأدبي.‏

***‏

وإن الاعتماد على الأخيلة، والتخيل، على الخصوص المزاوجة بين الرمز والواقع، أو بين الواقع وما فوق الواقع سمح بإذكاء (التعبير)، وبطانته بتلقينات استكشافية، كلها الذكاء، والصدق، مما أثر تأثيراً مباشراً في (الصور البيانية) في المسرحية، فكثر (الترشيح)، أي ذكر ما يلائم المشبَّه به؛ و(التجريد)/ أي ذكر ما يلائم المشبه؛ و(التخريج) أي التوسع في طرفي المشابهة، المشبه، والمشبه به، في التشبيه، والتمثيل: ثم (التوقيع)، وهو تخريج يتحرك تحركاً حراً، بطر في المشابهة، سواء هما حسيان، أو معنويان، أو أحدهما حسي، والآخر معنوي في الخطابات..‏

التشبيهات‏

يقوم (التشبيه) بصفته صورة بيانية على الشبهية بين شيئين، أي هو يظهر (وجه شبه) بين شيئين؛ ولذلك يظل في الواقع حسياً، ومعنوياً؛ سيما وأن له (تركيباً لغوياً) هو يميزه، وهو: -أ هي مثل ب-، حيث (أ)، و(ب) من الواقع، ويكون أحدهما متخيلاً، سواء كان التشبيه حسياً، أو معنوياً..‏

وفي مسرحية: -تحولات عازف الناي-، استهلك التشبيه استهلاكاً دقيقاً، ظل فيه المجتلى الفعلي للحسّ الاستكشافي فيها؛ ويربط الأوصاف، والتحليلات بواقع المتكلم، سواء كان (الخطاب المسرحي) عن المستويات الدنيا التي للحاجات، والغرائز، والشهوات، والرغبات الأولية، أو المستويات العليا التي للوجود، وعلاقة الإنسان بالمطلق..‏

وقد أحصيت أكثر من مائة (100) تشبيه في المسرحية؛ وقد استهلك المؤلف فيها للربط بين الطرفين المشبه، والمشبه به أشكالاً مختلفة لأداة التشبيه، مثل (الكاف)، وهي الأساسية، ثم الإضافات إليها، مثل (كما)، و(كهذا)، و(كأنما)؛ ثم (مثل)، و(مثلما)، و(مثل هذا) إلخ.. وفيمايلي أبرز هذه التشبيهات.‏

الكاف‏

- الماء عذب، بارد كالفرح-، ص30؛ -أجد هنا ألواناً ليست كالألوان-، ص135؛ - اللحن يمضي كالسهم-، ص161؛ -شرايين الحياة تتداخل أحياناً كخيوط المسؤولية-، ص189؛- الناس تتقاتل كالدببة-، ص128؛ -يبدو أن أطواري غريبة كأطوارك-، ص132؛ -لا تصنع مني أحمق، ولا تنظر لي كأبله، ص137؛ -في جوف الرمل ينضح الجسد كرغيف مغمور برماد، ص264؛ -سنصل إلى الرجل، وعند ذلك سيغرّدد كالبلبل-، ص325، إلخ... حيث طرفا التشبيه يتكاملان، سواء هما حسيّان، أو أحدها حسي، والآخر معنوي.. إلاّ أنهما كليهما من واقع تجربة المتكلم، وافتكاره للأشياء، أو أيضاً استكشافه لها عامة.‏

كما‏

- (أنت غريب)، كما ترى، أو كما تريد-، ص102؛ -غريب كما قدرت-، ص103؛ - هناك يتبادلون الفساد كما يتبادلون السلع-، ص122؛ -سترى أمنّا الطبيعة، كما لم ترها من قبل-، ص171؛ -أنا لا أعبد الشمس، ولا أعبد أشخاصاً كما يفعل كثيرون-، ص174: -عندما أفكر في الأمر، كما تفكر به أنت، أجده قطيعاً. ولكن عندما أفكر فيه كما يحق لي أن أفكر به كمخلوق له الحق في أن يعيش كما يعيش الآخرون، فإن الأمر يختلف-، ص176، إلخ.. حيث الطرفان يتساندان في تلقين تجربة الواقع.‏

كهذا، كذا، كذلك، هكذا.‏

- إذا لم أهتد إلى نفسي، في جو كهذا، ففي أيّ جو، يمكن أن أهتدي إليها-، ص172؛ - لابدَّ أن تبلغ رسالة حقيقية كهذه-، ص130، - في مكان ساحرٍ كهذا، -يصبح لكل شيء حضور، ومعنى-، ص128؛ - ما بك صامت هكذا؟. لماذا لا تكلمني؟.-، ص173؛ -إنك بالتذكر تستعيدها، هكذا قلت لي-، ص199؛ - هكذا أتصور، هكذا أشعر-، ص154؛ - ما العمل إذن... هل تضيع هكذا بلا معنى؟.-، ص340، حيث انعكاساً الحياة، وتجربة الواقع.‏

- أنت غريب؟. أليس كذلك؟..-، ص102؛ - أقصد غريب الأطوار أيضاً، أليس كذلك؟.-، ص133؛ -جواب هـ لا يستقيم إلا ضمن تفسير، أليس كذلك؟.-، ص136؛ - أتفاءل بالخنجر، وبالجلد كذلك-، ص242؛ - (هل هو أبله)، لم يكن كذلك.-، ص314؛ -لم أكن كذلك قبل الآن-، ص320؛ - وما الذي جعلك كذلك الآن؟.- ص320؛ - اللحن يموت، والصوت كذلك يضيع، يموت.-، ص339.‏

كأنَّ، كأنَّما‏

- كأنما أصل الحياة، وفروعها، وهم!-، ص127؛- كأنما هو يشك في ما حدث.-، ص129؛- كأنما أحاول أن أعقل مهر الريح في زهو انطلاقته-، ص160؛ - كأنما أبدعته أرواح ذات مزاج خاص-، ص143؛ (سفح الجبل الأخضر) -كأنما لم تصنعه يد بشر، وكأنه لا يمت إلى الواقع بصلة-، ص143؛ -كأنما أعادني الشارع عندما رأيته إلى حيوية القديم الذي يسكنني-، ص153؛ - كأنما هو حلم-، ص169؛ -كأنما كل منا قصبة.. (واحدة) تصدر لحناً. و(الأخرى) كلاماً حلواً، ذا معنى-، ص170؛ -كأنك في عالم آخر، أو من عالم آخر-، ص208؛ - كأنما أسمع صوتاً يكلمني. كأنما أتعرّف إلى رنينه، كأنما هو قريب إليّ... ص209؛ - كأنما أنشقت الأرض، وابتلعته-، ص219.‏

مثل، مثلما، مثل هذا، مثلك‏

- وجه يحمل الحياة في إناء، ويقدمها إلي مع ابتسامة، ويدلني على طريق الخلاص بكلمة، وجه (مثل هذا) لابدّ أن يكون وجهاً بلانكياً.-، ص37؛ -أنا مولعة بالاستقرار، والراحة، مثلما أنا مولعة بالنور-، ص39؛ - كأنما مجرّد اللعب لم يعد بريئاً في مثل هذه الأماكن-، ص134؛ - أنا أسعد كثيراً بالضيف، لاسيما إذا كان مثلك بارعاً في الإصغاء، وفي الأداء-، ص76؛ - خدمة مثل ماذا؟-، ص117؛ - الشفاف جريح جداً، مسكين مثل شعاع الفجر، وريقة ورد-، ص164؛ - نبت الناس على ضفاف البرد، وجوهاً كانوا مثل الفطر-، ص166؛ - إني لا أذكر منذ متى لم أراقب شروق الشمس من مثل هذا المكان-، ص173؛ - تستيقظ الذكرى أحياناً مثل الصاعقة على الرأس، ثم تتبدّد-، ص178.‏

- وحشياً صرت، وشاحباً قاسياً، مثل فراغ صحراوي مديد-، ص208؛ - أنا أيضاً عاينت كثيراً مثلك، وعانيت كثيراً مثلك-، ص23؛- ليس مثلي، فليس مثلي أحد، ليس مثلي أحد-، ص213 أيضاً؛ - يرتمي المرء أحياناً من التعب، والخوف، والعطش، ويدخل في الغياب مثل شريحة من البطيخ تذوي، وتجف-، ص251؛ - سقطت مثل جذع شجرة من شاحنة الجثث، ولم يشعر بي أحد-، ص267؛ - أود لو تكون بمثل هذه الحصافة، والجدية، والقسوة، وقت تحاكم عدواً-، ص332؛ - نوع خاص من البشر يستشعرون مثل هذه السعادة-، ص308، إلخ.. مما يثبت الواقع، والتجربة، حسياً، ومعنوياً..‏

يضاف إلى ذلك أن المؤلف يستعمل للتشبيه أيضاً مفردات (شبه)، و(أشبه)، و(شبيه)، كما في قوله: - هذا يشبه نكأ الجرح، بالأظافر، والكلمات-، ص73؛ - الأشياء تمرّ فيما يشبه مرآة تمسح الأشكال، ثم تمحوها-، ص16؛ -صار البيت أشبه بالمصيدة، بالمحنة-، ص142 - أرضية من شبه الظلام الذي يشاكب، وينمو-، ص13؛ وهكذا دواليك من تشبيهات تظل إلى حد كبير واضحة، ومفهومة، وذات تعبير، وتلقين مثمرين‏

الاستعارات‏

أما (الاستعارة) فلها شأن آخر.. إذ ليس للاستعارة (تركيب لغوي) كما للتشبيه يربطها بواقع المتكلم، ومقاصده؛ وإنما هي (حصول لغوي) متعدد الأشكال، يخلق الواقع، وعالمه، وفق رؤية المؤلف للعالم، وذهنيته..‏

هذا الخلق هو في كثير من الأحيان (خلق استكشافي)، فيكون خلقاً لواقع (فوق الواقع)، ولكن، تظل له القيمة الاستكشافية، الواقعية: كما في تصوير بعض التحولات، أو تصوير أحوال مستوياتها، أو أيضاً مجرد تلقينها.‏

وذلك أن (الإستعارة) هي مجرد إعارة، تقوم على (النقل)، أي تبديل معنى المفردات.. ولذلك هي ترد (تصريحية)، وتارة (مكنية)، وتارة (إضافية)؛ اللمهم هو أنهما في كل أشكالها: - تشبيه مختزل-، وبالتالي، هي تحمل بذرة الواقع، أو بذرة خلقه وفق رؤية للعالم؛ وفيمايلي أبرز الاستعارات في المسرحية.‏

الاستعارة التصريحية‏

وهي التي تنص على المستعار، المشبه به، منقولاً.. فتبدّل في معناه؛ ولذلك هي تستند إلى (الاسم)، نحو -رأيت الظبية-، و-ليلنا خمر- إلخ.. أي رأيت المحبوبة، وليلنا اجتماع أنس؛ وفي المسرحية نسمع:‏

- في داخلي ثغرة-، ص161، أي أن شعوري بالضياع وبالنسيان، شعور بفراغ هو (مثل) ثغرة في داخلي.. والإعارة هنا (إعارة مشابهة)، وهي بسيطة، وقريبة، ومفهومة،.. - كلّ ما حولنا رسائل موجهة لنا-، ص227؛ أي أن الأحداث والأشياء التي حولنا، هي في تنبيهنا للأمور (مثل) رسائل موجهة لنا؛ والأعارة هنا أيضاً (إعارة مشابهة)، وهي بسيطة، ومعبرة؛ -لك شرفتان واسعتان مشرقتان تطلان على الزمان-، ص255؛ أي لك عينان جميلتان، تبدو عليهما علائم الذكاء، مشرقتان، وتسمحان بتوعي الوجود، تطلان على الزمان؛ وإن (الترشيح) هنا، أي ذكر ما يلائم المشبه به، ظل أساس الإعارة، وهي إعارة مشابهة؛ - نحن غذاء الوقت، غذاء الوهم-، ص62؛ أي ضحايا الوقت والوهم اللذين يستنفذاننا، كما يستنفذ الحيوان غذاءه؛ والإعارة هنا مباشرة، ومطللة بعض الشيء؟ - في داخلك نار-، ص138؛ و؛ و- في داخل كلٍ منا شمس-، ص178، مثل الاستعارة الأولى فوق..‏

وثمة في المسرحية (استعارات تصريحية) تداخلتها (لمسات تحولية)، بعضها فوق واقعي، وأبرزها: - (أصبح) القلب النظيف مزرعة للشر-، ص155؛ -الإنسان (يصبح) عشّ نفاق، عشّ خيانة-، ص163؛ - (صار) الجسد دثاراً يتمزق على مهل تحت ضربات الجلادين-، ص183؛ -العتمة (صارت) سكيناً، وجوه الناس (صارت) رعباً، أكل الحيّ الحيّ.-، ص166؛ - الليل كثيف (صار) سفوحاً خضراً، (صار) وجوهاً صفراً، (صار) قلوباً تسعى، و(صار) التيه عيوناً تتوعى حب عيون الناس لكل الناس، و(صار) الخوف إليها يسعى-، ص167 إلخ.. حيث تسيطر (رؤية) تشاؤمية، عن (تاريخية) الإنسان في التكوين عامة؛ والصور في معظمها استكشافية، وفوق واقعية..‏

الاستعارة المكنية‏

وهي التي تستند إلى (الفعل)، ويكون (الحصول اللغوي) الذي يضمه يحوي على ما يصرف معناه الحقيقي إلى (المعنى المجازي)، فتكون الإعارة مكنية، تستهلك إلى جانب علاقة (المشابهة)، علاقة (الإرسال) السببية، والمسببة، والجزئية، والمكانية، والزمانية وغيرها مما يعتبر اليوم (علاقات مكنية) وأبرز هذه الاستعارات في المسرحية:‏

- الأشياء تتراقص، وتتشامخ أمامي.-، ص96؛ وهي استعارة مكنية تقوم على علاقة (المشابهة)، بمعنى أن الأشياء لها قابلية للرقص، والتشامخ، وتشبه الأشخاص في تراقصهم، وتشامخهم، والإعارة قريبة، ومفهومة..‏

- حتى حاجة الروح تداس بالأقدام-، ص323؛ وهي استعارة مكنية تقوم أيضاً على علاقة (المشابهة)، وتشبيه حاجة الروح بشيء مادي يمكن أن يداس بالأقدام..‏

- الخوف يهتك المسافات، ويزيلها-، ص25 وهي أيضاً استعارة مكنية تقوم على علاقة (المشابهة) التي بين الخوف، وبين قوة تفتك بالأشياء؛ و(المسافات) هنا يمكن اعتبارها مكانية، ونفسية، واجتماعية كافة..‏

- من أين ينبت الخير.-، ص50؛ ثم -اللحن يمتطي صورة الضوء-، ص59؛ وهما أيضاً تقومان على علاقة (المشابهة)، لولا أن الاستعارة الثانية تقوم على (بعد استعاري إضافي) في صهوة الضوء، مما سنحلله بعد قليل..‏

- هاهو الخشب الرقيق يستعير أجنحة، يتلوى وهو يطير، ويطير بعيداً-، ص65؛ حيث الحصولات اللغوية الاستعارية هي عن الناي، والذي بمفعول العزف يستعير أجنحة، ويطير بعيداً-، يصرخ رعد، تندب ريح، يمطر قلبي-، ص67: حيث الاستعارتان الأوليان عاديتان، وتقومان على علاقة (المشابهة) التي بين رعد، وإنسان يصرخ، وبين الريح، وامرأة تندب؛ وأما الاستعارة الثالثة فرمزية، تشبه القلب، أي الوجدان، وهو (معنوي)، بالسماء، والتي تمطر/ لتلبدها بالغيوم، في نيل الوحل الأسود، ص67، وهي (أشياء مادية) وترمز الهموم، والآلام، والأوجاع..‏

وهناك استعارات مكنية في المسرحية تقوم على (لمسات تحولية)، نحو: - الدم بترسب رماداً في العروق-، ص13؛ حيث صورة الدم، وقد (صار) إلى رماد، بنتجية احتراقه.. ثم ملازمته للعروق.، في عذاب مستديم..‏

- كيف كان الماء يهرب منك، وهو الآن يدنو منك؟..، ص28؛ حيث التخييل جعل الماء مثل كائن حيٍ، يهرب، ثم يدنو، مما هو غير واقعي؛ وآثره المؤلف بأنواعه في المرحسة لاستكشاف الواقع، والتجربة كافة..‏

استعارة الإضافة‏

وهي التي يقوم حصولها اللغوي على (إضافة) اسم إلى اسم، أي شيء إلى شيء، وهي (الإضافية البسيطة)؛ أو (إضافة) ثلاثة أسماء بعضها إلى بعض، أي ثلاثة أشياء، وهي (الإضافية المركبة)، نحو ذلك (قلب الحديد) في قولنا في الإضافية البسيطة: -قلب الحديد الذي للأب دفعه إلى الفتك بأولاده-، حيث تقصد الإضافة قسوة الحديد الذي كان لقلب الأب؛ وقد تكون (الإضافية البسيطة) بـ (من) أيضاً، أي (قلب من حديد)، فيكون السبك للفكرة: - كان للأب قلب من حديد، دفعه إلى الظلم، والإجرام-، إلخ..‏

الإضافية البسيطة‏

نجد في المسرحية العديد من (الإضافيات البسيطة) دون من، أبرزها:‏

- سيل ملح ناري-، ص16؛ -رمضاء الجسد-، ص17؛ -مهر الريح-، ص60؛ -صهوة الضوء-، ص59؛ -سيف الوقت-، ص61؛ -غذاء الوهم-، ص62؛ -وجه الغربة-، ص63؛ - عش نفاق، عش خيانة-، ص163؛ - خيوط المسؤولية-، ص89؛ -قلب المطر-، ص166؛ -صراخ الأرض-، ص166 وهي دون من.‏

في حين أن أبرز الاستعارات 0الإضافية البسيطة) التي تحوي على من، في المسرحية:‏

- كوم من العتمة-، ص49؛ - هشيم من أحساس-، ص71؛ - خيال من الكلام-، ص215؛ -عهد من التيه-، ص210؛ -وجه من رياء، ودعارة-، ص159؛ -بؤرة من قلبي-، ص209؛ -شعاع من نور الأعماق-، ص185، وهي تقوم على أضافية بسيطة أيضاً هي نور الأعماق؛ ومثلها: -شواغل من نار عينيه-، ص156؛ أو -شعاع من لطف الأمان-، ص167؛ وهاك استعارات إضافية تقوم على التعداد، كما رأينا في المثال السابق، وجه من وباء، ودعارة، ص159؛ أو -غيمة كثيفة من الدخان، والرماد-؛ ص160؛ أو -كرة الحقد، والنار، والعار التي تتدحرج ورائي-، ص160 أيضاً؛ -بقية من قلب، وماء-، ص258، وغيرها..‏

الإضافية المركبة‏

وهي التي تحوي على إضافة ثلاثة أشياء، أو ثلاثة أسماء، بعضها إلى بعض، وأبرز الأمثلة عليها في المسرحية:‏

- لذع وجود الأشياء-، ص163؛ -حساب شقاء الناس-، ص156؛ -أظافر رجل الآتي-، ص192؛ -سنابك خيل الآتي-، ص192؛ -حافة استعادة الأشياء-، ص201؛ -أرجاء ذاكرة الشخص-، ص217؛ -حرية روح الأب-، ص271؛ -فضاء روح الشخص-؛ ص277؛ -قلب دوامة الموت-، ص319، وغيرها..‏

أما تحليل الاستعارة (الإضافية البسيطة، أو المركبة) فيقوم على تبين (البعد الاستعاري الذي لها، واعتباره طرفاً في الإعارة، والنقل، سواء هي بين اسمين، أو أكثر، نحو:‏

- (رمضاء الجسد) تشوي الروح-، ص17؛ حيث (البعد الاستعاري) هو أوجاع الجسد، بسبب الجلد، أو السقوط من الشاحنة، والعطش، والتي يشبهها المؤلف بنار تشوي الروح، أي نفعل فعلها في الروح.‏

- أنا في دوامة الموت، في قلب دوامة الموت-، ص319؛ (البعد الاستعاري) هنا هو استشعار الخطر؛ والإضافية المركبة في قلب دوامة الموت تأكيد على فكرة تهديد الموت للمتكلم، والذي يكون يحاكم مع رفيقيه في المعتقل في الصحراء..‏

- شواظ من نار عيني الجلاد-، ص156؛ وهي تحوي على (من)؛ وتؤكد على (حقد) الجلاد، والذي تشبه نظراته شواظ نار تنتثر من عينيه..‏

النعوت الرمزية‏

يبنى أخيراً، أمر (النعوت الرمزية)، والتي يوشي المؤلف بها ديباجته الكتابية، مفرداتها، تراكيبها، والحصولات اللغوية فيها، وأبرزها:‏

- سيل ملح ناري-، ص16؛ -شيء زئبقي-، ص16: الظمأ الأسود، ص17؛ -أحلام سوداء-، ص17؛ -ذاكرة مضيئة-، ص42؛ -الدم الأصفر-، ص67؛ -الخوف الأسود-، ص67؛ -ثلج أسود-، ص80؛ -تجارة وردية-، ص129؛ -عينان حجريتان-، ص154؛ -وجه قائم-، ص159؛ -الصوت الأصفر-، ص185؛ -العيش الأخضر-، ص185؛ -فراغ صحراوي-، ص208؛ -الرجل الناري الأسود-، ص215؛ -اللون الرجراج-، ص229؛ -اليوم الأسود-، ص274؛ وهكذا دواليك... حيث (النعوت) مسارة إعارة استعارية، رمزية، تلتقي مِن خلالِ اللونِ الحسيِّ، أو المحسوسات عامة الأجواء النفسية، للمعاناة، أو أيضاً أحوالها الرهيفة في المواقف المختلفة الموصوفة..‏

الشكل والموضوع‏

وقد رأينا في الفصول السابقة، أنّه من أساس الهدف الفني الذي توخت مسرحية: -تحولات عازف الناي- تحقيقه، وهو رسم (مشهدية عامة) للاغتراب، فقد انحسرت الفاعلية الدرامية في المسرحية، وتراجعت أمام (تجميع) لمشاهد، ترصد أحوالها رصداً.. بحيث صار (الإبداع الأدبي) فيها إلى (استكشاف) لهذه الحال التي تعكسها أحياناً حياة. الإنسان، أي (الغربة) عن الناس، والنفور منهم، واعتزالهم؛ ويكون ذلك عادة نتيجة القهر الاجتماعي، وخاصة السياسي...‏

وقد تجلى ذلك في المسرحية على شكل (توهج) كتابي، استكشافي، هو توهج المتحاورين والمتكلمين في المسرحية، كشف عن قدرة المؤلف على التصرف باللغة، مفرداتها، وتراكيبها، وأساليبها، وتوجيهها الوجهة التي يريد.. وهذا يعني فنياً، وعلمياً، أن (اللغة) مطاوعة للمؤلف طواعية، هي تقريباً تامة، يسوقها حيث تؤدّي (وظيفتها)، كنظام (إيصال) للمقاصد المختلفة، الفكرية، والأدبية؛ مما ترك أثره في (السبك)، والذي جاء سبكاً رشيقاً، وذكياً، كله الحرارة، والحيوية، وأيضاً كله التعبير، والتلقين..‏

توهج وانزياحات‏

وقد برزت في المسرحية رؤية للعالم، وإنه (عالم روحاني)، إلا أن الإنسان يشقى فيه.. فالانتهاك للجسد، والروح قديم، ومع ذلك شهوة السلطة، وشهوة الظلم تستمران في تاريخية الإنسان في العالم، دون رحمة؛ وهو الذي، على العكس، جبل قلبه على حب الناس.. وأبرز آثار هذه الرؤية اعتبار (الدولة) عدواً للأفراد، تظلمهم، وتغالطهم، وعلبسّهم الجرائم تلبيساً.. مما كشفت تجارب الأبطال عنه، في اغترابهم ومحاولات تجاوزه..‏

ولا عجب إذن أن تكون أسلوبية المسرحية (أسلوبية خلاقة) تقوم على (الانزياحات) الصريحة، أي عدول القول عن الاستعمال العادي للغة، مفرداتها، تراكيبها، أساليبها إلى ما يرضي التوّهج، والاستكشاف اللذين يلهج بهما المتحاورون، والمتكلمون في المسرحية؛ ومن هنا بالتالي بروز انزياحين أساسيين ظلا وراء مسرودية المسرحية: -الانزياح البلاغي، والانزياح الأسلوبي- (الانزياح البلاغي) يعود إلى التصرف بنظام الجملة العربية، الإسمية والفعلية، وأركانهما بالحذف، والتقديم، والتأخير، ثم استهلاك (النقل)، وبالتالي المجاز في دلالة المفردات، والتراكيب، في الصور البيانية‏

و(الإنزياح الأسلوبي) يعود إلى الانتاجية الأدبية نفسها، وتوجهها الفكري، والغني في اصطناع التقنيات الفنية المختلفة..‏

فقد اكتسبت الديباجة الكتابية من (الانزياح البلاغي) في المسرحية حرارتها، وحيويتها، وشفافيتها، سبكاً، وإنشاء، وتخييلاً؛ بما يحرك الوجدان، والخيال، ويثير الاستكشاف، والتمعن.. وإن ديباجة المسرحية ديباجة عميقة الإيحاءات، مليئة بالصور البيانية المعبرة؛ سيما وهي تنطلق من تجارب اغترابية نمطية يعمل المؤلف على رصدها، وتثبيتها..‏

أما (الانزياح الأسلوبي) فقد أكسب الإبداع الأدبي في المسرحية آفاقه، وعلى الخصوص ارتباطه بالمؤلف صاحب الأسلوب؛ هذا الارتباط الذي يكشف عنه ما لهجت به خطابات المتحاورين، والمتكلمين في المسرحية من (روحانية)؛ كما تكشف عن حرية المؤلف في استهلاك عدة قوالب كتابية إلى جانب (الحوار) مثل (النشيد)، و(الحديث الفردي)، و(الأصوات)، و(استرجاع مشاهد) من الماضي، وغير ذلك..‏

إن أسلوبية المسرحية في ذلك كله (أسلوبية خلاقة)، تتحكم بالإبداع الأدبي في المسرحية التي هي تجميع مشاهد؛ ورغم افتقار المسرحية إلى حبكة درامية تحرّك العمل المسرحي فيها؛ إلا أن رصدها لأحوال (الاغتراب) عند الأبطال فيها، جاء رصداً توهجياً، واستكشافياً، يتحرك في أجواء (روحانية) صريحة، ظلت تستند إليها التحولات، وتحليلاتها..‏

مستويات التجربة والتعبير‏

(الرجل) ظل هو البطل المحوري في المسرحية، لأنه هو الهارب من وجه السلطة، والمطارد منها، بعد أن سقط من الشاحنة التي كانت تقوده إلى الموت، فلجأ إلى الطبيعة؛ وهاهو يدخل خشبة المسرح، وهو يكابد عذابات وضعه، وما أسلمه إليه (التعذيب) من فقدان للذاكرة، والنهالك.‏

إنه لا ينفك يلهج من مستوى (النفس الطبيعية) التي للحاجات، والغرائز، والشهوات، والرغبات الأولية؛ وخاصة من مضامين أوجاع جسمه، وروحه، يعارضها بإحساسه بالمطلق.. إلا أنه ظل متهالكاً، فاقد الذاكرة، لدرجة أنه في آخر المسرحية، لم يتعرف على زوجته، ص246..‏

وأما (عازف الناي) فمتاسك، ويظهر عند سفح الجبل، حيث يجد الرجل، يتعاطف معه؛ إنه مناضل أهين، وسجن، وعذب، فترك العمل السياسي، وامتهن العزف على الناي، وهو التصعيد لاغترابه..‏

إلا أنه في حقيقته مغترب، يعتزل الناس، ويوافي الطبيعة؛ ومع ذلك ظل يحب المدينة، ويخشاها، ويأوي إلى بيته المهدم عائلياً، ويعتقد أن (الناس ضرورة) كما أوضحنا ذلك في الفصول السابقة.‏

إلا أنه عندما يصطدم بمغالطات ممثل الدولة (رئيس المنصة) يفقد ذاته ويكسر الشبابة، وينبري يقاوم دون جدوى؛ إذ يحكم رئيس المنصة عليه وعلى رفيقيه بالموت، فراح يقاوم معهما الموت، ويرسل معهما سؤال: -لماذا نعيش، لماذا نموت؟-، فيكون عامل توعية للناس، فيتوعون لحرياتهم، ويحافظون على كرامتهم.‏

وأما (المرأة) فظهرت في أول المسرحية كرمز للجمال، والحب؛ ثم ظهرت في الفصل الثاني كشحادة متشردة، وهو دور رمزي عن الزوجة التي تفقد زوجها، وسنده؛ ثم في الفصول الأخيرة ظهرت كزوجة (متموضعة)، أي تعيش اغتراب التموضع، في خدمة وضعها كزوجة مخلصة، تكسب من ذلك (عقلانية) علاقاتها مع الناس، وتربح زوجها، وذاتها، وحريتها..‏

وهذا يعني أن (التجارب الاغترابية) التي رصدتها مسرودية المسرحية، وفّرت للتعبير مجالات متباينةً، واسعة؛ وأن (التعبير) ظل يشمل فيها مضامين رهيفة، ومتنوعة، بعضها من مستوى النفس الطبيعية، والبعض الآخر من مستوى الإحساس بالمطلق..‏

وقد لوحظ على هذه المضامين أن الحديث عن الحاجات، مثل الطعام، والشراب، والنوم، والمبيت ظل مطرداً في فصول المسرحية، عدة صفحات؛ وكذلك الحديث عن الجلد، والتعذيب، فيها عدة صفحات..‏

فمثلاً، ظل التنويه بـ(العطش)، والذي استعملت المسرودية له مفردة (ظمأ) أيضاً، ظل مطرداً في فصول المسرحية، وبعض الاستعمالات فيه ذات دلالة معنوية؛ وإن (عازف الناي) كان يجلب (الطعام) معه إلى سفح الجبل، له ولرفيقه، ص140، وإن (المرأة) في آخر المسرحية تعلم زوجها بأنها هي التي كانت تؤمن له (الطعام)، ص347، 348..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244