تحولات عازف الناي (قراءة ألسنية، نقدية، تحليلية للمسرحية) - عدنان بن ذريل

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:12 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل السابع-في تحليل الديباجة الكتابية

تميزت‏

(الديباجة الكتابية) في مسرحية: -تحولات عازف الناي-. بعفويتها، وشفافيتها، فعكست (الملاءمة) بين السبك، والمضمون، في (إيقاعية) ظلت هي أيضاً ملاءمة لعرضٍ مسرحي، يقوم على تجميع مشاهد عن الاغتراب، وتحولاته..‏

فما هي إذن خصائص هذه الديباجة الكتابية، ألسنياً، وأسلوبياً؟.. سيما وأن المقصود من التحليل الألسني، والأسلوبي هو إظهار (الذبذبات الإبداعية) في المسرودية، وانعكاساتها على لغة المسرحية، وديباجتها كافة..‏

تمايز في التعبير‏

فقد تنوعت أساليب التعبير، وتراكيبه في المسرحية، بحسب المضامين فيها، وعلى الخصوص أن تجارب الأبطال فيها متباينة، ومتفاوتة في حيثياتها..‏

خطاب (الرجل) تميز بانطلاقه من مستوى (النفس الطبيعة)، وموافاته المطلق.. فكثرت (الأحاديث الفردية) فيه، والتي تصير يتقاطع فيها أوجاع الجسد، والروح، وأيضاً الضياع، والخوف، والتطلع إلى الأمن..‏

وأما (عازف الناي) فإنه ينطلق من مستوى حياتي، قهري، حملته عليه ظروفه، هو تصعيد اغترابه إلى (امتهان العزف)، أي ممارسة الفن، وهو حاجة في التعبير عن النفس..‏

ومثل سلوكه في الحياة، جاء خطابه متماسكاً، رصيناً، وصميمياً؛ إلا أنه عندما يصطدم بمغالطات رئيس المنصة ينقد ذاته، ويكسر الشبابة، ويلجأ إلى الغمز بالمتسلطين..‏

أما (المرأة) فقد عاشت اغتراب (التموضع)، وظلت تعيش تموضعها في آخر المسرحية، كزوجة مخلصة لزوجها، كما تعيش ذكرياتها معه، وتذكره أيضاً في آخر المسرحية بها..‏

يدخل (الرجل) خشبة المسرح صائحاً: -اعطوني شمعة، وشربة ماء، لعليّ استعيد دربي، وصورتي، وصوتي-، ص13؛ الخطاب هنا (إرسال عام)، موجه إلى مجموع مبهم، ويطلب شيئيين متباينين شمعة، وجرعة ماء؛ والطلب يدلّ على التشتت والضياع..‏

- فقد ضاع مني كل شيء، حتى ذاتي؛ أعطوني شيئاً أبصر به، فقد غاض كل فيض الرؤية في أعماقي-، ص13؛ حيث يصير إلى (التقرير)، غاض فيض الرؤية، ثم يستمر يقرر: -الماء قبل النور، هكذا كان في الأرض، وفي الجسد، وهكذا هو عندي في هذا الأوان.-، ص13؛ إلا أن (التقرير) هنا تقرير معرفي عن وجود الماء، وأصلانيته، مما يحتمل الصواب، والخطأ، كما يحتمل الإخبار العادي الصدق، والكذب..‏

لنسجل هنا أن هذا الخطاب طويل، ويملأ الصفحات الست الأولى من المسرحية؛ وفيها يصير (الرجل) يميل إلى توعي ذاته على سفح الجبل، فتتبسّط العبارة، وتتنوع التراكيب، وتظهر الصور الفنية..‏

-سيل ملح ناري يتلكأ في زوايا الرأس، وأسفل القلب، ويتثاقل حتى لتنوء بحمله العروق؛ الأشياء تتراقص، وتتشامخ أمامي.. تمرّ فيما بشبه مرآة تمسخ الأشكال، ثم يمحوها.-، ص16..‏

(التقرير) هنا هو الغالب، ويصف إحساساً داخلياً، ثم يصير منه إلى الإحساس في الأشياء في الخارج؛ استخدمت في وصفها الاستعارات المختلفة، ليعود فيقرر الضياع:‏

- يكاد جسم الشيء يتكسر، ويتطاير شظايا، لا بل هو يمحّي تماماً.. إنه المحو.. المحو تم التماسك... نعم، لا يلبث الشيء أن يتماسك، ثم يعود سريعاً إلى الأنحاء.-، ص16.‏

ولذلك يتساءل: - ما هذا؟. أني داخلي يحدث هذا، أم فيما حولي؟. كأنما هي صور الأعماق تعرض أمامي.. ولكنها ليست مجرد صور، إن لها طعم الوقائع.-، ص16، إلخ...‏

وإن الوجدان الذاتي هنا هو الغالب؛ وهذه الغلبة مؤشر خير، لأنها تدل على الجهد الذي يبذله (الرجل) لتوعي الذات، وبالتالي تجاوز اغترابه..‏

وأما (عازف الناي)، فإنه عند ظهوره على خشبة المسرح، يتجه إلىالنافورة ليملأ جوده، فيفاجأ بوجود جود (الرجل)، ولذلك يستمل خنجره، ويسأله من يكون؟. فيطمئنه الرجل، وأنه لا يخيف، ولا يؤذي أحداً، وإنما هو متروك إلى الماء..‏

يعجب (عازف الناي) لذلك، ويقول في نفسه: -غريب فعلاً.. حالة، حالة تامة، أنا نفسي أكتشف فيها حدود الغرابة؛ وأنا الذي يقال عني أني غريب.-، ص50، ثم يتعاطف معه؛ ونسمع بينهما الحوار الصميمي الآتي:‏

العازف‏

كان عندي ميل للدنيا، ووجاهاتها.. ووجدتني أسعى على قدمي إلى حيث يجبرني الاتباع على عبادة من يدفع لهم، ويجرهم من أنوفهم..‏

الرجل‏

وكيف اكتشفت العالم الآخر؟.‏

العازف‏

في أحد الأيام تعرضت للإهانة... كانت شديدةً جداً؛ شعرت بشيء يغلي في داخلي.. تحركت يدي لرد الإهانة، فـ.. فوطئت بالأقدام..‏

الرجل‏

بالأقدام؟‏

العازف‏

نعم، بالأقدام.. كان الدرس قاسياً جداً.. في الزنزانة قمت بمراجعةٍ لأشياء كثيرة؛ وعندما خرجت بعد زمن. كنت أنساناً آخر..‏

الرجل‏

تركت لهم الدنيا، وأخذت منها الشبابة!.. أليس كذلك؟..‏

العازف‏

والخنجر أيضاً..‏

الرجل‏

تعني أنك تستطيع أن تقتل؟!..‏

العازف‏

عندما أفكر بالأمر كما تفكر به أنت أجده قطيعاً.. ولكن عندما أفكر به كما يحق لي أن أفكر به، كمخلوق له الحق في أن يعيش كما يعيش الآخرون، فإن الأمر يختلف.-، ص175، 176‏

حيث تتذبذب (الإيقاعية) بين الشدة، واللين؛ كما يتفاوت (البث) بين تطويل الخطاب، أو الاختزال فيه؛ وهو ما نجده أيضاً في بعض حوارات (المرأة) مع الرجل:‏

المرأة‏

صعبٌ عليّ ألاّ تذكرني، وأنت الذي سحقه إذلالي.. لقد كان أشد شيء عليك، فزمجرت، وبصقت، واندفعت نحوهم، رغم الحبال، والغرب؛ ولكنهم عالجوكَ بضربةٍ، فغبت بسببها عن الوجود، وغبت أنا عن الوعي معك، وبسببك.. ومازلت رغم الغياب اسمع آخر كلماتك.. كان اسمي يتردد على لسانك..‏

الرجل‏

اسمك؟.. اسمك؟‏

المرأة‏

ماذا يفيد اسمي، مادمت لا تتذكر وجهي..‏

الرجل‏

ما اسمك؟.. اسمك؟.‏

المرأة‏

انعام، انعام.. لا تقل إنك لا تذكر ذلك الإسم، أرجوك..‏

الرجل‏

أنغام؟..‏

المرأة‏

زوجك أنغام..‏

الرجل‏

زوجي، وهل كان لي زوج؟. (يكلم نفسه) يحوم حولي طيف المرأة، ولكني لا أعرف مدى صلتي به، ودى صلته بي.. أنغام.. لهذا الإسم ما يثيره في نفسي.-، ص271، 273..‏

حيث يتلاءم (السبك) مع مضمون الحوار؛ فنجد على الخصوص استهلاك التقرير، والاستفهام، في جملٍ قصيرة، معبّرة، حملت (الإيقاعية) إليها وشاحات الحيوية، والشفافية؛ و(الشاعرية)، التي هي تجتلي (الإبداعية الأدبية) هي الوجه الثاني لشعرية الخطاب واللغة، ووظيفتها..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244