نحــن والآخــر" دراسة في بعض الثنائيات المتداولة في الفكر العربي الحديث والمعاصر" - الشرق/ الغرب* التراث/ الهوية* الممكن / الواقع-

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:12 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

مفهوم الشرق في أوربا

" كان الغربي المتوسط الثقافة، وما يزال ، بالغ الجهل بتاريخ بلاد الإسلام وبمصيرها الثقافي. وحتى لو تعلم- لغايات نفيعة أولاً-لغتها، فقد كانت تعوزه الأسانيد لإدراك جذور وطموحات مخاطبيه..".....(1). "وإن عديداً من المختصين " الغربيين" القادرين على مراجعة النصوص، اقتصروا لوقت مديد على أحكام قاطعة، كان الاستشراق في بدايته يأخذ بسذاجة نقاط اعتماده من الثقافة الغربية وحدها، ومن هنا قساوته تجاه الأخرى " الثقافة العربية الإسلامية" (2).‏

فهناك رؤية ما تكونت في أوربا تجاه الشرق. وقد وضعت الصوى الأساسية لتلك الرؤية في القرن الثاني عشر، ثم توسعت في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، لتمتد حتى القرن الثامن عشر، الذي يعتبر قرناً مختلفاً إلى حد ما- وحتى العصر الاستعماري.. هذه الرؤية تنطلق من عداء واسع للنبي- الذي أوقف بنبوءته الكاذبة بزعمهم تطور الإنسانية باتجاه المسيحية" " بطبعتها الأوربية طبعاً"-؟؟!!.‏

وقد تطورت بعد ذلك النظرة الأوربية" الغربية" إلى الإسلام، وإلى الشرق، وإلى النفس المسلمة، فأصبحت اكثر مباشرة، حيث غدا مفهوم الشرق" الفارسي / التركي.." يعني حضارة مغايرة- بغض النظر عن القيمة التي تعطى لها- وصارت النظرة العامة" الشعبية"، تتراوح بين الشرق المدهش والفنان، " شرق ألف ليلة وليلة"، وبين الشرق المتوحش، البربري، الفظ، العنيف. ولم تتغير النظرة الأوربية إلى الإسلام، باعتباره ديناً متعصباً، عدوانياً، بسيطاً وبدائياً، حتى جاء القرن الثامن عشر- عصر الأنوار الأوربي- حيث حاول الأوربيون- النخبة منهم- الاقتناع بفكرة تساوي الطاقات الكامنة في الثقافات المختلفة ، لتحقيق ما هو إنساني (3).‏

فإذا استثنينا المستشرقين- اسارى أدواتهم الثقافية- والذين ظلوا ينظرون إلى الماضي ، معلين من شأن الثقافة التقليدية المتداولة فيما بينهم، والتي هي بالأساس " رومانية/ يونانية" ليس إلا، وإذا استثنينا الشعور العام المترسب في أعماق الأوربيين، فإن مفكري عصر الأنوار بدؤوا يشعرون بقلق، دفعهم للانفتاح على الحضارات والثقافات الأخرى، ومحاولة فهمها. ففي القرن الثامن عشر ، الذي يعتبره " حنا عبود" أثناء تعليقه على كتاب" جيبون" قرناً هامشياً فقيراً ضحلاً لم يعرف مفكرين كباراً، نتيجة افتقاد الأوربيين حافز الوجود !!!. هذا القرن بالذات، على مافيه من بقايا غطرسة وعنجهية أوربية، اعطى فكراً متميزاً من فكر القرون الوسطى، ومن الفكر الأوربي الامبريالي... ففي هذا القرن سطعت " أنوار العقل"، وأعطي للآخر بعض وجود، وبعض حقوق: " والرسول برأي الكونت " بوليفيه"، رجل دولة لامثيل له، وشارعاً يفوق كل ما أنتجه الإغريق... ويرى فيه " فولتير" رجلاً متحمساً لدعوته، إذ لم ينشر الإسلام في أكثر من نصف المعمورة بقوة السلاح، بل بقوة الحماس، وبقوة الاقتناع- إلا إنه شط به الحماس فوقع في التعصب...."(4).‏

فالقرن الثامن عشر يمثل صحوة الضمير الانساني في الفكر الأوربي علماً بأن أغلب مفكري عصر الأنوار - إن لم نقل جميعهم - قد تناولوا الإسلام، والفكر الاسلامي، والحضارة العربية الإسلامية في كتبهم؛ يدل على ذلك كثرة إحالاتهم -كما لاحظ ذلك د.حسن حنفي-، مما يشير إلى مدى حضور الفكر الإسلامي، والحضارة العربية الإسلامية، ومدى استلهام أولئك المفكرين لمنجزاتها، لايضير في ذلك تلك الأحكام القاسية- والظالمة غالباً- التي كانوا يطلقونها، بتأثير الأفكار المسبقة، التي أوقعتهم في كثير من الحالات، بتناقضات خطيرة، كانت وراء إصدار الأحكام والأراء التي لاتتسق مع منطق بحثهم ذاته... مع الانتباه إلى أن المفكرين الغربيين لم يروا من الشرق إلا ما أراد هذا الشرق أن يبديه لهم، أو بالأحرى ما أرادهم أن يبحثوا عنه فيه، بعملية اصطفائية " غير علمية ولا موضوعية". وفي الحالين أنشأ هؤلاء صورة للشرق إنشاء يعتمد على ما ترسب في الذاكرة الجمعية الغربية من مقولات، وعلى ما صنعه الخيال الشعبي من تصورات، شكلت الفضاء لمجمل الأفكار الغربية، وشكلت بالتالي أداة ضغط لم يستطع المفكرون الغربيون الفكاك من إسارها، أو التحرر من ربقتها. وهكذا كان هؤلاء يرون ما أسقطه اللاوعي عندهم، أكثر مما يرون في باصرتهم، ويقومون بعملية انتقائية فجة لما جاؤوا يبحثون عنه.... فالشرق عند بعضهم موطن الحكمة.... وبلاد شهرزاد... شهريار... وسندباد، وشعبه مجموعة من الشعراء... والحكماء... والفلاسفة.... وعند آخرين بلاد التخلف... والجمود... والسكون.... وشعبه مجموعة من المتعصبين، المحبين للعنف، الكسالى.... وفي الحالين- وكما يبدو واضحاً- فإن الشرق عبارة عن عناصر مشتتة، منمطة، لارابط بينها، تمثل لحظات معزولة من سياقها الموضوعي ، لخدمة الأفكار المسبقة التي تتحكم بهؤلاء الباحثين وبابحاثهم.‏

فهذا " فولتير" يطلق أحكاماً عدائية قاسية على الإسلام، لاسيما في كتابه " محمد والتعصب". وظلت أفكاره محتفظة بعدائها، رغم محاولته فيما بعد أن يكسوها مسحة من الغموض، وأن يمنحها صياغة أكثر جدية، متجنباً العبارات الفجة، وغير اللائقة، وهذا ما نجده في كتابه " محاولة عن العادات"...وقد حاول" فولتير" أن يوفق بين الآراء المتناقضة حول الإسلام، والأفكار المسبقة التي ما زالت مفاعيلها تضغط عليه من جهة، وبين عقله ومنهجه وطريقة تفكيره من جهة ثانية، فابتكر فكرة التمييز بين الإسلام المبكر" في عهد النبي صلى الله عليه وسلم"، حيث التعصب والتزمت " كما يزعم خاصة في كتاب محمد والتعصب، وبين الإسلام التاريخي المتسامح. فالإسلام، في زعمه قداتجه نحو التسامح العرقي، وأنتج رؤية متسامحة للشعوب والأعراق المختلفة التي حكمها، وكانت تلك الرؤية أشبه ماتكون بالنظام الديني الطبيعي (العلماني)؟؟! وقد تلقف الباحثون الغربيون هذه الفكرة، واشتغلوا عليها كثيراً.‏

وفي تطوير لفكرة (فولتير)، قدم (جيبون) في كتابه (سقوط الامبراطورية الرومانية) - الذي يعتبره الناقد الأستاذ (حنا عبود) من الكتب المفيدة والممتعة، بل من أفضل ماأنتجه عصر الأنوار الباهت المنطفئ؟؟!!- اقول قدم (جيبون) فكرة ستصبح عزيزة على مايسمى (علم الإسلام الأوربي)، تقوم على التفريق بين المرحلة المكية والمرحلة المدنية من الدعوة الإسلامية، حيث سيتلقفها كثير من مفكري القرن التاسع عشر، ويشتغلون عليها، ويطورونها، ويبنون عليها الأحكام التي تعبر عن نفسها بصياغات قد تبدو لأول وهلة وكأنها صياغات علمية وموضوعية. إلى أن وصل الأمر ببعض المفكرين العرب والمسلمين إلى الأخذبها على علاتها، ناسين أن الأساس الذي قامت عليه أساس خاطئ، فالمجتمع المكي لم يكن أبعد عن المجتمع الحضري، والحياة الحضرية من مجتمع المدينة، بل إن مكة هي (أم القرى)، أي أم المدن، والعاصمة التجارية والدينية للمنطقة.‏

أما (فولني) فقد ركز على فكرة محورية مؤداها أن الإسلام هو دين العنف -وهي فكرة مازالت سائدة في الخطاب الإعلامي الغربي عموماً، تغذيها جهات متعددة الخدمة مصالحها، وتبرير سياساتها تجاه المنطقة-. ويزعم (فولني) بأن الخطاب القرآني لايمكن أن ينتج إلا العنف والطغيان المطلق.‏

ومع أن (فولني) ليس مبشراً دينياً، إلا إنه يعتبر نموذجاً صارخاً للمفكر الغربي الذي يتخفف من عناء البحث العلمي والموضوعي، مكتفياً باستعارة منظومة الأفكار (القروسطية) السائدة والجاهزة عن الإسلام، وعن نبي الإسلام، لأن تلك الأفكار قد أصبحت موروثاً ذا قوة ضاغطة، لم يكن ليجرؤ أحد على مخالفتها، أووضعها على محك النقد والتقويم، إلا وهو يعلم ماسيجره عليه ذلك من عنت. وهكذا.. وتحت تأثير تلك المنظومة الفكرية، لايجد (فولني) حرجاً من الإعلان بأن الإسلام يبحث عن أتباع مستلبين متواكلين كسالى، أكثر مما يبحث عن أفراد متمايزين، ضارباً عرض الحائط بمنظومة القيم التي تعلي من شأن الإنسان بما هو كذلك، وتكرمه، وتدعوه لإعمال عقله، وتجعله إنساناً حراً مسؤولاً عن أعماله، بل وعن العالم المحيط به. وهكذا فإن (فولني) يعتبر الإسلام مسؤولاً عن تخلف آسيا (فانحطاط الشرق بدأ بظهور الإسلام،. أما حين يواجه بالحضارة العربية الإسلامية الشامخة، وماانتجته على الصعد كافة، فإنه يستثني- بتناقض صارخ مع الذات- من أسماهم (عرب المأمون)، الذين يمثلون - بزعمه- عرقاً عابراً؟؟؟! اختفى بسرعة ؟؟!، أما كيف أنهم يمثلون عرقاً عابراً؟ وأما كيف ولماذا اختفوا.. وبسرعة؟؟ فهذا أمر لايكلف " فولني" نفسه عناء البحث فيه، أو الرد عليه .(6) و" شاتوبريان" لايكف عن تكرار المقولات السائدة عن الإسلام ، وعن شعوب الشرق المتعصبة، حيث يسود العنف والطغيان والبربرية، الأمر الذي يبرر- بزعمه - الحركة الصليبية الضخمة، ويسوّغ كذلك الحركة الاستعمارية، التي كان السياسيون" وهو أحدهم" يشتغلون عليها، خدمة لمصالح الرأسمالية الأوربية الناشئة. أما " لامارتين" فيصل إلى النتيجة ذاتها- ضرورة استعمار الشرق- لكن عبر اسلوب مغلف بالإعجاب والدهشة بهذا الشرق؟؟؟! حيث يعلن أن الغرب " المسيحي" أشد تعصباً من الشرق " المسلم" وأن الطبع الإسلامي"؟؟!" يتسم بالشفافية والشاعرية، وبحب الشرف، والشفقة والتسامح... ويعلن كذلك أن الإسلام يعتبر تجاوزاً للمسيحية، وتطهيراً لها... وبعد ذلك يصل إلى " بيت القصيد" عندما يقدم المبرر لاستعمار شعوب الشرق، وضرورة حكمها من قبل الأوربيين، بسبب التمزق... والتشتت.. والتخلف.. والضعف الذي تعاني منه تلك الشعوب.‏

ويحذر من المساس بما اسماه الجوهر الديني لتلك الشعوب، لأنه راسخ ويتجذر في وجدانها... ويعلن أن الدين الإسلامي.. وإن تراجع أمام المد القومي لتلك الشعوب، فإنه لايلبث أن ينبعث من جديد بقوة.(7).. وهكذا فإن" لامارتين" فيما يبدو يريد الحفاظ على تقاليد شعوب الشرق، وعلى" جوهرها الديني"، في نفس الوقت الذي لايرى فيه مانعاً من استعمارها، والسيطرة عليها... إنه يريد أن يبقى الشرق متحفاً حياً، يمارس فيه الغربيون متعة الفرجة على شعوب بدائية، تعيش باساليب تاريخية قديمة، تثير الدهشة...‏

ويشير " رينان" إلى الإسلام في كتاباته كلها، حيث توجد دائماً إشارات وأفكار وتعليقات وآراء حول الإسلام. إنما الذي يميز أفكاره أنها ثابتة عند أفق معين، لم تعرف التطوير، وإن عرضها بأشكال متعددة، قد تكون أكثر تنظيماً ووضوحاً، لاسيما في كتبه المتأخرة. وإذ يبقى " رينان" مسيحياً في ذوقه... وهو يميز بين العظمة المستخلصة من الإسلام كدين، وبين ما يثيره الشرق من " اشمئزاز" بانتفاخه وتفاخره... ومكره؟؟!!. ويتحدث " رينان" بعنصرية مقيتة عن القمع والصد الذي لاقته العلوم الطبيعية في الشرق، مما حال دون تطورها، مرجعاً السبب إلى " العرق العربي المعادي بقوة للفلسفة اليونانية، وللنشاط العقلاني... هكذا ...؟؟! فهذا العرق " العربي"، شأنه شأن الساميين عموماً، محصور في الدائرة الضيقة للغنائية والنبوة. وما كان للفلسفة، وللتفكير العلمي، أن يبدأ إلا بانفتاح " السلالة العباسية" على العنصر الفارسي" الهند أوربي"؟؟! ومع ذلك فإن الفلسفة التي نتجت لم تكن - فيما يزعم - عربية ولا إسلامية، ومجرد كتابتها بالعربية لايعني أنها عربية... مصراً على الزعم بأن الفلسفة لم توجد في الشرق بفضل العرب، ولا بفضل الإسلام..(8).‏

الهوامش :‏

1- غارديه، لويس: أهل الإسلام، ترجمة صلاح الدين برمدا،" وزارة الثقافة، دمشق،1981"، ط1، ص 327.‏

2- المصدر السابق: ص 327.‏

3- انظر: جعيّط، هشام، مصدر سابق، لاسيما ص 25.‏

4- انظر: المصدر السابق.‏

5- العروي، عبد الله: مصدر سابق، ص 27.‏

6- جعيّط، هشام: مصدر سابق، انظر خاصة ص 34/ 35/ 36/.‏

7- انظر المصدر السابق: خاصة ص 41.‏

8- انظر: المصدر السابق.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244