نحــن والآخــر" دراسة في بعض الثنائيات المتداولة في الفكر العربي الحديث والمعاصر" - الشرق/ الغرب* التراث/ الهوية* الممكن / الواقع-

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:12 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

مفهوم الغرب في الشرق -

للحضارات الإنسانية دورات تاريخية، تتبادل فيها دور التابع والمتبوع لكن التاريخ علمنا أن التبعية والتقليد، مهما أحكمت حلقاتهما، لم تصلا إلى حد التماثل الحضاري، أو التماهي المطلق مع الحضارة القوية. ومن هنا ظل الصراع الحضاري قائماً، وسيبقى، على حد قول" د. محمد عمارة"، وإن كنت أفضل أن استبدل عبارة التفاعل الحضاري بالصراع الحضاري. التفاعل الذي يذكيه التمايز، هذا التمايز إنما هو الخصوصية الثقافية لكل حضارة. وقد قدم لنا التاريخ أمثلة فذة للتفاعل الحضاري المتوازن: حيث لاانغلاق ولا ذوبان ومن ذلك التفاعل الحضاري الذي عرفته أمتنا- والعالم حينها-، حيث انفتح العرب المسلمون على الحضارات الأخرى، فميزوا بين الإنساني والعام فاستلهموه، ووظفوه ولكن بعد أن أخضعوه لقيم وأخلاق الأمة، ونظرتها إلى الذات والكون والآخرين.أما الخصوصيات الحضارية، المتمثلة بالثقافة المغايرة، والمعتمدة على منظومة قيم وأخلاق مختلفة، فقد أهملوها...(1).‏

ولكن العرب، فعلوا ذلك، من مركز قوة، فهل باستطاعتهم فعل ذلك اليوم؟ والتحكم في شروط التفاعل مع الحضارة الغربية الحديثة؟ إن هذا السؤال هو الذي ما زال يشغل المفكرين العرب منذ أن وجدوا أنفسهم أمام هذا التحدي الحضاري الكاسح، الذي يمارسه الغرب، الأمر الذي يهدد وجودهم ذاته:" المستشرقون، ومعهم كل الجمهور الغربي المثقف- والعصري- ينظرون إلى الشرقي الضائع بينهم، نظرتهم إلى ظاهرة تستثير الفضول: عم يبحث في أوربا؟ أو عند الأوربيين؟ " وأقواله تعتبر بمثابة أخطاء يجب تحليلها، وحركاته بمثابة أعمال فاشلة يجهد المستشرق لتفسيرها". إلا أن المستشرق يرفض لذاته مثل هذه المعاملة، التي يعتبرها وقحة. إنه يمثل الإنسان السوي، الذي يلاحظ ويحلل، ويقيس نموذجاً مرضياً . المستشرق يرفض أن يحلَّل هو بدوره، وأن يرى تقييماً لنواياه ودوافعه- الواعية منها وغير الواعية- إنه ينصِّب نفسه قاضياً.." (2). وهو إذ يفعل ذلك، فشرعه، ومرجعه حضارة الغرب، التي تجعل من نفسها حضارة الإنسان!!! والحقيقة أن هذه الحضارة حين حققت هذه الإنجازات الباهرة، وأنتجت تلك القوة الجبارة المستبدة، جعلت الحضارات الأخرى تتساءل:" لماذا تقدم الغرب وتأخرنا؟"..... " ولماذا هم أقوياء؟".... إلى آخر ما هنالك من صيغ مختلفة لسؤال جوهري واحد.‏

الغرب من جهته حاول أن يقدم نفسه: قوة ، حضارة، حداثة،... والآخرون رأوا فيه ما أراد هو أن يروه فيه- في مرحلة أولى على الأقل- مرحلة الدهشة" أو ما سمي الصدمة الحضارية". قبل أن يتم الوعي به والبحث عن الموقف الواجب اتخاذه إزاءه.‏

والغرب- نفسه- رأى في الشرق- كما سبق وذكرنا في فصل سابق- ما أراد هو أن يراه: شرق ألف ليلة وليلة، بصخب الأسواق، والتصرفات الصبيانية الساذجة، والألوان الزاهية الفاتنة....‏

في الحالين كان الغرب هو الذي يحكم، هو شاهد العصر، يقدم نفسه، ويقدم رؤيته عن الآخرين. فهو العين التي تنظر وتحاكم كما ذكر ذلك دج . كونراد" في كتابه : " تحت أعين الغرب". والعنوان واضح الدلالة.(3)‏

بل إن هذا الغرب، قد نجح في أن يجعل من نفسه المسطرة، والإطار المرجعي الذي يقاس به التقدم والتخلف، الصحيح والفاسد... فما هو هذا الغرب الذي احتكم إليه مفكرو العرب؟ وهل كان دائماً هو هو؟ عند هذا المفكر أو ذاك؟.. أو بالأحرى عند هذا التيار أو ذاك؟ أم أنه هو الآخر كيان ميتافيزيقي ننشئه إنشاءً يتناسب مع موقف مسبق منه؟ أو مع موقف مسبق من ذاتنا؟ فننشئ الغرب مناقضاً لها، أو مكملاً لها: فيه من القبح بقدر ما فينا من الروعة، وفيه من القوة بقدر ما فينا من الضعف، وفيه من الحرية، بقدر ما فينا وعندنا من الكبت والاستبداد، وفيه من الخسة بقدر ما فينا من النقاء...؟‍.‏

وإذا كان الغرب قد أنشأ مفهوم الشرق بعيداً عن معطيات الواقع والتاريخ، " كما ذكر ذلك ادوار سعيد"، فإن الشرق في إنشائه لمفهوم الغرب كان أقل ابتعاداً عن إحداثيات الواقع، وأقل ابتعاداً عن وقائع التاريخ، وأكثر موضوعية من شطحات بعض الرحالة الأوربيين. وإذا كانت المواقف قد تباينت، فيعود ذلك لأسباب كثيرة أهمها اثنان: الانتقائية على صعيد البحث، والمصلحة، والرؤية الخاطئة على صعيد السياسة. وفي كل الحالات، وعند الجميع، كان المطلوب: قوة الغرب أو التحديث:" كان القرنان الثامن عشر والتاسع عشر حتى" 1880" م زمن مجابهة عنيفة بين دار الإسلام، والغرب الحديث، حسب حركة متواترة، من تأثيرات مقبولة كضرورة تحديث، وبين حقد يتزايد اطراداً ضد محاولات الإخضاع".(4).وربما كان في الفقرة السابقة- مع إهمال التحديد الزمني الأخير- سر التمزق الذي واجهه الفكر العربي الإسلامي في علاقته مع الغرب: نريد قوته، ونرفض الاستلاب أمامه:" نعم للأجانب فضل عظيم في حياتنا العلمية- وكل شيء فهو يتبع العلم- ولكن إذا كان ثمن التفضل التجريد من كل إرادة واختيار، أفلا يكون الموت خيراً من الحياة معه؟"(5).‏

رفع اليابانيون شعار: " علوم الغرب وأخلاق الشرق"، وكان سبقهم إلى مثل ذلك أحد شعراء الصين. وأكد " رفاعة رافع الطهطاوي" و" خير الدين التونسي" وسواهما على أهمية العلوم " البرّانية"، وضرورة الأخذ بها. أما أخلاقهم " الأوربيين"، وقيمهم، وأنماط سلوكهم، فلم تكن مقبولة، بل وكانت في كثير من الحالات مرذولة. ولكن هل يمكن الفصل بين العلوم " البرانية" وتطبيقاتها التكنولوجية وبين القيم والمعايير الأخلاقية والعلاقات الاجتماعية الناتجة عنها، والسائدة معها، أو السابقة عليها؟ الغرب والمتغربون قالوا: " كل ما يولد في الغرب جزء منه، خذوه كله، أو فدعوه كله". ولكن هل هذا حقيقي هو الآخر؟ أو لاتفترض هذه المقولة تاريخاً إنسانياً مشتركاً تنتفي فيه خصوصية بعدي الزمان والمكان، وماتراكم عبرهما من معرفة وخبرات وتجارب؟ أوليس القول بالتاريخ الواحد خروجاً من التاريخ؟..‏

ويمكن للباحث أن يلاحظ أن ثمة مواقف ثلاثة، اتخذها المفكرون العرب في ما سمي بعصر النهضة من العلاقة مع الغرب: موقف الإعجاب، وموقف التماهي، وموقف الممانعة والمقاومة الإيجابية. هذا إذا استثنينا موقفاً رابعاً هو موقف الرفض المطلق لكل ما هو غربي- وهو موقف القلة التي تقبع خارج التاريخ- لأن التقوقع على الذات ما كان ممكناً في يوم من الأيام، وهو اليوم أكثر استحالة. وإذا كانت غطرسة الغرب وعنجهيته وظلمه سبباً لمقاومته، والوقوف في وجه مشاريعه، فليست مبرراً لرفضه وإلغائه:" ما بيننا وبين أوربا لايصح أن نسميه عداء، بل هو أقرب إلى ما يسمى تنازع البقاء" على حد قول (عبد الحميد الزهراوي). والمواقف المذكورة ليست متتالية زمنياً، بل كانت موجودة معاً دائماً، منذ الاتصالات الأولى مع هذا الغرب، مع غلبة لهذا التيار أو ذاك في كل مرة.‏

1- موقف الإعجاب‏

وهذا الموقف شائع عند أصحاب المواقف الثلاثة، كل ما في الأمر أن هذا الإعجاب وصل عند البعض إلى درجة تعطيل أجهزة المقاومة وفعاليات الوعي، في حين استنفر عند البعض الآخر الطاقات الإيجابية الكامنة لدى الأمة. وسبب الإعجاب- في كل الحالات- يعود إلى الانتقائية التي مارسها المفكرون " الشرقيون"- دون إغفال للأسباب الموضوعية وما أكثرها بطبيعة الحال- وأكثر ما أثار الإعجاب، هذه القوة الجبارة، التي امتلكها الغرب من بعد ضعف. وقد حاولوا جميعاً البحث عن سر هذه القوة- كل بطريقته الخاصة - وإن أرجعوها في نهاية الأمر إلى أسباب ومنطلقات يفتقدها الشرق:" تبارك اسم القوة، تقدس سرها، أينما وجدت ضعفاً داست، وحق لها أن تدوس..." بكلمات " عبد الحميد الزهراوي".‏

وقد أعاد " محمد عبده وجمال الدين الأفغاني/ ومدرستهما - الإصلاحية- سر تلك القوة، إلى ما أثمرته حركة التجديد الديني على يد" لوثر".... معتبرين أن مظاهر القوة والتقدم في الغرب، إنماهي أثر من آثار تلك الحركة، التي أثمرت أول ما أثمرت ، حرية العقل من سطوة الجمود الديني... فقد درس" الأفغاني" النهضة الأوربية، ورأى أن شرارتها بدأت بحركة الإصلاح الديني، التي قام بها" لوثر" ، وكان يعتقد أن الشرق بحاجة إلى حركة دينية هو الآخر ، وربما رأى في نفسه " لوثر" الشرق... وفي حوار مع " عبد القادر المغربي" سأله " عبد القادر:" ماذا تعني بالحركة الدينية؟ ففسرها لي تفسيراً ينطبق على ما نسميه اليوم الإصلاح الديني تارة، والإصلاح الإسلامي تارة أخرى ، ثم قال " جمال الدين" إنه كما استفادت أمم " أوربا " بحركة " لوثيروس" الدينية، وإصلاحه تعاليم الديانة المسيحية، كذلك نحن معشر المسلمين يجب علينا أن نستفيد من حركة دينية نقوم بها، ويكون من أثرها إصلاح تعاليمنا، وتحسين حالة اجتماعنا.." (6)‏

"ومحمد عبده " في سجاله الشهير مع " هانوتو"- وزير خارجية فرنسا حينها-، أعلن أن الإسلام دين العلم والعقل، ولكن المسلمين في واد آخر. وكان قد سبقه أستاذه " الأفغاني" إلى ذلك:" إن عقلاء الإفرنج يتدبرون آداب القرآن وتعاليمه العالية، ويحكمون بأنه خير قانون لاصلاح البشر، ويهمّون أن يسلموا، ثم ينظرون من خلال القرآن إلى الأمم الإسلامية المنتشرة في آسيا وافريقيا، فيرونها من أحط الأمم شأنا، وأشدها ابتعاداً عن روح الدين والمدنية، وممارسة الفضيلة، فينفرون من الإسلام، وينظرون إلى القرآن كالمرتابين فيه.... وهكذا يدعوهم القرآن للإسلام، وينهاهم المسلمون عنه. فالواجب علينا إذاً قبل كل شيء، أن نثبت للأروبيين أننا غير مسلمين، وبهذه الصورة، يمكننا أن نجذبهم إلى الإسلام، ونحسّن اعتقادهم فيه ؟‍‍"(7)‏

واضح أن " عقلاء الإفرنج" لاتدبروا القرآن، ولا كانت عندهم النية للدخول في الإسلام، ولكنه أسلوب في تقديم وجهة نظر" الأفغاني" في الإسلام وفي واقع المسلمين- وربما رأينا فيها بذرة ماسمي عند بعض الكتاب الإسلاميين بعد ذلك بالمجتمع الجاهلي وجاهلية القرن العشرين-.‏

وقد استفاد دعاة الإصلاح الديني، من مقولات عصر الأنوار" الأوربي"، التي اعتبرها البعض نتيجة من نتائج تأثير الإسلام في الغرب:" يمكن القول ان هناك علاقة وطيدة بين فلسفة التنوير وبين الإسلام، وأن الإسلام كان سبباً من أسباب نشأتها، وشكل أحد روافدها التاريخية. يدل على ذلك كثرة إحالة فلاسفة الأنوار إلى الإسلام، باعتباره نموذج الدين المستنير".(8)‏

وهكذا استعار دعاة الإصلاح الديني من مفكري عصر الأنوار الأوربي بعض أدوات السجال، في ظن ساذج منهم، بأن عصر الأنوار يختزل حقيقة الغرب، ويمثل ضميره. لذلك نراهم كلما اشتط الغرب، يحاولون جرجرته إلى محكمة ذلك العصر - عصر العقل، وعصر الاعتراف بالآخر- ناسين أن الغرب، وكل فكر، لايمكن أن يختزل إلى أحد مكوناته، أو إلى إحدى مراحل سيرورته.‏

ومع ذلك ، فإن حركة الإصلاح الديني، ربما كانت هي المؤهلة، عبر تطورها- لو استمرت وفق منطقها- لأن تثمر هوية عربية إسلامية... لكنها أخفقت حين حاولت أن تثبت أن كل ما لدى الغرب من مؤسسات:" علمية/ فكرية/ سياسية/..." لايتعارض مع الإسلام، بعد أن كانت قبلاً تبحث عما لايتعارض مع الإسلام من تلك المؤسسات فوقعت في شرك المركزية الأوربية " الغربية" من حيث لاتحتسب ولا تريد، حين اعتبرت الغرب هو المرجع وهو الحكم، مما أفقدها كثيراً من أرصدتها، وجعلها تتشظى إلى حركات متباينة، تتراوح بين " الليبرالية"، والأصولية المتشنجة، وما بينهما من تيارات ونزعات، نجدها في الخطاب، الذي بات يعرف بخطاب الإسلام السياسي.‏

2- موقف التماهي بالغرب‏

وهو الموقف الذي يدعو صراحة إلى الالتحاق بالحضارة الغربية- بصفتها حضارة كونية- ، فالذين يميزون بين الشرق والغرب" يغضون البصر عن حقيقة أن الحضارة الحديثة ليست أوربية خالصة- على الرغم من الظاهر والادعاء ـ بقدر ماهي إنسانية وشاملة في مداها وانتشارها، بعيوبها ومحاسنها. فالحضارة الحديثة هي خلاصة تقدم وإنجازات الحضارات السابقة...... ويكتفي هؤلاء بدمغ الحضارة الحديثة بأنها أوربية مادية ملحدة.."(9)‏

يقول " سلامة موسى"." إن لفظتي الشرق والغرب لاتعنيان شيئاً واضحاً، وإنما تعنيان غرضاً ونية واضحين. وهذا الغرض، وهذه النية، هما خدمة المبادئ الاستعمارية " عند الغربيين"، والمبادئ الرجعية عند الشرقيين.." (10) وهكذا تتحول كل دعوة إلى التمايز والاختلاف والخصوصية إلى دعوة رجعية: " هذا هو مذهبي الذي أعمل له طول حياتي، سراً وجهراً. فأنا كافر بالشرق، مؤمن بالغرب. وفي كل ما أكتب أحاول أن أغرس في ذهن القارئ تلك النزعات التي اتسمت بها أوربا في العصر الحديث، وأن أجعل قرائي يوّلون وجوههم نحو الغرب وينفصلون عن الشرق. لأني أعتقد أن لا رجاء لنا بالنجاح في العالم إلا بذلك".(11)‏

فخطاب" سلامة موسى" خطاب تغريبي، إنه خطاب الغرب في الشرق. وينتج عن هذا أن الهوية كما يبلورها، تجد أسسها في المغايرة " الاختلاف عن الأصل"، ومحاولة الارتباط بالغرب...(13)‏

ويؤكد " سلامة موسى" هذه الدعوة مرة بعد مرة:" إذا كانت الشمس تشرق من الشرق ، فإن النور يأتينا من الغرب": (13)‏

فهذا التيار يدعو للالتحاق بالمشروع الغربي للحضارة دون قيد أو شرط. ولقد أثبتت التجارب إخفاق هذه الدعوة " اللاتاريخية". فتجارب ما يسمى بالعالم الثالث عموماً، أكدت إلى الآن، زيف مقولة أن الطريق واحد، وأن الهدف واحد ، وأن حاضر هذه الشعوب ما هو إلا ماضي الغرب، وما علينا إلا اتباع النموذج الغربي الجاهز.... وبدأنا نسمع في محافل الكثير من المنظمات الثقافية الكبرى في العالم، أحاديث عن البعد الحضاري في التنمية، وعن أخطار تطبيق النموذج الغربي الجاهز، الأمر الذي لايعني في النتيجة إلا أن التغيير يحدث عندما نجعل أشياء تحل محل أشياء، وأفكاراً ومقولات محل البناء الحضاري الموجود، مما أدى إلى تعطيل الكثير من الوظائف الحضارية، وإلى تفكك وتحلل النسيج الاجتماعي، وبعثرته، وإفقاده الوزن، مما جعله يترنح تائها حيراناً.... (14).‏

والتغريب:" الذي قام به الغربيون أولاً، ثم المتغربون ثانياً، جاء بتغيرات يشك كثيراً في قيمتها... والحقيقة الأكيدة أنها جاءت بفترة من الضياع والفوضى، وكانت عميقة الأذى بالنسبة للمجتمع، ولنظام الحكم".(15)‏

ومن المعروف أن أهم وظيفة لحضارة ما، هي قدرتها على إنتاج القيم، وإعادة إنتاجها- بعث القيم الإيجابية القديمة عن طريق إغنائها بمضامين جديدة متفقة مع الواقع المشخص والواقع الممكن- ولما كان الحكم على أية ثورة، أو حضارة، أو تغيرات اجتماعية، إنما ينبع من قدرتها على إنتاج قيمها المنسجمة في منظومة متماسكة، تحدد رؤيتها للذات ، وللآخر، وللواقع، وللمستقبل. لكل ما سبق نعتبر أن التماهي مع الغرب، وتكرار نموذجه، يعني الحرمان من أهم وظائف الحضارة، وتبني قيم الآخرين... ومن هنا بدأ التغريب يزداد حدة، حيث تغلغل إلى العادات، وأنماط السلوك، والفنون، والقيم الاجتماعية، بل وإلى الحركة الثقافية ذاتها.. فأضيف شيئاً فشيئاً إلى الاعتراف بالتفوق المادي للغرب" علماً وصناعة وإنتاجاً" لاعتراف بتفوق قيمه:" إن أوربا متفوقة علينا في كل شيء، وإنه وإن كان يطيب لنا أن نظن أن الأوربيين أفضل منا مادياً، وأننا أفضل منهم روحياً وأخلاقياً، فإن هذا ليس صحيحاً، فهم أفضل منا خلقياً وروحياً أيضاً". (16)‏

بكلمات " قاسم أمين" في كتاب " المرأة الجديدة".‏

3- الموقف المقاوم‏

وهو الموقف الذي يأبى الانكماش على الذات:" لأن إنكار الثقافة الغربية لا يستطيع أن يشكل في حد ذاته ثقافة، ولأن الرقص المسعور حول الذات المتفردة، لن يجعلها تنبعث من رمادها."(16) ( مكرر) إنه الموقف الذي يرى خير أوربا، ويرى شرها، ويدرك أن أوربا كما نفعتنا كثيراً، ضرتنا كثيراً، على حد تعبير عبد الحميد الزهراوي" لاينفعنا الجمود، ومعاداة كل أشياء الأجنبي باسم الوطن، فإن الوطن للبشر واحد: هو دار الأعمال والتكاليف، التي تطلب من الكل، وتوزع على الكل، ويتبادلها الكل. وليس حب الوطن هو الكز على عادات الأسلاف...... هذا ولا ينفعنا أيضاً تقليد كل أشياء الأجانب باسم التمدن، فإنه لاعصمة لأمة من الخطأ، ولا يستحق أحد أن يقلد تقليداً محضاً، بل علينا أن نستعمل التفكر، ونستهدي التجارب، ونساعد في تأييد أنفع الروابط...، وإسقاط أضر الروابط للتكمّل البشري. يومئذ تنقسم الأرض الطبيعية غير هذا الانقسام الصناعي، ويصافح المشرقي المغربي، والشمالي الجنوبي، على أنهم أخوان، متعاونون في العلوم، متقاسمون للأعمال،.... لايحارب بعضهم بعضاً باسم القوميات، ولا باسم الأديان، ولا باسم الديار والأقاليم. وإنما تحارب قوتهم العامة من فسق منهم عن أمر العهد العام ، والنظام الشامل.......ليكن إخاء عام، وتعاون عام، ونظام عام، ووطن عام، وسلام عام، في ظل قوة عامة....." (17) .‏

"وعبد الحميد الزهراوي" يحاكم الغرب " أوربا" بموضوعية:" هلموا ننظر نظرة في مدنية أوربا، وما أوربا؟ أوربا الزاهرة، ذات المدن الباهرة، والصناع الفاخرة الماهرة. مقر العلوم العالية، والأعمال الفائقة... هنا لكم الاختراعات النافعة، والاكتشافات الهادية..... منهم ظهرت الآلات المنبئة.... أولئكم السابقون في المدنية الرافعة... هذه أوربا، وهذا مجدها . وأنا أريكموها من تلك الجهة الثانية، جهة النواقص التي فيها: الاستبداد الذي حاربوه، وأهرقوا في سبيل محوه كثيراً من دمائهم، لايزال له أثر كامن في صدور العلية منهم، ومقلديهم من الدهماء، ومن آثاره أنواع التعصبات الباقية. والجهل الذي حاربوه بأنفسهم وأموالهم، لايزال بين كثير من طبقاتهم، ومن آثاره شيوع الفحشاء والرذائل المتنوعة. والفقر الذي يدأبون وراء إبعاده من ديارهم، لايزال آخذاً بتلابيب أكثر الأفراد ، وليس أولو الثروات العظيمة إلا نفراً قليلين في بعض المدن الكبيرة. وإذا صرفنا نظراً عن الحياة النوعية، فبم يمتاز الأوربيون؟......... هل تقدسوا عن البغضاء فيما بينهم؟ هل ترفعوا عن سفاسف الأمور؟......... هل بلغوا بها" العلوم" أن يستغنوا عن الحروب التي هي أليق بالعجماوات منها ببني الإنسان؟ إذا شئت أن أعد كل ما هو من النواقص يطول بي العد والسرد....(18).‏

وإذا كان الفكر المقاوم، الذي يرى خير أوربا ويرى شرها، فيأخذ من خيرها، ويتجنب شرها ما استطاع ، هو أقرب المواقف إلى المنطق، وإلى الواقع... ولكن ثمة حقيقة لابد من ذكرها، وهي أن الفكر العربي في ما سمي بعصر النهضة عجز عن أن يمثل طبقة متمايزة، يرعى مصالحها، ويدافع عنها ، لأن الطبقة المؤهلة لقيادة المجتمع" البورجوازية" لم تكن قادرة على الوجود أصلاً، لأسباب متعددة، داخلية وخارجية. وعدم وجود" البرجوازية" يعني ضمنياً عدم وجود من يتناقض معها، ويناهض توجهاتها. بل إن الفكر العربي حينئذ، عجز عن تشكيل أحزاب وجمعيات متجانسة، ذات أهداف اجتماعية وقومية محددة، لذلك انطلق أغلب المفكرين من اللاتاريخ، ومن اللاواقع، ليقدموا وصفات ذهنية، تصلح بزعمهم للنهوض والترقي... وهي وصفات منطقية تصلح لكل زمان ومكان، وبعبارة أخرى ، لاتصلح لزمن محدد، وموطن معين، له مشاكله الواقعية المشخصة. فدعا بعضهم لأن نكون غربيين" شبلي شميّل، فرح أنطون، سلامة موسى،..." ناسياً أن في ذلك شبه استحالة سلبية- إذا استخدمنا مصطلحات المنطق- لأن ذلك يجعل منا كائنات مستغربة، لانكون نحن، ولا نكون الآخر.(19) ودعا آخرون، عبر انكفاء على الذات لأن نرجع إلى العصر الذهبي للأمة- مع اختلاف في تحديد إحداثيات هذا العصر- ناسين أن هذا الموقف لايقبله التاريخ، ولايقره العقل، فضلاً عمّا فيه من إهدار للتجارب والخبرات التي تراكمت عبر الزمن.‏

وبعد ! فقد خرج" الغرب" من إهاب أوربا، ليلبس إهاباً فكرياً وثقافياً وقيمياً متمايزاً. فصار حضارة لها بنيتها، ولها ثوابتها، ولها متغيراتها.....‏

فالغرب يوجد حيث توجد حضارته، وحيث تسود مبادئه، ورؤيته، وفلسفته في الوجود، بغض النظر عن الموقع الجغرافي. صحيح أن أوربا نواته ومنطلقه، ولكنه موجود في أوربا، وفي أمريكا الشمالية، وفي أوستراليا... بل وفي بعض أركان الشرق، وبين ظهرانيه.‏

أما الشرق، فما زال يبحث عن ذاته، عن هويته، عن انتمائه، بعد أن تفرقت به السبل، وتضاربت فيه الأهواء، وتعددت عنده الانتماءات.‏

الهوامش :‏

1- انظر: عدد من المفكرين العرب: التراث والهوية، " ندوة"، " دار الكلمة، بيروت، 1984"،ط1.‏

2- رودنسون، مكسيم: مقدمة كتاب الأيديولوجية العربية لعبد الله العروي، مصدر سابق‏

3- انظر: عبد الله العروي: الأيديولوجية العربية المعاصرة، مصدر سبق ذكره.‏

4- غارديه، لويس: أهل الإسلام، ترجمة صلاح الدين برمدا، " وزارة الثقافة، دمشق،1981"، ط1 ص 312.‏

5- الزهراوي، عبد الحميد:" خواطر السياحة، نحن والأجانب"، جريدة الحضارة، السنة2، العدد 74، 7 أيلول 1911.‏

6- المغربي ، عبد القادر:" البينات في الدين والأدب والاجتماع والتاريخ"، والنص موجود في: محمد كامل الخطيب: الإصلاح والنهضة، ج1 ص 371.‏

7- المصدر السابق: ص 372.‏

8- حنفي، د. حسن: مقدمة كتاب : ليسنج: تربية الجنس البشري، " التنوير، بيروت، دون تاريخ"، ط1،ص 56.‏

9- الخطيب، محمد كامل: الإصلاح والنهضة، "وزارة الثقافة، دمشق، 1992"، ط1، ص16.‏

10- موسى، سلامة: انتصارات إنسان، " مؤسسة الخانجي، القاهرة، 1960"، ط1، ص 25.‏

11- موسى، سلامة: اليوم والغد، " المطبعة العصرية، القاهرة، 1927"، ط1، ص 256.‏

12- انظر عبد اللطيف، كمال: سلامة موسى وإشكالية النهضة، " الفارابي" بيروت، 1982"، ط1.‏

13- موسى، سلامة: الأدب للشعب،" الأنجلو، القاهرة، 1956"، ط1، ص 12.‏

14- أمين، د. جلال أحمد: المشرق العربي والغرب،....، " مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1980، ط2 ، 102.‏

15- لويس، برنار: الغرب والشرق الأوسط، ترجمة د. نبيل صبحي، " الناشر مجهول، مكان النشر مجهول، سنة النشر مجهولة"، ص 61- 62.‏

16- أمين قاسم: المرأة الجديدة: دراسة د. زينب محمود الخضيري، " سينا للنشر، القاهرة، 1987"، ط1.‏

16- العروي، عبد الله: مصدر سابق، ص57.‏

17- الزهراوي، عبد الحميد: " نظام الحب والبغض"، مجلة المنار، المجلد السادس، ص 775، والمجلد السابع، ص 187.‏

18- المصدر السابق.‏

19- العروي، عبد الله: مصدر سابق، ص 86.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244