|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 01:12 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
البــــــاب الثــاني-عــــــــن الــــتراث والهويــــــة ثنائية-الـــــتراث/ الهويـــــــة ثنائية: التراث/ الهوية من الثنائيات المتداولة في الخطاب الفكري العربي الحديث والمعاصر، وهي تكاد تكافئ من حيث الدلالة ثنائيات متداولة أخرى مثل: الشرق/ الغرب- الأصالة/ المعاصرة- نحن/ الآخر- الداخل / الخارج..... وسوى ذلك من الثنائيات المكافئة. وفي بحثي لهذه الثنائية، أتورط في فتح باب مفتوح بالأساس. وكل ما أرجوه أن أتمكن من دفع هذا الباب- ولو قيد أنملة، أو على الأقل أساهم في إبقائه مفتوحاً، طالما أن المشكلة مازالت قائمة، ومازالت تحتمل المزيد من البحث ، في خضم هذا السيل المتدفق، من القيم والمعايير، الذي تصبه على رؤوسنا- صباح مساء- القنوات الفضائية المختلفة، بقصد إعادة تشكيل مواقفنا، وقيمنا ، وتعديل سلم أولوياتنا، بما يتناسب مع مصالح القيمّين على تلك القنوات ، المسلحة بآخر ما توصلت إليه التقنية، والمدعومة - إن لزم الأمر- بحاملات الطائرات، وقاذفات الصواريخ..إلى جانب عربدة سياسية، واقتصادية، وعسكرية، لاتكاد تطاق، يمارسها" قطب العالم"، ووحيد قرنه، بغض النظر عن أية شرعية، سوى مصالحه. نعود لثنائية: التراث/ الهوية لنتساءل عن وجود علاقة ما بين حديها، وإذا كنت ممن يرجحون وجود مثل هذه العلاقة، إلا إنني لاأصل إلى درجة القول بأن أحدهما مستغرق بالآخر كما يدّعي البعض. فهذه الثنائية لاتعني أن كل حد فيها متقوم ومتجوهر في الحد الآخر. وبكلمات أخرى: لاتعني أن الهوية محددة ومتحدة بالتراث، إذ لو كان الأمر كذلك لصادرنا المستقبل، وضحينا بالحاضر . ولو كان الأمر كذلك ايضاً، لعنى أننا نرث الهوية، من جملة ما نرث عبر هذا المسمى بالتراث؟ وفي بحثي في هذه الثنائية سأتساءل عن مفهومي التراث والهوية، وما إن كان قد تم الاتفاق على مدلول كل منهما... وسأتساءل عن شرعية البحث في هذا الأمر في عصر يميل فيه العالم إلى العالمية- كما يقولون- ويغدو كل حديث عن هوية خاصة، أو عن خصوصية ما ، حديثاً شاذاً متخلفاً عن إيقاع العصر؟؟؟ وإذا انطلقنا من الاعتراض الأخير، أعني من شرعية البحث عن هوية خاصة في ظل ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، فإنني أعتقد أن التقنية الحديثة ، قد تكون استطاعت أن تلغي المكان- الجغرافي- إلى درجة تقرب من التلاشي، لكنها لم تستطع أن تلغي المسافة التي تفصل بين الثقافات. وهذه المسافة، إن لم تعد تتسع إلا أنها تتعمق بالتأكيد. ثم إن " عالمية العالم"، والنظام العالمي الجديد، إن هو إلا استبداد حضارة مهيمنة بالحضارات الأخرى ، في محاولة لإلغائها، والقضاء عليها، أو على الأقل إلحاقها بتلك الحضارة المستبدة الطاغية . وكثرة الحديث عن ثنائية التراث/ الهوية، والثنائيات المكافئة، نتيجةٌ من نتائج العلاقة الإشكالية مع الغرب، الذي تتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية حالياً... ومن الملاحظ أن طرح هذه الثنائيات يأخذ شكلاً أكثر حدة عقب كل هزيمة، أو كل منازلة خاسرة، مع هذا الغرب. الفكر العربي وسؤال الهوية الفكر العربي الحديث منهمك منذ بدايات ما اصطلح على تسميته بعصر النهضة، في عملية كبيرة، هدفها البحث عن الذات، أو بالأحرى عن خصوصية محتملة، نتيجة ما يعانيه من شعور حاد بفقدان الهوية، بعد تضليله- عمداً في أغلب الأحيان- عن خصوصيته، الناجمة عن خصوصية الواقع الذي تعامل معه. فالمحيط " المادي/ الاجتماعي/ الاقتصادي/ الثقافي/..." الخاص، لابد أن ينتج فكراً ذا خصوصية، إن من حيث المضمون الذي يعكس هذا المحيط، وإن من حيث الطريقة، والأدوات، والأساليب، وبناء الأنساق والمقولات، والمعايير الفكرية، التي تشكل في مجموعها منظومة متمايزة، يتم في ضوئها التعامل مع هذا المحيط. ومن الطبيعي أن تتعمق أزمة البحث عن هذه الخصوصية، نتيجة الجذب الحضاري العاصف، الذي ما فتئت تمارسه الحضارة الغربية المهيمنة، بتجليها الرأسمالي الامبريالي خاصة، حين طرحت شعار " مركزية الحضارة"، معلنة أنها تمتلك مشروعاً حضارياً كونياً" عالمياً"، لايمكن لأمة من الأمم الفكاك منه، إلا إذا حكمت على نفسها بالبقاء على الهامش. وتحت شعارات مدعاة مثل: " العالمية/ العلمانية/ الموضوعية/ الديمقراطية/ حقوق الإنسان/...." وبتوظيف مقتدر لمعطيات التقنية الحديثة، تعمل الحضارة الغربية، على تشكيل ثقافات ومقولات وأنماط تفكير الشعوب والأمم الأخرى، بما يتناسب مع الهيمنة المطلقة، للحضارة" المركزية " المستبدة، عن طريق إجبار تلك الأمم والشعوب على التخلي عن ثقافاتها، باعتبارها ثقافات دونية وقبل حضارية، ومتهافتة. ولم يكن ذلك لخدمة المبادئ والشعارات الكبيرة التي كثيراً ما تخلت عنها حين تعارضت مع المصالح الغربية... وهكذا بدأ في وطننا العربي، سيل من هذه الأحكام ، أطلقها باحثون " علمويون"- أوربيون أو متأوربون- بعد أن مارسوا نوعاً من الفكر الانتقادي التحليلي، للحضارة العربية، وموروثها الثقافي، وأجهزتها المعرفية، وفق مناهج ، وأنساق ومنظومات معرفية، تقع خارج هذه الحضارة، بقصد البرهنة على قضية محورية، مؤداها: إن الصحيح والجيد في الحضارة العربية ليس عربياً، وإن ما هو عربي فيها هو الأخس والأضعف والخاطئ. واللافت للنظر، أن مخبرهم التحليلي، الذي يبدأ بعملية تحليل وتعقب تكاد لا تنتهي بالنسبة للفكر العربي، لم يعمل لا بالكيفية ذاتها، ولا بالكفاءة ذاتها ، في مجال تحليل الموروث الفكري الغربي، حيث كان في الحالة الأخيرة يقف في كل مرة عند أفق معين لايتجاوزه، بل ربما قفز قفزاً إلى ذلك الأفق متجاهلاً محطات رئيسة لابد من الوقوف فيها_. نعني بذلك الأفق الإغريقي بطبيعة الحال... وإذا كان مشروع " المركزية الأوربية/ الغربية" للحضارة، لم يستطع الإجهاز على الوجود الحضاري العربي، فإنه استطاع في فترات محددة، وأماكن معينة، وعند عدد من المفكرين، أن يحدث صدمة، اقترنت بالدهشة المروعة، والقلق المضني، والاختلال في التوازن.... إلا أن الذي حدث بعد ذلك ، أن الوجود الحضاري العربي بما يملكه من أصالة، وبما يغتني به من إمكانات ، بدأ يمارس نوعاً من المقاومة المشروعة ، المسلحة بالفكر الناقد، الذي يستطيع التعامل مع الذات ، ومع الآخر، بوعي وموضوعية، متحرراً من ربقة الدونية، ومتجاوزاً لأسلوب السجال، الذي كان لابد منه في مرحلة سابقة" الأفغاني/ محمد عبده/..." قبل أن يبلغ الفكر العربي أشده، ويبدأ عملية جريئة وكبيرة، ما زالت مستمرة لمراجعة الذات، ورسم الملامح المميزة للأمة، في ضوء العلاقة مع التراث ومع الآخر... مما أدى إلى مواجهة أكثر نضجاً، لبعض الإشكالات التي تواجه الأمة...." الحداثة مثلاً وما يرتبط بها من مشكلات على الصعد كافة"، وإلى رد كثير من الإشكالات الزائفة التي روّج لها الأوربيون عبر المستشرقين منهم.... والمستغربين منا:" إشكالية العلاقة بين العروبة والإسلام، والتي ما كانت لتنشأ، لولا الخلط المتعمد، بين الإسلام كعقيدة، والإسلام كحضارة. فإذا كان الإسلام كعقيدة، ينحصر في علاقة المسلم بربه ، وقيامه بما يفرضه عليه إيمانه..فإن الإسلام كحضارة قد شكل المناخ العام ، والأطر المرجعية للعربي بصورة عامة، بغض النظر عن الدين الذي يعبد به ربه، فالاسلام كحضارة هو ما يختزل إنجازات الأمة العربية تاريخياً في الصعد كافة والتي ساهمت فيها الجماهير العربية، والمفكرون العرب، بغض النظر عن انتمائهم لدين معين . البحث في الهوية لاعنها في وقت الأزمات، وبعد الانكسارات، وعند المنعطفات التاريخية الحاسمة، تظهر تيارات فكرية، هدفها البحث عن الذات، ومراجعة ما حدث، بقصد إعادة تأهيل الأمة، لمواجهة المصير، بكفاءة عالية، وكفاية مناسبة. وغالباً ما يتم التركيز على المشتركات التي توحد الأمة ، وتجسد امكاناتها .. وهذه المشتركات هي ما يحدد هوية الأمة ، ويظهر تمايزها. لذلك يبدأ المفكرون في البحث في هوية الأمة، والبحث عن هوية الأمة. مع ملاحظة أن البحث في الهوية بحث معرفي، أما البحث عن الهوية فبحث أيديولوجي غالباً. البحث في الهوية بحث صنع لهذه الهوية، ومتابعة لصنعها باستمرار. أما البحث عنها، فيعني أن الهوية منجزة ولكنها ضائعة يجب البحث عنها لاستردادها. البحث في الهوية بحث علمي له أبعاده الفلسفية، بحث في وحدة الانتماء، بحث عن العام، والمشترك، والكلي في هذا الذي يبدو وكأنه خاص وفردي وجزئي. بحث عن الوحدة في المتنوع، بحث عن كل ما يؤدي إلى التقارب والالتقاء عند نقاط مشتركة.إنه ليس بحثاً عن شيء كنا نمتلكه ، ثم أضعناه- كما يزعم البعض- بل عن شيء نصنعه باستمرار، وهو قيد الإنجاز دائماً، في ضوء منطق معين، ومبادئ وكليات معينة. أما البحث عن الهوية فلا يمكن أ ن يرقى لمستوى البحث العلمي، لأنه ليس بحثاً بريئاً يهدف إلى تحديد مجمل السمات والملامح والمقومات التي تحدد الهوية... إنما هو اختيار.. انحياز... موقف... أيديولوجيا... برنامج عمل يحاول أن يبحث عن هوية ما متصورة في ذهن ما .. أن يبحث عن فردوس مفقود.. عن عصر ذهبي... ثم يحاول بعد ذلك أن يطابق بين ذاته، وبين هذه الهوية المختارة، هذه الهوية النموذج... وهو في الحقيقة يحاول أن يؤكد ذاته عبر اختياره. فالأمر- ببساطة شديدة- هو تأكيد للذات أكثر مما هو تحديد للهوية. وهذا بالضبط ما فعلته التيارات الفكرية العربية، بفصائلها المختلفة أثناء جوابها عن سؤال: من نحن وما هويتنا؟ حيث أجاب كل تيار فكري بما يتناسب مع اختياره، ومع تركيبه الثقافي والأيديولوجي، ومع مصالحه. علماً بأن تحديد الهوية أمر في غاية الأهمية، لنجاح المشروع النهضوي العربي، الذي ما زال يعاني من الإخفاقات المتلاحقة. ذلك أن البحث في .. وعن الهوية ليس بحثاً ميتافيزيقياً مجرداً، غايته إرضاء نزعة" شوفينية" عند الأمة، بقصد الحصول على صك بتمايزها- ولا أقول تميزها- عن سواها من الأمم. إنما هو بحث يجب أن يهدف أصلاً إلى المساهمة في عملية النهوض الشاملة، التي تتطلع إليها الأمة. إنه تنمية حضارية، هدفها خوض نضال حضاري، ضد تحد حضاري يواجهنا، وما زلنا نتعرض لضغوطه المتزايدة:" لاسيما عبر فرض نوع من التنمية الاقتصادية المشوهة، والتابعة، والتي لايمكن أن تقود إلا إلى مزيد من التبعية..."(1) وفي البحث في... وعن الهوية إنما نريد الوصول إلى إطار مرجعي" لكي نشيد مجتمعاً عربياً يريد أن يحقق شيئاً... الإطار المرجعي الصالح ، الذي يؤخذ من أنفسنا وممن حولنا. إذا لم نبدأ بهذا الإطار ، فلن يكون لدينا فكر أو انتاج ، أو- حتى ثقافة، أو إنجاز...لعل سر الارتباك الذي نعيشه هو تعدد الأطر المرجعية... ولكي نبدأ السير من نقطة معينة، علينا أن نجمع على هدف معين، يدفعنا إليه فكر معين".(2) فالقضية الأساس- فيما أزعم - هي الولاء لهوية قومية، وطرح مشروع حضاري عربي عصري، ينبع من العقل، ويشد الوجدان، ويحرك الجماهير، لتعمل على إنجازه. دون أن نتوقع أو نتوهم، أن نجد في ماضينا حلولاً سحرية لمشاكل حاضرنا، وتطلعات مستقبلنا. ودون أن ندير ظهورنا لتراثنا، معتبرين إياه مجرد حطام وركام، عفى عليه الزمن. فالتاريخ يعلمنا أنه ما من أمة من الأمم نهضت بالانخلاع كلية من تراثها. والتاريخ يعلمنا كذلك أنه ما من أمة من الأمم نهضت بالانكفاء على تراثها، والتقوقع ضمن إنجازاته مهما كانت عظيمة. الموقف من التراث إن المرء ليعجب من بعض الباحثين، الذين يقفون موقفاً عدائياً من التراث، دون أن يكون لديهم أي اطلاع حقيقي عليه، عجبه من تعصب آخرين للتراث، تعصباً مقروناً بنوع من التقديس، لمجرد أنه منقول عن الأسلاف، دون أي اطلاع حقيقي عليه كذلك. بينما المفروض ألاّ يتخذ الإنسان أي موقف، إلا بعد دراسة متأنية، ومناقشة واعية، ومحاكمة عقلية حقيقية، فإن رفض التراث بعد ذلك فعن بيّنة، وإن تبناه- وقدسه- فعن بينةً كذلك، وإن استلهم بعضه، وشكك في بعضه الآخر، فعن بينة أيضاً ونقصد بالتراث العربي:" الحضارة العربية الإسلامية بكل ما يحترم فيها من ممارسات وعمليات ومشروعات إدارية واقتصادية وزراعية وصناعية وعمرانية وفيزيائية ورياضية وفلكية وكيميائية وجغرافية.... إلى غيرذلك"(3). دون أن نقصره على النواحي الروحية والفكرية والفقهية واللغوية... على أهميتها. علماً بأن التراث العربي - في الحالة الأخيرة- يتسع ليشمل كل المذاهب والفرق والملل والنحل، أصحاب المذاهب، وأصحاب البدع على حد سواء. إنه من الرحابة بحيث يتسع للمعتزلة والمتصوفة، لابن حنبل وابن الريوندي، للجاحظ والحلاج، لواصل بن عطاء وابن سبعين، للخارجي والشيعي.... بل إن عظمة هذا التراث إنما تكمن في هذه التعددية، وهذه الرحابة، وهذا الثراء. وليس صحيحاً ما يدعيه البعض، بأن التراث العربي الإسلامي بتشعبه، وتعدد تياراته، يشكل عبئاً على الأمة، ويؤدي إلى إرباك الباحثين.... ذلك أن وجود تراث غني لأمة من الأمم، تحتدم فيه الآراء والمذاهب والأفكار، يشكل حافزاً للاجتهاد، عن طريق الاستفادة القصوى من المخزون الغني، لتطوير نمط من التحديث خاص بالأمة- كما أثبتت ذلك العديد من التجارب- فالمشكلة ليست في غنى التراث، وتعدد التيارات فيه، إنما المشكلة الحقيقية في كيفية التعامل معه، والاستفادة منه، والتمييز بين ما هو جوهر وما هو عرض، بين ما هو ثابت نسبياً، وبين ما هو متحول ومتبدل بتبدل المعطيات. فما هو ثابت- نسبياً- يستمر ما نحاً ملامحه للتجليات التاريخية، ما هو ثابت هو الهوية، أعني الخصوصية التي تتميز بها الأمة من سواها من الأمم:" بمعنى أن هذه القسمات الثابتة في الشخصية الحضارية، والتي نسميها هوية، تستعصي على التطور والتغير، حتى ولو كان غزواً تغريبياً"(4). مع ملاحظة أن المقصود بكلام "د. محمد عمارة" التغير الانقلابي المفاجئ وليس التطور الطبيعي، أو التغير الناجم عن تطور يسير وفق منطق المقولات والمبادئ والمنطلقات الأساسية في التراث. وإذا كان الحرص على اكتشاف ما هو ثابت وعام وكلي في حركة التاريخ الفكري العربي، وفي النظام المعرفي للعقل العربي، حرصاً واجباً كما يقول"د. محمود أمين العالم" : " ولكن تحديد ماهو ثابت وعام، لا يكون بإغفال وتغييب ماهو متغيّر وخاص.. هناك بغير شك ماهو ثابت، ولكن هناك كذلك ماهو متغيّر كنتيجة لتغير واقع التاريخ"(5). ماهو ثابت - نسبياً-، وما هو عام وكلي، هو التراث. أما إذا أضفنا إلى ذلك ما هو متحول ومتغير، نتيجة تغير معطيات الوقائع التاريخية فإننا سنكون إزاء الموروث. فالموروث أشمل من التراث لأنه يشمل كل ما أنجزه الأسلاف، وكل ما فكروا به. منه ما بقي ، وما زال يمتلك مفاعيل مؤثرة فينا- وهو التراث- ومنه ما أدى دوراً في مرحلة من المراحل، ثم تم تجاوزه بعد ذلك، وهذا لايعنينا إلا من باب الاطلاع. اللهم إلا إن كشف البحث أنه قد تم إقصاء بعض التجارب، لأسباب سياسية أو دينية أو عرقية، وأن هذه التجارب ما زالت تمتلك مشروعية ما ، فعندها يجب أن تنضم هذه التجارب المبعدة- ظلماً- إلى التراث بغض النظر عن مصدرها. في الموروث- إذاً- مبادئ عامة، كليات، قواعد، منطلقات.... تم في ضوئها- عبر التاريخ- التعامل مع الوقائع، ومع الأحداث... بل إن الأحداث التاريخية إن هي إلا تطبيقات لتلك القواعد، أو بالأحرى فرصة لتطبيق تلك القواعد. ونحن وإن كنا نعتمد على تلك القواعد والمنطلقات إلا إننا لسنا ملزمين بفهم الأسلاف لها، ولا بتطبيقات الأسلاف لها- اللهم إلا من باب الاستئناس والاطلاع- وذلك لسبب بسيط جداً هو أن المشكلات التي واجهتهم مختلفة، والأسئلة التي طرحت عليهم مختلفة، والمعلومات والخبرات التي أتيحت لهم في زمانهم كانت مختلفة. لذلك فإن أفكار الأسلاف، وترتيباتهم، وتنظيماتهم الاجتماعية والسياسية، ليست مقدسة، ولا تلزمنا في شيء:" فتطبيقات السلف ليست هوية، ولاتعني أن اصب الحاضر، أو المستقبل في قوالب الماضي، لأن هذه تجارب إنسانية هي تراث " موروث"، وليست هوية. فأنا لابد أن أحدد أين الهوية " التراث" وأين التراث" الموروث"، أين الثابت واين المتغير".(6) وبكلمات أخرى: إن التراث " القواعد/ المبادئ/ الكليات/ المنطلقات" سيبقى حياً ينبض في عروقنا- شئنا ذلك أو لم نشأ- فهو هويتنا، وعقليتنا وأنماط سلوكنا، وردود أفعالنا، وقيمنا، ومعاييرنا، والمنظومة المرجعية التي ننطلق منها، ونعود إليها، في تعاملنا مع محيطنا المادي والروحي والاجتماعي. وهذا ما عبر عنه"د. طيّب تيزيني" بالتواصل التراثي وماسماه"د. صلاح قانصوه" بالمتصل القومي. وبذلك لم يعد التراث جزءاً من الماضي... بل يصبح الماضي نفسه جزءاً من الحاضر:" ليس للمجتمع ثقافة واحدة مستمرة طول العصور، الذي يستمر هو تلك الجوانب التي تنفصل عن الثقافات المتتابقة وتتشابك معاً، لتبقى حية مؤثرة. فالمتصل القومي هو مجموع الجوانب المشتركة لدى أعضاء" أفراد" الأمة، رغم اختلافهم في النوع والجيل والمهنة والطبقة والتعليم........ فالتراث ليس مجرد مخزون، بقدر ما هو حدث تاريخي تحتويه الأحداث اللاحقة، وتتفاعل معه، ولكن على أنحاء شتى، ومستويات متعددة. ومعنى هذا أن المتحد القومي، هو تلك الممارسات القومية الحية.. هو التراث الباقي، بوعي أو بدون وعي، ويمكن دراسته دراسة علمية".(7) ومع ذلك، وكما سبق وذكرنا، فإن الموروث يحوي جوانب ما تزال حية، وتملك طاقات كامنة، يمكن توظيفها واستثمارها، وهي متفرقة" زماناً ومكاناً" وهي بحاجة للاستعادة، وفق منهج يهتدي بنظرية قومية، تتعالى عن التورط في الخلافات التي كانت قائمة بين الذين أنجزوها، باعتبارنا الورثة الشرعيين لكل ما أنجزته الأمة، بكل تجلياته... وما نحن في الحقيقة إلا سبيكة، يدخل في تركيبها عناصر متعددة.. والتراث العربي الإسلامي، الذي كان صدره رحباً، لايجوز احتكاره، وجعله يصب في طاحونة جهة بعينها أياً كانت:" فإذا بالثقافة الإسلامية الغنية، التي احتضنت الفيلسوف والصوفي والفقيه والعالم التجريبي في وقت واحد، وكانت إطاراً للاقتباس والتبادل الحضاري، والهضم والخلق، تحشر في زاوية الفقيه وحده، وإذا بهذا الفقيه يختزل الإسلام والفقه، في موقف أحادي- باسم التوحيد-... هو في الجنة، وما عداه في النار"،(8) بعبارات "د. وجيه كوثراني". ونحن مع د. محمد عابد الجابري إذ يقول:" نحن نعتبر الماضي ملكاً للجميع، ونرى أن صراعاته يجب أن تكون وراء الجميع، لامعهم ولا أمامهم".(9) وإذا كنت أدعو إلى اعتماد كل الموروث، والعمل على فهمه واستيعابه، وتحريره من الفهم أحادي الجانب، ومن استلهامه، والاستفادة مما يمكن الاستفادة منه ، فإنني أدعو إلى الكف عن الممارسات المعاكسة، التي تتمثل بالرجوع إلى ذلك الموروث من أبواب ايديولوجية، بقصد البحث عن شهادة حسن سلوك لهذا الموقف أو ذاك. فمن المضحك والمبكي معاً، أن نجد باحثاً ايديولوجياً- منهمكاً في البحث عن آية هنا، وحديث هناك وتطبيق عملي هنالك، ليعلن على رؤوس الأشهاد أن التراث العربي الإسلامي رأسمالي، يبيح حرية الملكية، وحرية السوق.... وليعلن أيديولوجي آخر، بعد أن يقوم بعملية مشابهة، لحساب ايديولوجيته، بأن التراث العربي الإسلامي اشتراكي، يقدم المصلحة العامة.....أو أنه صوفي.... أو أنه كذا... أو كذا..... وكأن هذا الموروث زجاجات أدوية منفصلة، تتجاور في صيدلية التاريخ، ومعدة بحيث يأخذ كل باحث منها، الدواء الذي يحتاجه، حسب الوصفة التي تمليها عليه أيديولوجيته، أو منطق بحثه، ناسياً أو متناسياً أن هذا التراث منظومة شمولية، مكونة من أنساق اجتماعية واقتصادية وفكرية متكاملة، وأنه وحده ، وأنه نسيج ذوكيان خاص، مهما تباينت الخيوط التي يتكون منها، لأن هذه الخيوط قد شكلت فيما بينها " توليفة" لها فلسفتها، ولها منطقها، ولها غاياتها. وإن أي تحليل يستهدف نسل بعض هذه الخيوط- تعسفاً-، دون غيرها لإدخالها في " توليفة" ملفقة جديدة، إنما يعني تمزيق النسيج الأصلي وصنع نسيج آخر. أرجو ألاّ يفهم من كلامي بانني أقول هذا هو التراث، خذوه كله أو فدعوه كله، أو أنني أدعو إلى الوقوف بهذا التراث عند أفق معين لايجوز تجاوزه، أو أنني أضع هذا التراث فوق النقد... كلا بل إن ما ألح عليه هو مبدأ التجاوز لكل الإنجازات والتجليات التاريخية للتراث، ومن ثم بناء نسقنا الخاص بنا، والذي يتراكم مع ما سبقه من أنساق، على النواة الجوهر. وإضافة خيوطنا الخاصة، على سداة التراث لتكون تلويناً جديداً ومبتكراً، يتناسب مع مستجدات واقعنا، ولكن وفق منطق التراث وقواعده وكلياته:" إن هذا الاستيعاب العقلي، النقدي، الأبيستمولوجي، الأيديولوجي، المعرفي، الاجتماعي، التاريخي، لتراثنا كله، هو السبيل لمواصلة الإضافة الإبداعية إليه. وهو نفس الموقف الذي ينبغي أن نقفه كذلك- في تقديري- من الثقافة الأوربية القديمة والحديثة على سواء".(10) الخصوصية الحضارية التراث العربي تراث متمايز، أنتجته عقلية ذات خصوصية، مستمدة من خصوصية الواقع الذي تعاملت معه. وهذه العقلية العربية عبارة عن نسق فكري مركب، أنتج حضارة متمايزة، عليها بصمات تلك العقلية. وفي الجدل الحضاري، الذي خاضته الحضارة العربية مع الحضارات الأخرى " اليونانية/ الفارسية/ الهندية/.."، مؤثرة ومتأثرة ، تعاملت مع تلك الحضارات على أرضية العقلية العربية ، مستخدمة منطلقاتها ومبادئها ووسائلها. على اعتبار أن الحضارة لايمكن أن تكون إلا ثمرة فكرها، حتى تحافظ على هويتها. لقد تعاملت مع معطيات تلك الحضارات كمواد خام، استوعبتها، وشكلتها مع ما يتفق مع قيمها وواقعها. ومن هنا يمكن أن نفهم كلام"د. طيب تيزيني" بان الحضارة تؤثر في حضارة أخرى من خلال البنية الداخلية لهذه الحضارة- المتأثرة- وبكلمات "د. محمود أمين العالم":" لاشك أن التغيير والتجديد ، لايتم من خارج تراثنا، أو بتعبير آخر من خارج هويتنا الثقافية؟ إنما يتم داخل هذه الهوية الثقافية" (11).وهذا ما فعله العرب المسلمون، عندما خاضوا حواراً حضارياً مع الأمم الأخرى مستفيدين من التراكم المعرفي والتقني" إن صحت الكلمة" الذي وصل إليه الإغريق، الذين كانوا قد استفادوا بدورهم من إنجازات الحضارات التي عرفتها المنطقة العربية:" المسلمون عندما انفتحوا على الحضارات الفارسية واليونانية والهندية، أخذوا وتركوا، أخذوا ما يمثل قوة الشخصية الحضارية المتميزة، وحتى ما أخذوه قرؤوه قراءة عربية إسلامية، تمثلوه وطوعوه لما تتميز به هذه الشخصية الحضارية.... ترجمة الفلسفة اليونانية تحولت إلى فلسفة إسلامية " (12). وعلى العرب أن يتعاملوا بالطريقة نفسها مع الحضارة الغربية، خاصة وأن الغرب يحاول أن يفرض نمطاً معيناً من الحضارة، بجوانبها المادية والمعيارية، بقصد إلحاق العرب- وسواهم- في فلك سياساته الامبريالية. فمنذ أن بدأ هذا الحوار غير المتكافئ، والأمة العربية تئن تحت كابوس من التوتر الثقافي والفكري، خاصة بعد أن نجح الغرب في تدمير الاقتصاد العربي وتخريبه، وإجهاض المحاولات التي كانت تتلمس طريقها هنا وهناك ، لبناء نهضة اقتصادية، ولتطوير اساليب الانتاج " الحرفية"، والانتقال- من ثم - لبناء صناعة حديثة، على أسس ومعايير وقيم عربية. وقد تمت عملية الإجهاض بأساليب متباينة، مرة عن طريق ضخ سيل من السلع الرديئة والرخيصة، ومرة عن طريق زرع أعداد من الوكلاء والسماسرة، مستغلاً ضعف الدولة العثمانية وفسادها، فارضاً قوانين الحماية، وما تبعها من امتيازات اقتصادية، أدت إلى وأد كثير من مشاريع التنمية في المهد، وإلى إلحاق اقتصاد كثير من الأقطار العربية بالمشاريع الرأسمالية الأوربية.. وفي كثير من الحالات، لم يتورع الغرب، تحت زعامة بريطانيا مرة، وفرنسا مرة، وأمريكا أخيراً، عن استخدام آخر ما توصلت إليه تقنيته من أدوات الفتك والدمار، لمعاقبة كل من يتجرأ على سرقة نار التكنولوجيا، ومحاولة بناء قوة ذاتية اقتصادياً. وحتى لانهرب من جلودنا، ومن مسؤولياتنا. وحتى لانجعل الاستعمار مشجباً نعلّق عليه هزائمنا وانكساراتنا، لابد أن نعترف بأننا كنا بتنظيماتنا الاجتماعية والدينية وسواها في وضع القابل للاستعمار، والمستعد له- بالمفهوم الطبي للاستعداد-. وإذا كنا نؤيد قول القائل:" لايمكن نكران الدور الفعّال الذي لعبه الإسلام أمام حركة التدجين، ومحو الهوية الذي كانت تمارسه المركزية الأوربية، تارة باسم التحضير والتمدن، وتارة باسم التطوير والتقدم ، بينما الرأسمالية لم تكن تمارس إلا عملية الإلحاق، وصولاً للتبعية الكاملة؛ هذه التبعية التي تتجلى اليوم بكون هذه الشعوب - ليس الإسلامية فقط... وإنما شعوب العالم الثالث الأخرى- تتمحور حول هذه المركزية وهذا التمحور يؤدي إلى المزيد من فقدان الهوية والقيم، دون أن تقدم هذه المركزية إلا المزيد من حالات التأخر والتخلف". (13) ولكن المسلمين- أواخر الاحتلال العثماني- بتنظيماتهم، ومؤسساتهم القائمة على التصور الصوفي" الرث" غالباً، أو بالأحرى على القراءة الصوفية" الرثة" للإسلام، هذه القراءة المصادرة لصالح السلطة العثمانية المحتلة وأزلامها، لم يكونوا " المسلمين" ليستطيعوا مواجهة قوة علمانية صاعدة، مسلحة بكل اسباب القوة المادية. حيث لم تستطع كل كرامات أولياء الصالحين إيقافها- لأن تلك الكرامات " للأسف الشديد " لم تكن لتظهر إلا للذين يملكون تركيبه نفسية خاصة مولّفة على موجاتها. أي أنها لم تكن موجودة إلا في خيال البسطاء من الناس ، بعد أن زرعها أزلام السلطة المتخلفة فيها-. وتتالت الهزائم، التي بدأت " على الأرجح" بسقوط أنف أبي الهول على رمال قاهرة المعز، مروراً بالرياح السموم التي اثارتها مذبة " داي" الجزائر التاريخية، وبوقع خطوات الجنرال الانكليزي الأعرج عند قبر صلاح الدين،.... وليس انتهاء باتفاقات كامب ديفيد ولا بعاصفة الصحراء، ولا باتفاقات أوسلو كما يبدو. وعبر هذه السلسلة من الانكسارات في المواجهة مع الغرب، ظل السؤال يلّح: من نحن؟ وكيف يمكن أن نواجه هذه الهجمة الشرسة من الحضارة المركزية الأوربية " الغربية"، والتي ارتدت مؤخراً مسوح النظام العالمي الجديد؟ دون أن نفقد هويتنا وخصوصيتنا. وقد قصدت للإجابة عن هذا السؤال، جهات وتنظيمات متعددة، كما أجاب عنه مفكرون كثيرون فدعا بعضهم إلى الالتحاق بالمشروع الغربي للحضارة ، دون قيد أو شرط ، والتبني المطلق لمناهج الغربيين ومقولاتهم وأساليب تفكيرهم ، بل وأنماط سلوكهم . لأن ذلك - بزعمهم -يشكل المدخل الحقيقي للعصر ، نتعلم عن طريقه اللغة والإيقاع الذي نتعامل به مع الغربيين ، ويساعدنا على بناء القوة وتحقيق التقدم . في حين دعا بعضهم الآخر - على العكس تماماً إلى الانكفاء على الذات ، والاعتصام بالموروث ، لنستمد من ثمة القوة والمنعة . والذات التي يدعون للرجوع إليها تعني الرجوع إلى (العصر الذهبي ) للأمة ، لنمذجته والاقتداء به .. مع الاختلاف -بطبيعة الحال -على تحديد إحداثيات ذلك العصر بإختلاف المشارب والانتماءات .. واضح أن الالتحاق بالمشروع الغربي أياً كانت الطبعة التي يتجلى فيها ، والتخلي عن الهوية والخصوصية ، خيانة مافي ذلك ريب ، لأنها ببساطة دعوة لأن تغادر الأمة إهابها، لتسكن في إهاب مستعار ،لم يقد على مقاسها ، وسوف يبقى ثوباً مستعاراً ، لايدفئ ، تدفع ثمنه، أو بالأحرى أجرته ، من وجودها وكيانها وقيمها وثرواتها ، مضحية بكل إنجازاتها عبر التاريخ .. وتصبح كالغراب الذي نسي مشيته ، قانعاً بعرج أبدي . كما إن الجمود عند منجزات عصر بعينه ، أياً كان هذا العصر ، ونمذجتها ،ومحاولة الاقتداء بها ، أو استعادتها ، خروج من التاريخ ، وإهدار للخبرات ، وحكم على النفس بالموت. والحقيقة أن أصحاب الموقفين ، قد ظنوا أنهم في موقف حرج : إما هذا أو هذا . ناسين بأننا -كأمة عربية - لانحكم بين شيئين حياديين . فنحن جزء عضوي في هذه القضية الحضارية : فتراثنا هو نحن ، والغرب وحضارته آخر ... أي ثمة مواجهة بين ال(نحن) وال(هم) ،(الآخر) ، بكل مايعنيه الآخر كذلك . وهي مواجهة ، الهزيمة فيها ممنوعة كما هو واضح ...وإذا كانت قد تعثرت مواجهتنا إلى الآن ، فلأننا لم نتعامل تعاملاً صحيحاً لامع تراثنا، ولامع الآخر : " فلنتعامل مع تراثنا على أساس فهمه من داخله ، ومع الفكر العالمي - مع التحفظ من قبلي على صفة العالمي للفكر الغربي - على الاساس نفسه أيضاً ... فنبني لأنفسنا منهجاً علمياً موضوعياً للجانبين معاً يساعدنا على الربط بينهما في اتجاه تحديث أصالتنا، وتأصيل حداثتنا".(14) ولنقف من حضارة الغرب، ومن نظامه العالمي الجديد، موقف المتفهم والمستوعب والناقد والمتعلم، لاموقف الزبون. ولنطلب الأشياء التي تساعد على سد الحاجات، وبناء الأسس، لا الأشياء التي تشبع الشهوات والغرائز.... إن من يقف من حضارة الغرب موقف الزبون، فلا يلوّمنّ إلا نفسه إن أخذت منه أمواله وأخلاقه، ولم تعطه إلا أخسّ ما عندها. أما من يقف موقف المتعلم والمتفهم والناقد، فيستورد منها الأفكار الحقيقية المنتجة، قبل أن يستورد الأشياء والمنتجات الاستهلاكية. ومهما يكن من أمر فإننا:" نستطيع القول على الأقل، ان هناك- أكثر فأكثر- رفضاً عميقاً وجذرياً لمناهج النسخ والتقليد، التي سادت في الحقبة الماضية- مع تفوق الاستعمار وتحت تأثير هيمنته- وفعالية أكثر فأكثر صراحة، بالانطلاق من الذات، وتأصيل الممارسة النظرية، وتأكيد الاستقلالية الفكرية، والهوية القومية، والوحدة التكاملية، داخل هذه الهوية، بين مختلف مكوناتها الروحية والتاريخية والمادية. وهذا يعني بحد ذاته المطالبة بتغيير العديد من الخيارات والتوجهات التي كانت سائدة في الحقبة الماضية: كما يعني العمل على مصالحة العربي مع نفسه ومع تراثه المادي والروحي، كشروط حفزه على العمل والتفكير في المستقبل، والاعتماد على الذات، بدل التسليم للقوى الخارجية، بانتظار مساعدتها للتقدم في حل المشكلات المطروحة عليه...." (14). علماً" بأن المحافظة على القيم الحضارية الخاصة بكل أمة- كعنصر أساسي في مفهوم التقدم- لايتضمن فقط الدعوة إلى إضافة هدف حضاري إلى الهدف المادي، المتمثل في رفع مستوى الدخل، وإشباع الحاجات المادية، بل إننا نعتبره شرطاً لتحقيق الهدف المادي نفسه، لعله هو شرطه الأساسي".(15) ولايمكن لهذا التقدم أن يحدث في ظل الاستسلام لثقافة غربية تعتمد في انتشارها على إفقاد أصحاب الثقافة- التي يجري غزوها- ثقتهم بأية مزايا خاصة لهذه الثقافة، بل وتعتمد على التحقير المستمر لها. وفي ظل مناخ ثقافي عام، يعتبر فيه التمرد على الثقافة الوطنية، هو ذاته علامة التقدم، والخروج على قواعد اللغة القومية، مدعاة للفخر لا للاستحياء، ويحظى فيه الأجنبي بالتبجيل لمجرد أنه أجنبي.... كما لاحظ ذلك بعض المفكرين العرب المعاصرين. الهوامش : 1- قانصوه،د. صلاح: الهوية والتراث. ندوة شارك فيها عدد من الباحثين." دار الكلمة، بيروت، 1984"، ط1. 2- خليفة، د. أحمد: المصدر، السابق، ص 95. 3- العالم، د. محمود أمين: " ملاحظات منهجية تمهيدية حول نقد الجابري للعقل"، مجلة الوحدة، العدد 51، كانون الأول " ديسمبر" 1988. 4- عمارة، د. محمد: الهوية والتراث، مصدر سابق. 5- العالم، د. محمود أمين: مصدر سابق. 6- عمارة، د. محمد: مصدر سابق. 7- قانصوه، صلاح: مصدر سابق، ص 60- 61. 8- كوثراني، د. وجيه: مجلة المستقبل العربي. العدد، ص 22. 9- الجابري، د. محمد عابد: تكوين العقل العربي، " دار الطليعة، بيروت ، 1985"، ط1، ص7. 10- العالم، د. محمود أمين: مصدر سابق. 11- العالم،د. محمود أمين: المصدر السابق. 12- عمارة، د. محمد: مصدر سابق. 13- صالح، فرحان: المادية التاريخية والوعي القومي عند العرب، " دار الحداثة، بيروت، 1981"، ط2، ص7. 14- غليون، د. برهان: اغتيال العقل ، محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية، " التنوير، بيروت، 1985"، ط1. 15- أمين،د. جلال أحمد : المشرق العربي والغرب " بحث في دور المؤثرات الخارجية في تطور النظام الاقتصادي العربي والعلاقات الاقتصادية العربية"، مركز دراسات الوحدة، بيروت، 1980"، ط1. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |