نحــن والآخــر" دراسة في بعض الثنائيات المتداولة في الفكر العربي الحديث والمعاصر" - الشرق/ الغرب* التراث/ الهوية* الممكن / الواقع-

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:13 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

البـــاب الثـالــث-الممكــن ... والــواقـــــــع

ماالممكن؟ وما الفرق بين حقيقة الأشياء وإمكانها؟ وهل يوجد الممكن بنوع ما من الوجود؟ أم أن الممكن مجرد لفظ خاوٍ من المعنى ولا يشير إلى اكثر مماتشير إليه كلمة لا مدلول لها؟... وإذا كان للممكن ثمة وجود فما هو هذ الوجود؟ وما طبيعته؟ وكيف تناوله الفكر الإنساني؟ وماهي مواقف المفكرين منه. وكيف تطورت هذه المواقف خلال تطور الفكر البشري؟‏

منذ البداية، أجدني مضطراً للمسارعة إلى القول مع " كانت" بأن من طبيعة الفهم الإنساني- ولمصلحته- أن يقيم تمييزاً حاداً بين حقيقة الأشياء وإمكانها" وهذا التمييز الحاد هو الذي يقرر مكانة الإنسان في سلسلة الوجود العامة، فالتفرقة بين الحقيقي والممكن تفرقة غير قائمة لدى الكائنات الأدنى من الإنسان ، أو لدى التي فوقه. أما الكائنات التي دونه فإنها محصورة في عالم من مدركاتها الحسية، فهي تتقبل الدوافع المادية الواقعية، وتجيب عليها بردود فعل، ولكنها تعجز عن أن تكوّن فكرة عن الأشياء الممكنة، وأما العقل الإلهي- من الناحية الثانية- فإنه لايعرف تمييزاً بين الحقيقة والإمكان لأن الله فعل محض، فكل ما في تصوره حقيقة.... وهو لا يفكر في شيء، وإلا وهذا الشيء يتكوّن، ويخلق، بالتفكير نفسه. وإذاً، لاتنشأ مشكلة الإمكان إلا لدى الإنسان، أي في ذكائه المكتسب" "1".ذلك أن الإنسان البدائي لم يكن يملك القدرة على التمييز الحاسم بين الممكن والواقع، بين الموجودات ورموزها ومعانيها. إذ لم تصبح التفرقة بين الأشياء وإمكانها ملموسة بوضوح إلا بعد تقدم الفكر البشري وتطوره . ويمكننا أن نأخذ مرضى" الأفازيا" - فقدان القدرة على النطق- الذين أصيبوا بنكوص في بعض قدراتهم العقلية، مؤشراً لحالة الإنسان البدائي. حيث يفقد هؤلاء القدرة على الحسم بين ماهو واقعي وماهو ممكن وحين يواجهون مشكلة تتطلب طريقة من التفكير أكثر تجريداً- أي حين كان عليهم أن يفكروا في الإمكانات اكثر من تفكيرهم في المعطيات الواقعية كانوا يعانون صعوبة بالغة، ويعجزون عن التفكير أو التكلم عن أشياء غير واقعية وليس لها إلا صفة الإمكان. أي أن لديهم افتقاراً بالقدرة على الاقتراب من المواقف الممكنة، ومن الأشياء التي لاتعطى في مواقف حسية.. أي إن المريض عقلاً، عاجز عن هذا، لعجزه عن أن يدرك ماهو مجرد "2".‏

وطالما أن الإنسان قد تجاوز مرحلة البداوة... وطالما أنه ليس مريضاً " بالأفازيا"، وطالما أن شعوره يجعله يحس في كل موقف أنه أمام عدد من الإمكانات التي تتسابق في عرض نفسها عليه، فلابد من أن يجد نفسه مضطراً للبحث في حقيقة هذا " الممكن".‏

تطور مفهوم الممكن‏

يعود الفضل لأرسطو" على الأرجح في الاهتداء إلى مفهوم الممكن، وذلك أثناء تفسيره لظاهرة الصيرورة" الحدوث / التغيّر". هذه الظاهرة التي تعتبر أهم ما يميز عالمنا. فقد كان " المجاريون" ينكرون أن يكون هناك وسط ما بين العدم والوجود، وينكرون أن يكون للشيء قدرة على الفعل، وأن تكون له القدرة على الصيرورة شيئاً ماقبل أن يصير هذا الشيء.‏

أما " الإيليون"، وعلى رأسهم" بارمنيدس"، فقد فصلوا تماماً بين الوجود والعدم، وأنكروا أن يكون بينهما وسط ما " الوجود موجود، واللاوجود غير موجود.." وماهو هو، وماليس هو ليس هو".‏

أما " أفلاطون" فقد اعتبر الوجود الحق، من حق المثل المطلقة وحدها، وماعدا ذلك من الوجود فعدم، ولا حقيقة له إلا بقدر ما يقترب من عالم المثل،. "3"‏

لكن " أرسطو " رأى في تلك الآراء جميعاً عجزاً عن تفسير ظاهرة الصيرورة، ورأى أنه يستحيل تأويل هذه الظاهرة مالم نعتبر أن بين الوجود والعدم طوراً ثالثاً سماه" القوة" أو الإمكان. وإلا لم يكن ثمة فرق بين الممكن حدوثه، والممتنع حدوثه، وأمكن للشيء أن ينبثق عن الممتنع، وامتنع أن ينبثق عن الممكن، وهذا محال، إذ يصبح حدوث التغيّر " الصيرورة" على سبيل الطفرة، وهذا ما تكذبه المشاهدة. وسنعرض بإيجاز لتفسير " أرسطو" لظاهرة الصيرورة" الحدوث/ التغيّر":‏

المادة والصورة:‏

المادة.. وكما شرحها" أرسطو" في الكتاب السابع من " مابعد الطبيعة" هي :" ماليس بذاته شيئاً خاصاً، ولا هو كم ما، ولا يصح عليه أي من المقولات الأخرى التي يتعيّن بها الوجود، وهو مع ذلك ليس عدماً أو سلباً للصفات أو المقولات".‏

وبذلك يشير " أرسطو" إلى ماهية المادة، والتي لاوجود لها بالفعل، بل هي موجودة بالقوة فحسب، إذ تستمد وجودها من" الصورة" التي تتجوهر بها- المادة تتجوهر بالصورة- فالمادة والحالة هذه:" القابلية المحضة للوجود"... وهذه المادة بتسمية" أرسطو" هي " الهيولى، المادة الأولى".‏

ويمكننا أن نلحظ في اعتبار " أرسطو" للمادة بأنها قابلية محضة للوجود " وجود بالقوة"، دحضاً لمذهب " أفلاطون"، الذي يعتبر المادة عدماً محضاً. لأن " أرسطو" يعتبر ذلك مانعاً لتأويل " فهم" ظاهرة الحدوث" الصيرورة / التغيّر". إذ ليس في العدم قابلية أو إمكانية قط، فالشيء لايحدث عن الممتنع، بل عن الممكن:" فالعدم ليس فيه إمكان أصلاً..." "4"‏

وشروط الحدوث عند " أرسطو" ثلاثة هي: الصورة / المادة/ العدم. فالعدم إذاً غير الصورة وغير المادة، وهو أحد الأسباب " العرضية " للوجود- لوجود الشيء- فالمادة لاتصبح شيئاً إلا بعد أن لم تكن ذلك الشيء. أي إن طرفي الحدوث عنده هما: الوجود والعدم، وليس الوجود والوجود. مع ملاحظة أن العدم الذي يعنيه " أرسطو" هنا هو العدم النسبي، وهو ما سماه " الوجود بالقوة"، والذي ليس وجوداً- بالمعنى الأصيل للوجود- إلا بعد أن ينتقل للوجود بالفعل. أما العدم المحض، فلا نسبة له إلى الوجود قط، لذلك يستحيل أن يتكون الشئ من العدم المحض أي إن للمادة وجوداً أزلياً... وهو وإن كان وجوداً بالقوة، إلا إنه وجود على أية حالٍ.‏

وقول " أرسطو"- كما هو واضح- يحول دون القول بإبداع الله للعالم، وخلقه من عدم محض، لأنه ينفي إمكان انبثاق شيء ما من عدم. دون أن ننسى أنه قد جعل" العدم" أحد شروط الوجود. ولكنه العدم النسبي أي حال السلب التي يتحول منها الموجود إلى ضدها، وليس العدم المحض. لأن القول بإمكان الوجود من عدم محض يقوّض أسس الميتافيزيقا الأرسطية، لاسيما مفهومي القوة والفعل، ويبطل بالتالي التمييز الجوهري بين الممكن والممتنع. وهذا ماسيوضحه " ابن رشد "، أعظم شراح " أرسطو".‏

فالمادة إذاً هي هذه القوة اللامتعينة التي تخرج منها الأضداد " كما جاء في كتاب التحليلات". وهي موضوع كل تغير، وشرط كل تحول... وهي لامخلوقة ولافانية " كما في كتاب الطبيعة". أو هي :" أصل كل المواد التي يشتمل عليها العالم المحسوس، ولكن لايمكننا تعريفها بشكل أوضح إلا بقولنا: إنها تشتمل بالقوة على كل الإمكانات التي يظهرها فيها- الانتقال إلى العقل- حلولُ الصور". "5"........ " ولابد أن يكون هناك خلف هذا السياق- العالم الخارجي- مادة هي أصله، هذا شيء محتمل، ولكننا لانستطيع أن نعرّفها خيراً من أنها " إمكانية إحساسات"... " "6". فالمادة عند أرسطو" نقص، أو إن شئنا كمال مقنّع ، وممكن لم يتحقق عن طريق الحركة بعد.‏

أما الصورة فهي: جوهر الشيء وماهيته، لأنها علة كونه ماهو...‏

وتتصل الصورة بالمادة التي تتقوّم بها " أي المادة"، اتصالاً وثيقاً، ولا يمكن الفصل بينهما إلا بتجريد عقلي. ويتم الانتقال من " الهيولى" إلى الصورة عن طريق الحركة التي لم تعد- بحسب أرسطو- تعني الرابطة المنطقية للتنافي المتبادل بين طرفين، كما كان الأمر عند " أفلاطون" ، بل تحولت إلى وساطة واقعية يوجد فيها الطرفان مجتمعين كوجود لحظتين من لحظات الوجود الواحد، وفيهما يتحول أحد الطرفين إلى الآخر.. فالحركة ليست الوجود أو اللاوجود، ليست الفعل أو القوة، إنما هي بمعنى أصح هذا وذاك في نفس الوقت..." 7".‏

فالحركة فعل لم يكتمل بعد، وهي غير حاصلة على غايتها في ذاتها، ولكنها تتجه إلى تلك الغاية التي هي كما لها.‏

فالكمال، أي الوجود الحقيقي، لايوجد، ولايمكن أن يوجد في المادة ، ولا في الانتقال من المادة إلى الصورة، وإنما في الصورة نفسها، والتي هي نهاية الحركة وغايتها. فلا شيء فردي " معين" قبل تحققه في عالم الأشياء كان من الممكن أن يصبح على ما هو عليه الآن، أو أن يضاد ذلك، قبل أن يأخذ هذه الصورة أو تلك .. لأنه كان من الممكن أن يلبس هذه الصورة أو تلك على السواء.‏

وبعد أن تتجوهر المادة بصورة معينة ، يصبح من المستحيل فصلها إلا بعملية تجريد ذهنية. ومنزلة الصورة من المادة، منزلة الفعل من القوة، أي منزلة الكمال من الشيء الذي يتكامل به. وبما إن الفعل سابق بالمعنى الزمني.. والمنطقي.. والذاتي.. فإن الصورة سابقة للمادة بكل معاني السبق المذكورة... فالصورة بالنسبة للمادة بمثابة مبدأ الكمال من الشيء الذي به يتكامل.‏

- الفعل.. والقوة :‏

تعتبر ثنائية" الفعل / القوة" حجر الزاوية في البنيان الميتافيزيقي الأرسطي . ولمعرفة طبيعة مفهوم " القوة " عند " أرسطو"، لابد من التمعن في طبيعة التغيّر أو الصيرورة. فالصيرورة" الحدوث" تعني التحول من حال إلى حال، ومن طور إلى طور. وهذه الأطوار غير متساوية، وإلا استحالت الصيرورة أصلاً، لعدم كون طور أولى من طور سواه بالوجود. كما في حالة الأجرام السماوية، حيث يعتبرها " أرسطو" موجودات لايعتورها النقص، وهي بالتالي غير خاضعة للتغير والصيرورة، لأن الصيرورة مرتبطة بالنقص الذي يلحق سائر الموجودات في عالم الكون والفساد، حيث تسعى إلى الكمال دائماً. وقد تستطيع هذه الموجودات بلوغ الكمال الذي تصبو إليه ، عن طريق إسباغه عليها من الموجودات الكاملة لاسيما الفعل المحض.... وكل الموجودات " الكائنة الفاسدة" في صيرورة، لأنها في سعي دائب ودائم للكمال.‏

فالقوة- بمعناها العام- تعني مبدأ التغيير والحركة في شيء ما، أو في الشيء نفسه من حيث هو شيء آخر، أي بصفته قابلاً للفعل" من خارج الطبيعة. فالقوة إما أن تكون في القابل أو في الفاعل. وإذا كان الشيء: القابل والفاعل معاً، كان قابلاً من وجه ، وفاعلاً من وجه آخر.‏

وتفيد القوة- بمعنى أخص- القدرة على القيام بفعل ما ، حسب القصد. لذلك نقول عن الذي لايُحسن النطق، أنه غير قادر على النطق. وكذلك بالنسبة لقدرة الشيء على الانفعال.‏

كما تعني القوة كذلك الامتناع عن التغيّر والانفعال " أي القدرة على الامتناع". فالقوة في الشيء تعني: إما اتصافه بصفة إيجابية ما، وإما انتفاء مثل هذه الصفة... والقوة إذا أسندت للكائن العاقل " الإنسان"، لاتقتصر على فعل واحد، لأن لها تعلقاً بأحد الضدين، وهذا مايميز العاقل من غير العاقل.‏

ومن القوى ما هو فطري كالقدرة على الإحساس، ومنها ما هو مكتسب، ويحتاج بالتالي إلى التعلم والخبرة كالكتابة... والعزف على آلة موسيقية.... وهذا مايسميه " أرسطو" بالملكات، ويعتبرها وسطاً بين الفعل والقوة بمعناها العام ( العامي) كما هي الحال بالنسبة للعقل (الإنساني) الذي هو وسط بين العقل " الهيولاني"- وهو قوة محض- والعقل الفعّال- وهو فعل محض- ومن هنا فإن " أرسطو" يعتبر العقل الإنساني ملكة من الملكات ، أي إنه قابل للنموعن طريق التجربة والخبرة والتعلم "الاكتساب".‏

ومن خصائص ما هو بالقوة، أنه لايصير بالفعل، إلا بتأثير ما هو بالفعل. فالفعل هو مبدأ الكمال والتحقيق في ما هو قابل للتحقيق- والفاعل " أو المحرك" هو الذي يخرج الشيء من حال القوة إلى حال الفعل. فالقوة بالنسبة إلى الفعل، بمثابة العدم بالنسبة للوجود . فالشيء، لايصبح شيئاً ما، يقال انه قادر عليه، إلا بعد أن لم يكن ذلك الشيء.. فالفعل سابق للقوة بكل معاني السبق " كما ان الصورة سابقة للمادة بكل معاني السبق كما ذكرنا،. فالفعل سابق من حيث المادة والحد، فما كان بالقوة، فإنما هو بالقوة بالنسبة لما سيكونه بالفعل، ولا تدرك ماهيته إلا من خلال نسبته إلى ذلك الفعل، أي الكمال الذي سيحققه " قد يحققه". فالبنّاء، يبني بالقوة، لأن بوسعه البناء، والشيء مرئي بالقوة، لأن بالإمكان رؤيته.‏

والفعل سابق من حيث الزمان ، لأن النوع الذي ينتمي إليه الفرد بالقوة، سابق عليه بالزمان. فالرجل إنما ينبثق عن رجل موجود بالفعل... والشجرة عن شجرة موجودة بالفعل.‏

وهو سابق من حيث الجوهر، لأن الأشياء اللاحقة من حيث الصيرورة، سابقة من حيث الصورة والجوهر. فالرجل سابق للصبي، لأن للأول صورة ما ، وليس للثاني مثل هذه الصورة بعد. والصورة هي ما يصبو إليه الشيء... وهي الكمال الذي يسعى إليه.. وهذا الكمال، أو الفعل، هو الغاية . والقوة إنما تكون من أجل تحقيق تلك الغاية. فالحيوان- مثلا- لايبصر كي تكون له قوة الإبصار ، إنما له قوة الإبصار كي يبصر.‏

والفعل سابق للقوة بمعنى آخر: وهو أن في الموجود بالقوة قابلية للعدم .لأن الموجود بالقوة، إما أن يوجد " بالفعل بعد ذلك" وإمّا ألاّ يوجد، أما الموجود بالفعل فهو موجود أبداً " كالكائنات الأزلية التي ليس فيها قابلية للعدم قط ؟!!!!. ومن هنا كانت الأشياء الضرورية الوجود، سابقة للأشياء جائزة الوجود، إذ لو لم توجد تلك الموجودات الضرورية الوجود لما وُجد شيء قط. لذلك فالموجودات الضرورية أشرف واسبق من الموجودات الجائزة.‏

وهكذا نجد أن " أرسطو" قد حاول عبر مفهومي " القوة/ الفعل " النفاذ إلى ماهية الصيرورة. فالقوة عنده " وكما شرحها ابن رشد": " الاستعداد الذي في الشيء، والإمكان الذي فيه، لأن يوجد بالفعل" ."8" و" أرسطو" بذلك يحاول أيضاً التوفيق بين القائلين بمفهوم القوة فقط " هرقليطس/ ويشايعه من المحدثين في هذه الناحية هيجل وبرغسون"، حيث يتصورون أن الوجود غير معقول... وصيرورة صرف ."9" والقائلين بالفعل فقط " بارمنيدس"، ويشايعه من المحدثين اسبينوزا وسواه"، حيث يعتبرون الصيرورة وهماً " بارمنيدس"، أو شبه وهم " اسبينوزا". أما " أرسطو" فيرى أن " القوة " وإن كانت غير معقولة في ذاتها، فهي معقولة بالقياس إلى الفعل الذي تخرج " تصير" إليه، فالفعل كمال القوة، ومن أجله وجدت، وهو محققها. فما من متغير إلاوله مغير، وما من متحرك إلا وله محرك ." 10" ولما كان الفعل مبدأ للكمال الذي يصبح ما بالقوة من جرائه شيئاً بالفعل... كان البحث عن طبيعة الفاعل، الذي يخرج ما هو بالقوة إلى ماهو بالفعل.. من أهم بنود العلم الإلهي... إذ ينبغي أن يكون هذا الفاعل موجوداً بالفعل- من حيث هو فاعل- وإلا استحال عليه الفعل. لذا كانت الموجودات برأي " أرسطو" قسمين: قسماً بالفعل أبداً " الموجودات الضرورية الأزلية"، وقسماً بالقوة حيناً وبالفعل حيناً آخر" الموجودات الجائزة/ الحادثة/ الممكنة".‏

وحسب ميتافيزيقا " أرسطو" يخطئ أولئك الذين يفسرون الكون بتطور المادة... واضعين في الأصل القوة والاختلاط زمناً غير متناه. إذ لوصح زعمهم لما أمكن أن تخرج الأشياء من القوة إلى الفعل، ومن الاختلاط إلى النظام ."11" أما الميتافيزيقا الأرسطية فتقول بوجوب وجود موجود بالفعل ، ليخرج الأشياء من حالة الوجود بالقوة، إلى حالة التحقق. ومن حالة الإمكان الصرف، إلى الحدوث الفعلي. وبذلك يتفق العقل مع الوجود... ويصعد إلى فاعل أول. "12"‏

أما حين يتبادر إلى الذهن سؤال مثل : من اين يستمد الفاعل الجائز قدرته على الحركة، مادامت حركته لاتنبثق من ذاته؟... فالجواب الذي يقدمه " أرسطو": إن الفاعل الجائز يستمد حركته من محرك آخر " السماء"، ومحرك لايتحرك ، وهو منبع الحركة " الله" . ووقوف العقل عند هذا المحرك الذي لايتحرك ، ليس من أجل أن يتجنب العقل الدوار كما زعم " برغسون"..."13" بل لأن التسلسل إلى مالا نهاية دور فاسد، ولابد من علة لكل معلول، ومحرك لكل حركة، إلى أن نصل إلى " علة العلل"... أو " المحرك الأول".‏

الفلاسفة المؤمنون... ومفهوم الممكن:‏

إذا كان " المعلم الأول" قد حاول عن طريق ثنائية " الصورة / المادة " أن يفسر ظاهرة الصيرورة ، فإن " ابن سينا " مثلاً قد استعار أدوات " أرسطو" ليفسر بواسطتها فكرة " الخلق "، كما جاء القرآن الكريم بها. فهو يقول:‏

"إن كل جوهر جسمي، لابد أن يتكوّن من مادة وصورة، ولايمكن أن توجد إحداهما بالفعل بمعزل عن الأخرى ". "14" والوجود إنما هو ثمرة تلاقيهما، وما المادة إلا استعداد وتهيؤ للقبول، ووجود بالقوة... والصورة تحصيلٌ وتحقيقٌ بالفعل.. "15" فهما متلازمتان، وتوهم مادة جسمية بمعزل عن الصورة، خروج بها من عالم الوجود الفعلي... " 16" أما بالنسبة للصور فليست كلها جسمية. فهناك الصور المفارقة للمادة، ولا تتصل بها أبداً ...."17" حتى الصورة المادية نفسها فإنها أقدم من مادتها الجسمية.... وواهب الصور يمنحها- الصورة- للمادة فيتم الوجود . " 18"‏

واضح أن " ابن سينا " قد خالف " أرسطو" هنا فهو يحاول أن يوظف فكرة المادة والصورة لتفسير " الخلق". حيث أصبح الوجود يعني اتصال المادة بصورتها، والعدم انفصال هذه الصورة عن مادتها. والصور عند " ابن سينا" موجودة كلها في العقل الفعّال منذ الأزل، وهو الذي يمنحها فيتم الوجود... ويسلبها فيكون الفساد. "19"‏

وبذلك يخرج " ابن سينا" من عماء المادة الأرسطية، ومن خليط " انكساغوراس " من قبله إلى هيولى وعناصر أزلية يشكلها.. ويصورها العقل الفعّال على مقتضى الحكمة. إذ إن " أرسطو " يترك الموجودات وافعالها لمطلق الإمكان، وللفوضى والمصادفة حين يعتبر أن القوة لاتوجد إلا متى وجد الفعل ...... وأن الذي لايبني ليست له قوة البناء، ولكنها للذي يبني في الوقت الذي فيه يبني.. فمطلق الإمكان يتناول إمكانات لاتحصى. بينما الحقيقة أن لكل موجود إمكانات معينة ومحدودة، قد تكون كبيرة، ولكنها متناهية ... حتى إمكانات الحرية، فليس في مقدورها" الحرية الإنسانية" أن تغيّر طبيعة الإنسان.. أو طبائع الأشياء.. ولا أن تفعل كل ما تريده وتتمناه. فإذا كانت- والحالة هذه- إمكاناتُ كلِّ موجودٍ معينة ومحدودةً... كان هذا دليلاً على أن كل موجود، إنما يفعل أو ينفعل بقوى فيه معينة محدودة. "20"‏

ومع أن فكرة " ابن سينا" عن الخلق، قد راقت لفلاسفة القرون الوسطى " المسيحيين"، إلا إنها ظلت عرضة للانتقاد من فلاسفة الشرق والغرب كذلك. لأن الخلق، كما صوره " ابن سينا" يعتمد على خالق صوري، ليس لديه شيء يعتد به ."21"‏

أما " ابن رشد" فيرى أنه ليس يقدر القادر أن يصيّر الموجود معدوماً أولاً بذاته. أي بقلب عين الوجود إلى عين العدم. وكل من لايضع مادة ، فلاينفك عن هذا الشك.... ولهذا قالت الحكماء: إن المبادئ للأمور الكائنة الفاسدة اثنان بالذات وهما: المادة والصورة، وواحد بالعرض وهو العدم: لأنه شرط في حدوث الحادث، أي يتقدمه، فإذا وجد الحادث، ارتفع العدم، وإذا فسد وقع العدم. "22" ... وهكذا يدخل " ابن رشد" فكرة العدم، إلى جانب المادة والصورة، كشرط من شروط حدوث الحادث " الممكن".. وإنما هو ممكن، من جهة ماهو بالقوة. أعني أنه من جهة القوة والإمكان الذي له ، يلزم أن يكون ذاتاً ما في نفسه " فللعدم ذات ما " ذلك أن العدم يضاد الوجود، وكل منهما يخلف صاحبه فإذا ارتفع عدم شيء ما ، خلفه وجوده. وإذا ارتفع وجوده خلفه عدمه. ولما كان " نفس العدم" لايمكن أن ينقلب وجوداً، ولا " نفس الوجود" أن ينقلب عدماً. وجب أن يكون القابل لهما شيئاً ثالثاً غير هما وهو الذي يتصف بالإمكان، والتكوّن، والانتقال من صفة العدم إلى صفة الوجود. فإن العدم لايتصف بالتكوّن والتغيّر، ولا الشيء الكائن بالفعل أيضاً يتصف بذلك " التكوّن والتغيّر" ، لأن الكائن إذا صار بالفعل ارتفع عنه وصف التكوّن والتغيّر والإمكان. فلابد_ إذاً- ضرورة- من شيء يتصف بالتكون والتغير والانتقال من العدم إلى الوجود، كالحال في انتقال الأضداد بعضها إلى بعض.. أعني يجب أن يكون لها موضوع تتعاقب عليه ... والفلاسفة ترى أن التكوّن هو من معدوم لامن موجود. وهذه هي طبيعة التكوّن. وهذه الطبيعة لاتتعرى من الصورة الموجودة بالفعل، أعني لاتتعرى من الوجود، وإنما تنتقل من وجود إلى وجود... ذلك أنها لو تعرت من الوجود، لكانت موجودة في ذاتها. ولو كانت موجودة في ذاتها لما كان منها كون. وهذه الطبيعة عندهم هي التي يسمونها " بالهيولى". وهي علة الكون والفساد. وكل موجود يتعرى من هذه الطبيعة، فهو عندهم غير كائن، ولا فاسد.."23"‏

وهذه الطبيعة " الهيولى"، أو المادة التي قال بها " أرسطو"، ووضحها من بعده كل من " ابن سينا" و" ابن رشد" ومن نحا نحوهما.. والتي لاتوجد منفصلة عن صورة ما، بها تتقوم، وبها تتجوهر، والتي لايمكن تجريدها منها، أو تعريتها منها- بتعبير ابن رشد- ، والتي لايمكن أن نسند إليها أياً من المقولات... إلى آخر ماذكرناه من صفاتها.. أليست فكرة أكثر منها وجوداً؟ أو على حد قول" باركلي" فيما بعد :" بأنه لا وجود لها خارج العقل، وأن وجودها قائم في إدراكها، أي أن الوجود إدراك" ..."24" " وبذلك ترتد هذه المادة إلى اللامادة. وأنها تتكشف لنا بكل ما فيها أثناء عملية الإدراك..." "25".‏

ونعود لنقول بأن " أرسطو" قد جاء بثنائية " المادة/ الصورة"، التي تولدت عنها ثنائية (القوة ، الفعل)، ليفسر ظاهرة الصيرورة والحدوث، في عالم أزلي قديم بينما الفلاسفة المؤمنون الذين جاؤوا بعده، وإن انطلقوا من أدوات " أرسطو" نفسها، فإنهم حاولوا أن يفسروا الخلق.. والذهاب- بالتالي- إلى أبعد مما ذهب إليه" أرسطو". وذلك حين ربطوا العالم بإرادة عليا، حكيمة مدبّرة ، تعمل لغاية ووفق قدر، هو عناية وخير. فهذا " توما الإكويني" لم يعد يعتبر أن الإمكان عبارة عن وسط بين الفعل والقوة، وإنما قابليةٌ صرفٌ للوجود، ووجوده متعلق بالإرادة الإلهية..." 26" وإذا كان هؤلاء الفلاسفة قد قالوا مع " أرسطو" بالسير المطرد للوجود من طرف إلى طرف ، دون طفرة.. والانتقال من مجرد الاستعداد والتهيئو، إلى وجود بالفعل، ومن مجرد الإمكان إلى التحقيق... إلا أن " ابن سينا" مثلاً قد أعطى للإله دوراً أكبر مما أعطى " أرسطو" للمحرك الأول.. إضافة إلى إعطاء الغائية دوراً مهماً في تفسير الوجود ... علماً بأن الغاية عند " ابن سينا" مالأجله يوجد الشيء.. والعلة الغائية مسببة للعلل الأخرى، وسابقة عليها في الذهن وفي الوجود، فهي علة العلل."27"‏

وبذلك يكون " ابن سينا" قد تجاوز " أرسطو" في هذه الناحية؟ ففي حين يرد أرسطو" الوجود إلى " الهيولى" والصورة التي يتكون منها الشيء.. والفاعل عنده إنما يفعل على حسب صورته... والغاية مرتسمة في صورة المحرك وطبيعته، وهو يسعى إليها... فإن " ابن سينا" يرى أن العلة الأولى هي التي تمنح الوجود، وتبقي عليه، وهذا ما يسميه" إبداعاً".. لأنه " الله " " قد أيَّس عن ليس مطلق ". "28" ... وقد شاهد " ابن سينا" العالم من حوله، فوجده حافلاً بالآيات العجيبة، والحكم البالغة، وأنه لايمكن أن يصدر اتفاقاً، وإنما هو وليد تدبير محكم، ونظام دقيق، وهو ما سماه بالعناية، والتي يراد بها علم الله الأزلي بنظام الخير والكمال، وصدور العالم منه وفق ذلك على أكمل وجه ممكن."29" ..وبذلك يكون أحد السابقين إلى القول بأن العالم هو خير العوالم الممكنة.. إن لم يكن أول القائلين بذلك.‏

جهات الوجود‏

جهات الوجود هي: الوجوب/ الامتناع/ الإمكان/ الحدوث. ذلك أننا في كل قضية نعقل النسبة بين المحمول والموضوع، ونعقل جهة وجود المحمول للموضوع.‏

والوجوب ضرورة ذاتية، أو اقتصاء ذاتي. وقد يكون المقتضى عين الوجود، مثل اقتضاء الذات الإلهية للوجود بمحض حقيقتها، من حيث إن الله وجود بذاته، أو واجب الوجود. ومثل اقتضاء العلة إيجاد معلولها، بعد أن تم استعدادها لإيجاده، وانتفى كل عائق خارجي. وقد يكون المقتضى تمام تكوين الماهية، مثل وجوب اجتماع الحيوانية والنطقية للإنسان. أو لزوم خاصة جوهرية من الماهية، مثل الضحك، والموت للإنسان، ومساواة زوايا المثلث لقائمتين. وقد يكون المقتضى لزوم تالٍ معين عن مقدم معين، متى كان المقدم بديهياً أو مبرهناً مثل: لكل متحرك محرك، والعالم متحرك، فللعالم محرك..... في هذه الحالات، يرى العقل وجوباً في موضوع تعقله، أو يجد لزاماً عليه أن يقر بهذا الوجوب."30"‏

والإمكان يرجع إلى قضاء العقل، فكل ماقدّر العقل وجوده، فلم يمتنع عليه تقديره، سميناه ممكناً، وإن امتنع سميناه مستحيلاً. فإن لم يقدر على تقرير عدمه سميناه واجباً.. "31"‏

والإمام " محمد عبده" يرى أن جهات الوجود ثلاث: ممكن لذاته/ وواجب لذاته/ ومستحيل لذاته. فأما المستحيل فهو ما عدمه لذاته حيث هي. والواجب لذاته ما كان وجوده لذاته حيث هي. والممكن مالا وجود له، ولا عدم له من ذاته، وإنما يوجد لموجد، ويعدم لمعدم، أو لعدم سبب وجوده. وقد يعرض له الوجوب والاستحالة لغيره. "32"‏

يقول" ابن سينا" بأن الواجب يدل على دوام الوجود، والممتنع على دوام العدم، والممكن يدل على دوام وجود ولا دوام عدم- بعبارات كتاب النجاة-. وقد لاحظ الأستاذ " يوسف كرم" أن كلام " ابن سينا" غير دقيق. إذ ثمة فرق بين وجوب الوجود، ومجرد دوام الوجود. وكذلك فإن مجرد دوام العدم لايدل على الامتناع. فكم من الممكنات قد لاتكون أوجدت، وقد لاتوجد أبداً، وهي مع ذلك ممكنات. ودوام العدم للمتنع هو لكونه غير قابل للوجود. وأخيراً- يتابع يوسف كرم- فإن الممكن إنما يدل لاعلى دوام وجوده ولا عدم، لأن الوجود لاهو من ماهيته، ولا هو مناف لها. فالفرق واضح بين معاني الجهات، وبين علاماتها الظاهرة."33"‏

وربما أمكننا إرجاع الجهات الأربع إلى جهتين: حيث يرجع الممتنع إلى الواجب، ويعمهما معنى الضرورة، هذا ضروري الوجود، وهذا ضروري العدم. ويرجع الحادث إلى الممكن، ويعمهما معنى الإمكان، أو اللاضرورة."34"‏

أما الوجود الضروري، فما كان وجوده ضرورياً لوجود غيره. والوجود الإمكاني مالايقوم وجوده إلابوجود سواه، ويستوي فيه طرفا الوجود والعدم ، لجواز طروئهما عليه، عكس الوجود الوجوبي... "35" فعالم الوجوب هو عالم العلية الثابتة المطلقة، في مقابل أن عالم الإمكان، هو عالم المعلولية المحددة، والواقعية المتراوحة بين الوجودية والعدمية... " 36" وإذا كان المستحيل لذاته لايطرأ عليه وجود ، والعدم من لوازم ماهيته... فالمستحيل لايوجد- إذاً- وليس بموجود قطعاً، بل لايمكن للعقل أن يتصور له ماهية كائنة .... فهو ليس بموجود لافي الخارج، ولا في الذهن..."37"‏

أما أحكام الممكن لذاته، أنه لايوجد إلا بسبب، وأنه لاينعدم إلا بسبب. ذلك لأنه لاواحد من الأمرين له لذاته، فنسبتهما إلى ذاته على السواء. ومن أحكامه أنه إن وجد ، يكون حادثاً، لأنه قد ثبت أنه لايوجد إلا بسبب.... ووجوده بعد وجود سببه، فيكون مسبوقاً بالعدم في مرتبة وجود السبب، فيكون حادثاً. إذ الحادث ما سُبق وجوده بالعدم، فكل حادث ممكن، وكل ممكن حادث... "38" ولما كان بحثنا يتناول الممكن أصلاً فإننا سنلقي مزيداً من الضوء عليه: فمن شأن الممكن ألاّ يكون إلى العدم. فلا يعدم إلا بسبب من خارج ذاته، ولايوجد إلا بسبب من خارج ذاته. وإذا أخذنا هذا بعين الاعتبار، أمكننا أن نضع أيدينا على التورطات التي يقع فيها الباحثون في الممكن، والتي كثيراً ماتتناقض مع حد الممكن " لاأرجحية للمكن في الوجود على العدم، ولا في العدم على الوجود" ، إذا اعتبرنا ذات الممكن.‏

والممكن لفظ مشترك لمعنيين: إذ قد يراد به ماليس بممتنع، فيدخل فيه الواجب. وتكون الأمور بهذا الاعتبار قسمين " ممكن/ ممتنع. وقد يراد به ما يمكن وجوده ويمكن عدمه أيضاً، وهو الاستعمال الخاص. وتكون الأمور بهذا الاعتبار ثلاثة" واجب/ ممكن/ ممتنع". وحينئذ لايدخل الواجب في الممكن، بينما كان يدخل في الاعتبار الأول.‏

والممتنع في الاعتبار الأول " المعنى الأول" لا يجب أن يكون ممتنع العدم، بل ربما يكون ممتنع العدم، كالواجب فإنه غير ممتنع. والممكن بهذا المعنى عبارة عن غير الممتنع فقط..." 39" .‏

وقد فطن المفكرون منذ القديم إلى أهمية العلة "الشروط" لتحقيق الممكن. فكل ممكن بذاته، فهو واجب بغيره. فالممكن إن اعتبرت علته، وقدِّر وجودها، كان واجب الوجود. وإن قدّر عدم علته، كان ممتنع الوجود. وإن لم يلتفت إلى علته" لاباعتبار العدم، ولا باعتبار الوجود"، كان له في ذاته المعنى الثالث، وهو الإمكان. فكل ممكن _ إذاً- ممتنع وواجب. أي ممتنع عند تقدير عدم العلة، فيكون ممتنعاً بغيره لابذاته. أو ممكناً من حيث ذاته إذا لم تعتبر معه علة نفياً أو اثباتاً. وليس الجمع بين هذه الأمور متناقضاً كما يبدو للوهلة الأولى.‏

ويمكننا أن نعطي للممكن معنى أكثر تجريداً فنقول: بأنه الذي لاضرورة في وجوده بحال من الأحوال. وبذلك تصير الأمور أربعة: " واجب/ ممكن/ موجود له ضرور/ وموجود لاضرورة له البتة".‏

وكذلك يمكن أن نطلق صفة الممكن على الشيء المعدوم في الحال، والذي لايستحيل وجوده في الاستقبال. أي له وجود بالقوة لابالفعل. وهنا لايقال عن العالم في حال وجوده ممكناً، بل يقال كان قبل الوجود ممكناً:" والعالم واجب الوجود، مهما فرضنا المشيئة الأزلية متعلقة بوجوده، ولكن صار الوجوب له من المشيئة لامن ذاته. والوجوب لله من ذاته لامن غيره. وعلى الجملة: كل ما حصل وجوبه بوجوده واجب بسبب وجود سببه لا محالة وأنه مادام ممكن الوجود، لايترجح وجوده على عدمه. ولما تساوى الوجود والعدم، بقي العدم غير موجود، فقد صح وجوده لوجوب وجوده" ..."40" والممكن- إذاً- هو:" ما يمكنه أن يوجد ، فالممكن لايوجد فعلاً، ولكنه يوجد عندما تتوافر شروط وجوده. بينما المستحيل فإنه لايوجد ولايمكنه أن يوجد، مهما كانت الشروط التي يمكن أن نتصورها. ويجب أن نلاحظ أن هناك إمكاناً داخلياً، وإمكاناً خارجياً. فالإمكان الداخلي عبارة عن عدم وجود تناقض في الصفات المكوّنة لماهية الشيء، فإذا قلت مثلاً أنه يوجد مثلث له زاويتان قائمتان، فهذا غير ممكن داخلياً. أما الإمكان الخارجي فهو عبارة عن وجود الشروط اللازمة لحدوث الكائنات الممكنة داخلياً." "41".‏

برغسون... والممكن‏

إن " برغسون"، انطلاقاً من مذهبه الحيوي، القائل بالديمومة الخلاقة والمتجددة دائماً، واهتمامه بالجانب الروحي، الذي لايصلح العقل لفهمه- حسب ظنه، لأن العقل وجد وتطور على نحو يطابق المادة، ويصلح لفهمها، والتنبؤ بما ستكون عليه. والعقل حين يغادر منطقة عمله التي يصلح لها- وهي العالم المادي فحسب-، ويحاول أن يطبق أساليبه ذاتها، في عالم ليس مادياً، فإنه سيخفق إخفاقاً ذريعاً.‏

والكون- برأيه- في ديمومة، وسيال متدفق من الجدة التي لايمكن التنبؤ بها....لأن الأمر يختلف تماماً عما يحدث في العالم المادي، فالتغيير في العالم المادي المحض إنما يكون بإعادة ترتيب المعطيات بشكل طريف جديد. أنما في دنيا النفس والروح فليس الأمر كذلك.. والعالم ليس خلواً منها... ففي دنيا الروح والنفس لم يعد الأمر مجرد اختيار إنما هو خلق وإبداع حيث هو تطور " خالق خلقاً مستمراً لا للواقع فحسب، بل للممكن أيضاً."42"‏

وبرأي " برغسون" أن الناس الذين تعودوا أن يتصوروا بأنه ما كان لحادث أن يحدث لولا أنه كان يمكن أن يقع وأن يحدث- وقبل أن يصبح واقعاً، لابد أنه كان ممكناً، سيرفضون كلامه رفضاً قاطعاً وعدم إمكانية التنبؤ. وعنده أن مصدر خطأ الآخرين، أنهم لايقفون عند حد معين وثابت للممكن. فهم ينتقلون من حد أن الممكن هو غير مستحيل التحقيق .. إلى حد إيجابي: وهو أن الممكن يمكن أن يدرك من قبل عقل مؤهل إلى درجة كافية. وأن كل ما حدث وماسيحدث قد وجد من قبل، وبذلك يكون قد سبق وجوده وتحققه العياني في صورة فكرة... ومثل هذا الكلام غير ذي موضوع عند " برغسون"، خاصة حين يتعلق الأمر بالآثار الفنية، فالسمفونية لم تكن ممكنة قبل تأليفها، لافي ذهن صاحبها ولا في أي ذهن آخر... ويسحب رأيه هذا ليطبقه على الكون الذي يشمل حالات من الجدة لايمكن التنبؤ بها.‏

ويرجع " برغسون" الاعتقاد السائد بأن الأمور إذا لم تتصور قبل حدوثها، فقد كان من الممكن تصورها، وهي بذلك قائمة- منذ الأزل- على حالة الإمكان، في عقل ما، " واقعي أو مفترض"... يرجع ذلك إلى طبيعة عمل العقل.. وإلى اعتقادنا الراسخ بأن الحقيقة أبدية، أي أن الحكم الصادق الآن، لابد أنه كان صادقاً في كل وقت وهكذا نفرض على كل حكم صادق، مفعولاً رجعياً، وكأن الحكم يمكن أن يسبق وجوده وجود الحدود التي يتألف منها.‏

أما" برغسون" فيرفض ذلك، معلناً : أن الشيء وفكرة الشيء، واقع الشيء وإمكانه، يوجدان دفعة واحدة، معاً، حين يكون الأمر أمر شكل جديد حقاً، من خلق الفن، أو من خلق الطبيعة على حد سواء.‏

ويعتقد أن القول بأسبقية الإمكان للواقع، يفسد تصورنا للماضي، ويوقعنا في طمع استباق المستقبل في كل شيء، فنتساءل عن الفن... والأدب... والحضارة.. كيف تكون في الغد.. "43"‏

ويرفض " برغسون" الفلسفات التي تقوم على أساس وحدة الوجود، وادعائها القدرة على تفسير جميع الأشياء بواسطة الاستدلال. لأنها تكون قد قدمت لنفسها سلفاً جماع الواقع وجماع الممكن ، في مبدأ هو: تصور التصورات. ولكن التفسير الذي ستقدمه سيكون تفسيراً غامضاً... وافتراضياً... لأن هذه الوحدة " وحدة الوجود" ستكون مصطنعة... وهذه الفلسفة" القائلة بوحدة الوجود" برأي " برغسون" يمكن أن تنطبق على عالم مختلف تماماً عن عالمنا، انطباقها على عالمنا سواء بسواء.‏

لذلك يدعو إلى استبدال تلك الفلسفات، بميتافيزيقا حدسية، تتبع تثنيات الواقع دون أن تطمح إلى امتلاك جماع الواقع.. بل ستفسر كل شيء من الأشياء تفسيراً ينطبق عليه وحده انطباقاً تاماً.‏

وتشغل فكرة الزمان، حيزاً كبيراً من فلسفة " برغسون" ومن اهتمامه. والزمان عنده - بأبسط العبارات-: ما يمنع أن يظهر كل شيء دفعة واحدة " إنه يؤخر، أو قولوا إنه تأخير، ولابد إذاً أن يكون تحضيراً". "44" فالزمان بناء على ذلك سبيل للخلق والاختيار.. ووجود الزمان دليل على أن ثمة شيء من اللاتعين في الأشياء. بل إن الزمان- عند برغسون- هو اللاتعين نفسه."45"‏

ومقابل " الاستدلال" في الفلسفات الأخرى، يطرح " برغسون" " الإدراك المباشر" والذي ندرك بواسطته فعاليتنا الخاصة.. والظروف التي تتم فيها . ويقول : سموا هذا الإدراك ما شئتم، إنه شعورنا بأننا خالقو نياتنا... قدراتنا.. وأفعالنا....وأننا خالقو عاداتنا... وطبعنا... وخالقو أنفسنا تبعاً لذلك...."46" وأننا نخلق " نصنع" حياتنا، ونخلقها خلق فنان إذا أردنا..."47" فنعمل على أن نعجن المادة التي يمدنا بها الماضي والحاضر... وتمدنا بها الوراثة.. والظروف.. فننشئ منها وجهاً أصيلاً.. لايمكن التنبؤ به.‏

وبناء على ما سبق، فإن " برغسون" يعتقد أن المشكلات الميتافيزيقية الكبرى ، إنما نشأت من سوء طرحها، وأن الكثير منها يتلاشى إن صحح طرحه. ويعود سوء الطرح بزعمه إلى التعبير عما هو خلق، بما هو صنع. فالواقع نمو كلي غير منقسم، ابتكار متدرج، ديمومة، تطور خالق. وإذا كان الجهل بالجدة الجذرية أصل المشكلات الميتافيزيقية التي يساء طرحها ، فإن عادة المضيّ من الفراغ إلى الامتلاء هو أصل المشكلات الزائفة التي لاوجود لها مثل: لماذا كان ثمة وجود؟.. لماذا يوجد شيء؟..... ويسخر" برغسون" من القول بوجود العلل.. وعلل العلل... وهكذا نسير بطريق يبدو أنه لانهاية لها، وإذا اتفق ووقفنا، فمن أجل تجنب الدوار، بينما المشكلة مازالت قائمة، ومطروحة بحدة. وبرأيه أننا ما كان لنا أن نطرح مثل هذه المشكلة الزائفة لولا أننا نتصور أن عدماً سبق الوجود، وأنه كان من الممكن ألاّ يوجد شيء. ويحلل العبارة الأخيرة، ليجد انها مجرد لغو، وكلام لامدلول له- في مجال الخلق على الأقل- "48"‏

ويلاحظ" برغسون" إن فكرة إمكان الأشياء، تتضمن أكثر مما يتضمنه واقعها لا أقل. ذلك أن الإمكان ليس إلا الواقع نفسه، مضافاً إليه فعل يقوم به الفكر، الذي يرمي صورة الواقع إلى الماضي متى تحقق... ويصبح الأمر ممكناً الآن بعد تحققه، ولا يكون ممكناً قبل تحققه.‏

والواقع يخلق نفسه باستمرار، جديداً.. أصيلاً.. غير متنبأ به... أو غير قابل لأن يتنبأ به. فكلما خلق من الواقع شيء، ظهرت صورته وراءه، في الماضي غير المحدد، فكأن هذا الشيء كان ممكنا في الماضي منذ الأزل. بينما الحقيقة أنه أصبح ممكنا في الماضي لحظة تحققه الآن في الحاضر. والممكن يمضي في كل لحظة ليحل في الماضي من تلقاء نفسه.. فإمكان الشيء الذي سبق واقعه لاوجود له، لأن الممكن سراب الحاضر في الماضي.. ونحن نقع في الوهم حين نظن أن حاضرنا الراهن- الذي سيكون في الغد ماضينا- يتضمن صورة ذلك الغد منذ الآن، رغم أننا نعجز عن إدراك تلك الصورة.‏

ومع ذلك فإن " برغسون" يقبل القول بالإمكان الذي يسبق الوجود، شرط أن يفهم من هذا الإمكان مجرد كون هذا الشيء غير مستحيل الحدوث. فمسرحية " هاملت " كانت ممكنة الحدوث قبل أن تتحقق، إذا كنا نعني أنه ما من عقبة لايمكن تذليلها كانت تحول دون تحقيقها. ولكنه يستدرك: إننا لانقصد- عادة- مجرد عدم الاستحالة حين نتحدث عن الإمكان، بل نتحدث عن وجود نظري سابق للوجود الواقعي." 49" ويأخذ الأثر الفني مثالاً يبرهن من خلاله على تعذر سبق الممكن للواقع ، لأن الأثر الفني أوضح من غيره في هذا المجال.. وهو يعتقد أن أكثر الناس يدركون معنى قوله بأن الفنان يخلق الممكن والواقع معاً وفي آن واحد حين يبدع أثره. وهذا أمر بديهي. ويتساءل مستغرباً: من أين يأتي التردد عن القول نفسه بالنسبة للطبيعة؟! أو ليس العالم أثراً فنياً لايقاس بغناه غنى أي أثر فني يبدعه أعظم فنان؟! أما إذا زعم زاعم بأن المستقبل مرسوم هنا" الطبيعة" مقدماً، وأن الإمكان سابق هنا على الواقع، فإنه سيقع- عندئذ- في تناقض بيّن.‏

ويقبل التنبؤ في مجال المادة المحض... ولكن العالم ليس مادة صرفاً.. لذلك لايمكن حساب ما سيجري في المستقبل. وهو يتهم الفلسفات القائلة باللاحتمية وبالحرية، متهماً إياهاً بأنها لم تدرك ما كان يعنيه قولها، حين كانت تقصد بالحرية اختياراً بين الممكنات- وكأن الإمكان ليس من خلق الحرية نفسها- وبذلك تذهب إلى القول بأسبقية الممكن على الواقع.. وترد الجديد إلى القديم نفسه، وقد ترتبت عناصره ترتيباً جديداً... وتضطر- إن عاجلاً أو آجلاً- إلى اعتبار الجديد قابلاً لأن يحسب، ولأن يتنبأ به.. وبذلك تسلم بنظرية الخصم لذلك فهو يدعوها إلى القول معه بأن الواقع هو الذي يجعل نفسه ممكناً.. وليس الممكن هو الذي سيصبح واقعاً.‏

والفلسفة- برأيه- لم تسلم بهذا الخلق المستمر، لجدة لايمكن التنبؤ بها، لأن الفلاسفة الأقدمين ينفرون من ذلك، لأنهم- وهم الأفلاطونيون إلى هذا الحد أو ذاك- يعتقدون بأن الوجود قد وجد دفعة واحدة.. كاملاً.. تاماً.. في ذلك العالم الثابت " عالم المثل". وكل تغيّر بعد ذلك فهو نقصٌ وانحدارٌ وخسرٌ. والزمان يفسد، ويبعد عن عالم المثل. فالفرق بينهما هو موجود ظلاً في الزمان، وبين ما كان يجب أن يكون مثالاً في الأبدية، هو فرق نقص.."50"‏

ويصر" برغسون" على الاكتفاء بعالم الواقع، لأننا سندرك- حينئذ- وجود الزمان إدراكاً مباشراً... وحسبنا هذا... وإلى أن يبرهن على عدم وجود الزمان، أو على أنه مفسد، فسنكتفي بأن نلاحظ أن هناك انبثاقاً فعلياً لجدة لايتنبأ بها .."51" وهذا ما سيؤدي إلى فوائد متعددة، منها أن الإنسان سيجد شيئاً من المطلق، في عالم الحوادث المتحرك بطبيعته، وأنه سيشعر بمزيد من الفرح ومزيد من القوة، أما المزيد من الفرح، فلأن الواقع الذي يخلق أمام أبصارنا، سيهب لكل منا بعض المتعة التي يهبها الفن، لمن خصّوا بحظ عظيم... وأما المزيد من القوة، فلأننا ننهض سادةً، شركاء سيّدٍ أعظم."52"‏

وينتقد " برغسون" النزعة الآلية، التي تزعم بأن كل شيء معطى في اللحظة الحاضرة- الماضي والمستقبل كائنان في الحاضر- وحجته في ذلك أنه لو كان بإمكاننا أن نعرف مقدماً، أو أن نحسب سلفاً، كل ما يقع في الطبيعة من أحداث، لكان في ذلك قضاء تام على الزمان، ولكان دعاة الآلية لايرون في الديمومة إلا مجرد مظهر لقصور العقل البشري، الذي لايستطيع أن يحيط علماً بجميع الأشياء في وقت واحد.. بينما الواقع - كما يرى برغسون " أن الديمومة هي تيار لا سبيل إلى مواجهته مطلقاً (53) ولم يكتف برغسون برفض الآلية.. إنما رفض الغائية " الغائية التقليدية" كذلك. فالغائية المطلقة عند"ليبنتز" كما لاحظ " برغسون" قد نسبت للطبيعة مقاصد شبيهة بمقاصد البشر، وافترضت أن جميع الأشياء والموجودات إنما حدثت لتحقق برنامجاً موضوعاً سلفاً. الأمر الذي يعتبره متعارضاً مع مافي الطبيعة من خلق وإبداع وجدة مستمرة. وبذلك يعود الزمان ليصبح ظاهرة تافهة، لاقيمة لها، مادام كل شيء معروفاً سلفاً، ومادام الوجود كتلة حاضرة بأكملها. وبذلك تعود الغائية آلية مقلوبة، فهي تضع النور- الذي تفترض أنه يهدينا- أمامنا لاخلفنا كما كانت تفعل الآلية.‏

وقد حاول برغسون" أن يتجاوز الآلية والغائية معاً ، لأن كلاً منهما قد جانبت الصواب في فهمها لطبيعة التطور، وتصورتا التنظيم العضوي على نمط الصناعة البشرية، وبذلك جعلتا هدف الطبيعة معروفاً سلفاً، وافترضتا أن المستقبل ماثل منذ الآن في الحاضر.‏

و"برغسون" في رفضه للغائية، إنما رفض الفهم التقليدي لها. إذ إنه قد قال بنوع من الغائية الخارجية- إن صح التعبير- أي بنوع من الدفع الإبداعي ، في مقابل الدفع الآلي المحض، الذي كانت تقول به الغائية التقليدية. فقد رفض أن يكون للحياة غرض محدد سلفاً، لأنه من العبث أن يقول المرء بوجود هدف مسبق للحياة" بالمعنى الإنساني لهذه الكلمة". لأن الادعاء بوجود مثل هذا الهدف، إنما يعني وجود نموذج سابق، لايعوزه سوى التحقيق - بالفعل. وهذا القول يقتضي أن يكون كل شيء موجوداً دفعة واحدة، بحيث يمكن أن يقرأ المستقبل في الحاضر. ومثل هذا الكلام يفترض أن الحياة في حركتها، وتكاملها، إنما تتصرف على منوال عقلنا سواء بسواء. بينما العقل البشري لايخرج عن كونه نظرة جزئية ساكنة إلى الطبيعة، ولا يستطيع إلا أن يضع نفسه- بطبيعة الحال- خارج الزمان. أما الحياة فلن تكف عن الديمومة، والتقدم، والاستمرار، والتطور الخالق.‏

ومع ذلك فإن" برغسون" يبحث في الماضي لا..في المستقبل عن علة ما هو كائن. وهو إنما يرفض العلية الآلية، لأنها تقول بأن التطور قد تقرر عن طريق الصدفة الميكانيكية، بينما يرى هو أن الدفع الذي صدرت عنه الموجودات أقرب إلى الفعل الإرادي منه إلى الدفع الميكانيكي.. والتطور تحقق عن طريق جهد إبداعي، يعبر عن وحدة في الاتجاه، ويشبه - إلى حد ما- حركة الوعي والشعور. وليست " الاندفاعة الحيوية... الانبثاق الحيوي" شيئاً آخر سوى تلك القوة المشتركة التي تشيع في سائر الأشياء، فتجعل من تطور الأنواع المختلفة متشابهاً- من بعض الوجوه_. لعلنا بدأنا نفهم رفض " برغسون" للقبول بإمكانية التنبؤ بتطور الطبيعة، ومناداته باسبقية الواقع الممكن. ذلك لأنه يرى أن التطور لايسير بشكل مستقيم، مطرد، منتظم. التطور عنده خلق دائب لأشكال جديدة، وصورٍ متباينةٍ من الأنواع والأفراد، دون أن يكون لهذا الخلق خط سير وحيد الاتجاه، يسير عليه دائماً، رغم أنه وليد انبثاقه "وثبة" حيوية واحدة بذاتها فثمة أنواع تتوقف عن التطور وأخرى تنتكس إلى الوراء. مما يدل على أن هذا التطور لايخلو- في كثير من الحالات من مظاهر ركود أو جمود أو انحراف. الأمر الذي يحول ولا ريب دون إمكانية التنبؤ التي تفترض الاطراد والانتظام."54".‏

مناقشة آراء برغسون في الممكن‏

تهتم فلسفة " برغسون" بالزمان كثيراً- وليس الزمان المحض، باعتباره بعداً رابعاً للمكان. وهذا الزمان الواقعي" الحي"، زماننا، هو الذي يفسر الديمومة والجدة المبدعة والتطور الخالق. وبذلك لم يعد الزمان ظاهرة لاشأن لها، كما كان الأمر عند الفلسفتين الآلية والغائية على حد سواء، طالما أن كل شيء- عندهما- معروف سلفاً، وما دام الوجود كما تصورتاه كتلة واحدة، حاضرة بأكملها، مع فارق بينهما- سبق وأشرنا إليه-‏

وقد ادّعى " برغسون" تأسيساً على ذلك، بأن الواقع هو الذي يسبق الممكن ، لأن القول بأسبقية الممكن سيقودنا إلى القول" مع الآلية والغائية التقليدية" بأن الوجود كتلة واحدة، حاضرة الآن - كما كانت حاضرة دائماً- وأنه يمكن لذهن مؤهل تأهيلاً خاصاً أن يلم بحقيقة هذا الوجود " الكتلة"، ويمكنه بالتالي أن يعرف، وأن يقرأ مجريات المستقبل.. وهذا ما يتناقض مع التطور الخالق.‏

لكن الذي لم يلاحظه" برغسون" أن الممكن غير مرتبط بزمان ما، وأن الذي يرتبط بالزمان إنما هو الواقع. فللواقع وحده: ماض وحاضر ومستقبل. أما الممكن فموجود لابزمان" ذلك أن وجود السواد زائد على كونه سواداً، لأنه يجوز خلو تلك الماهية من صفة الوجود، وأن المعدومات الممكنة، قبل دخولها في الوجود، ذوات، وأعيان، وحقائق. وأن تأثير الفاعل ليس في جعلها ذوات، بل في جعل تلك الذوات موجودة"..."55" " ووجود الممكن في الأعيان أو الأذهان، معنى مضاف إلى حقيقته"."56"‏

فالممكن موجود، ووجوده ليس مرتبطاً بزمان ما. وحين يتحقق ، يخرج من دائرة الممكن ليدخل دائرة الحادث... إضافة إلى ملاحظة هامة هي: إن من شأن الممكن أن يوجد وألاّ يوجد. فهو كما سبق وذكرنا ليس له من ذاته أرجحية للوجود أو للاوجود. إنه مقتضىً عقلي، يقبل العقل عدم وجوبه وعدم استحالته. وعلى هذا فإن ما يجري في الواقع ، ليس سوى تحقيق لواحد فقط من ممكنات كثيرة. وإذا كان ما يجري في دنيا أعمال الإنسان وصنعه، قد لايكون تحقيقاً لأفضل الممكنات - لأفضل ممكن- ، وهذا أحد أهم أسباب قلق الإنسان وشقائه- إذا سمحنا لأنفسنا هنا باستخدام لغة الوجوديين-، لأن الإنسان سيواجه بمسؤولية أعماله.. إلا أن ما يجري في الكون" الطبيعة"، لايمكن أن يكون إلا تحقيقاً لأفضل الممكنات، سواء أكنا نقول بالآلية الصارمة، أو بالغائية الحكيمة، أو بالوثبة " الانبثاقة" الحيوية الخلاقة المبدعة. شرط أن ننظر إلى هذا الكون نظرة كلية، ولا نكتفي بالنظر إليه من زوايا محددة وضيّقة.‏

ولكن" برغسون" يرفض فكرة تعدد الممكنات والتي سيتحقق واحد منها، على اعتبار أن الممكن بالنسبة إليه ليس سوى انعكاس للحاضر على الماضي. بما إن الحاضر - الواقع- واحد، فلا بد أن يكون الممكن- بالتالي- واحداً.‏

وإذا كنا نوافق" برغسون" على رأيه هذا، حين يتعلق الأمر بما يجري في الطبيعة " الكون"، تأسيساً على ماسبق وذكرناه من أن ما يجري في الكون هو تحقيق لأفضل الممكنات، وأفضل الممكنات لابد أن يكون ممكناً وحيداً بين ممكنات كثيرة أخس منه... ولكننا نقول بما لم يقله" برغسون"، وبما تأفف منه دائماً، حول وجود عالم حكيم، وازن بين الممكنات واختار من ثمة أفضلها. ولا بد أنه حين اختار الممكن الأفضل " الوحيد" كان يعلم ما يترتب على اختياره من نتائج، مهما بعدت، ويقدرها تقدير العزيز العليم. وهذا القول لايحول دون القول بالتطور- كما قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى- بسبب تعودنا على الاعتقاد بوجود علاقة أساسية بين التطور والزمان الذي يحدث فيه هذا التطور. وننسى أن هذا الزمان، زماننا نحن، الذي يعد حركات عالمنا...‏

أما بالنسبة لذلك " العالم الحكيم"، فالزمان غير موجود بالنسبة إليه " أقصد زماننا بالطبع"، ذلك لأنه خارج الزمان، وعلى هذا فهو يعلم ما يجري، وماسوف يجري ، على اساس علمه بالأسباب الأولى، ومايترتب عليها من نتائج، هي بدورها أسباب لنتائج أخرى... وهكذا.. وإلا لما كان هناك من معنى لاختياره. مع ملاحظة أن هذا لايشكل برنامجاً لما سوف يجري، وإنما علماً بما سوف يجري... وفرق كبير بين الاعتبارين، وتعد المسؤولية" الأمانة" أهم ما يترتب على هذا الفرق. وعلم هذا " العالم الحكيم" بما سيجري ضروري من أجل القول بأن ما يجري في هذا العالم هو أفضل ما يمكن. وعقله- إن صح التعبير- هو ذلك الذهن المؤهل تأهيلاً خاصاً، القادر على التنبؤ، والذي تحدث عنه" برغسون" مستهجناً؟؟!.‏

أما إذا تجاوزنا الطبيعة، وما يجري فيها، إلى أفعال الإنسان وإنجازاته " صنعه"، فإننا سنجد صعوبة كبيرة في رفض وجود ممكنات كثيرة، تعرض نفسها على الفرد، قبل القيام بأي عمل من أعماله. ليقوم بعد ذلك باختيار واحد منها، مخرجاً إياه من عالم الإمكان إلى عالم الحدوث.. لأن رفض ذلك.. يسلب الإنسان الحرية- بابسط وأدنى معانيها- أعني حرية الاختيار، أي القدرة على فعل أحد المتقابلين على السواء" كما عرفها ابن رشد". وإذا سلبنا من الإنسان حريته، فقد أعفيناه من كل مسؤولية.‏

وعلى هذا فإن قول" برغسون" بأن الممكن يلحق الواقع ولا يسبقه، صعب القبول في دنيا الإنسان.. وأخشى أن يكون قد قال به تمشياً مع منطق مذهبه، مضحياً في سبيل ذلك بشهادة وجدانه وشعوره. ويكون قد وقع بما عابه هو نفسه على الفلاسفة، حين يضطرون تحت ضغط منطق مذهبهم للتضحية بشهادة وجدانهم معتبرين تلك الشهادة وهماً لايعتد به. مع ان شعورنا بوجود الامكانات عند كل منعطف يقابلنا على درب الحياة الطويل شعور حقيقي، له ما يبرره. فأنا أكتب موضوعاً عن الممكن.. و" برغسون" سيقول لي بعد أن أنتهي من إعداد الموضوع بأن كتابتك للموضوع كانت ممكنة، بمعنى انه لم يكن ثمة عقبة تحول دون كتابته لايمكن تذليلها.‏

إن كلام " برغسون" صحيح، ولكنه لايقول الحقيقة كلها.. فهو لايقول كيف أن ذلك يمثل إمكانية واحدة من عدة إمكانات- لم تتحقق بطبيعة الحال- كانت تعرض نفسها علي، قبل أن أنحاز إلى هذه الإمكانية بالذات دون غيرها. فهو لايشير إلى بقية الامكانات- التي ظلت كذلك- إلا على أنها أوهام مضللة.. لأنه لايفهم الممكن إلا على اعتباره ظلاً للحاضر على الماضي. لذلك فهو لا يهتم إلا بالممكن المتحقق " هذا إن اعتبرناه ممكنا" .. مع أن الممكن _ بحسب حده _ قد يتحقق وقد لا يتحقق ، وإلا انقلب واجبا .. ذلك أن الممكنات لا يمكن أن تتحقق معا .. " وإن إدخال هذا الممكن في مخطط كوني ، من شأنه أن يزيح ممكنا آخر عن هذا المخطط " وأجد من الصعوبة بمكان، أن أجاري " برغسون " ، وأعتبر أن ما أقوم به هو الممكن الوحيد، وأنه لم يكن بإمكاني أن أفعل أي شيء آخر سوى كتابة هذا الموضوع، وأن شعوري بأن ثمة ممكنات أخرى كانت تعرض نفسها علي، ليست إلا وهما يساورني الآن بعد أن أنجزت الموضوع .. ذلك أن _ شهادة وجداني وإدراكي المباشر لهذا الوجدان _ يكذبان ادعاء "برغسون " .. فنحن .. في مجال العمل الإنساني، لا نستطيع أن نقبل بأن يكون الواقع هو الذي ينعكس على الماضي بصورة ممكن، وما يترتب على ذلك من إنكار للإمكانات التي لم تتحقق.. وما اعتبار الممكن لاحقا للواقع إلا وضع للحصان وراء العربة . فالواقع والممكن متزامنان حين يتعلق الأمر بالخلق والإبداع، لأن هذا من طبيعة حد الخلق والإبداع _ سواء أكان المقصود بذلك خلق العالم وإبداعه، حيث أن الخالق يخلق بالإرادة، وهو لا يفكر بشيء إلا وهذا الشيء يتكون ويخلق بالتفكير نفسه " بعبارات كانت " أو كان المقصود إبداع الإنسان وخلقه _ في مجال الفنون والآداب خاصة _ شرط أن تبقى في مجال الإبداع، أما في مجال الصنع فإنه يخضع لشروط وتقنيات ومقدمات، لا بد من توفرها وفهمها والإلمام بها.‏

وإذا كان التنبؤ_ بما هو في الأساس خلق وإبداع _ متعذرا ومستحيلا، فإن التنبؤ في مجال الصنع.. وفي المجالات التي هي إعادة ترتيب للمعطيات، ليس ممكنا فقط، بل إنه واجب .. وعلى الإنسان " وكل المخلوقات " ، إذا أرادت الاستمرار في الوجود _ كحد أدنى _ أن تحاول التنبؤ بما سيكون عليه الغد، وبما سيكون عليه حالها في ذلك الغد، لتعد نفسها لاستقباله، والتكيف معه.‏

وإذا كان "برغسون" يقبل بإمكانية تكوين صورة كلية مجملة غامضة لأحداث المستقبل، إلا أننا على حد قوله لن نستطيع أن نتنبأ بالتفاصيل، وهي ضرورية . وربما يعود هذا إلى توهم "برغسون" بأن الممكن إن هو إلا صورة فوتوغرافية ، أعدت منذ الان للمستقبل. مع أن " عالم الوجود الحسي ليس نسخة موضوعية عن عالم الماهية " .. وإن كانت محاولات الوصول إلى مثل هذه الدرجة من القدرة على التنبؤ، حلما ما زال يداعب مخيلة البشرية منذ القديم .. وهذا هو أحد مسوغات وجود الأساطير .. كما أنه أحد مسوغات الحظوة التي نالها المنجمون "ولا يزالون" ... أما الحلم فشيء والواقع شيء آخر .‏

ومع ذلك فقد استطاع الإنسان ، عبر الاستقراء، وتراكم الخبرة والمعرفة، أن يصل إلى مثل تلك الدرجة من التنبؤ.. في مجال المادة المحض، كما في بعض الجوانب الأخرى‏

ولكن الممكن ليس صورة فوتوغرافية للمستقبل _ في كل حال _ وإنما هو احتمال .. والعاقل _ على حد قول شيشرون_ يقبل كثيرا من الاحتمالات .. لأنها تبدو له مقبولة . مع ملاحظة هامة هنا هي أننا بقدر ما نكون مؤهلين ، وبقدر ما تكون معرفتنا أكمل ،بقدر ما تزداد قدرتنا على التنبؤ بصورة أفضل، وأقرب إلى الواقع ، فالمستقبل إنما يتحقق كما يتنبأ به العالم الذي يدرك مقدماته ، لا كما يتوقعه الجاهل .... والمنجم _ يمكننا أن نستبدله بالعالم _ لما تفحص عن بعض أسباب الوجود، ولم يطلع عليها جميعها ، لا جرم حكم بوجود الشيء ظنا، لأنه يجوز أن ما اطلع عليه ، ربما يعارضه مانع ، فلا يكون ما ذكره كل السبب، بل ذلك مع انتفاء المعارضات. فإن اطلع على أكثر الآسباب قوي ظنه، وإن اطلع على الكل حصل له العلم ... وهذا هو وجه العلم بالممكنات .‏

فهناك أمور يمكن التنبؤ بها بدقة شبه تامة، وتزداد هذه الأمور يوما بعد يوم، نتيجة ازدياد الأدوات التي بين يدي الإنسان من خبرة ومعرفة وتقنية، حصلها بالاستقراء والتجربة وبتراكم المعرفة. أفلا يمكننا _ مثلا _ بأن نتنبأ بموعد شروق الشمس في يوم معين؟ أو التنبؤ بوقوع خسوف أو كسوف في زمان قادم؟ وأن نتنبأ إلى درجة لا متناهية الدقة بمقدار تمدد معدن معين عرفنا المعطيات اللازمة "تحكمنا بشروط التجربة "‏

مع ملاحظة أن التقدم التقني، لا سيما في مجال الفيزياء الدقيقة ، قد أسقط مبدأ الحتمية " التقليدي " ، ليحل محله مبدأ الترجيح والاحتمال .. وهذا لا يعيب أية نظرية علمية تبني حقائقها على الترجيح والاحتمال .. إذ يكفي أن تأتي الامور متفقة مع سياق النظرية ، وغير مناقضة لها .. وبذلك يكون هذا الوجود الممكن ، الذي نتوقعه "نتنبأ به " ليس واجب الوجود من جهة كامل تفاصيله ، بل له الحق في الوجود.."‏

الممكن .. والفكر‏

إذا كنا قد قلنا مع كانت بأن من طبيعة الفهم الانساني ، ولمصلحته، أن يقيم تمييزا حادا بين واقع الأشياء وإمكانها، وأن فكرة الإمكان لا توجد إلا في عالم الإنسان، فهي غير موجودة في العالم الأدنى، حيث الغرائز والحواس وردود الأفعال ، ولا في المستوى الأعلى ، حيث الفعل المحض، والخلق المستمر ... فالممكن مرافق للإنسان، هذا المخلوق الذي يرسف في حواسه وغرائزه في جانب ويشرئب عبر عقله وخياله " والخيال بعض وظائف العقل" إلى حيث المطلق.. في جانب آخر .‏

ولكن التجريبيين والوضعيين، كثيرا ما تبرموا من فكرة الممكن هذه، تبرمهم من كل ما لا تقدمه التجربة، حيث أعلى واجبات المعرفة عندهم أن تعطينا الحقائق ، ولا شيء غير الحقائق. والنظرية التي لا تؤسس على الحقائق " التي تثبتها التجربة "إنما هي قلعة قائمة في الفضاء .. وهم يعنون الحقائق العلمية؟! ولكن هل الحقيقة هي مجرد جمع معلومات حسية كما لا بد أن تفهم من مذهب التجريبيين والوضعيين؟ ..كلا.. وإن حقائق العلم الطبيعي لتشمل دائما عنصرا نظريا ... بل إن كثيرا من الحقائق العلمية الهامة ، والتي غيرت مجرى التاريخ ، إنما كانت حقائق افتراضية، قبل أن تصبح حقائق واقعية " ملحوظة " .. بل إن الفرضية _ وهي عنصر مهم في منطق العلوم ومناهجها _ هي احتمال ممكن ، وتفسير مؤقت ، يقدمه العالم، ويضعه على محك التجربة. فالتجربة _ إن هي إلا قبول او رفض إمكانية معينة من التفسير...‏

بل إننا لنستطيع أن نذهب إلى ابعد من ذلك فنقول: إن الجسم الذي يتحرك دون أن يتأثر باية قوة خارجية، والذي افترضه " جاليلو " ، لم .. ولن يشاهد أبدا . ومثل هذا الجسم لم يكن واقعيا.. وإنما كان ممكنا .. بل إنه إمكان عقلي مجرد وسيبقى كذلك ، لأنه لا يمكن أن يتحقق في الواقع.‏

وهكذا ... فوجود الممكن .. ضروري لتقدم العلم والمعرفة الانسانية، وإذا عدنا إلى ملاحظة كانت ، نجد أنها تعبر عن حقيقة العقل العلمي تماما ، كما انها تعبر عن المميز العام للفكر النظري وما امتاز به كبار الفلاسفة ، والمفكرون والأخلاقيون العظام، والقادة، والثوار، والأنبياء، والمصلحون أنهم لم يكونوا يفكرون من خلال الواقع فحسب ، وذلك أن افكارهم ما كانت لتتقدم خطوة واحدة ، لولا أنهم وسعوا حدود الواقع ، واستعلوا عليه ، واستشرفوا بشفافية عبقرية معالم الممكن . وكانوا يتمتعون إلى جانب ملكات عقلية وأخلاقية فذة ، بخيال واسع ، وبصيرة نفاذة، ذات طاقة تخييلية باهرة، كانت تتخلل كل مقرراتهم ، وتمنحها الحياة ، وكل النظريات الأخلاقية التي صنعت بعد " الجمهورية" قد تخيلها واضعوها بنفس ذلك النحو من التفكير الأفلاطوني. فهم لم يتعاملوا مع العالم (الواقع) بماهو واقع، بل تعاملوا معه كما يجب أن يكون، أو بالأحرى كما يمكن أن يكون... أليس هذا مافعله (الفارابي) في «آراء أهل المدينة الفاضلة»؟. وربما كان لكلمة الفاضلة هنا هذه الدلالة التي تحدثنا عنها؟ أولم يكن هذا مافعله (توماس مور) في (اليوتوبيا).. فاليوتوبيا ليست صورة للعالم الواقعي، أو صورة للنظام السياسي والاجتماعي الواقعيين، إنما هي... أو إنما توجد (التيوتوبيا) في لازمان ولامكان... وإن كانت تقترح نفسها لزمان ومكان معينين.‏

وفكرة التعالي عن العالم المعطى، وعن الواقع.. واستشراف آفاق الممكن بالتالي- قد نجحت في الاختبار، وأثبتت قوتها.. وأهميتها في تطور العالم دائماً، قديماً وحديثاً. وفي التاريخ الحديث نجد أن (ماركس) وزميله (أنجلز) في البيان الشيوعي... و(ماركس) في (رأس المال)، وسواه من الأعمال، إنما بشر بمجتمع لم يكن واقعاً، بل على العكس تماماً.. كان نقيضاً للمجتمع الذي عاش (ماركس) وسطه.‏

بل إن من صميم الفكر الأخلاقي، ومن طابعه، أنه لايتنازل أبداً ليقبل بالمعطى. فالعالم الأخلاقي ليس عالماً معطى، جاهزاً، وإنما هو في التكوّن، وقيد الانجاز دائماً.. يقول (جوته): "العيش في العالم المثالي، معناه أن تعامل المستحيل وكأنه ممكن".‏

والحق أن الأنبياء، والرواد، وكبار المصلحين، والقادة التاريخيين... قد تعاملوا مع المستحيل، كأنه ممكن. وكلمة المستحيل يجب أن تفهم بمعنى المستحيل وجوده الآن، وليس المستحيل لذاته، وإلا كان التعامل معه نوعاً من العبث أو الجنون. وعظمة هؤلاء (الأنبياء والرواد و....) أنهم فسحوا مجالاً للممكن، في مقاومته التسليم السلبي للراهن. لأن هذا الفكر المتوثب لتجاوز الواقع، هو الذي يتغلب على القصور الذاتي (الطبيعي) لدى الإنسان، ويمنحه قدرة جديدة، وطاقة حيوية تساعده على أن يعيد تشكيل العالم الإنساني من جديد، وعلى الدوام.‏

فالممكن في مجال الأخلاق.. على الأقل، وفي مجال الاجتماع والسياسة، ليس صورة فوتوغرافية لما يمكن أن يحدث في المستقبل، وبكل التفاصيل الجزئية، إنما هو تطلع إلى تشكيل هذا المستقبل، وفق منهاج ممكن، ورؤية تحمل مبررات ومسوغات التحقق. بحيث يكون هذا المنهاج، وهذه الرؤية هادياً على طريق التطور.. ومن حق الإنسان- بل من واجبه- أن يتجاوز الواقع المعطى له، إذا أراد أن يغير هذا الواقع بما يتناسب مع رؤيته ورؤياه.‏

وهكذا بدا واضحاً أن البحث في مفهوم الممكن لم يكن (فانتازيا) نظرية، وإنما الهدف منه تقديم المهاد الفكري، والتسويغ المعرفي، لوضع مشروع عربي، للخروج من المأزق القائم، الذي تتردى فيه أوضاع الوطن العربي، ولتقديم الحلول الممكنة، للاشكالات المتشابكة التي تواجه الأمة العربية، وأهمها مواجهة المشروع الصهيوني (المدعوم أمريكياً) لإعادة ترتيب المنطقة، عبر ماسمي (الشرق أوسطية).‏

وإذا كنت أفضت في عرض آراء (برغسون) في الممكن، ومناقشتها، فلأني أظن أنها خطيرة ذلك أنه برفضه لأسبقية الممكن للواقع، وسخريته من محاولة قراءة المستقبل في ضوء المعطيات المتاحة، فإنه يترك الأمور لمطلق الارتجال والتخريب.... مع مافي ذلك من إهدار للطاقات الإنسانية، التي أثبتت قدرتها على استشراف المستقبل، والاستعداد للتكيف معه، باقتراح الممكنات المناسبة. وعند وضع المشروع العربي العتيد، لابد من استقراء الواقع العربي، وتشخيص الأسباب التي أنتجت المأزق الذي يحول دون العمل العربي المشترك، ويحرم العرب -بالتالي- من أهم ورقة يمتلكونها. لذلك لابد من العمل على استعادة المبادرة، وتحقيق الحد الأدنى من التضامن العربي، بعد أن أصبحت المناداة بالوحدة العربية -وياللمفارقة المحزنة- نوعاً من الرومانسية القومية....‏

ومهمة وضع هذا المشروع (الممكن) من أهم التحديات التي يواجهها الفكر العربي الحديث والمعاصر.‏

وما قلناه عن الممكن العقلي، والعملي، والأخلاقي... يقال عن الممكن بصورة عامة، وما دام الإنسان- إنساناً- فسيبقى الممكن جزءاً من طبيعة فهمه وإدراكه.‏

الهوامش :‏

1- كاسيرر، أرنست. مقال في الإنسان. ص 144/ 115.‏

2- غولدشتين، كورت. الطبيعة الإنسانية في ضوء علم الأمراض النفسية. ص 210، وكذلك ص 490‏

3- للمزيد انظر: أرسطو طاليس للدكتور ماجد فخري / الموسوعة الفلسفية المختصرة/ ما بعد الطبيعة لأرسطو شرح ابن رشد/ المشكلات الميتافيزيقية الكبرى لفرانسوا غريغوار/ الطبيعة ومابعد الطبيعة/ والعقل والوجود ليوسف كرم.‏

4- كرم، يوسف، العقل والوجود."دار المعارف بمصر، القاهرة، 1964 "، ط1‏

مورداً رأي ابن رشد في الرد على المتكلمين، ص 110.‏

5- غريغوار، فرانسوا. المشكلات الميتافيزيقية الكبرى. ترجمة نهاد رضا،،" دار مكتبة الحياة، بيروت، دون تاريخ"، ص66.‏

6- المصدر السابق، ص 71.‏

7- " " ، ص 395، نقلاً عن كتاب رافيسون" ميتافيزيقا أرسطوطاليس".‏

8- ابن رشد، تلخيص ما بعد الطبيعة، ص 41،‏

9- انظر: يوسف كرم، العقل والوجود، مصدر سابق، لاسيما ص 158.‏

10- انظر : المصدر السابق.‏

11- المصدر السابق، ص 158.‏

12- " " ، " " .‏

13- انظر : برغسون، هنري. الفكر والواقع المتحرك، ترجمة د. سامي الدروبي،‏

14- ابن سينا، الشفاء"الإلهيات"-ص 73.‏

15- المصدر السابق، ص 79.‏

16- المصدر السابق، ص77.‏

17- " " ، ص 87/88.‏

18- " " ، ص 89.‏

19- انظر: المصدر السابق لاسيما ص 412-414.‏

20- كرم، يوسف، مصدر سابق، ص 154‏

21- مدكور، د. ابراهيم. مقدمة كتاب الشفاء " الإلهيات لابن سينا، ص 14.‏

22- انظر: ابن رشد، تهافت التهافت، لاسيما ص 246- 247.‏

23- المصدر السابق، ص 192-194.‏

24- هويدي، د. يحيي. باركلي" سلسلة نوابغ الفكر الغربي"، " دار المعارف بمصر، القاهرة، دون تاريخ"، ط1، ص 78.‏

25- المصدر السابق، ص78.‏

26-كرم يوسف، مصدر سابق، ص 292-293.‏

28- المصدر السابق،ص ص 265- 266.‏

29- المصدر السابق، ص 380.‏

30- كرم، يوسف، مصدر سابق، ص 121-122.‏

31- ابن رشد، تهافت التهافت، نقلاً عن الغزالي. ص 188.‏

32- عبده، محمد. رسالة التوحيد، ص 24.‏

33- كرم، يوسف، مصدر سابق، ص 123.‏

34- المصدر السابق، ص 124.‏

35/36- المنوفي، محمود أبو الفيض. الوجود، ص 18-19.‏

37/38- عبده، محمد. مصدر سابق، ص 25- 26- 27.‏

39- الغزالي، أبو حامد. مقاصد الفلاسفة. ص 61‏

40- الغزالي، أبو حامد. معيار العلم- ص 343-345.‏

41- نصري نادر، البير. الفلسفة العامة، ص 102.‏

42- برغسون، هنري، مصدر سابق، ص 14.‏

43- المصدر السابق، ص 16.‏

44/45 " " ، ص 102.‏

46/47 " " ، ص103.‏

48- " "، ص 107.‏

49- " " ، ص 113.‏

50- انظر : المصدر السابق، فصل الممكن والواقع خاصة.‏

51- المصدر السابق، ص 117.‏

52- " "، ص 17.‏

53- انظر: برغسون، هنري. التطور الخالق.‏

54- انظر: ابراهيم، د: زكريا. تراث الإنسانية، المجلد الثاني.‏

55- 56- كرم، يوسف. مصدر سابق. ص 169.‏

57- غريغوار، فرانسوا. مصدر سابق . ص 116‏

58- لفجوي، أرثر. سلسلة الوجود الكبرى.ص 483.‏

59- الطويل، توفيق، أسس الفلسفة، ص 240.‏

60- الغزالي، أبو حامد، مقاصد الفلاسفة، ص 433‏

61- مونو، جورج. المصادفة والضرورة، ترجمة حافظ الجمالي، " وزارة الثقافة، دمشق، 1975"، ط1، ص 59.‏

"وأخيراً"‏

لسنا - إذاً- بحاجة لمن يذكرنا بضرورة مغادرة الماضي لنعيش في الحاضر، ولنعمل على بناء المستقبل، فهذا بدهي، ولا عبرة لبعض الحركات المتشنجة، التي راعها ماحل بالأمة من كوارث ومصائب وهزائم، على يد" الغرب"، فانكفأت بحركة غير مبررة" عقلياً ولا تاريخياً" إلى الماضي، تطلب منه الحلول الجاهزة، من باب: "لايصلح آخر هذا الأمر إلا بما صلح به أوله"، لأنها حركات قامت على ردود الفعل، أكثر مما هي حركات فاعلة، لأن المشكلة أكثر تركيباً وتعقيداً، تتمثل - أساساً- في كيفية تحديد مستقبلنا بشكل يتسق مع منطق حاضرنا وماضينا. ولسنا- بالتالي- بحاجة لمن يذكرنا بضرورة الانفتاح على الحضارات المغايرة.....والتفاعل معها، فهذا أكثر بداهة.. فالمشكلة لم تعد تصاغ بعبارات هل نتفاعل أو لا نتفاعل.. المشكلة الحقيقية تكمن في شروط هذا التفاعل، وفي منطلقاته، ومدى تحكمنا بهذه الشروط، ومدى اتفاقنا حول تلك المنطلقات.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244