الأدب العام والمقارن - تأليف: دانييل - هنري باجو - ترجمة -د. غســـــــــان الســــــــــــيد

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:13 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

- 3 - قــــراءات

بعد الاتصالات الإنسانية، والفكرية، واللقاءات، والاتصالات المادية، والرحلات، سيدرس المقارن العلاقات، خاصة الأدبية منها : الترجمات، والآداب في الترجمة. إننا نرى أنه ليس هناك أي حل في الاستمرارية بين التبادلات في الفصل السابق، واكتشاف الآخر من خلال النص المترجم، هذه التجربة مع العالم الخارجي التي هي الترجمة. المترجم وسيط لغوي، وثقافي إذا أعدنا أخذ نص والتربنجامين الموجود في - أسطورة وعنف، دينويل، 1971)، فإن مهمة المترجم هي مهمة التفسير، والترجمة، والنقل .(1)

تعني الترجمة أن ننقل نصاً من ثقافة إلى أخرى، ومن منظومة أدبية معينة إلى منظومة أخرى، إنها إدخال نص في سياق آخر.‏

وقد يكون المفسر دائماً ناقداً إلى حد ما : إن إعادة الكتابة عنده هي عمل التفسير، وإعادة التفسير. وهو بدوره سيثير أحكام الجمهور على الترجمة، والنص الأصلي، دون شك، وعلى الصورة الأدبية، والجمالية، وحتى الأخلاقية للأدب، والثقافة اللذين جاء منهما هذا النص الثقافة - المصدر). بصورة أو بأخرى يحتفظ النص المترجم ببعض السمات الأجنبية، وإذا حاول أن يذوب في النتاج الأدبي للبلد المترجم، أو في الثقافة - المستقبلة)، فإنه سيكون دائماً، إلى حدما، أدباً مستورداً، وقطعة دخيلة ضمن المنظومة الأدبية التي تستقبله. وفي النطاق الذي لا يستطيع فيه الأدب المترجم) أن يمحي، بصورة كاملة، أصله الأجنبي، فإنه سيثير قراءات ليست فقط ذات قيمة جمالية. إن دراسة هذه القراءات، تؤدي إلى وعي الطبيعة الخاصة لبعض الاتصالات الأدبية.‏

- الترجمة : تأملات في ممارسة :‏

الترجمة نشاط غريب: إن قراءة نص أجنبي ستنتج نصاً ثانياً، أو نسخة ثانية عن الأول. ستصنع متابعة القراءات لنفسها كتابة سجينة ضرورات متناقضة في الظاهر : فمن جهة احترام النص الأصلي، النص المصدر، ومن جهة أخرى ضرورة إنتاج نص آخر، النص - المستقبل، وهو نص مبدع، أوأعيد إبداعه. يجب أن يفهم من إعادة الإبداع، هذا الخلق الغريب تحت رقابة النص الأول، مع فرض حرية ضرورية، وتأرجح بين الانقياد المطلق ترجمة أمينة، أو أدبية، أو حتى ترجمة مقابلة للأصل)، والحرية في الاقتباس أو التغيير، أو التزوير، في الوقت نفسه. النص المترجم نوع من اليوتوبيا)، واللامكان كلمات استخدمت سابقاً لوصف الأدب المقارن)، لا يشبه النص الأصلي بصورة كاملة، ولا يمكن أيضاً تمثله ضمن نص كتب مباشرة في اللغة نفسها التي كتب بها والتي هي لغة الاستقبال. يؤدي النشاط الترجمي إلى تحويل نص مستقبل إلى نوع من التناص.‏

كتابة اختلاف :‏

الترجمة هي التعبير اللغوي، والأدبي عن تباعد بين ثقافتين، وعن اختلاف انظر أيضاً تعريف الصورة في الفصل القادم). هذا الاختلاف هو بالتحديد الجزء المبدع، والأصيل في حالة الترجمة. أيضاً، هل السؤال الدائم عن أمانة الترجمة هو سؤال مزيف مثل سؤال زيف الصورة)؟ من وجهة نظر اللغة _ المنبع، يمكن أن تقرأ أي ترجمة كخسارة، ولكن من وجهة نظر اللغة - المصب يمكن أن تفسر الترجمة كقراءة جديدة تستطيع أن تجلب للنص الأصلي معانيَ جديدة، وأبعاداً جديدة يمكنها أن تدفع إلى الاحتجاج على الخيانة.‏

مع الترجمة، يجب قبول أن يظهر نص ثانية في مرآة لغة، وثقافة أجنبية بحسب الصورة السعيدة لأنطوان بيرمان .(2)

ولكن هذه المرآة، لكي تستطيع أن تكون مرآة ثقافة أجنبية، فإنه لايمكنها أن ترسل إلا صورة ليست أمينة، ولكنها أخرى.‏

عندئذ نتكهن ببعض الطرق الخاصة، ونأخذ علم الترجمة) كما فهمه المقارنون. هؤلاء ليسوا مسؤولين قط، هذه المرة، عن هذا التعبير الجديد : لقد أخذ من جان - ريني لادميرال (3) ، ومن هنري ميسشونيك .(4)

ستنطلق الدراسة المقارنة من هذا المفهوم الأساسي للتباعد، والاختلاف، وستحاول إيضاح طبيعة هذه التبدلات الأدبية الداخلية ووظيفتها الممكنة، والتي يشكل مجموعها ما يسمى ترجمة. الترجمة فعل قراءة ،وتفسير، وإعادة كتابة، ومشروع استيراد وتطبيع، وهي نتيجة مجموعة من الخيارات ذات طبيعة لغوية، وأسلوبية، وجمالية، وأيضاً إيديولوجية. لماذا هذه الخيارات؟ هذا هوا السؤال الكبير والوحيد.‏

- الترجمة الأدبية :‏

تحاول الترجمة المقارنة)، بسرعة إلى حد ما، أن تدرس كنشاط اجتماعي، وتواصلي. يحتفظ المقارن بالترجمة من اجل عملية على لغة أجنبية، وعلى تفكير الآخر أيضاً، وجماليته وثقافته : هذه المنظورات أنتروبولوجية) بمقدار ما هي لغوية أو أدبية. ولكن لأن الأمر يتعلق بالأدب، فإن الترجمة الأدبية) عملية على لغة تعد اصطلاحاً تعبيرياً متميزاً وخاصاً بكاتب معين. في هذه الحالة، نريد أن نتكلم عن تفسير في المعنى الموسيقي للمصطلح : تعني الترجمة نوعاً من الاحترام للنص الآخر الذي يجب فهمه، واستيعابه، ولكن يجب أيضاً الاحتفاظ بأصالته غير القابلة للتشويه، وبغيريته (5) كذلك القول في الحلم، مثل رولان بارت في أمبراطورية العلامات) :‏

" الحلم : معرفة لغة أجنبية غريبة) دون فهمها، وإدراك الاختلاف فيها دون أن يسترجع هذا الاختلاف أبداً من خلال اجتماعية مصطنعة للغة، تواصلية أوعامة، ومعرفة استحالات لغتنا، المتوزعة إيجابياً ضمن لغة جديدة: معرفة نظامية غير المعقول، وهدم واقعنا) تحت تأثير تقطيعات، وقواعد أخرى، واكتشاف مواقع غريبة للموضوع ضمن التعبير، ونقل طوبولوجيته )(6) ، بكلمة واحدة، الدخول ضمن ما يتعذر نقله أوفهمه. " لماذا تبدّت نقطة النهاية هذه بصورة متناقضة؟ في حالة الترجمة الأدبية ،من المهم السير حتى حدود الممكن، وما يمكن نقله.‏

يقوم المترجم، بعد الكاتب الذي يترجم له، بهذا النزول الغريب إلى الجحيم الذي يسمى صمتاً، وانعدام الحديث، وغياب الكلمة. وخلال الزمن كله الذي تستغرقة ترجمته التي هي نقل وتحويل)، ويستغرقه صعوده الجديد، فإنه سيحتفظ، من نزوله، بقليل من هذا الغامض الذي هو كل كتابة. هذا هو إذن مدى حقل الدراسات المقارنة للترجمة، بدءاً من المعطيات التاريخية، والثقافية التي تختبر حضور الاتصالات اللغوية ودورها، وكذلك ظواهر التبادلات، والانتقالات اللغوية، والأدبية، والجمالية، والإيديولوجية ، مسائل المثاقفة)، وحتى الوقائع الشعرية، مروراً بسلسلة التجارب الثقافية وحقائقها التي تختصرها كلمات القراءة، والتفسير، والتلقي. يعطي أهمية هذا المسار وغناه، حتى الآن، عذراً لبول فان تييغم عندما قدم سابقاً دراسة الترجمان بوصفها : " مقدمة ضرورية لأكثر أعمال الأدب المقارن "‏

- الترجمة والتاريخ الثقافي.‏

الترجمة ظاهرة تبادلات تتطلب رؤية واضحة، ومحددة، ومفصلة للسياق الذي انبثقت عنه، والذي تتوجه إليه.‏

سنفهم أن الأمر يتعلق ببحوث معقدة، مدارة أحياناً بطريقة جماعية. إذا كانت تبدو قليلاً أن لها علاقات مع تصور تعليمي خالص، فإن لها أهمية كبيرة أيضاً في الفكر المقارني، ويجب أن تكون حاضرة في الذهن عندما نريد أن نضع برنامجاً عاماً للدراسات حول الترجمة .‏

- البحوث الوصفية والكمية ‎:‏

من أجل دراسة مكانة النشاط الترجمي ترجمة وطبع)، في حقبة وأدب معينين، يجب امتلاك فهارس) مفصلة تقدم مجموعة النصوص التي طبعت، وانتشرت، وإلى حدما، التي قرئت : لقد نشرت هذه النصوص إذن معارف قادمة من بلد أجنبي. ويجب أخذ هذه المعارف بالمعنى الواسع. في إسبانيا، كانت النخبة المثقفة، في عصر الأنوار، تترجم أعمالاً بلغة فرنسية، منها ما هو مترجم أحياناً من الإنكليزية، وذلك بسبب الإحساس بنوع من التخلف في المجالات العلمية، والتقنية الطب، والفيزياء، والكيمياء) ولم تكن الترجمات الأدبية الأكثر عدداً. يوجد هنا جانب كمي يسمح بإعطاء الأدب مكانة أكثر دقة مما أعطاه له التاريخ الأدبي. إن جمع المواد والمعلومات عملية صعبة. ومملة. لقد قارنها بعض الباحثين حديثاً بسباق حواجز) P.L.C، 1989 / 2).‏

إذا لم يكن هناك أهمية كبيرة لأن يعرف الأدبي) ضخامة الترجمات العلمية التي حصلت في بلد معين، فإن هناك مجالات مطلوب فيها المعرفة الأكثر دقة ممكنة : مثلاً عندما يتعلق الأمر بالمسرح، سندرك فائدة معرفة الترجمات المنفذة كلها وليس فقط المقدمة) ،والمطبوعة، والمخطوطة أيضاً، يمكن لهذه الترجمات المخطوطة أن تكون موضوع عروض خاصة، لايستهان بجمهورها حتى في القرن التاسع عشر. يجب إذن الوصول إلى قائمة بالترجمات المنتجة) حقيقة، والمكتوبة، والمطبوعة أوغير المطبوعة، والمطبوعة ثانية دلائل على بعض النجاح ). بذلك يحصل المختصون على فهارس يجب أن تتضمن المعطيات المادية والاجتماعية.‏

نحن قريبون من تاريخ الكتاب، كما يفعل المؤرخون بشيء من التحديد، كلما كان ذلك ممكناً، حول الحجم، والثمن. من أجل العودة إلى خصوصية البحث، يجب إعطاء اهتمام خاص للإيضاحات التي تنبئ ببعض نماذج الترجمات أو ممارساتها : تقليد لـ ....) اقتباس من ...) وفق...)، هذه الصيغ، والتعابير لها قيمتها بوصفها مؤشراً من أجل تقويم النشاط الترجمي. يمكننا العمل بالاعتماد على بطاقات المكتبات وفهارسها، وعلى المعلومات والإعلانات الصادرة في الصحافة الصحف، والمجلات): للبحث الفضل في تقديم معلومات حول التلقي، حتى في غياب مقالات نقديه مرافقة. تسمح بعض البيانات التي هي في منتصف الطريق بين الخبر والدعاية بدءاً من القرن الثامن عشر تحت أشكال بدائية)، بتقويم ماحُمِل أو أوصي به لقراءة جمهور محدد. لايمكن إهمال هذه المعلومات عندما نعود إلى عصور لايوجد فيها فهارس) عامة عن المكتبة) : نقصد عن الإنتاج والنشاط المطبعيين.‏

بالنسبة لفرنسا، لاوجود لأداة موثوقة إلى حد ما إلا بدءاً من عام 1811م. يؤدي التحقق من عنوان أحياناً إلى لغز أكثر مما يؤدي إلى معلومة حقيقية : إن ترجمة معينة دون اسم المؤلف، مع عنوان مزيف بالمقارنة مع عنوان النص الأصلي، تجعل العودة إلى العمل الأصلي صعباً. وعليه، فإن دراسة الترجمة يمر عبر التعرف على مؤلف النص الأصلي، والمترجم إذا أمكن ذلك. يمكن لبعض الترجمات أن تشكل موضوع نسبة، أوإعادة نسبة، وهذا له أهميته في تقويم نشاط هذا الكاتب أو ذاك. وهذه ليست الألغاز الوحيدة، أونتائج التمويه : إن ذكر الأعمال الكاملة لكاتب ما) يجب أن تجبر الباحث على التأكد من أنه لايوجد، ضمن هذا الكم، ترجمات جزئية، ومقاطع لم تظهر أبداً في طبعة مستقلة، ولكن يجب، مع ذلك، أخذها بعين الاعتبار. يمكن أن لاتكتمل الترجمة وهذه حالة أكثر شيوعاً مما نتوقع)، ولكن لها أهميتها في التقويم الدقيق لوجود مؤلف، ونص أجنبي، وانتشارهما، وثروتهما هذه الكلمة مفضلة في الأدب المقارن ).‏

- الترجمات والتاريخ الأدبي .‏

هكذا يمكن لتاريخ الترجمات أن يتكوّن ويأتي ليوسع التاريخ الأدبي، إنهما غالباً متقاربان أكثر من كونهما متوازيين. دون العودة إلى مثال ليفيوس أندرونيكوس المترجم اللاتيني للأوديسا لهوميروس الذي سجل، في القرن الثاني قبل الميلاد، بدايات أدب لاتيني جديد، وأشار، عند الحاجة لذلك، إلى الدور المحرَِض) الذي قام به النص الأجنبي، فإنه من المستحيل تقريباً دراسة حقبة أدبية دون الأخذ في الحسبان الدور الذي قامت به الترجمات : سواء تعلق الأمر بالروايات) القروسطية الأولى رواية THEBES، ورواية الاسكندر)، أو بالنهضة مع AMYOT، مترجم حياة رجال مشهورين) لبلوتارك، أو لوثر مترجم النص المقدس الذي حدد نصه ولادة الألمانية الحديثة ... إن استعراض الموجات الكبيرة للترجمة بإيجاز، مثل الترجمات في فرنسا عن الإسبانية في النصف الأول من القرن السابع عشر، وعن الإنكليزية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، طريقة للتعرّف على المؤثرات) الأجنبية، والتيارات الأدبية، فذلك إذن كتابة أو إعادة كتابة للتاريخ الأدبي. في عصرنا، يمكن لمجلد شامل عن الترجمات أن يساعد على تقديم بعض الملاحظات حول آلية التبادلات الأدبية والثقافية.‏

هكذا ،فإن فرنسا، بصورة عامة، ترجمت، لحقبة طويلة، أقل بمرتين من ألمانيا أقل من ثلاثة آلاف عنوان عام 1977 مقابل أكثر من ستة آلاف في الطرف الثاني من الراين ).‏

من وجهة نظر الفرانكوفونية)، فإن سويسرا، وبلجيكا ـ وكيبيك تضاعف كثيراً من النشاط المطبعي لفرنسا في موضوع الترجمة، وبذلك تنوع خيارات النشر وإمكانياته. من جهة نظر مزدوجة للمجال الثقافي وسوق الطباعة بين عامي 1945- 1975 ، فإننا نجد أنه من أصل أربعمئة ألف عنوان تشكل الإنتاج الفرنسي المطبعي، هناك خمسة وأربعون ألف عنوان مترجم من بلدان مختلفة، أي ما يمثل 11%) من مجموع الإنتاج. ولكن انطلاقاً من هذا المعطى الإحصائي تكشف معطيات أخرى عن خيارات، أوعلى الأقل عن توجهات : تمثل البرازيل التي تعد في فرنسا إحدى قمم الإثارة، / 2,0 % / مع نحو مئة من العنوانات خلال ثلاثة عقود. ترجمت إيطالياً عدداً كبيراً من الأعمال الفرنسية في حين أن فرنسا قد ترجمت قليلاً عن الإيطالية. نسجل أو نكتشف أن هناك عدم توازن، وتناسق في التبادلات. إن وجود لغات تسمى نادرة) ضمن النظام التعليمي الفرنسي، يمثل تفسيراً من بين تفسيرات أخرى، الذي يمكنه أيضاً أن يمثل جزءاً من مشاريع بحوث أو أفكار. أيّ نماذج من الدراسات المقارنة الخالصة نستطيع أن نواجه، في هذا المستوى التاريخي؟ من خلال المقاربة التاريخية للترجمات، يمكن أن تحدد معرفة للإنتاج الأدبي. يمكننا القيام بمقابلات تزامنية أو تعاقبية بين الترجمات وتطور الأجناس مسألة مطروحة في الفصلين السابع والثامن). تسمح المنظورات التزامنية والتعاقبية بمقاربة مسألة معرفة نص أجنبي وانتشاره، وذلك هو أساس كل دراسة للتلقي، كما سنرى لاحقاً.‏

يفضل بعضهم الترجمة الأولى للامساك بتطور دخول نص أو مؤلف ضمن ثقافة أجنبية. ولكن سنكون حذرين إزاء تأريخ الترجمات الذي لايحترم إلا نادراً نظام خروج النصوص الأصلية. لهذا التأريخ المزدوج نتائج لايستهان بها في نشر عمل في العالم الخارجي، وفي صورة كاتب في لحظة معينة. دراسة شخصية مترجم ونشاطاته تتقاطع مع الدراسة المخصصة للوسطاء : إنها تستطيع أن تقترب من الدراسة الأحادية، أو السيرة الذاتية، وتستطيع أيضاً أن تؤدي إلى إظهار الفروقات بين معارف العلاقات الأدبية بين البلدان أوالقارات.(7)

أما فيما يتعلق بتقويم عمل الترجمة، بالمعنى الخالص للكلمة، فإنه غير ممكن إلا بتجاوز المنظور التاريخي والوصفي إلى المنظور الذي ينفتح على مسائل الشعرية، لأنها تخص تكوين النص. فيما يتعلق بالكتّاب المترجمين، من الأفضل عدم فصل النشاط الترجمي عن النشاط الإبداعي بالمعنى الدقيق للكلمة.‏

- شعرية الترجمة :‏

قبل كل تحليل، يجب التأكد من أن النص الأصلي هو النص المصدر للترجمة، التي تستطيع أن تستخدم نصاً ثانياً، وترجمة أولى تقوم بدور النص الوسيط : يبقى البحث الفهرسي والمتبحر نقطة انطلاق إجبارية .‏

- العمليات والمعالجات النصية :‏

يمر تحليل عمل الترجمة عبر تحقيق عدد من العمليات، والمعالجات، والتدخلات من قبل المترجم، وطرق الكتابة، يشكل مجموعها جمالية الترجمة، مع الميل إلى تحقيق بعض الاستقلال إزاء النص - المصدر (8) لايتعلق الأمر إذن فقط بالتقاط الأغلاط)، و التشويهات)، والإسقاطات، والمقاطع المتجاوزة، و الحذف)، كما كان يقال في العصر الكلاسيكي، وعصر الخائنات الجميلات) لبيرو ألبانكور، وهي نماذج عن الترجمة الحرة، وشرح النص، وإعادة تشكيل وتوسع أكثر من كونها نماذج لكتابة ثانية (9)

- مرفقات النصوص :‏

من بين تدخلات المترجم الأكثر وضوحاً، سنرفع التمهيد أوالملحق (10) ، والإشارات في أسفل الصفحة، والمصطلحات المضافة في نهاية النص، على شكل قاموس للصعوبات، أو الكلمات التي من الصعب ترجمتها، أو تدجينها)، باختصار مجموع مرفقات النصوص) المحيطة بالترجمة، والتي لا نستطيع التقليل من أهميتها من وجهة نظر تلقي النص المترجم (11)

- ماتتعذر ترجمته‏

بالطريقة نفسها، يجب الانتباه إلى الكلمات غير المترجمة، أو التي وضعت بالإيطالياني (12) ، أو بين قوسين عمل لايقوم فقط على المبادرة الطباعية)، ولآثار التلاعبات، والإشارات التي تحدد التوقفات في تطور نقل لغة إلى أخرى، أو إرادة تنبيه القارئ إلى آثار التشويه.‏

- البعد بين النص - المصدر، والنص - المستقبل :‏

بصورة عامة يمر تحليل الترجمة عبر فحص أصغر وحدة ممكنة ذات نظام معجمي)، إلى الوحدة الأكثر اتساعاً الفصل أو المشهد) مروراً بالوحدات المتوسطة المقطع الذي يمكن أن يتبدل من النص - المصدر، إلى النص - المستقبل) يحتفظ هذا التقسيم المنتظم بالإضافات والحذف وآثارها، وكل تصرف يهدف إلى تشويه الشكل العام للنص - المصدر وإيقاعه، ومبادئه في التوزيع إضافات للعنوانات أو حذف منها، .. إلخ) يمكن أن نطرح فرضية أن مجموع هذه الإجراءات يهدف إلى مقاربة النص - المصدر وتدجينه، أو العكس إلى وضعه جانباً، وجعله دخيلاً. يوجد ضمن الكلمات أو الإجراءات المختارة عوامل تقريب، أو إبعاد، وتغريب.‏

- التصنيف الممكن.‏

تتطلب دراسة استراتيجية المترجم مبادئ تصنيف، ومفردات، وعلم قوانين التصنيف. أحد الحلول المقدمة كان الحل الذي قدمه هنريك فان غورب باقتباس عمليات البلاغة القديمة، التي أعيد استخدامها في البلاغة العامة لجماعة MU )(13)

إنه يميز : الإضافة ADICTIO) ، والحذف DETRACTIO) ، والإبدال IMMUTATIO)، أي الحذف - الإضافة، والاستبدال TRANMUTA TIO) أوتغيير نظام العناصر المدروسة وليس طبيعتها.‏

إلى ماذا أراد أن يضيف التكرار، بتمثّل أعمال جوليا كريستيفا.(14)

تُشّبه الترجمة بشكل من النص الثاني، أو ماوراء النص ).‏

تسمح كل عملية بتصنيف الممارسات، والمعالجات الخاصة.‏

هكذا، يمكن أن تتضمن عملية الإضافة كل أشكال التوسع بدءاً من إضافة مقدمة، أو رأي للقارئ مرفقات النص) وحتى تحريف الشروحات، والحواشي ماوراء النص). يمكن للإبدال أن يضم التفسير، والاقتباس، والتحريف، يؤدي الحذف إلى النص المُصغّر مقاطع، خلاصات، اختزالات، أشكال شائعة للترجمات، وحتى الأدبية، والتي تقطع ظواهر - التعميم ).‏

يندرج تحت عنوان الاستبدال) إعادة تشكيل محتمل أو مونتاج). الرواية المختلفة للنص المشهور مهمة من أجل الترجمة، وهي ظاهرة تهم الطبعة أو التاجر، وهي أيضاً شكل من الإضافة التي توجه القراءات والتلقي. هذه الإجراءات المنتجة لمعنى تجعل من الترجمة نصاً متقطعاً إلى حد ما، يحمل مجموعاً، ونظاماً له منطقه. إنها برامج قراءة مختلفة، ونتيجة خيارات واعية غالباً، ومقصودة من قبل المترجم.‏

- الترجمة والنظام الأدبي :‏

غيرّ النص - المستقبل، الذي هو صورة عن النص المصدر إلى حد ما، سياق النص - المصدر وجمهوره. من الصعب فصل الترجمة عن التلقي. تثبت الترجمة في النص المصدر تغيرات سيدرسها المقارن بصورة خاصة، مثلاً تغيرات في الأجناس. تؤدي دراسة الترجمة المقارنة مع الأصل) إلى مقارنة بين منظومتين أدبيتين.‏

انظر الفصل الثامن). ترتبط العلامة الجنسية في هذه النقطة بالترجمة التي تبقي الصفة الأجنبية لبعض الأجناس أو الأجناس الفرعية وتخليدها :‏

نشيد ألماني، حكاية عربية، قصة إسبانية، رواية ضمن الذوق) الإنكليزي، .. إن طرق الاندماج بالأدب المترْجَم تفيد شعرية مرتبطة بالتاريخ الأدبي وبجمالية التلقي.‏

- تحليلات مقارنية للترجمة :‏

تسمح دراسة المستوى الشعري بمجموعة من الدراسات المتنوعة والأبحاث حول الترجمة الأدبية وجمالية التلقي :‏

1- نسخ متعددة للنص المصدر نفسه ضمن لغة المصب منظورات تعاقبية لترجمات عديدة في عصور مختلفة، للنص المصدر ).‏

2- ترجمات عديدة في عصر واحد للنص - المصدر الواحد، في لغة المصب نفسها أو ضمن منظورات تزامنية عديدة). نقارن إذن مقاربات مختلفة لنص واحد.‏

3- خصوصية بعض الترجمات، مثل ترجمات النصوص المسرحية التي تقود الباحث أو الطالب إلى التأمل في الجمالية المسرحية بمقدار تأمله بجمالية الترجمة .تأخذ بعض الأوجه للنص المسرحي في الترجمة رونقاً خاصاً : ترجمات أسماء العلم، آثار لغوية في الحوارات لغة عائلية وتوافقات بالمقارنة مع الجمهور)، واستخدام ممسرحيات (15) وأخيراً تنوع النصوص - المصدر مثل نصوص - الاستقبال، في المسرحية الواحدة، دون نسيان عمل الإخراج يمكن استعادته في الفيديو) الذي هو أيضاً ترجمة.‏

4- نماذج من الدراسة التي تقوم تحديداً على شعرية الترجمة، والتي تقود إلى تأملات في المتعذر نقله أو حدود الترجمة .‏

- حدود الترجمة.‏

درس أنطونيو لارا (16) ترجمتين فرنسيتين للشاعر الإسباني غونغورا، وهما مثال واضح على الغموض، وتعود هاتان الترجمتان إلى بييردار مانجي مختص بإسبانيا، وفيليب جاكوتيه، وهو شاعر أكثر تعوداً على ترجمة اللغة الإيطالية أو الألمانية، كانت الأولى سنة 1943، والثانية 1984 ولكن الشاعر بقي يشتغل فيها نحو عشرين سنة) تكمن الصعوبة الأساسية لترجمة غونغورا في الاحتفاظ ضمن منطقها بإعادة بناء لغة مصاغة انطلاقاً من تهديم النحو السائد نحو القرن السابع عشر الإسباني ).‏

في هذه الحالة، هناك خلق للغة مستقلة يكون فيها الدال والنظام النحوي حاملين لمعنى. من هنا جاء تراكم الاستعارات، والاستشهادات بالثقافة الكلاسيكية، ومحاكاة النحو اللاتيني، يضاف إليه أساليب بلاغية مفضلة مثل المتلازمات، والإبدالات، وعطف البيان، والتقديم والتأخير خاصة، هذه الأساليب دفعت بعض النقاد إلى اتهام غونغورا بالغموض، وحتى بالتعمية.‏

إن أسلوب التقديم والتأخير القلب) هوالذي سيطرح مشكلة في الترجمة، ستُخفّف حدّتها عن طريق إحياء بعض التراكيب التعبيرية وإعادة التأليف. بالإضافة إلى ذلك، يسمح تحليل مقارني صوتي - دلالي صوت - معنى) بتقويم اختيار بعض الكلمات.‏

يتوجه الفحص أيضاً إلى الطريقة التي قدم فيها الأسلوب BIMEMBRATION)، الخاص بغونغورا : تقسيم البيت ذي الأحد عشر مقطعاً إلى مقطعين يكرران البناء القواعدي نفسه، وهما قادران على إقامة علاقات بينهما ذات طبيعة نحوية، ودلالية، وعروضية، وصوتيه. تؤدي دراسة هذه الترجمات إلى إعادة قراءة العمل الأصلي من هنا يأتي الخلاف الممكن مع المختصين ...)، وإلى تعميق بعض مبادئ الشعرية، وإعادة تقويم القواعد المقترحة من قبل الشاعر، والتفكير في درجات الترجمية) لنص معين، والتي تلامس عمل الشاعر حول الدال، ومادية الإشارة، والروابط بين المعنى والصوت، والإيقاع والمعنى. يحلل جون جاكسون (17) الناقد لإيف بونيفوي مثلاً) والنفساني، الأسباب التي لأجلها يعتبر أن ترجمته لبول سيلان فاشلة. لايتعلق الأمر فقط بمشاكل لغوية، أو أن هذه المشاكل تظهر إلى أي حد تكون اللغة رؤية، وتفسيراً للعالم، وتعبيراً عن علاقات الإنسان بالعالم. لغة سيلان الألمانية هي لغة تعيد تأكيد هويتها الألمانية وتعارضها.‏

بعد الترجمة، يكتشف جون جاكسون أن الكلمات التي يصنعها الشاعر، تؤلف لغة يريد أن يعطيها وضع لغة منشقة.‏

ويعترف جاكسون بقوله : الاختلاف هنا لم أصل إلى التقاطه).‏

سنكون قد سجلنا كلمة اختلاف) وأيضاً كيف، من خلال هذا المثال، لايمكن للترجمة أن تكون مجموع المشاكل التقنية التي تمس مختلف عناصر نص معين نحوية، ودلالية، وعروضية، وصرفية، وصوتية ....) ولكن رهان المشاكل ذو طبيعة أنتروبولوجية )، وحتى فلسفية .‏

- الترجمة والنظرية الأدبية :‏

يجب أن نفهم من خلال كلمة نظرية) الإطار التصوري الذي يسمح للمقارن بتتبع مختلف نماذج تطور الترجمة بدءاً من وجوهها اللغوية وحتى ظواهر الاستقبال، وذلك من أوسع وجهة نظر ممكنة. إن تاريخ الترجمات الذي رأينا فائدته في مقاربة المسائل الشعرية، يجب ألا ينسينا بعداً تاريخياً آخر ممكناً : هو اختبار النظريات حول الترجمة، هذه النظريات الخاضعة بقوة للتصورات اللغوية، والجمالية للحظة المعتبرة.‏

- مُدَونة نظرية : دراسات شعرية وشهادات‏

مع أبحاث ليفان دوهولست (18) ، نمتلك أسساً قوية من أجل معرفة تطور الفكر الجمالي واندماج الترجمة بمجال الآداب الجميلة.‏

ظهر في نهاية القرن الثامن عشر إحساس بتنوع المنظومات اللغوية والثقافية، وتطور الاهتمام بالأوجه التقنية للترجمة، وأيضاً كما رأينا، بالأدب المقارن. من الآن فصاعداً، يواجه الأدب والترجمة في علاقتهما بالروح الوطنية أو بتقاليد ثقافية محددة.‏

أين يجب البحث عن رؤى نظرية حول الترجمة؟ يجب البحث عنها في الدراسات الشعرية، دون نسيان البحوث، ونصوص الترجمة الذاتية، والنصوص شبه النظرية، والنصوص الثانوية التي تطرح، مع ذلك ممارسة الترجمة، والتي يمكن أن تشكل موضوع تنظير بالنسبة للباحث.‏

- الترجمة وما يتعذر ترجمته :‏

إذا أخذنا الوجه اللغوي، تحديداً، يستطيع المقارن أن يقابل حقيقة الترجمة، ضمن الأبعاد التي يعرفها تاريخية - شعرية) مع الرؤى النظرية لبعض اللغويين المعاصرين للنص المدروس)، أوالحاضرين عن طيبة خاطر، على شكل تدريب على تأملات عامة) مثل جورج مونان في كتابه المشاكل النظرية للترجمة )(19) حيث نستطيع التأمل في النظرية) التصورية اللغوية المطلقة )(20) ، والمواقف المطلقة لأنصار الاستحالة النظرية لكل ترجمة. بعد التذكير بالآراء التي تؤيد تعذر الترجمة من و. فون هو مبولد إلى موريس بلانشو مروراً بريلكه الشاعر والمترجم المدقق ولكنه يظن، ليس دون حق، أنه لايمكن التعبير عن كل ما يصل إلينا)، عاد إليها جورج مونان ليأخذ منها نظرية كليات اللغة (21) ، مقتفياً أثر يوشوا واتموغ، و - أ. مارتينيل. الفكرة هي التالية :‏

مهما تكن اختلافات أوجه اللغة، فإن هناك كليات أساسية، جوهرية للغة والتي تظهر ثانية في اللغات المتميزة التي اختبرت حتى الآن كلها " إنها سمات توجد في اللغات كلها ).‏

يوجد، وسيوجد كليات تتعلق بنشأة الكون، وكليات بيئوية مثل البرد، والحر، والمطر، والريح، والأرض، والسماء، وعالم الحيوان، وعالم النبات ...إلخ. وهناك أيضاً كليات بيولوجية) مثل الغذاء، والشراب، والتنفس، والنعاس، والإفرازات، والحرارة، والجنس، فهي إذن كليات تشريحية ).‏

سيكون مهماً ومفيداً خاصة، مقابلة مثل هذا الموقف مع مفهوم الثبات) الذي مر سابقاً، أو مفهوم النموذج المثالي) في المعنى الذي يستعمله جيلبر دوران. بإمكان الدراسة المقارنة أن تستعمل، بصعوبة، مفهوم كلي )، ويبدو أنه يجب عليها أن تتمسك بفهم الحد الذي من الممكن عنده قبول مفهوم متعذر ترجمته) في مجال الحقائق الثقافية). تظهر مقابلة سريعة بين نص - مصدر، ونص - مستقبل في لغات متجاورة ظاهرياً مثل لغات لاتينية حديثة كالفرنسية والإسبانية، أن اللون لن يستطيع أن يكون كلياً في المعنى الذي قصده جورج مونان : سواء فكرنا بالتلون كاستيلان، الأندلس، " غجر "؟)، أم بقصائد لوركا.‏

إذا انتقلنا من المعجم إلى النحو، نلاحظ أن نصاً أوقصيدة تستغل فعلاً لغوياً، وقواعدياً، من أجل صنع فعل شعري. ضمن هذه الظروف، تتغير لغة التواصل، الخطية، إذا استطعنا القول، إلى كلمات تعبر أوتقيم فضاءً شفوياً، ونحوياً، وصوتياً، وإيقاعياً من المهم التعرف على مبدأ تشكله، والبؤر المحرضة التي لا يسمح فحص السطح بعزلها. بعد ألدوس هو كسلي، يمكن التفكير بتناغم كتابة، أي مجموع التداعيات التي يمكن أن تتشكل انطلاقاً من كلمة، أو جملة في فكر البشر الذين يشتركون في لغة وثقافة واحدة وسنقتنع أنه يوجد تجمعات صغيرة تقاوم الشعرية، وعناصر لايمكن ترجمتها في الكلمات وفضاء النص. سندرسها ضمن الحد الذي نستطيع القول فيه، دون تناقض، إن الترجمة تشير إليها، وتولدّها، وتلغيها، وتجعل منها سببها في الوجود .‏

أخيراً، تقدم الترجمة، بالنسبة للمقارن، تصورين للتأمل النظري يتعلقان بمنهجها ذاته. فمن جهة، تتطلب الترجمة، إلى نقطة معينة، عرضاً مبدئياً للثقافة - المصدر، ومن المناسب استخدام معطيات تقوم على علم الأمجيّة (22) ) انظر الفصل التالي ). ومن جهة أخرى، يؤمن المترجم، من خلال عمله، استمرارية حياة العمل، تعدد الترجمات من أوجه العمل - المصدر وتعطي إلى قارئ الثقافة - المستقبلِة، إمكانيات قراءات وتفسيرات جديدة. إن مجموع القراءات والتفسيرات المتولدة هذه، والتي تنبعث من عمل أجنبي مترجم، هي ما نسميها الآن استقبالاً أو تلقياً.‏

- التلقي النقدي :‏

إن تبني المقارنين لكلمة تلقي) حديث نسبياً : ويعود ذلك إلى نهاية السبعينات. وكان مؤتمر الرابطة الدولية للأدب المقارن الذي عقد عام 1979 في إنسبروك، والذي أدخل بين موضوعات أعماله جمالية التلقي )، علامة مميزة في هذا المجال.‏

ولكن، في نهاية الستينات، شق النقد الألماني خاصة هانس - روبير ياوس، المتخصص في القرون الوسطى، واللغة الرومانية (23) ، يعمل أستاذاً في جامعة كونستانس) طريقاً جديداً في التحليل والنظرية الأدبية : وهذا ما يسمى بجمالية التلقي(24)

- جمالية التلقي :‏

كان هذا البحث يهدف إلى تجديد التاريخ الأدبي ونقل تأمل المؤلف المرسل) إلى القارئ والجمهور المستقبل )، والانتقال من فكرة معينة في الإبداع إلى التفسير، والتأويل للنصوص الأدبية. لقد تبنى المقارنون الذين يستخدمون منذ وقت طويل مفهومات المرسل، والمستقبل، والرسالة)، بإرادة كل البحوث الألمانية أو جزءاً منها، ولكن هذه الاستعارة أثارت نوعاً من سوء الفهم. لقد أرادت جمالية التلقي أن تكون طريقاً ثالثاً، وسطاً بين الجمالية الماركسية والشكلانية. كانت الأولى ترى في الأدب انعكاساً) للواقع الاجتماعي صراع الطبقات)، وتعتبر الثانية أن الأدب والنص الأدبي منظومات مغلقة. تواجه جمالية التلقي الأدب بوصفه نشاطاً تواصلياً. ضمن هذا المنظور، لايدين العمل الأدبي، والعمل الفني عامة، بحياتهما واستمراريتهما إلا لإسهامات القراء والجمهور المتواصلة. من الإسهامات الأساسية لجمالية التلقي مفهوم أفق التوقع).‏

- مفهوم أفق التوقع)‏

يمكن أن يحدد هذا المفهوم ببساطة كمنظومة من المعايير والمرجعيات لجمهور قارئ في لحظة معينة يتم انطلاقاً منها قراءة عمل وتقويمه جمالياً، يمتلك هذا العمل أيضاً أفقه للتوقع الذي يتشكل من خلال العناصر أو العوامل التالية :‏

1- التجربة التي يمتلكها جمهور عن الجنس الذي يعود إليه العمل يتعلق الأمر بمقابلة أفق توقع الجمهور مع أفق التوقع الذي يقدمه العمل : من هنا تأتي احتمالات القبول، بسبب التطابق بين الأفقين، أو الرفض، والاستنكار، وعدم الفهم، في حالة الاختلافات الواضحة بين الأفقين) ؛‏

2- شكل الأعمال السابقة وموضوعها، هذه الأعمال التي تستلزم التجربة معرفتها وهذا يتطلب فحص القيمة الجمالية للعمل بالمقارنة مع الموروث السائد لجنس، أو نموذج )؛‏

3- الانزياح بين اللغة واللغة الشعرية المستخدمة استعير مفهوم الانزياح من الشكلانيين ).‏

تركز دراسة التلقي على فحص العلاقات بين أفق توقع العمل وأفق توقع الجمهور. يسعى العمل التجديدي إلى تشكيل قطع داخل أفق توقع الجمهور نفكر بالاستقبال الذي أعد لريمبو، وبروست، وجويس) يفسر الاستقبال التدريجي للأعمال التجديدية من خلال تطور الذوق، ومعايير تقويم الجمهور والنقد) إزاء أفق التوقع الذي رفض أولاً. يمكن أن يقرأ التاريخ الأدبي كتتابع لآفاق الانتظار، وتتمة لتناقضات، وتطابقات، وإعادة تطابقات.‏

- القارئ الضمني:‏

ركزت جمالية التلقي على أهمية صور) القراءة، وهي عنصر يتعلق بالتفسير التأويل)، والتلقي بصورة عامة. حدد فولفغانغ إيزر(25) بطريقة جوهرية مفهوم القارئ الغامض إلى حد ما عند هانس - روبير ياوس قارئ حقيقي، وضمني، واختلافات بين القارئ والجمهور ...) إذا كان يمكن لأفق توقع قارئ أن يعيد إلى مسألة بسيطة نسبياً للتلقي، فإن أفق توقع العمل يتطلب قارئاً ضمنياً)(26) هوعبارة عن بنية مسجلة ضمن النص نستطيع وفقها أن ندرس تنظيم النص. لن نخلطه مع القارئ المرسل إليه الاصطلاحي الذي يستطيع أن يأخذ صفات القارئ المحبوب أو الأخ الذي يمكن أن يتوجه إليه الراوي.‏

- من التأثير إلى التلقي :‏

يرتبط مفهوم المتلقي) في كتاب بيشوا - روسو، وفي كتاب برونيل - بيشوا - روسو(27) ، بدراسة التأثيرات)، و المصادر) يعيد هذا القول إلى أسس العلم). من هنا يأتي الاقتراح المزدوج : " تقود دراسة التأثيرات من المرسلين إلى المستقبلين. في مقابل ذلك، فإن دراسة المصادر تعيد الأمر إلى نصابه، وربما تتطلب أيضاً مزيداً من الحصافة والقدرة النقدية ".‏

كذلك كانت دراسات التأثير قد قدمت بوصفها متفوقة على الدراسات المخصصة للمصادر. ما هو سبب مثل هذا التفضيل؟‏

هناك عناصر يمكن كشفها في الحالة الأولى مثل الترجمات، والاقتباسات)، أما في الحالة الثانية فإن الغوص في المصادر يعد مغامرة ضمن غموض الإمكانيات "، وهو يشكك خاصة بآليات الإبداع التي من الصعب دراستها، ويبدو أنها أصعب من هذه الدراسة السببية التي يتطلبها التأثير "، والذي يبقى أحد الموضوعات الرئيسية للأدب المقارن ". امتلك هذا الهدف الرئيسي) قديماً وجهاً مزدوجاً كان قد حدده المقارن بازيل مونتينو منذ عام 1952 عندما قال : " إننا نرى جيداً التأثير الممارس، ولكننا نجهل جميعاً التأثير الذي طرأ " وأضاف : " وعليه فإنه يحصل أن التأثير لايصبح حقيقة خالقاً لقيم إلا عندما يُتعرض له. " هكذا، استطاع أن يواجه تحت الكلمة نفسها نظامين من المسائل : النظام الأول سنسميه في الشعرية التناصية )، وطرح التاثير أيضاً في كتاب بيشوا - روسو كهذه الآلية الدقيقة والغريبة التي بواسطتها يسهم عمل في ولادة عمل آخر والتي سترجع إلى التأثير الذي طرأ، أما النظام الآخر فإنه يقوم على دراسات التلقي) ويتطابق مع التأثير الذي يمارس، والذي هو دائماً، اليوم مثل عام 1952، واضح ويمكن حصره. مثلما لاحظ إيف شيفريل في كتابه الوجيز) : " لاتستند الدراسات المقارنة للتلقي إلى احتمالات القراءات، ولكن إلى القراءات التي تمت حقيقة ."‏

يجب انتظار عام 1989 من أجل أن تدخل دراسات التلقي) ضمن كتاب مقارني بصورة مستقلة. في الواقع، عام 1983، خُصص مقطع لها نس - روبيرياوس، ومدرسة كونستانس، في منتصف الفصل الذي يتحدث عن الثروة، والنجاح، والتأثيرات، والمصادر)، ولكن مجموع التطور كرّس للاختلافات بين المفهومات المجموعة في العنوان. النجاح يعارض الثروة مجموع الشهادات التي تظهر الفضائل الحيّة لعمل معين)، والتأثير بصورة خاصة. النجاح كمي، والتأثير كيفي، إنه يقدر نفسه). هل انبثق التلقي من هذه المسألة، وهذا البرهان) كما يسميه إيف شيفريل : الكمي أو الكيفي؟ ولكن في المحصلة، يجب الاعتراف ثانية أن دراسات التلقي تقوم بدور على أرضية آمنة، ومعروفة، ومرسومة. إنها تشتمل على إشكالات النجاح التي تقوم بصورة أساسية على البحث الحدثي (28) ، والاجتماعي، والتاريخي) والثروة التي تفهم على أنها دراسة نقدية ذات مجال واسع للشهادات النقدية التي يثيرها تلقي العمل الأجنبي عن طريق الترجمة غالباً)، إنها شكل من ما وراء الأدب)، سيقوم المقارن انطلاقاً منه بالتصنيف، والتقويم، ومقارنة القراءات)، ومختلف طرق الاستقبال والشرح. يذكر هنا أن جمالية الترجمة تسعى إلى أفق تأويلي.‏

- علم جمال أوعلم اجتماع التلقي؟‏

غالباً ما تكون تفسيرات النصوص الأدبية وربما النصوص الأجنبية خاصة) خاضعة لآراء سياسية، وفلسفية، ودينية، وليس فقط جمالية. هل من المفيد أيضاً الإشارة إلى أنه بعد زمن قصير من الشهرة) السريعة لجمالية التلقي التي عارضها المختص بأمور رومانيا جوزيف جورت، بعلم اجتماع التلقي) وذلك بصورة صحيحة ومؤثرة(29) . لقد انطلق من مبدأ أن مشكلة التلقي هي مشكلة قراءات متعددة كانت قد جرت على عمل أدبي)، ويذكر أنه يوجد نوعان من التحليلات الممكنة : النوع الأول تحليل ذو توجه تأويلي يتساءل عن التناسب التفسيري للقراءات يتعلق الأمر بمشروع ياوس ضمن نتائجه النهائية)، والنوع الثاني تحليل يهتم بإحصاء القراءات الحاصلة كلها من أجل تحديد الشروط الاجتماعية - التاريخية لتشكيلات المعنى). عند حديثه عن المتلقي، يلاحظ أنه يجب ألا نحصره ضمن تصور مجرد للقارئ) هنا وجه نقد آخر لياوس)، ولكن يجب تحديد الوضع الخاص لهذا القارئ نتحدث في الحاضر بإرادة عن - قراءة -). إنه يوجه الاهتمام، بدقة، إلى عوامل فوق نصية) تتداخل عند تطور التلقي، فهو يعارض إذن الوجه الأدبي أو الجمالية الداخلية) لإشكالية ياوس. أخيراً، من أجل توضيح هذه المبادئ، اهتم ج. جورت خاصة بأبحاث حول الصحف، والصحافة الدورية، متابعاً استقبال جورج بيرنانوس، وجيد، ومالرو في فرنسا. ووصل إلى تصنيف آراء نقد قضائي) وفق الآراء السياسية للصحف المدروسة، ووفق معايير الحكم لهذا النقد بكل اتجاهاته. يوجه ج. جورت بحق الاهتمام إلى حقيقة أن أفق توقع الجمهور لم يتأسس فقط على معايير جمالية، لمعايير التقويم طبيعة فوق أدبية) أيضاً. بناء على ذلك، اقترح تحليلاً تجريبياً لتطور الاستقبال، ويذكّر أنه لايمكن نسيان أن الأعمال الأدبية هي، عند استقبالها، نقاط تركيز لأفكار جمالية، وأيضاً أخلاقية، وسياسية، وفلسفية.‏

- التلقي المقارن :‏

تجيب هذه الانتقادات البنائية بطريقتها، على الاعتراضات القديمة حول عدم خصوصية دراسة التأثير، والتي وجهها رينيه ويلك: من وجهة نظره، لم يكن يوجد اختلاف منهجي بين دراسة مخصصة لشكسبير في فرنسا، ودراسة أخرى عنه في إنكلترا في القرن الثامن عشر. بالعكس من ذلك، يجب الاعتقاد أن هناك قراءة وتلقياً خاصين للعمل الأجنبي.‏

- خصوصية البعد الأجنبي هنا أيضاً يجب طرح المفهومات الأساسية للانزياح) و الاختلاف). لقد خلقت ترجمة العمل الأجنبي نصاً آخر. إن قراءته التلقي الأول) ضمن الثقافة المستقبلة تصبح، بالمقارنة مع نص الثقافة - المصدر، قراءة فضائية مختلفة تغير الفضاء الثقافي)، وقراءة زمانية مختلفة زمن جديد للقراءة، وشروط جديدة للتلقي والتفسير).‏

ستتم القراءة وفق مراكز الاهتمام الجديدة، مع منظومة أخرى من المرجعيات تغير شبكة القراءة المؤثرة في جمالية النص، والخيال الذي يحمله). أما فيما يخص تلقي العمل الأجنبي في الترجمة)، فإنه لايمكنه أن ينفصل عن فحص التقديمات أوالصور التي تكوّنها الثقافة المستقبلِة وهي الثقافة التي تترجم، وتقرأ، وتُفسّر) عن الثقافة - المصدر وهي الثقافة المنظورة، والمترجمة، والمستقبلة). وهذه إحدى خصوصيات تلقي الأعمال الأجنبية : الخطابات النقدية المرافقة هي ، إلى حد ما، بيانات صور، أحكام) جزئية عن ثقافة الآخر. سنستند إلى دراسة كلود بيشوا القديمة ولكنها النموذجية صورة جان - بول ريخترفي الآداب الفرنسية، كورتي، 1963) من أجل فهم ظاهرة المقاومة)، استخدم هذا المفهوم منذ عام 1901 من قبل فيرديناند بالدنسبرجر بخصوص فيرتر. يمكننا أيضاً قراءة صفحات هنري ميسشونيك النقدية أحياناً، ولكنها مثيرة، حول تلقي الشعر الألماني في فرنسا بالاعتماد على مبدأ مقارني في غاية الكمال : قل لي أي ألمانية تعاشر، أقل لك مَنْ أنت " (30) .‏

- أوجه التلقي النقدي.‏

انطلق إيف شيفريل، في إسهامه الذي أعطاه إلى كتابه الوجيز) من الصيغة الشهيرة X ET Y) من أجل تعريف البحوث التي تهتم بمتابعة أثر عمل أو كاتب خارج حدوده). إنه يميز أولاً أربع فئات كبيرة.‏

1- الفئة الأولى التي يعدها نموذجاً " حيادياً " X في البلد) Y ، معرفة X من قبل Y ؛ وحضور X عند Y ، واستقبال X من قبل Y .‏

2- وفئة توضح عمل X : ثروة، نجاح، شهرة، نفوذ، انتشار، الأثر، وبالتأكيد التأثير.‏

3- وفئة تطرح أوجه إعادة إنتاج X ، أو طرقه : وجه، صورة، انعكاس، مرآة انعكاسات X في مرآة البلد Y) ، صدى، أثر دوي، انكسارات، تبدل أوتبدلات.‏

4- وفئة مركزة على موقف Y : ردة فعل، رأي، قراءة، نقد توجه التوجهات الأجنبية لـ Y).‏

لاحظ إيف شيفريل، بحق، ثبات بعض المجالات الدلالية علم الأصوات، والأجواء) ولكنه يهمل بغرابة المجال الدلالي للبصريات التي لايمكننا أن نقلل من أهميتها وجه، صورة، انعكاس، مرآة، انحراف، وطبعاً قراءة)‏

- دراسات الحالة :‏

إذا انتقلنا من الكلمة المفهومية متعلقة بمفهوم) الصغيرة إلى دراسة الحالة، يمكننا أن نميز تتمة مدهشة للتنفيذات، التي يمكن أن تصنف وفق بعض العنوانات البسيطة.‏

- فرد، وعمل.‏

فرد محدد يستقبل عملاً محدداً، أو الكاتب، الناقد X القارئ للعمل Y X هي إذن المُسْتقبلِ، وY هي الموضوع المُستقْبَل ).‏

وهذه غالباً دراسات سريعة، ولكن يجب الاعتراف أنه في الأدب أو في التاريخ الثقافي، لا وجود للفرد المعزول. هذا ما يظهره إيف شيفريل مع حالة الكاتب الألماني فونتان، قارئ زولا.‏

ترتكز مثل هذه الدراسة عن التلقي على الفرضية التالية : لا تأخذ حالة محددة مدروسة معناها إلا إذا أُلحقت بسلسلة من الحالات الأخرى من النوع نفسه، والتي هي كذلك عناصر تكوينية لمجموع المنظومة الثقافية الألمانية في العصر. على ماذا سترتكز الدراسة؟‏

إنها تتضمن بياناً كاملاً، إذا أمكن، عن المراجع التي صنعها فونتان لزولا، وتصنيفاً لتصريحات خاصة أو عامة، أو ضمن دراسات نقدية، وأعمال خيالية، من خلال تقارير مباشرة أوغير مباشرة، إلخ)، وصياغة سلسلة من التساؤلات، هناك تساؤل منها أساسي وهو : ما الذي يوجه معرفة فونتان لعمل زولا؟‏

أعطيت إجابات عديدة عن هذا السؤال : في البداية حماس ابن فونتان لكاتب لايعرفه هو الروائي إلا قليلاً ، وقراءة مقالة نقدية قاسية ضد زولا، ثم بعد ثلاث سنوات، قرار فونتان بقراءة زولا بصورة حقيقية. يطرح سؤال نفسه حول اختيار العنوانات، ومن ثم يجب مقابلة ؟) قراءاته مع قراءات مواطنيه في العصر نفسه.‏

خاتمة:‏

" معلومة ناقصة جداً " وقديمة، في حين أن النقد، بصورة عامة، يؤكد على تعاطف الروائي الألماني الكبير مع زولا والحركة الطبيعية. كان ممكن تناول عملية المقارنة من اتجاهين اثنين : أولاً كاتب ألماني مقابل كاتب فرنسي، ثم المجابهة) الضرورية للكاتب الألماني مع كتاب آخرين من الجنسية نفسها. يضاف إلى التوسع الذي يأتي ليعقّد البحث، استقصاء يتوجه إلى الأدب والثقافة المستقبلِة.‏

- مجال ثقافي، وعمل:‏

الصيغة هي بصورة عامة : " البلد X مقابل الكاتب Y ". ويسجل إيف شيفريل الاتجاه الحالي للبحث : ليس X فرنسياً) في البلد Y ، لكن " فرنسا أمام الكاتب الأجنبي Y " وهو مستعد لاعتبار أن الأمر يتعلق برواية مختلفة " للأجنبي من وجهة نظر فرنسا "‏

خدمت هذه الصيغة في بداية الدراسات IMAGOLOGIE ) وأيضاً في دراسة حول تأثير عمل في مجال ثقافي معين " مما يؤدي إلى التركيز على اختلاف الانعكاسات) كلمة أخرى مستعارة من علم البصريات، يجب تسجيل ذلك). سنذكر الدراسة النموذجية لآلان مونتاندون، استقبال لورانس ستيرن في ألمانيا، كليرمون - فيراند، مطابع الجامعة، 1986).‏

- مجالات ثقافية عديدة، وعمل.‏

من المغري أخذ مثال ألمانيا والنمسا، ولكن يجب في هذه الحالة إضافة سويسرا الألمانية من أجل تسويغ كلمة عديدة). ويحتفظ بدراسة كلود دوغريف - غوروخوف، بوصفها الأكثر تجديداً وتعقيداً، حول حالة استقبال مقارن) : "غوغول في روسيا وفرنسا، 1948 ". نقتبس من كلود دوغريف : " يبدو أن مثل هذه الدراسة يمكنها أخيراً الأخذ في الحسبان الاختلافات وكذلك أيضاً التقاربات الثقافية بين بلدين من وجهة نظر عالمية وحتى أنتروبولوجية )، مراعاة للتوافقات الفردية في التقديرات، وفي التفسيرات خاصة.‏

[....] إن المواجهة بين مستقبلين أوأكثر تدعو إذن، في نهاية المطاف، إلى الأخذ في الحسبان ليس ماهو عرضي ودائم، ووطني ،وعالمي، ولكن ما يقوم على المستقبلين وكتاباتهم الثانية، وما يتعلق بالخصوصيات الجمالية لعمل ما ".‏

إننا سنلاحظ ما الذي كانت قد قدمته مسبقاً بالقوة هذه الحالة من الرمز ضمن الحالة الأولى، لأنه وجب إضافة أسماء أخرى إلى الكاتب المستقبل من أجل تقويم أحكامه ونوعية استقباله.‏

سنحتفظ أيضاً بحكم إيف شيفريل حول هذا النموذج من الدراسة الذي يعود إلى العمل، وإلى الإبداع المتفرد، الذي لم يُنسَ بل على العكس اغتنى بالدراسة المتزامنة لقراءاته وتفسيراته " يبدو التلقي المقارن هكذا كأحد المثل الذي يمكن أن تمتد إليه دراسات التلقي، موفّقة بين مقارنة الظاهرة الأدبية وبين الأخذ في الحسبان للقراءات المنفذة حقيقة"‏

يمكننا التساؤل عن كلمة وفّق) التي ستبدو أنها تشير إلى أن الاتحاد المقترح من قبل كلود دو غريف لم يكن مقبولاً دائماً ضمن دراسات التلقي، وأن هذه الدراسات قد نُسيت إذن أو حُجّمت مقاربة الظاهرة الأدبية). لن نعرف بصورة أفضل تعريف الانحدار الذي يمكن، في الواقع، أن تنزلق إليه دراسات التلقي.‏

- المتلقي الواحد، والأعمال العديدة :‏

مثال مختار: "تلقي المسرح الاسكندناقي في فرنسا " ولكن يستطيع المتلقي أيضاً أن يكون فرداً، أو مجالاً ثقافياً، أو مجموعاً من المجالات الثقافية. في الواقع، إن تعدد الأعمال يميل غالباً إلى التعدد داخل مجموع : " التعبيرية الألمانية واستقبالها في فرنسا". ضمن هذا الطريق يسجل إيف شيفريل تعميمات أكثر سعة أيضاً. إنها تؤدي إما إلى دراسات للصور مدخلة الأدب ضمن دراستها لمعرفة ثقافة - المصدر المنظور إليها) وتقديمها عبر ثقافة - الاستقبال الناظرة)، أو إلى دراسات تاريخ الأفكار " الأدب الفرنسي والفكر الهندوسي " مثلاً)، إذا كان من الممكن دائماً، نظرياً توسيع الامتداد الجغرافي، فإن إيف شيفريل يسجل أنه من الضروري تحديد نهايات البحث في الفضاء والزمان، وعدم نسيان نهاية دراسة التلقي : ليس قط " تكديس الوثائق، ولكن القيام بتبويبات وفق ما نريد درسه ." هكذا وجد، مع التبويب، المبدأ المركزي للتساؤل المقارني. بالإضافة إلى ذلك، فإن فكرة تاريخ التلقي) دخلت في سباق مع " جمالية التلقي ". وهذه الأخيرة " لاتنفصل عن منظور ظاهراتي يركز فيه على الموضوع الفني وقدراته على توليد متعة فنية "، أما الأولى فإنها " أدخلت الاستمرارية وركزت على المستقبلين في المنظومة الثقافية " تبقى مسألة وقع النص الأجنبي ضمن سياق معين، مسألة أولية. ولكن كيف السبيل إلى تحقيق هذا التاريخ للاتصالات وآثار النص الأجنبي الذي غالباً ما يكون مترجماً؟‏

- المظهر الجانبي للبحث :‏

يمكن تمييز ثلاثة أزمنة للدراسة لن تفاجئنا : أولاً زمن الترجمات، ثم زمن الطباعة، والنشر الطباعي بصورة عامة، ونشاط الوسطاء، وأخيراً زمن تحليل الخطابات النقدية المرافقة. نقطة معقدة، هذا ما يُستنتج من ضخامة الأبحاث لجمع مواد مبعثرة في الصحف، والمجلات، من أجل تشكيل نوع من الكتاب الصحفي) أو الملف الصحفي الذي نجده عند الناشرين. يتطلب هذا البحث عمل فريق والمعالجة المعلوماتية للمعلومات. يمكننا أن نأمل تكوين برامج من خلال بلد أو مقاطع تاريخية فائدة الأبحاث التزامنية بصورة واسعة من أجل إكثار المقارنات الأفقية " متعلق بالأفق "، وجعل المراجعات أكثر نظامية) لقد تحدثنا عن بحوث، ولكن من المؤكد أيضاً أنه يمكن لملف مفصل أن يشكل موضوع عمل تعليمي إنما ضمن فريق أيضاً انظر الفصل العاشر).‏

تبقى الاستفادة من الملف، ومجموع النصوص النقدية. هل التصنيف ممكن؟ يستطيع علم اجتماع التلقي أن يقدم إجابات سياسية أو اجتماعية أكثر منها أدبية أو جمالية. ولكن من المهم تشكيل ذرائعية لقراءة هذه النصوص النقدية، ونوع من الشعرية للخطاب النقدي عن الأجنبي، مثلما أمكن استشفافه بخصوص كتابة التوسيط الثقافي أوالرحلة في الفصل السابق.‏

- التلقي والخطاب والنقدي .‏

لنستخلص بعض محاور القراءة من أجل المقارنات.‏

- تعبير البعد.‏

يمكن أن يتهم هذا التعبير أو بالعكس يتجاوز من قبل الناقد، سواء كان معيناً بين النص المُتَرْجمَ) الذي قُدم) والجمهور الذي يتوجه إليه الناقد، أم لا. لقد رأينا سابقاً هذه المشكلة في معرض الترجمة. يمكن أن يكون البعد ذا طبيعة عقائدية أحكام عن الكاتب، وعن بلده أيضاً، وعن قارته)، أو ذا طبيعة جمالية أسلوب غير معروف، كتابة جديدة، كتابة أوترجمة جيدة أو سيئة). يمكن أن يعبر عن نفسه في مستوى الخيال مقالة تشير إلى عمل بموضوعاتية غير اعتيادية، وعالم نفسي للشخصيات دون مقارنة مع عناصر الثقافة - المستقبِلة ... إلخ)‏

- معايير جمالية وفوق - أدبية.‏

سنقوّم القسم الخاص لهذه المعايير. يقول إيف شيفريل :" يتطلب الحديث عن عمل أجنبي قراراً، وجهداً ليس مسلماً بهما ".‏

هنا تستطيع أن تتدخل نتائج التحليلات التي تنتج عن علم اجتماع التلقي وعلم دراسة الصور للثقافة - المصدر التي ينبثق عنها النص المترجم والمنقود.‏

- التنظيم الداخلي للخطاب النقدي.‏

كيف يسير الخطاب؟ ماهو قسم التلخيص، والكلام المسهب في تقديم السيرة الذاتية للمؤلف مشهور في الثقافة المنظور إليها، أو مازال غير معروف في الثقافة الناظرة، والخطاب عن البلد الأجنبي أكثر منه عن العمل السياق مهم أكثر من النص)، وقسم التعميم، والتطبيع للكاتب استخدام المقارنات، والتشابهات حول الكاتب : بلزاك إيزلندا ... فيكتورهوغر كوريا ...)، وحول العمل تقاربات - الكلمة ذات الدلالة - مع أعمال من الثقافة - المستقبِلة ؟"‏

- البلاغة .‏

يمكننا الاستمرار بنزع أنماط التراكيب)، و العلل) التي تحكم منطق الخطاب والأحكام عن الأجنبي. نضيف التعرف، ضمن الكتابات المراجعة، على الصمت، إذن على التجاهل، والرفض، والنسيان، والسخرية. هنا أيضاً، يمكن أن يكون الصمت بليغاً ويكشف عن استراتيجية) للاتلقي، والتي يجب، عندئذ تفسيرها .‏

- تقويم مرفقات النص :‏

في موازاة الخطابات النقدية، يوجد معطيات وممارسات ثقافية أخرى يجب أخذها في الحسبان من أجل امتلاك نظرة شاملة تقريباً عن ظاهرة التلقي : الأحاديث ،والمقابلات التي أعطاها الكاتب، والتي تتطلب غالباً إعادة كتابة من قبل الصحفي، ولعبة بين الكاتب والصحفي أماكن عامة منظمة، وتهرب، وانزلاقات مقصودة كثيراً أو قليلاً )،‏

والقسم المعطى للصورة صورة للكاتب مشجعة على تشكيل صورة أسطورية )، ودور وسائل الإعلام تبعاً لصدور الأعمال، والثمن، والمكافآت، والقسم المخصص للحياة السياسية للكاتب، والدور الممكن لبعض الترجمات الذاتية، والمراسلات غير المنشورة، والكشف عن مخطوطات، ووجود مراسلات من القراء نتذكر دخول هذه الظاهرة على مسرح الأحداث مع جان جاك روسو، وهيلواز الجديدة)‏

ما الذي يجب فعله مع (12) ألف رسالة استلمها بلزاك من المعجبات (31) ؟ وما الذي يجب التفكير به بشأن تدخل القراء في تطور نسيج رواية مسلسلة؟ ومثل ذلك من الأسئلة، بين السخافة الظاهرة وعلم الاجتماع الأدبي المزعج، التي تستطيع أن تجد مكانها الحقيقي في تاريخ التلقي خادمة تاريخ الحياة الأدبية.‏

- جمالية التلقي والنقد الأدبي :‏

ليس خطأ القول مع إيف شيفريل إن القارئ أصبح البطل الحقيقي للبحث الأدبي). إن جمالية التلقي تعد القارئ بمكان حاسم، ومعه أفكار أخرى تأخذ طريقها في النقد الأدبي : التخلي عن تصور جامد للنص لصالح تصور حواري للأدب عبر التفاعل بين النص والقارئ، وضرورة القراءات الجماعية، تذهب بالنسبة لبعضهم إلى حد فكرة غموض العمل الأدبي وعدم اكتماله بانتظار القراء. إن نجاح دراسات التلقي لايمكن إنكاره يشهد على ذلك نجاح مجلة - أعمال ونقد، طبعة جان - ميشيل بلاس) وقد أصاب الدراسات المقارنة مثلما أصاب الدراسات التي قام بها لغويون حول الآداب الأجنبية ،والتي قام بها المتفرنسون الذين طوروا إذن نوعاً من المقارنية الداخلية) قراءات X، أوجه عمل معين) . يبدو أن السبب الأساسي لهذا النجاح بسيط جداً : كل الذين أبدوا بعض التحفظات إزاء الشكلانية مثلما كانت قد استخدمت أحياناً كسلاح ضد التاريخ الأدبي، وبعض الدراسات الموضوعاتية)، أو إزاء نوع من البنيوية الغربية المعارضة للتاريخ بشدة)، أو إزاء نوع من علم الاجتماع المذهبي، تبنوا إشكالية التلقي التي سمحت لهم بممارسة التاريخ الأدبي والتحليل الأدبي اللذين لم يفصلا عن الحقائق الثقافية والاجتماعية. من الآن وصاعداً يجب الاعتراف بأن دراسات التلقي، من خلال ضخامة الوثائق، وأبحاثها الدقيقة، والمعايرة الدقيقة بين الكمي والكيفي، مع مغريات للمحاولة الأولى التي لا ترد وتكون مطمئنة، تستطيع أحياناً أن تعطي الانطباع بتجديد نوع من الميل لدراسة علاقات الواقع) في الدراسة الأدبية. في كل حالة، إنها تؤدي، بعد محاولات عديدة، إلى اضطراب المؤلف، والوحدة بين الإنسان والعمل) أيضاً، والذي كان، مثلما هوالحال بالنسبة لراسين، في قلب النزاع بين النقد القديم والنقد الجديد. وتسهم أي الدراسات) أيضاً في إخفاء الأسئلة المعقدة التي تتصل بالإبداع، وهي كلمة يسمها بعضهم بالمثالية.‏

مع موضوع التلقي، هناك قراءات جديدة مقترحة على الفكر النقدي.‏

(1) انظر ميشيل بالارد، من شيشرون إلى بنجامين : مترجمون، وترجمات، وتأملات، مطابع جامعة ليل، 1992، و، كريستين باغنول، طبعة، رجال الممر، جامعة لييج، 1992.‏

(2) تجربة العالم الأجنبي، غاليمار، 1984‏

(3) ترجمة، بايوت، 1979‏

(4) من أجل السفرية /2/، غاليمار، 1973‏

(5) الغيرية : ما يخص الآخر في مقابل الأنا‏

(6) هندسة لا كمية، وهي فرع من الرياضيات يعنى بدراسة موقع الشيء الهندسي بالنسبة إلى الأشياء الأخرى، لا بالنسبة لشكله وحجمه.‏

(7) انظر بول شاقي، المترجمون قديماً، العصر الوسيط والنهضة، باريس جنيف، شامبيون _ سلاتكين، 1988، مجلدان‏

(8) انظر، ثيوهيرمان، المعالجات في الأدب، دراسات في الأدب المترجم، لندن، سيدني، كروم هيلم، 1985.‏

(9) انظر روجر زوبر، الخائنات الجميلات، وتكوين الذوق الكلاسيكي، بيرو ألبانكور وغويزدو بلزاك، كولان، 1968‏

(10) انظر كتابة التوسيط، ص 29.‏

(11) انظر جاك غوري، طبعة ب. لوتورنور، تمهيد لشكسبير المترجم عن الانكليزية، دورز، 1990.‏

(12) متعلق بإيطاليا القديمة‏

(13) انظر جيمس س. هولمز، طبعة الأدب والترجمة، لوفين، آكو، 1978‏

(14) علم الدلالة ،سوي، 1967‏

(15) توجيهات يكتبها مؤلف المسرحية اليونانية القديمة في النص ليتقيد به المخرج والممثلون.‏

(16) سلسلة Helveticum? 1989 / 10‏

(17) سلسلة هيلفيتيكوم، 1986‏

(18) تطور الشعر في فرنسا - 1780-1830. و - مقدمة لتحليل التداخلات النظامية، مطبعة جامعة لوفين، 1978، و- مئة عام على النظرية الفرنسية للترجمة : من باتو إلى ليتري - 1748 - 1847، مطابع جامعة ليل، 1993‏

(19) غاليمار، 1963‏

(20) التصورية المطلقة : مذهب يقرر أن الأنا وحده هو الموجود، وأن الفكر لايدرك سوى تصوراته . المترجم ).‏

(21) الكليات : هي المعاني المجردة الخمسة : الجنس، والنوع، والفصل، والخاصة، والعرض العام، وقد سماها أرسطو المحمولات. المترجم)‏

(22) الأمجية : صورة ذهنية مثالية يكونها شخص عن أعضاء أسرته أوعن نفسه، المترجم )‏

(23) أي ذات الأصل اللاتيني، والمقصودة هنا هي اللغة الفرنسية.‏

(24) انظر هانس - روبيرياوس، من أجل جمالية للتلقي، غاليمار 1978.‏

(25) فعل القراءة، بروكسل، 1985‏

(26) أدخل هذا المفهوم فولفغانع إيزر‏

(27) عنوان الكتاب ما الأدب المقارن ؟) قمنا بترجمته وصدر عن دار ماجد علاء الدين، دمشق، 1996‏

(28) متعلق بحدث أو واقعة‏

(29) انظر Romanistische Zeitschrift fiir literaturgeschichte , 1979 / 1-2‏

(30) انظر - القافية والحياة، فيرديية، 1989 .‏

(31) انظر جوزي لويس دياز - الكتابة للكاتب، مجلة نصية، 1994‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244