|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 01:15 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
القسم الأوّل الخصومة بين الطائيين خصومة فنية بين مذهبين متباينين في الشعر: مذهب المحدثين، ويمثله أبو تمام، ومذهب القدماء ويمثله البحتري. والخصومة بين القدماء والمحدثين في الشعر قديمة، تعود في أصولها إلى خروج العرب من جزيرتهم مع حركة الفتوح، واحتكاكهم بالحضارات المجاورة. فقد فرض هذا الاحتكاك تغيّراً في طبيعة الحياة الفكرية والثقافية. فكانت هناك عوامل كثيرة تدفع بعجلة الدولة العربية نحو التحديث، غير أنه كانت إلى جانبها عوامل غيرها تحاول الحفاظ على التقليد، وتقييد الأمة العربية الناشئة بقيود الثبات والجمود. عن هذه العوامل الكثيرة التي كانت تدفع الدولة العربية نحو التجديد، يقول محمد صبري: " إن عصر الأمويين والعباسيين كان في الواقع عصر انتقال وقلق: انتقال في الحياة من عيشة البدو إلى عيشة الحضر، انتقال في الدين، وهو أكثر الانتقالات اضطراباً، إذ تنتشر في أطرافه الفتن والملل والتعصب والإباحية والحقائق والأباطيل، انتقال في النظام الاجتماعي بعد أن احتك العرب بمدنيّة الفرس والروم، وكثر الأعاجم والأتراك في الجيش والإدارة، واشتد النزاع بينهم وبين العرب، انتقال من الشظف والخصومة إلى الترف، انتقال في اللغة بعد انقراض العرب الأول، وقصور اللغة في الاصطلاحات العلمية والفلسفية والإدارية الجديدة " (1) وإلى جانب هذه العوامل، كانت هناك عوامل أخرى تدعو إلى البقاء في إطار التقليد. من هذه العوامل: التحدّي الشعوبي، واتصال الشعر بالدين وطلب الشعراء للشهرة والانتشار. يقول محمد مندور: " لقد جاء العصر العباسي (2).وأخذ العرب يجدّون في جمع تراثهم الروحي. وكان من الطبيعي أن ينصرف أول جهدهم إلى المحافظة على لغتهم من العجمة، التي أخذت تتسرّب إليها بعد الفتوحات. وعلى سلامة تلك اللغة يتوّقف فهمهم لمصادر دينهم، وهو أعزّ ما يملكون. ولذا حرص علماؤهم على تدوين الشعر القديم، يتخذونه حجّة في تفسير القرآن والحديث. ولم يكن يشغلهم، إذ ذاك، جمال ذلك الشعر، قدر ما شغلتهم صلاحيته للاستشهاد. فاتصال الشعر بالدين هو السبب الأكبر في الانتصار للقديم. ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل امتدّ إلى الشعراء أنفسهم، إذ لم يروا بدّاً - لكي يروى عنهم شعرهم وينتشر - من أن يحاكوا الشعر القديم، لافي أسلوبه فحسب، بل في بنائه الفني ".(3). فكان لابدّ، وقد تفاعلت هذه العوامل بعضها مع بعض، أن ينشأ صراع بين الحضارة الجديدة والتقليد المتوارث، مما أدّى إلى بروز ازدواجية في الحياة والفكر العربيين (4) فقد كانت الحضارة الجديدة تدفع الحياة العربية إلى الأمام، فتندفع في الحضارة المادية، على حين " كانت تنجذب إلى الوراء بحكم الدين وبحكم اللغة " (5). إن ارتباط الدين باللغة كان سبباً هاماً في تقصير الشعر عن مجاراة الحياة الجديدة والتعبير عنها. فاللغة العربية، بحسب طه حسين " لغة دينية، والاحتفاظ بأصولها وقواعدها، والاحتياط في صيانتها من التطور وآثاره السيئة، واجب ديني، لا سبيل إلى جحوده أو التقصير فيه " (6). لهذا عُدّ أي خروج على اللغة خروجاً على الدين، وقوبل بالسخط والرفض والعداوة. (7). ولهذا أيضاً، كان لابدّ لأيّ تجديد أن يقترن بالخروج على الدين. " فالشعر العربي لم يبدأ بالنهوض، إلاّ حين بدأ يقيم مسافة بينه وبين (الايديولوجية الدينية) من جهة، وبينه وبين (الجماعة) بالمعنى الديني، من جهة ثانية... وقد بلغت هذه الحركة من الانفصال أَوْجَهَا في نهاية القرن الثالث الهجري، (كذا) في نتاج أبي نواس وأبي تمام " (8). وقد ساهمت السلطة المدنية إلى جانب السلطة الدينية في إسباغ هذه القدسية على اللغة العربية، أيام الدولة الأموية. فحلفاء بني أمية كانوا يولون اللغة العربية عناية كبيرة، فيرسلون أبناءهم إلى البادية، لينهلوا من معين الفصاحة العربية.. وهو الأمر الذي ما عدنا نراه عند خلفاء بني العباس، الذين ما كانوا "يحبّون البادية، ولا يحنّون إليها ولا يتكلّفون في قصورهم عيشة أهلها. إنما قطعوا بينهم وبين هذه العيشة كل صلة، واتخذوا لأنفسهم من ملوك الفرس مُثلاً يحتذونها في ضروب الحياة ". (9). وإذا كان هذا الكلام يوحي بأن العصر الأموي كان عصر ثبات، وأن التحديث في لفظ الشعر ومعناه بدأ في العصر العباسي خاصة، فإن طه حسين يرى أننا " نظلم العصر الأموي، ونظلم معه تاريخ الأدب العربي.. فإنّ العصر الأموي قد كان عصر تجديد أيضاً، بل قد كان عصر تجديد قوي ظاهر في اللفظ والمعنى ." وربما كان عصر الأمويين، من هذه الناحية، أخصب وأكثر إنتاجاً من عصر العباسيين. فقد حاول الشعر في هذا العصر أن يتجدّد لافي لفظه ومعناه فحسب، بل فيهما وفي الموضوع أيضاً (10). ولكن هذه المحاولة لم توفق توفيقاً تاماً، لأن عصر الأمويين لم يطل، ولأنه لم يكن عصر ثبات واطمئنان، وإنما كان عصر تحوّل وانتقال ،(11). لهذا لم ينشأ صراع أو خصومة حول شعر الأمويين. وتعليل ذلك " أنهم لم يحدثوا شيئاً يخرجون به على طريقة العرب فنياً (وإن جدّدوا في الموضوعات)، وأنهم في خروجهم، أو خروج بعضهم - على الأصح، لأن أخبار هذا الخروج تدور على شعر الفرزدق وحده - لم يعدمَوا من يحتج لهم من علماء العربية أنفسهم، وأنّ معاصرتهم علماء العربية - وهي سبب من أسباب تقليل شأنهم لدى العلماء في رأي ابن قتيبة - مسألة كفلت السنون بمرها إهمالها"(12). إن التجديد الفعلي في الشعر إذاً، لم يحدث إلاّ في العصر العباسي، وسط مناخ جديد، أقلّ ما يقال عنه: إنه ثورة على كل التقاليد وسبيلٌ إلى أيّ تطوّر. فقد كانت " ظاهرة الإباحة والإسراف في حرية الفكر وكثرة الازدراء لكل قديم، ديناً كان هذا القديم أم خلقاً أم سياسة أم أدباً، ظاهرة غريبة مدهشة في هذا العصر"(13). فانتصرت، نتيجة ذلك، الحضارة الجديدة في العصر العباسي. وكان انتصارها عاماً شمل الحياة المادية والفكرية، فكان لابد أن يتأثر الأدب أيضاً بذلك، ويتغيّر خطابه. فمع انتصار الحضارة العباسية: " اشتدت رغبة العرب من أهل المدن على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم الاجتماعية، وكان هذا الانتصار عاماً، تناول الحياة المادية والعقلية، وتناول معهما حياة الشعور. ففكر العرب المحدثون بطريقة تخالف مخالفة شديدة تفكير العرب القدماء، وعاشوا كذلك في دورهم وقصورهم عيشة تخالف عيشة آبائهم، وظهرت عندهم العلوم وضروب الفلسفة، وتغيّر لهذا كله حسّهم وشعورهم، فتغيّر لسان هذا الحسّ وهذا الشعور، وهو الأدب، نثراً كان أو شعراً "(14). ولعلّ أبا نواس أبرز من حمل لواء التجديد في ذلك العصر، مع بشار بن برد (15)، ومسلم بن الوليد (16). غير أنه برّز على صاحبيه، فكانت له تلك المكانة المتميزّة في التجديد في تاريخ الشعر العربي. وسبب ذلك يعود إلى أنه " لم يكتف كصاحبيه بما قام به من تجديد يلائم روح العصر ويبدو في صورة تطور طبيعي لا يمثل ثورة واعية على القديم، بل هاجم مع هذا تقاليد القصيدة العربية القديمة هجوماً عنيفاً، وسخر في شعره من مطالعها التقليدية التي تتحدث عن الأطلال وبكاء الآثار والدِمَن، فعدّه لذلك نقاد الشعر ومؤرخوه مجدداً ثائراً، وعدّوا الدور الذي قام به خصومة واعية بين الجديد والقديم، وإنْ كانت خصومة من جانب واحد، إذ لم يقم حوله من الجدل ما قام حول أبي تمام، ولم ينقسم الناس حوله إلى أنصار وخصوم "( 17). ولعل سبب عدم انقسام الناس حوله إلى أنصار وخصوم، يرجع إلى أنه في تجديده ثار على العرف العام وعلى موضوعات الشعر دون أن يتنكب عن عمود الشعر العربي. والدليل على ذلك أنّ النقاد القدماء كانوا راضين عنه جملة، ماعدا إفحاشه في القول وجرأته على العرف وخروجه عن العادات الحميدة " (18). ويُسْتشْهد على ذلك بقول الجاحظ في أبي نواس: " ما رأيت رجلاً أعلم باللغة من أبي نواس، ولا أفصح لهجة مع مجانبة الاستكراه ". ويذكر أيضاً قول ابن السكيت في الرواية: " إذا رويت من أشعار الجاهليين فلامريء القيس والأعشى، ومن الإسلاميين فلجرير والفرزدق، ومن المحدثين فلأبي نواس فحسبك ". (18) لقد كان أبو نواس ينزع في تجديده إلى الثورة على عمود الشعر، غير أنه بقي يرسف فيه، لهذا لم يثر النقاد عليه. هذا في حين ثاروا على أبي تمام لأنه تناول في تجديده " بنية الشعر وتركيبه، أو عموده كما يقول النقاد القدماء "(19) ولأنه اتخذ من هذه الثورة مذهباً طبقه في شعره دون أن يدعيه ادّعاءً(20). إنّ كلاً من أبي نواس وأبي تمام ثار على عمود الشعر، لكن الخصومة لم تعنف إلاّ حول الثاني، لأن ثورة الأول بقيت في حيز التنظير، بينما انتقلت ثورة الثاني من التنظير إلى التطبيق. وممّا مهّد للخصومة حول شعر أبي تمام دون أبي نواس أيضاً، عدم وضوح مذهب نقدي لمعاصري الثاني ولاحقيه. فالذين " عاصروا أبا نواس وجاؤوا بعده من الأدباء والشعراء وأئمة اللغة، لم يكن لهم في النقد مذهب معروف أو خطّة واضحة " (21). ولعل "كتاب البديع " لابن المعتز (- 196) أول محاولة مكنت للخصومة بين القدماء والمحدثين، وتركت أثراً واضحاً في كتب النقد فيما بعد. لقد كانت هذه المحاولة " من أكبر الأسباب التي مكنت للخصومة بين أنصار القديم وأنصار الحديث، إذ أصبحت مبادئ المذهب معروفة محدّدة. والناظر في موازنة الآمدي (- 370) أو في " أخبار أبي تمام " للصولي (- 335) أو في وساطة الجرجاني (-392 )، أو في غيرها من كتب الأدب، يجد أن ابن المعتز قد أثر على هؤلاء جميعاً. ولو لم يكن له من فضل غير تحديد الاصطلاحات، لكفاه ذلك ليتمتع في تاريخ النقد العربي بمكانة هامة " (22). لكن الخصومة حول مذهب أبي تمام، ما كان لها أن تتخذ شكلها النقدي العنيف الذي اتخذته، لولا ظهور البحتري .( 23). فكان بذلك أمام النقاد نموذجان من الشعر، أحدهما يمثل القديم، والآخر يمثل الجديد. إنّ وجود هذين النموذجين معاً، وفي آن واحد، وكون أبي تمام أستاذاً للبحتري (24)، كان لهما دور كبير في احتدام الصراع حول مذهب التجديد . وربما كان لعقيدة أبي تمام وشهرته أيضاً دور في نشأة الخصومة حول مذهبه. " فقد أدّعى قوم عليه الكفر بل حققوه، وجعلوا ذلك سبباً للطعن على شعره، وتقبيح حسنه "( 25) ويردّ الصولي - بعد ذكر هذه التهمة - على أصحابها، بقوله: " وما ظننت أن كفراً ينقص من شعر، ولا أن إيماناً يزيد فيه."(25) ويقف محمد مندور موقفاً معارضاً للصولي الذي " يريد أن ينتصر لأبي تمام بكل الوسائل، وأن يجرح خصومه بكافة السّبل " (26) فيردّ عليه ادعاءه بأنّ " كتب النقد التي بأيدينا لا تحمل أي صدى لهذه التهمة التي لم نجدها إلاّ عند الصولي "(26). وبذلك يسقط تأثير " تهمة الكفر... في الحكم على شعر أبي تمام من الناحية الفنية "( 27). ويؤكد صالح حسن اليظي نفي هذه التهمة عن خصوم أبي تمام، فيرى أننا " لا نعرف شاعراً في العربية حطّ رأي الناس في اعتقاده من مقدرته الفنية لديهم" (28) ويحسم صاحب الوساطة هذه القضية بقوله :" فلو كانت الديانة عاراً على الشعر، وكان سوء الاعتقاد سبباً لتأخر الشاعر، لوجب أن يُمحى اسم أبي نواس من الدواوين، ويُحذف ذكره إذا عدّت الطبقات، ولكان أوْلاهم بذلك أهل الجاهلية، ومن تشهد الأمة عليه بالكفر، ولوجب أن يكون كعب بن زهير وابن الزّبعري وأضرابهما ممن تناول رسول الله وعاب من أصحابه بكماً خرساً ....، ولكنّ الأمرين متباينان، والدين بمعزل عن الشعر "( 29). لكنني، بعد كل ما تقدّم من حجج، أجدني أميل إلى ادعاء الصولي، بأن تهمة الكفر كانت سبباً " للطعن على شعر أبي تمام وتقبيح حسنه ". ولعلّ موقف الآمدي من استعارات أبي تمام تؤكد مانذهب إليه. يقول د. إحسان عباس :" وإني لأحسّ أنّ وراء بعض أحكام الآمدي أثراً دينياً، فأكثر استعارات أبي تمام التي يجدها الآمدي غثّة، إنما تتعلّق بالدهر والزمان، وربما ارتبط هذا - ارتباطاً شعورياً أو لا شعورياً - بما يُروى في الأثر إلا تسبّوا الدهر )" (30). إن تهمة الكفر التي ألصقت بأبي نواس، ومن قبله من أهل الجاهلية، كانت بسبب سلوك الأول المتهتّك، وطعن الآخرين على رسول الله وأصحابه( 31). وكلا الموقفين شخصّي لايتعدّى أصول الدين (القرآن الكريم والحديث الشريف). أما مع أبي تمام، فالأمر يختلف تماماً، إذ إنه في استعاراته يخالف حديثاً قدسياً، له مكانته المقدسة في نفوس المسلمين. لهذا يمكن القول إن أحد أسباب الطعن على شعر أبي تمام خروجه فيه على أصل من أصول الدين. وليس الدين كما يقول صاحب الوساطة " بمعزل عن الشعر " . وإلى جانب تهمة الكفر، كان للشهرة دورها في الخصومة حول الطائيين، فقد احتلّ كلّ من أبي تمام والبحتري في عصرهما مكانة رفيعة، حتى قيل: " إنهما أخملا في زمانهما خمسمئة شاعر، كلهم مجيد "( 32). والنقاد (من قدماء ومعاصرين) مقرّون لأبي تمام بهذه الزعامة. يقول طه حسين: " أما أبو تمام، فليس من شكّ أنه قد انفرد بالزعامة في وقت من الأوقات (33)، حتى اعترف له بها خصومه، فالبحتري كان يرى نفسه تلميذاً لأبي تمام، وكان يقول: إنما أكلت الخبز بفضل أبي تمام .(34) " فأبو تمام أوّل شاعر إسلامي، استطاع أن يفرض زعامته فرضاً، وأن يعترف له بها الناس جميعاً، دون أن يزاحمه فيها أحد مزاحمة جدية " (35). وليس أدلّ على مكانة أبي تمام هذه في عصره، من وساطته للبحتري عند أهل معرة النعمان (36)، ومن احتكام الشعراء إليه (37)، واستشفاع المذنبين به (38)، وادعاء البعض أنهم إياه ليحتلّوا مركزاً في القلوب (39)، وأمر المعتصم بعشرة آلاف درهم للشاعر على قصيدته الرائية في الأفشين ولمن حفظها وأنشدها، بنصف هذا المقدار (40). أما البحتري، فتحدّثنا الكتب أيضاً الشيء الكثير عن مكانته. " فالمبّرد (286) وكبْرُهُ، (وهو الذي) لم يكن يقوم لأحد ولايتطاول له.. قام إلى البحتري، فاعتنقه وتنحّى عن موضعه وأجلسه"( 41). وعنه يقول (أي المبّرد): إنه " ختم الشعر، وله بيتان لو وضعا إلى شعر زهير لجازا فيه "(42). ويجعله الإسكافيّ أحد أركان البلاغة الثلاثة: " القرآن وكلام الجاحظ، وشعر البحتري " (43) ولايقف الأمر عند هؤلاء، فأبو تمام نفسه يعترف له بإمارة الشعر بعده، وبأنه نعى إليه نفسه (44). إن لشهرة الشاعر ومكانته من عصره، إذاً، دوراً هاماً في اختصام الناس حوله، وما الاختصام حول أبي تمام والبحتري، إلاّ صورة من صور الاعتراف بهذه المكانة، وتلك الشهرة. لهذا السبب لم يختصم الناس حول شعر ديك الجن، فهو، وإن كان يذهب مذهب أبي تمام والشاميين في شعره "، لم يتعرّض إلى ما تعرّض له أبو تمام. ومردّ ذلك " أنه دون أبي تمام مكانة وذيوع صيت " (45). فهو بحسب أبي الفرج " لم يبرح نواحي الشام، ولا وفد إلى العراق، ولا إلى غيره منتجعاً بشعره، ولا متصدّياً لأحد "( 46) هذا، بالإضافة إلى أنه لم يكن يعيش في بيئة أدبية جادّة كبيئة بغداد في العصر العباسي مثلاً " (47) ولمّا كان كلّ إحسان لابد أن يقابل بالإساءة من بعض الناس، فإن شهرة أبي تمام وجدت من يحسده وينافسه عليها (48). وخصوصاً أنه " ما كان أحد من الشعراء يقدر أن يأخذ درهماً بالشعر في حياته " (49). لهذا راح نفر ينشر سيء شعره، طلباً للشهرة والكسب والرفعة. يقول الأصفهاني: " وفي عصرنا هذا... أقوامٌ يتعمدون الرديء من شعره، فينشرونه ويطوون محاسنه، ويستعملون القحة والمكابرة في ذلك، ليقول الجاهل بهم: إنهم لم يبلغوا علم هذا وتمييزه إلاّ بأدب فاضل وعلم ثاقب. وهذا مما يتكسب به كثير من أهل هذا الدهر ويجعلونه، وما جرى مجراه من ثلب الناس وطلب معايبهم، سبباً للترفع وطلباً للرياسة "( 50). إن شهرة أبي تمام ومنافسة خصومه له عليها، إذاً، كانت أحد الأسباب المهمة في الصراع بين أنصار الشاعر وخصومه. وقد ذكر الصولي هذه الطائفة من النقاد (51).، لكن محمد مندور يرفض هذا الادعاء، ويعدّه " تمهيداً من الصولي لإظهار علمه ونباهة ذكره "(52). وآخر سبب يمكننا أن نرجع إليه حدّة الخصومة، هو فارق السنّ. فكان ممّا يزيد في تحامل دعبل على أبي تمام، أنه " كان يوم قدم بغداد - في خلافة المأمون - شاباً صغير السنّ، على حين كان دعبل على أبواب الستين.. فلما تخطّى أبو تمام رقاب الشعراء جميعاً، داخل دعبلاً - فيما يبدو لمتتبع أخباره - حسدُ "( 53). كلّ هذه الأسباب التي ذكرناها، كان لها تأثير في نشأة الخصومة حول مذهب الطائيّين .غير أن أقوى هذه الأسباب، هو خروج أبي تمام على عمود الشعر التقليدي، إذ يمكننا القول: إن معيار الخصومة كان طريقة الأوائل أو ما يسمّى بعمود الشعر. ومَنْ يرجع إلى موازنة الآمدي يتحقق مما نذهب إليه: " فأبو تمام، شعره لايشبه أشعار الأوائل، ولا على طريقتهم" (54)، وهو " شاعر عَدَل في شعره عن مذاهب العرب المألوفة " (55). أما البحتري، " فما فارق عمود الشعر المعروف " (56). وخلاصة الكلام أن الخصومة الشعرية، ماهي إلاّ مظهر من مظاهر الحياة في الأدب. وإذا كانت هذه الخصومة لم تحتدم إلاّ في العصر العباسي، فللصراع الحضاري أثره في ذلك. فكلّ نقلة حضارية تحمل معها بذوراً لأشجار وارفة الظلال في المستقبل، وكفناً لعناصر ما عادت تنسجم مع الحياة الجديدة. فيثور الصراع، لذلك، بين فريق يتمسّك بقديم كانت له الحياة، وفريق يشقّ طريقه في حياة ليست له. وما الحسد وفارق السن والشهرة إلاّ مظاهر لهذا الصراع الوجودي، ولسُنّة الحياة والتطوّر. وإذا كنا قد حصرنا معيار الخصومة بما سّميناه بمذهب الأوائل أو بما يُسمّى بعمود الشعر، فإننا نتساءل: متى يُقيد الشعور بقيد ؟! وهل يمكن للشاعر المبدع أن يلتزم بعناصر العمود كافة ؟! أو لم يخرج الأوائل أنفسهم على تلك القيود (وحتى البحتري) ؟! بل ألم يكن القدماء أكثر انفتاحاً وتحرّراً من أولئك المنظّرين الذين قيّدوا الإبداع ؟! وإذا كان الأمر كذلك، فما تعليله؟ لعلنا أجبنا عن السؤال في مطلع هذا الفصل! r هوامش جذور الخصومة وأسبابها: (1) محمد صبري: أبو عبادة البحتري، ص 8، سلسلة الشوامخ، مطبعة دار الكتب المصرية، 1946 ويقول في الصفحة التاسعة: " وعصر الانتقال بطبيعته من العصور التي لمّا تتكّون فيها شخصية الأمة وتبد ملامحها ويتمّ نضوجها (كذا )، وهو مضطرب بين التقليد والابتكار ". (2) يمكننا تعميم هذه الملحوظات أيضاً على العصر الأموي. انظر صالح حسن اليظي: البحتري بين نقاد عصره، ص 11 وما بعد، ط1، دار الأندلس، بيروت، 1982 . (3) محمد مندور: النقد المنهجي عند العرب، ص 76، دار نهضة مصر، القاهرة، 1972، وانظر اليظي ص 11 وما بعد. (4) انظر صور هذه الازدواجية في حديث الأربعاء لطه حسين 2/10 - 11، ط 10 دار المعارف بمصر د. ت. (5) حديث الأربعاء 2/10. (6) المرجع نفسه 2/10 (7) المرجع نفسه 2/ 10 - 11 (8) أدونيس: الثابت والمتحول 3/ 235 - 236، ط1، دار العودة، بيروت، 1978 -ولعل الصواب: نهاية القرن الثاني. (9) حديث الأربعاء 2/ 21 (10) لقد تجلّى ذلك في الغزل وفي الشعر السياسي. (انظر النقد المنهجي لمندور ص 75) ويقصر طه حسين هذا التجديد على الغزل فقط. (11) حديث الأربعاء 2/ 14 . (12) محمد حسين الأعرجي: الصراع بين القديم والجديد في الشعر العربي، ص 51، وزارة الثقافة، بغداد 1978 . (13) حديث الأربعاء 2/ 22 (14) المرجع نفسه 2/ 27 - 28. (15) يقول أدونيس: " كان بشار في أساس ابتكار اللغة الشعرية المحدثة، أي في أساس الخروج على الأصول الشعرية القديمة. وقد قيل عنه إنه " أستاذ المحدثين، من بحره اغترفوا، وأثره اقتفوا ". (الثابت والمتحول 2 / 106، ط1 ،دار العودة، بيروت 1977. ويقول محمد عبد العزيز الكفراوي عن الشاعر نفسه: إنه " أول من أصاب عناصر الشعر القديم في الصميم، فلم يحفل بدقة التصويرّ، ولم يلتزم الحقيقة فيما يقول، ثم ذهب بعد ذلك وقال الشعر العربي في غزله وهجائه... ولعلّ السرّ في إغفالهم بشاراً أحياناً، أنّ نواحي التجديد عنده لم تكن واضحة في أذهان معظم النقاد الذين لم يحاولوا أن يتعرّفوا على عناصر الشعر القديم، ويعرفوا موقف زعماء المحدثين منها". (الشعر العربي بين الجمود والتطور. ص 215، دار نهضة مصر، القاهرة، 1973. (16) يقول أدونيس: " كان مسلم بن الوليد أول من حاول أن يجعل من الشعر إبداعاً جمالياً بالألفاظ، " وأول من ألطف في المعاني ورقّق في القول " على حد قول ابن قتيبة ". (الثابت والمتحول 2 / 106. (17) عبد القادر القط: حركات التجديد في الشعر العباسي، ص 409، في " إلى طه حسين في عيد ميلاده السبعين "، دار المعارف بمصر، 1962. (18) عبد الكريم اليافي: دراسات فنية في الأدب العربي، ص 107 - 108، ط2، دار الحياة، 1972. (19) المرجع نفسه 107، وانظر محمد العزيز الكفراوي: تاريخ الشعر العربي 2/ 202، مكتبة نهضة مصر، القاهرة، 1964 - انظر أيضاً النقد المنهجي لمندور 75. (20) انظر محمود الربداوي: الحركة النقدية حول مذهب أبي تمام، ص 4-5، دار الفكر، د. ت (21) حديث الأربعاء 2/51 (22) النقد المنهجي 61 (23) يقول أحمد أمين " وشاء القدر أن يعاصره البحتري، وهو... لا يبعد عن عمود الشعر ...فساعده وجود البحتري على انقسام الأدباء والعلماء " في مقدمته أأأ هـ لكتاب أبي بكر الصولي: أخبار أبي تمام، تح: خليل محمود عساكر ومحمد عبده عزام ونظير الإسلام الهندي، المكتب التجاري، بيروت، د. ت (24) لا يُفهم من أستذة أبي تمام للبحتري، وتلمذة الثاني للأول، المعنى الحرفي. فالبحتري كان مكتمل الشاعرية حين قابل أبا تمام... و إنما انتفاعه منه ونصائح هذا له في وصيته المشهورة (إن صحّت) تجعلنا نطلق صفة التلمذة على البحتري، على سبيل المجاز. (25) أخبار أبي تمام 172 (26) النقد المنهجي 81 (27) المرجع نفسه 82 (28) البحتري بين نقاد عصره 44 (29) القاضي الجرجاني: الوساطة ، ص 64، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي، مطبعة عيسى الحلبي، القاهرة، 1966. (30) إحسان عباس: تاريخ النقد الأدبي عند العرب، ص 170، ط 1، دار الأمانة، بيروت 1971 - ولعلّ ما يعزّز أثر هذه التهمة في مخاصمة أبي تمام، ما ذكره ابن القارح، نقلاً عن الحسن بن رجاء الكاتب، قوله: " جاءني أبو تمام إلى خرسان، فبلغني أنه لا يصلّي، فوكلّتُ به من لازمه أياماً، فلم يره صلّى يوماً واحداً. فعاتبته، فقال: يامولاي، قطعت إلى حضرتك من بغداد، فاحتملتُ المشقّة وبعد الشقّة، ولم أره يثقُل عليّ. فلو كنتُ أعلم أن الصلاة تنفعني وتركها يضرّني، ما تركتها. فأردت قتله، فخشيت أن يُحمل على غير هذا". (رسالة ابن القارح ص 41، ضمن رسالة الغفران للمعري، تح: بنت الشاطئ. ط 3، دار المعارف بمصر، 1963 ). (31) أما الجاهليون القدماء، فقد قُبلت أشعارهم، على ما فيها من كفر، لارتباطها بالنصوص الدينية ارتباط شرح وتفسير، ولأن هؤلاء الشعراء لم تبلغهم الرسالة الإسلامية، ممّا أدّى إلى تخفيف تهمة الكفر عنهم. (32) عمر فروخ: أبو تمام، ص 99، دار لبنان، بيروت، 1978. (33) يقول الصولي: " حدثني أبو الحسن الكاتب قال: كان إبراهيم بن الفرج البنْدنيجي الشاعر يجيئنا كثيراً، وكان أعلم الناس بالشعر، ويجيئنا البحتري وعليّ بن العباس الرومي، وكانوا إذا ذكروا أبا تمام عظموه، ورفعوا مقداره في الشعر، حتى يقدّموه على أكثر الشعراء، وكلّ يقرّ بأستاذيّته، وإنه منه تعلّم. وقال: هؤلاء أعلم أهل زمانهم بالشعر، وأشعر من بقي ". أخبار البحتري 147- 148، تح صالح الأشتر، ط2، دار الفكر، دمشق 1964 . (34) انظر أخبار البحتري 60، 148؟ (35) من حديث الشعر والنثر 100-101، لطه حسين، ط 10، دار المعارف بمصر، 1969. (36) انظر طيف الوليد 127 - 138، لعبد السلام رستم، دار المعارف بمصر، د. ت. (37) المرجع نفسه 67 (38) انظر عبقرية أبي تمام 66، لعبد العزيز سيد الأهل، ط 2، دار العلم للملايين، بيروت، 1962. (39) المرجع نفسه 67 . (40) المرجع نفسه 66 (41) ديوان البحتري 5/ 2760، تح: حسن كامل الصيرفي، ط1، دار المعارف بمصر، 1978 وانظر أخبار البحتري 49- 51، واعتنف الأمر: أخذه بشدة. (42) ديوان البحتري 5/ 2767 (43) المصدر نفسه 5/2770 (44) انظر أخبار البحتري 69- 70 (45) الصراع بين القديم والجديد 81 (46) الأغاني 14/51، لأبي الفرج الأصفهاني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د.ت (47) الصراع بين القديم والجديد 81، حاشية 11 (48) يقول الآمدي: " إنّ دعبلاً كان يشنأ أبا تمام ويحسده ". الموازنة 1/22، تح السيد أحمد صقر، ط2 دار المعارف بمصر، 1972 - وانظر حكاية دعبل والحسن بن وهب، وسبب خصومة الأول لأبي تمام، في: هبة الأيام فيما يتعلق بأبي تمام، ليوسف البديعي، ص 149، نشر محمود مصطفى، مطبعة العلوم، القاهرة 1934. (49) الأغاني 16/ 388، لأبي الفرج الأصفهاني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د.ت (50) المصدر نفسه 61/ 383، وانظر الحاشية (4) من أخبار أبي تمام ص3. (51) يقول الصولي: " فأما الصنف الثاني ممّن يعيب أبا تمام، فَمَن يجعل ذلك سبباً لنباهة، واستجلاباً لمعرفة، إذا كان ساقطاً خاملاً، فألّف في الطعن عليه كتباً، واستغوى عليه قوماً، ليُعرف بخلاف الناس، وليجري له ذكر في النقص إذ لم يقع له حظ في الزيادة ومكسبٌ بالخطأ إذ حُرِمَهُ من جهة الصواب. وقد قيل: خالفْ تُذكر ". أخبار أبي تمام 28. (52) النقد المنهجي 85-86 (53) د. عبد الكريم الاشتر: دعبل بن علي الخزاعي 165- 166، دار الفكر، دمشق 1964 وقد سبقت الإشارة في الحاشية (48) إلى قول الآمدي في حسد دعبل لأبي تمام. (54) الموازنة 1/4 (55) المصدر نفسه 1/23 (56) المصدر نفسه 1/4، 18. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |