|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 01:17 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الدكتور مـــحــمـد مـنـدور (1907 - 1965) " معارك من أجل: الأدب للحياة!! " إن المتابع لحركة الثقافة العربيةعامة والنقد الأدبي خاصة لابدّ سمع عن الدكتور محمد مندور أو قرأ عنه أو قرأ له ،فهو منذ بداية أربعينيات القرن العشرين وحتى منتصف الستينيات منه كان دائم الحضور في معظم جوانب الثقافة العربية، ويختلف الأمر بين أن نعرف ( مندور) من كتبه وكتاباته وبين أن نتعرّف عليه مشاركاً فاعلاً إذ كان لا يغيب عن مسرحية تعرض أو فيلم جاد أومناقشة لعمل إبداعي ظهر حديثاً في الشعر أو الرواية أو القصة القصيرة أو النقد ... كان دائم الحضور كما كان دائم الكتابة والتواصل مع الناس بحيث كان القُراء المتابعون ينتظرون صباح كل يوم الصحف التي كان ( مندور) يكتب فيهاإذ تعوّد منه الناس أن يكتب عن المسرحية التي تعرض أوالكتاب الذي يصدر أو عن موهبة جديدة واعية تحاول أن تبدأ .. وإذا لم يكن الأمر كذلك فالدكتور مندور يشترك في معركة ثقافية أو سياسية تحت غطاء ثقافي لأنه أحد المؤمنين بأن الشعوب في بداية نهضتها كما في الوطن العربي - تتعلم من الفن ونقده أضعاف ماتتعلمه بتعميق من السياسة والفلسفة كما كان أيضاً أحد الذين يؤمنون- المعرفة العلمية وتأصيل المنهج العلمي ،عن طريق الفنون والآداب ومن أجل هذاوذاك خاض ( مندور) معارك متعددة الجوانب إلى آخر حياته، ومن المعروف عنه أنه قال لأحد أصدقائه قبل موته بساعات: " ياأخي إلبس دروعك وتأهب لنخرج سوّياً في غزوة جديدة عظيمة ،ولنطلب هذه المرة الملك (ميداس) نفسه ذا الجعارين الذهبية الكثيرة ..." فقال صاحبه: عوفيت لكل شيء أوان اصبر حتى تسترد قواك ..". حين غاب الرجال وشجاعتهم انتشرت أسراب الخفافيش وجيوش الهوام وخسيس الحشرات بقيادة الملك (ميداس)، تخرب المجتمع العربي توضع نقطة هذا العدو الذي يدعو ( مندور) لقتاله، هو الرجعية التي قضى أنفاسه الأخيرة في 19 أيار ( مايو) عام 1965.، وهو يحاربها. كان أهمُّ ما في حياته محاربة الرجعية: رجعية الفكر - رجعية السياسة، ورجعية السلوك .. وبذلك كانت حياة هذا الرجل فصلاً من كتاب الحرية العظيم في مصر الشقيقة خاصة والوطن العربي الكبير عامة، ذلك الكتاب الذي بدأ فصوله الأولى أمثال محمد عبده، قاسم أمين، طه حسين، علي عبد الرازق .. وغيرهم من هذه الكوكبة الرائدة من أنصار التقدم والحياة .. إن معارك( مندور) اليوميةالساخنةتدعوك لمتابعته فيما يكتب وهذه تدعوك لمتابعة ماكتب في السابق، فمقالات الرجل تقود إلى كتبه وكتبه تقودك إلى الرجل فيه، وترحل مع أفكاره لتجد أنه حين ينظر إلى الجيل السابق لجيله، يجد أن هذاالجيل نجح في شيء وأخفق في اشياء، وأكبر ظواهر الإخفاق في نظره خضوع ذلك الجيل لضغظ الهيئة الاجتماعية ويعترف أن امتداد الزمن بحياة المرء كثيراً ما ينتهي به إلى الصلح مع الحياة، يقول: إن طول العمر كثيراً ماينتهي بنا إلىالصلح مع الحياة لأن الشيوخ عادة أكثر رضىً وتفاؤلاً من الشبان الساخطين المتشائمين.. لهذا يدعو ( مندور ) أبناء جيله إلى التقاط الأسلحة التي ألقاها " سابقونا وأن نناضل لحرية الرأي وكرامة الفكر البشري وتقديس حقوقه غير باغين ولا معتدين ...". وكان يرى أن نجاح أبناء جيله كان أوضح ما يكون في المجال الفني حين انتقلوا بالنثر العربي الحديث بل وبالشعر في السنوات الأخيرة من اللفظ العقيم إلى التعبير المباشر، من الصنّعة إلى الحياة من ( حديث عيسى بن هشام ) إلى " دعاء الكروان " ( ص 9الميزان الجديد)....وهذا ماجعل ( مندور) يواصل دعوته إلى أن نستبدل بقوةاللفظة قوة الروح ونفوذه .. والابتعاد عن الصنعة بأشكالها المختلفة، صنعة اللفظ وصنعة التركيب، ويدعو إلى الإهتمام بتفاصيل الحياة العادية أو كماسماه هو ( فُتات الحياة) والاحتفال بالتفاصيل الحيّة(2). ومن أجل ذلك كانت كتب ( مندور) بدءاً من كتابه النقدي الرائد ( في الميزان الجديد) الذي وضع فيه أفكاره النقدية حول الهمس في الشعر ووقوفه إلى جانب " أدب المهجر " وذلك محاولة منه إدخال الأدب العربي الحديث في تيارات الأدب العالمية، من حيث موضوعاته ووسائله ومناهج دراسته ،كماحاول في هذا الكتاب أن يبين أن الذوق ليس معناه النزوات التحكمية وأن جانباً كبيراً منه ماهو إلاّ رواسب عقلية وشعورية نستطيع إبرازها إلىالضوء وتعليلها( كمايقول ص5 من مقدمة الكتاب المذكور). وبذلك يصبح الذوق وسيلة مشروعة من وسائل المعرفةالتي تصح لدى الغير ،كما يعرّفنا أن بعض النّقاد العرب القُدامى من أمثال ( الآمدي) و(الجرجاني) قد سبقه إلى هذه الحقيقة الأمر الذي حاول إثباته في كتابه الممتاز "النقد المنهجي عند العرب " الذي درس فيه التراث النقدي العربي على ضوء نظرته النقدية، وتابع مندور إصدار الكتب فصدر له كتاب ( في الأدب و النقد )، (النقد والنقاد المعاصرون) - ( مسرح شوقي) ،( مسرح الحكيم) .. ولد (محمد مندور) عام 1907 في محافظة الشرقية - جمهورية مصر العربية لوالد يقرأ ولا يستطيع الكتابة من أتباع المذهب الصوفي النقشبندي الذي يعني النقش على القلب ). تعلم في مدرسة ابتدائية تبعد عن قريته ستة كيلومترات يقطعها يومياً سيراً على الأقدام، وكانت المدرسة أشبه بالسجن لأن المدير يضرب طلابه بمنتهى القسوة التي شلت من شدة الخوف ملكات طلابه . قامت ثورة 1919 و( مندور) طالب في ( منيا القمح) وشاهد ذات خميس مظاهرة يقودها ( البيطار) الذي يْصنع حدوات الخيول .. كانت جموع الفلاّحين تسير وراء ( البيطار) هاتفة ضد الإنجليز .. وفجأة خرج من مركز هناك إثناعشر جندياً بريطانياً، حموا ظهورهم بالحائط ونصبوا مدافعهم الرشاشة واستقبلوا المتظاهرين العزّل برصاص استشهد معه (150) عاملاً وفلاحاً وفي طليعتهم ( البيطار) قائد المظاهرة الذي يتذكر مندور، أنه رآه يركض نحو تُرعة الماء ليبرد النار التي أحرقت جسدّه حين أخترقه الرصاص ،وكثيرون فعلوا مثله وحملت مياه الترعة الجثث إلى قناطر الزقازيق. إن ( مندور) من أوائل الذي أخذوا من الديمقراطية فكرة الحرية ومن الاشتراكية فكرة تدخل الدولة في وسائل الإنتاج كي يتحقق ما نادى به الديمقراطية الاشتراكية أوالديمقراطية الاجتماعية كما كان يُسّميها رافضاً الديمقراطية الحرة - الغربية- لأنها صورة مفرغة من كل مضمون اجتماعي، ولأن هذه الديمقراطية الفارغة لا تتحدث عن الفقر حين تتحدث عن الحرية - وهو أكبر عوامل العبودية. هاجم مندورثقافة النّخبةالتي ترى أن الثقافة( ترف) والعقل عنده لا يعرف الترف، بل هو جهد مثل كل جهد آخر يبذله الإنسان،ولا يقل أثره نفعاً ولا ضرراً عن إي إنتاج مادي . ومنذ عام 1944 طالب مندور بتوحيد القوانين في مصر كما طالب بتوحيد القضاء مستنكراً أن يمتد التشريع إلى ضمير الإنسان وعقيدته الفردية ،كما طالب بأن تبنى القوانين على أساس وضعي اجتماعي. وكان من أجهر الناس صوتاً في هذه الدعوات التي كان حافزه لتطبيقها، إيمانه بكرامة الإنسان . أثمرت هذه الدعوات - بعد عشرين عاماً - أي في ستينيات القرن العشرين، مبدأ توحيد القضاء في مصر العربية . ماذا تعلَّمت من طه جسين؟؟: يقول (مندور)،" يخيل إلي أنني تعلمت من الكتب أكثر مما تعلمت من أشخاص و أنني استفدت من عدد من الموتى القدماء أكثر مما استفدت من الأحياء الذين عاصرتهم وتتلمذت عليهم ومع ذلك فقد أفادني هؤلاء الأساتذة الفائدة الكبرى بأن وجهني كلٌّ منهم إلىناحية من نواحي الثقافة ودّلني على منابعها ،ومكنني من تذوق ثمارها وكان أداة الوصل بيني وبين أولئك الكبار القدماء الذين اغترف من معينهم..". أنا شديد الغيرة على كبريائي أرفض دائماً أن تمسّ أو أن تفنى في كبرياء غيري، ومع ذلك فأنني اعتقد أن الدكتور طه حسين قد كان له أعظم الأثر في توجيهي وذلك لأنني كنتُ عندئذٍ لا أزال متردداً تردداً شديداً بين وحي البيئة وهوى النفس واستعدادها فبيئتي كانت توحي إليّ بأن أدرس القانون لكي أتخرج وكيلاً للنائب العام يهرول أمامه، الخفراء وجند البوليس بل والعمدة نفسه. بينما كان السباعي وهاشم ( مدرسا اللغة العربيةفي المرحلة الثانوية) غرسا في نفسي حب الأدب وتذوقه وجاء طه حسين فحل هذا الصراع الكامن في نفسي بأن أتاح لي الالتحاق بالكليتين معاً بعد أن أحسَّ باستعدادي الأدبي وعنادي الريفي.. وانّني أحمد اليوم هذا الاستعداد وهذا العناد الريفي معاً وذلك لأنه إذا كانت دراسة الأدب والتخصص فيه قد نمت استعدادي وصقلت ذوقي ووسعّت من ثقافتي الأدبية فأن دراسة القانون قد وقتني شرّ البوهيمية العقلية في الأدب ونقده وعودتني الدقة والوضوح والتنظيم والنظام العقلي فيما أعالج من شؤون الأدب والثقافة الأدبية... ولم يقف تأثير طه حسين في حياتي عند هذا التوجيه الحاسم في مستهل تكويني الثقافي، بل ظل يُلاحقني تأثيرهُ سنين طويلة في اتجاهات ثلاثة بالغة الخطورة: الاتجاه الأول: فقد كان نحو التحرر الفكري والثقة بالنفس وكان هذا أول وأهم درس أخلاقي تعلّمته من " طه حسين". أما الدرس الثاني الذي تلقيته عن هذا الأستاذ الكبير فقد كان التوجيه نحو الآداب الأجنبية الكبيرة وبخاصة الأدبين اليوناني القديم، والفرنسي.. وما من شك أنه لولا توجيه طه حسين لما استطعت أن أكتب بعد عودتي عند بدء الحرب العالمية الثانية رسالتي عن النقد العربي القديم وتاريخه وهي الرسالة التي نشرتها بعدئذٍ بعنوان ( النقد المنهجي عند العرب) واعتبرها من أمهات كتبي.. بل لولا هذا التوجيه لما استطعت أن أؤدي الرسالة العامة التي أديتها في مجال النقد العربي. أما الدرس الثالث الذي تعلمته من طه حسين، فهو قدرته على شرح النصوص العربية القديمة وحسن تذوقّها... النقد عند (مندور) .. إبداع : كان إبداع مندور في النقد نابعاً من نظرته إلى أن النقد الحقيقي هو إبداع، لأننا " سيّان أن نحسّ ونفكرونعبّر بمناسبة كتاب أو بمناسبة حادثة أومشهد إنساني ..وكل تفكير لابّد له من مثير"(4).وهدف النقد عند(مندور)يتركز في أمرين أولهما: أن يكون الناقد هادياً لجمهور القراء يسبقهم إلى قراءة ما يقع تحت يده من الكتب، فأن وجد فيها خيراً أظهره ودعا غيره إلى مشاطرته إيّاه، وإن لم يجد فيه شيئاً حدّث القراء عن تجربته لعلّها تفيد. ثانيهما: أن يكون الناقد عوناً للكاتب الجديد على أن يؤدي رسالته لدى الجمهور سواء، أكان هذا الكاتب ناشئاً، ينبعث منه الأمل أم منتهياً قد وفق إلى أمر يخلف على رمال الزمن وقع أقدامه(3). يقول ( مندور) :" أفعل ذلك وفي يقيني دائماً أن التفكير أمر شاق والتعبيرعنه أشق.. والتفكير والكتابة وسيلتنا إلى المساهمة في تجميل الحياة، حياة مواطنينا والدفاع عنها وسبيل ذلك هو الإخلاص لأنفسنا ومجتمعنا...". لا ينسى الدكتور( محمد مندور) وصية أستاذه (.ديهاميل.) لفتاه: " لاتنس أن تعيش .. عش أولاً، عش بكل قواك ثلاثة أشهر لتكتب ثلاثة أيام واكتب ثلاثة أيام لتكتب ثلاث صفحات...."(4). يقول (مندور):" إلى هذا النوع من الأدب الذي تشيع فيه الحياة يتجه إيماني،بحيث لا أطمئن إلى الأدب المجرد، أدب الفكرة الذي يصدرعنه الأستاذ( توفيق الحكيم) فهو أدب سهل لأنه من السهل أن نتخذّ من اشخاص الأساطير رموزاً نحرّكها للتدليل على فكرة ما... هذا الموقف قاد( مندور) لأن يكون ضد أدب(توفيق الحكيم)الذي لم ينهض منه شيء علىالملاحظة المباشرة..وحين يقارنه مع( بلزالك)يرى أن الأخير يفكر بحواسه بينما (الحكيم) يفكر بعقله وأنه -أي الحكيم-حين يبني نصوصه ومسرحياته يتجه إلى عالم الفكر المجرد... والحياة- لسوء الحظ- أشدَّ نفوراً من أن تنطوي تحت خط من خطوط العقل... ومن دواعي هجومه على أدب توفيق- إضافة إلى ماسبق- هو أننا بحاجة إلى ثورة مشروعة علىأدب اللفظ الذي أفسد حياتنا الروحية قروناً طويلة.. ومن أجل هذه القضايا ذاتها، خاض معركة ضارية مع " سيّد قطب " إذ حين دعا مندور إلى الشعر المهموس، من خلال حديثه عن قصيدة (أخي)( لميخائيل نعيمة) خاصة وأدب المهجر عامة عارضه( سيد قطب) قائلاً: " إن آراء مندور هذه تصدر عن شخصية مريضة، ويصفُه كذلك بأنه في الأدب يصدر عن إحساس خاص بالنّساء، عندما يؤيد الميل إلى الهمس في الشعر!!. ويردّ (محمد مندور) على ذلك بأن المفكر الفرنسي( رينان) قد شعر بأنه عظيم الصفات عندما قالوا عنه" بأنه يفكر كرجل ويُحسَّ كامرأة ويتصرف كطفل..". وخاض كذلك معارك عنيفة ضد (عباس محمود العقاد) الذي وصف الدكتور مندور في واحدة منها، أنه ( جاويش في بوليس النجدة) واغتبط (مندور) لهذه الصفة حين قال أناأقبل هذه الصفة مُغتبطاً فليس أحب إلىنفسي من نجدة الحق ضد الباطل والاعتدال ضد التطرف". ولكن مندور ختم معاركه الطويلة مع ( سيد قطب والعقاد) بقوله:" يعصمني أن استمر في المعركة جهل نفضتُه عن نفسي وبربرّيةٌ لا يزال يصدر عنها الفطريون من الناس..."(5). وخاض (مندور) معركة عنيفة ضد الشيخ ( أمين الخولي) صاحب مجلة ( الأمناء) - نسبةً إلى أمين !!- الذي كان أبرز الداعين إلى فرعونية مصر وعزلها عن الوطن العربي إبان كان المدّ القومي العربي في ذروته في خمسينيات وستينيات القرن العشرين . وشنّ (مندور) كذلك معركة قاسية ضد شاعر الملوك(صالح جودت) الذي لم ينشغل يوماً بغير" سيقان الحسناوات) والذي حول مجلة " الهلال" الشهيرة في ظل رئاسته إلىمجلة البحث في السحر والوسطاء الروحانيين والخرافات كما يقول"رجاء النّقاش"(6):" ولعل أشهر معارك ( مندور) الفكرية كانت مع الدكتور( رشاد رشدي)صاحب مسرحية(لعبة الحب)التي حين عُرضت على المسرح فجّرت الخلاف بين(مندور) الناقد الواقعي -المعروف بصيحته الشهيرة:" ياويل الأدب إذا حدّه شيء غيرُ الحياة "..وبين (رشاد رشدي) الناقد البورجوازي الذي يتعامل مع الأدب باعتباره ترفاً فكرياً من منظور أن ( الفنّ للفن) ولا علاقة له بالحياة كماخاض ( مندور) معركة شهيرة ضد " يوسف السباعي" الكاتب الروائي المصري المعروف.. ولعل نظرة بسيطة إلى الأسماء التي خاض (مندور) معاركه ضدها تكشف أكثر موقف هذا الرجل، فكل الذين خاض معهم معاركه كانوا في صف الرجعية بهذا الشكل أو ذاك. مندور.. من الجامعة إلى الحياة : أُجبر ( مندور) على ترك عمله كأستاذ في الجامعة حين شعر بالقيود تحد من حريته.. وخسرت الجامعة استاذاّ كبيراّ، لتكسب الحياة الأدبية ناقداً تقدمياًكان القلب النابض بالحيوية الفكرية في الحركة الفكريةالعربية بعد جيل الرّواد ...إذ أسهم بإخراج الأدب من دائرته الأكاديمية، وقرّبه من المجتمع وهاجم أولئك الذين يقولون بأن الثقافة ترف بقوله: " إن العقل لا يعرف الترف، العقل جهدٌ...وكل جهد لا يقل نفعاً عن أي إنتاج مادي.. وإنما يظلمه الظالمون لأنه غير مرئي النتاج وهذا الجهد يعمل في النفوس، وليس من شك أن العمل في النفس لا يقل قدراً عن العمل في المادة.." وعمل العقل لا يقف عند تهذيب النفس والسمو بها، بل يزيد من قدرة العطاء عندها في كافة أنواع الإنتاج. ومندور من أوائل النّقاد العرب الذين عملوا على تأصيل المذهب الواقعي الاشتراكي في الواقع العربي .. إبداعاً ونقداً - وقد ترسخت هذه القيم عنده بعد جولة له فيما كان يُسمّى (الاتحاد السوفيتي وبلدان أوربا الشرقية ) حيث تحدّث بصراحة الرجال عن لقائه بالواقعية الاشتراكية وتحوّله في مجال النقد من النقد التأثري الانطباعي إلى النقد الايديولوجي الذي تحدث عنه في آخر كتبه ( النقد والنقاد المعاصرون) كما اعترف بأن النقد تخطّى النظريات النقدية التي تلقاها عن أساتذته الفرنسيين ولكن هذاالتطور لم يلغِ عند (مندور) العناصر التي يحتاجها النقد بشكل دائم ".. فقد احتفظ من مرحلته النقدية الأولى بحاسة(الذوق المدّرب)واحتفظ من المرحلة الوسطى( بالمعرفة العقلية) كأداة للتحليل، ثم أضاف إليهما في مرحلته الجديدة الالتزام الايديولوجي إزاء المجتمع "(7). وقد هاجم الكثيرون (مندور) لأنه كان أول مشرف على مجلة (الشرق) التي كان لها بعضُ التأثير في تشكيل الثقافة السائدة.. هذه إشارات سريعة إلى مندور الناقد الانسان الذي لم ييأس ولم ينهزم رغم الأمراض الكثيرة ومنها ضعف البصر، ورغم المعارك الضاريةالتي شنتّها رموز الرجعيّة على اصحاب الأقلام الجريئة والمواقف النبيلة في الوطنية والقومية .. رفض الرجل أن يستريح حتى يتغيّر المجتمع إلى مجتمع تسود فيه قيم العدالة والحرية والديمقراطية.. وكان آخر مقال كتبه قبل رحيله عام 1965 حول مسرحية ( الحصار) لـ(ميخائيل رومان) الكاتب المصري حذّر من الطبقة الجديدة التي يتعاظم ننفوذهاكل يوم. وإذا كان ( نيرودا) شاعر (تشيلي) العظيم قد قال: " ..... السلام عبر الشعر".. فإن( مندور) الناقد الكبير قد آمن بمايمكن أن نقوله: " نحو التقدم عبر الفن والثقافة..". هوامش: 1- دكتور لويس عوض- الثورة والأدب- دار الكاتب العربي للطباعة والنشر القاهرة1967.ص7. 2- دكتور محمد مندور- في الميزان الجديد - مكتبة نهضة مصر- القاهرة - الطبعة الثالثة 1944، ص 94. 3-المصدر نفسه ص10. 4- المصدر نفسه، الصفحة ذاتها. 5- المصدر نفسه ص18. 6- المصدر نفسه ص97. 7- رجاء النقاش، كتاب العربي الثالث - ص 136. 8- دكتور غالي شكري- الناقد المنهج. ص42 9- دكتور محمد مندور- معارك أدبية -دار نهضة مصر للطباعة والنشر القاهرة. د/تا. المراجع والمصادر: * دكتور محمد مندور - النقد والنّقاد المعاصرون- مكتبة نهضة مصر- القاهرة -دون تاريخ. * -دكتور غالي شكري - سوسيولوجيا النقد العربي الحديث- دار الطليعة بيروت، الطبعة الأولى، كانون الأول 1981. * - دكتور محمد مندور- النقد المنهجي عند العرب- مطبعة نهضة مصر،القاهرة، ط1،1948. * - دكتور محمد مندور - في الأدب والنقد- مكتبة نهضة مصر، القاهرة، د/تا. -دكتور محمد مندور، الأدب ومذاهبه، مكتبة نهضة مصر، الطبعة الثانية، 1957. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |