|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 01:17 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
لــويــــــــــــــــس بـــاســـــــــتـور (1822-1895) " أهم ثلاثة ألفاظ عندي: الإرادة، العمل، الصبر " لا يستطيع أحد من البشر أن ينكر دور العالم العظيم " لويس باستور" ... هذا العالم الذي ارتبط اسمه بتخفيف آلام البشر، والذي جعل من الإرادة والعمل والصبر، أهم ثلاثة أركان في حياته شاد عليها هرم نجاحه... إن الإرادة هي التي تفتح أمامنا الباب، باب المهنة السعيدة الناجحة، والعمل يجتاز بنا العتبة في مرحلة يتحّتم فيها علينا الصبر والترقب ثم يُقبل النجاح متوجاً جهودنا الصادقة . كان الصبر على العمل، أهم مايتصف به، وصلابة الرأي أبرزمزاياه وقد تحقق في حياته قول " ماريو بوزو" في رواية " الـعـّـراب " "العظماء لا يولدون في العظمة إنهم يعظمون..." . إن باستور لم يولد عظيماً بل صنع عظمته بإرادته وصبره، كتب عنه أحد معلميه ،يقول: " ... هو أودع رفاقه في الصّف وأصغرهم وأبعدهم عما ينّم عن مخايل النجابة وما يتوسم منه الخير" (1). هذا مارآه معلمه في واقعه المنظور .. ولكن الواقع الممكن الذي صار إليه " باستور" من صنع إرادته ،كان جاداً في طفولته شأنه في صباه وكان ذا نهم للإطلاع لا يشبع، كثير اليقظة والتساؤل في سبيل المعرفة لدرجة أن أحد معلمّيه عنّفه لكثرة أسئلته قائلاً له: " دعني ياهذا أقول لك مرّة أخرى بأن عمل التلميذ ينحصر بالإجابة عن الأسئلة لابإلقائها.."!! بين الوالد والمعلم : كان والد باستور " دباغاً " أراد لابنه أن يكون مثقفاً أوفده إلى( باريس) بعد أن أنهى دراسته الإعدادية في ( أربوي) كي يتابع تحصيله في ( دار المعلمين) لكن المرض أقعده عن متابعة الدراسةهنا، وبعد أن تعافى أرسله والده إلى الكليةالملكية التي تخرج منهاعام 1840يحمل (_ليسانس) في الآداب وكان يدرس الرياضيات في الوقت ذاته وحصل بعد عامين على( بكالوريس) في العلوم التي أولع بهاحداً رغم عدم تفوقّه في الكيمياء التي صمم أن يكون ذا شأن فيها ،رغم نصيحة أصدقاء والده الذين قالوا ": ..يسوؤنا أن يضيع وقت ابنك سدىً في علم لا طائل تحته ولا جدوى...". ولكن الوالد كان يثق بكفاءةابنه، ويثق بما لديه من استعداد وجلد الأمر الذي دعاه ليردَّ على ناصحيه من الأصدقاء بقوله: " أستطيع أن اعتمد على ابني في حسن اختياره ولا ريب عندي أنه لن يختار إلاّ الأصوب..". وحين شعر الفتى أن ثقة الوالد تهتز لضعفه في الكيمياء كتب إليه يقول: " ... عفوك اسأل ورضاك، أرجو منك أن تثق بي وأن تصبر علي سأكون عند حسن ظنّك بي كلّما ثابرت ألا بعض حلمك ياأبي .."(1). تابع " باستور "منهج الدكتوراه في الكيمياء ( بباريس) بنشاط وذهب يعطى بعض الدروس اليومية كي يكسب نفقاته الخاصة ويُتابع تعليمه وراح يقنن في طعامه وشرابه ووقوده حتى يوفر على ذويه وكثيراً ما عضّه الجوع .. كتب عن هذه الفترة من حياته يقول: " ... كان الجوع يشتد بي كان الصداع من الناحية الأخرى يلم بي على أعنف مايكون وهكذا كان الألم يمحو الآخر أو هكذا كان يخيل إليّ يُنسيني الصداع وطأة الجوع..". كان لأستاذه في الكيمياء أثره البالغ في تقدّمه في هذا العلم . دفعه الإعجاب إلى أن يتحدث لوالده عن هذا الأستاذ بقوله :" ..فهو استاذ موهوب حقاً، وهو ليس عالماً فحسب، بل شاعر كذلك، يثير حب الاستطلاع في سامعه إلى أبعد حدود الإثارة،ويُلهب الخيال بلفظه الأنيق وبيانه المجنَّح "(2). كان من أثر هذا الأستاذ أن بدأ الطالب ( باستور ) يُجهزّ أُطروحتين للدكتوراه في هذا العلم ... بدأت أخباره تصل إلى والده الذي قال :" ... تهلّل كلُّ مَنْ في الدار لأنبائك السارة فنحن أعجز من أن نحكم على أطروحتك، ولكننا نستطيع أن نحكم على خُلقك وأنت من أرضيتنا يابني باجتهادك.."(3). باستور وحقيقة اصل الحياة: تقدم باستور نحو النجاح العظيم باجتهاده الذي أرضى والده بينما تخلف رفاقه فحسدوه،وبدأ كثيرُ منهم يصوب إليه سهام الغيرة.. ولكنه تابع بكل جهده اكتشاف لغز الحياة والموت .. قال :" ارجو أن أوفق في خطواتي قريباً بالإجابة عن سؤال الأجيال بألا يستغرق طويلاً بحث هذا الموضوع الشائك خاصة أن الناس يؤمنون بأن الحياة تنشأ تلقائياً من مادة ميته حسب مقولة ( أرسطو) الشهيرة " الحياة تنشأ من جسم رطب يجف أوجسم جاف يرطب.." وذكر " فرجيل" شيئاً قريباً من قول " أرسطو حين قال: " إن النمل ينبثق إلى الحياة من جيفة ثور". وأمام ثبات واستقرار هذه القناعات المسبقة الجاهزة في عقول الناس حوله، كان عليه أن يتجرأ على هذاالإيمان القديم وأن يستعد في الوقت نفسه كي يتحّمل رشقات سهام المؤمنين به لأن أكثرهم علماً كان اشدّهم انتقاداً ،وتطاولاً عليه إلى حد أن نعتوه بالمشعوذ والمهرّج .. وحين أعلن بعض العلماء من معاصريه للنّاس صحة الخلق التلقائي الذي قال به أرسطو.. ابتسم " باستور" وقال لزوجته ماقاله لأبيه في رسالة: " التجارب بعيدة عنهم كل البُعد ،أما ما يقولونه عني فلا قيمة له عندي ولاشأن وعلى رجل العلم أن يفكر بما سيُقال عنه في الأجيال المقبلة لا بالتجريح أوالمديح الذي يُغدق عليه في حاضره ..". وقد وصل الجدل حول أصل الحياة إلى لجنة أقرّت رأي باستور الذي يقول بأن الحياة وحدها تستطيع أن توجد حياة أخرى وهكذا انتصر باستور حين توصل إلى اكتشاف حقيقة أصل الحياة فصار عميداً لجامعة العلوم في (ليل). باستور .. وحفظ الحياة: بعد أن اكتشف حقيقة أصل الحياة، بدأ يفكر بقضية أخرى لعلّها أعظم أهمية من الأولى وهي: كيف يحفظ الحياة؟!شاع عنه ذلك لدرجة أن الناس،هرعوا إليه عندما هبط داءٌ خطير بدودة القز .. تذمروا عندما لم يجدوا الدواء المناسب بالسرعة المناسبة .. وكان يردُّ عليهم بالصبر أخذ الموت أحد أبنائه ،وما جفّت دمعته حتى اختطف الثاني، ثم تطاول على ولده الثالث فهمس في أذنه صديق حميم: " ... أما أن تتابع عملك في مثل هذه الظروف القاسية فجرأة ما بعدها جرأة.." أجابه باستور :" أجهل يا صاحبي مايتعلق بجرأتي كل الجهل، ولكن أعلم ما يتعلق بواجبي كلَّ العلم ..."(4). هذا العلم بالواجب جعله يلازم عمله رغم العواصف حوله بحيث كان يعمل ثماني عشرة ساعة كلَّ يوم..بعد تجارب تميزت بالصبر أعلن " باستور" أن مرض دودة القز موروث عن بيض موبوء ،ونادى بإبادة هذا البيض عند ذلك حاول تجار البيض الانتقام منه وأطلقوا الشائعات ضده وكان يجيب دائماً بالصبر إلى أن تحّول الناس إلى الإيمان بما قال . أقام له سكان القرية التي اشيع أنه طُرد منهاتمثالاً تقديراً له .. وعندما وصله علمُ ذلك قال معلقاً :" ((.. أنا لا أجد في الرخام مجداً وشرفاً فإنما مجدي وشرفي في تخفيف أذى النكبة التي ألّمت ببلادي ولو على حساب التضحيّة بشخصي...". وحين تعجب الكثيرون من أن عمله الدؤوب لم يعد عليه بغير العيش الشريف المتواضع ومنهم نابليون الثالث عندما التقى به قال باستور يرد عليهم: " يحط العالم من قدر نفسه إذا عمل في سبيل نفعه الشخصي . " . صار باستور شهيراً إلى حد كانت فرنسا تهرع إليه عند كل وباء يؤثر في اقتصادها.. على أثر صفقة فاسدة خسرت بلاده معهاالملايين، اكتشف مبدأ التعقّيم ( البسترة الذي جاء نسبةً إلى اسم باستور )والذي ينعم به العالم جميعه .. قضى بعملية التعقيم هذه على الطفيليات التي كانت تعيث فساداً في طعامنا وشرابنا في عام 1867م نشر دراسته الشهيرة عن التخمير ،وطارت شهرته واعتبرته الأوساط العلمية (أعظم حجّة للكيمياء في عصره). توصل باستور نتيجة تجاربه إلى أهمية عملية التطهير أثناء العمل الجراحي،تطهير اليدين والضمادات والمشارط لأنها تحمل ملايين الجراثيم التي يحفل بهاالهواء ،وكانت النتائج باهرة منذ البداية حيث انخفضت نسبة الوفيّات في العمليات الجراحية خلال عامين من 90% إلى 15%..... عارضه بعض معاصريه في نظرية التعقيم لأنها جديدة ولكنه انتصر عليهم كما انتصر علىالجراثيم .. بينما ظل يتابع معاركه العلميةمن أجل حفظ الحياة استمر الرجعيون في معاركهم ضده، حتى وصل حقد بعضهم وحسده إلى أن دعا باستور للمبارزة حين لم يستطيعوا الاعتداء عليه، وكان ردّ العالم الكبير : " إن مهنتي تنحصرُ في شفاء الناس وتخفيف آلامهم لا في ترويعهم أو قتلهم..". - من اكتشافات (باستور)، (التحصين) التلقيح كمانعرفه اليوم وذلك بحقن الجسم السليم بجراثيم المرض ولكن بشكل مخفّف وقضى على " داء الكلب" عند الأرانب وذلك بتلقيح الأرانب بلعاب الكلاب المسعورة، ثم طبق الأمر نفسه على الإنسان فنجح وهلّلت باريس لانتصار عالمها فأنشأت بلديتها معهداً باسم باستور تقديراُ له وتخليداً ... باستور ... والوطن ما كانت نجاحات باستور العلمية الباهرة لتمنعه من المشاركة في الدفاع عن حريةالوطن حين يدعوه الواجب، ففي ثورة عام 1848 قدم في سبيل بلاده ما كان يدّخره وهو (150) مئة وخمسين فرنكاً وهو يقول " " لن أتلكأ عن التضحية بنفسي إذا دعا الداعي ولا علىّ إن قضيتُ على مذبح الحرَّية.. "(5). عندما غزا " بسمارك "فرنسا واستباح حماها ثارت حمية العالم الرصين ... وحين حال مرضه ( الشلل) دون رغبته في القتال لم يجد للتعبير عن احتقاره لما فعله الألمان خيراً من ردّ شهادة الدكتوراه الفخرية التي كانت قد منحته إياها جامعة (بون) يقول في ذلك " ((... يدفعني ضميري الحي إلىإعادة شهادة الدكتوراه إليكم، دلالة على سخط عالم فرنسي واشمئزازه من بربرّية القيصر والذين يؤازرونه من ذوي العنجهية والغرور ،ويتوقون مثله إلى استمرار المذابح بين شعبين عظيمين ،وأطلب منكم أن تمحو اسمي من سجلات جامعتكم...". وكان ردُّ الألمان عليه: " .. ونحنُ رغبةً منّا في الاحتفاظ بسجلات جامعتنا نقيّة لا تشوبهاشائبة نُعيد إليك كتابك ههنا مردوداً مع السّخط..". هذا بعضٌ مماقدّمه العالم العظيم ( باستور ) من أجل وطنه ،ومن أجل البشرية، وبسبب نجاحاته انهالت عليه ألقاب الشرف، ومُنح الأوسمة ،واقيمت الاحتفالات من أجله وقدّره الملايين من البشر.. وكل هذا المجد لم يغيّر من سير العمل عنده فقد ظل على تواضعه ،وعلى صلابته في الدفاع عما يعتقد أنّه الحق وظل كذلك يضع كل إمكاناته في كلمة كانت شعار عمره كلّه وهي (العمل) فصار عظيماً. *** احتفل العالم بعيده الذهبي الخمسيني ( يوبيله) في باريس عام، 1872فقال له: " .ليستر." أحد الجراحين الكبار: " لقد جاءت أبحاثك نوراً علىظلام الجراحة، وغيّرت العمليات من عمل طبي مجهول العقبة، إلى فنّ علمي مُفيد على وجه التحقيق ،ويُدين لك الطب بفضلٍ باق علىالدهر أبداً...". وفي حفلة أقيمت على شرفه بجامعة (ادنبرة) جاء ممّا قيل عنه: " إن العالم أجمع مُدان لباتسور بفضل لم يدن لأحد قبله ..". مثل باستور بلاده في مؤتمر طبي عالمي في لندن ولم يعرف أنه مثار إعجاب الآخرين ولماأخبروه بأنه المعني بهذا الترحيب الحار أطرق حياءً وقال: " شكراً لتقدير العلم في شخصي المتواضع..)) حين دخل المجمع العلمي الفرنسي كان الفيلسوف ( رينان ) على رأس هذا المجمع رحّب بالعالم الجليل فقال: " إنّنا نرحب بك أجمل ترحيب وأحرّه فأنت مُقبل إلينا فوق كل شيء بأمجادك وعبقريتك ونبوغك وبشهرة مستفيضة من الاكتشافات الرائعة فأهلاً بك وسهلاً..". كان ضعيفاً حين احتفل العالم بعيده السبعين فأناب ابنه في قراءة خطابه الذي جاء فيه ..: " .... ماأعظم سعادتي عندما أراكم، عندها أعتقد اعتقاداً جازماً بأن العلم والسلام سينتصران على الجهل والحروب ورغبتي إليكم إلاّ تأذنوا لبعض ساعات اليأس التي تمرّ بهاالأمم، أن تثبط عزائمكم ،وليكن لكم إيمان بأن الأمم ستتعلم أخيراً كيف تتحّد لا للخراب والدمار ولكن للتعاون الوثيق، وأن المستقبل ليس للمنتصرين الغزاة بل لمنقذي الإنسانية وتخليص الجنس البشري ...". عام 1895 قال: " .. معذرة لا أستطيع.." حين قدّموا له كأس حليب .. وهكذا ودع الحياة واحد من أعظم الرجال الذين أنجبتهم فرنسا، رجل سخّر العلم لنفع الإنسانية... وليس هناك ماهو أعظم من التكريم الذي لاقاه العالم الكبير رجل السلام والإنسانية، الذي ارضى والده ( الدباغ) بالجهد والعمل المتواصل الأمر الذي جعله يصنّف في مكان متميزّ بين المئة الأوائل في تاريخ البشرية.. المراجع والمصادر: 1- جورج سلستر - عباقرة العلم في الغرب - دار العلم للملايين - بيروت د/تا. 2- جورج سارتون- تاريخ العلم - دار المعارف - القاهرة طبعة أولى، ج2 :1957. 3- مايكل هارت - المائة الأوائل - دار قتيبة للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة(2) 1979- ترجمة خالد أسعد عيسى- أحمد غسان سبانو. هوامش: -عباقرة العلم في الغرب - مصدر مذكور. 1- ص 226 2-ص 227 3-ص227 4- ص 235 5- ص227. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |