الطريق إلى النّصّ - سُلَيمان حُسَين

مقالات في الرّواية العربية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:18 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

وثائقية الرواية

الصَّبَّار «مجتمع الأرض المحتلة قبل حرب العام1973.‏

مجتمع الأرض المحتلة (المجتمع الفلسطيني الصرف) حاضر إشكالي عميق بشتى وقائعه، معزول عن مكملاته الاجتماعية العربية، له خصائصه الحضارية الاجتماعية والإنسانية التي فرضت عليه بفعل الظرف السياسي الذي يعد تساؤلاً كبيراً وخطيراً عن مدى إمكانية الحضارة الإنسانية الحديثة والحضارة الإنسانية العامة، إن لم يكن هذا الظرف حكماً نهائياً بسقوط البشرية وحضارتها في مأزق الهمجية بل حكم بعدم قدرتها على الخروج من همجيتها الأولى التي احتفظت بها وراكمتها باختراع أساليب جديدة للإفناء والتدمير. إنه تساؤل كوني عن جدوى مثل هذا التحضر في ظل الظرف والواقع القائمين. لذلك فإن مقاربة هذا المجتمع أو محاولة الولوج إلى عالمه والبحث في عناصره المكوِّنه ورصد حركته وعلاقات عناصره وآثارها ونتائجها، هي أيضاً إشكالية، حاول جميع أدباء القضية (سواء منهم المنتمي إلى واقعها المباشر وغير المنتمي) رصد حركة المجتمع الفلسطيني، فتباينت آفاق الرصد وفق رؤية الكاتب ومفهومه للقضية والمجتمع والعالم. وتفاوت الرصد بين الكتّاب وفقاً لطبيعة النوع الأدبي المنتج، ولكن \الرّواية كانت أنجح المقاربات الاجتماعية، لأنّها حامل اجتماعي في طبيعتها الإبداعية وفي طبيعة تكوينها ونشأتها.‏

لقد تناول غسان كنفاني في كثير من قصصه ورواياته مجتمع الأرض المحتلة بطريقة رفعت الواقع إلى مستوى المتخيل دون أن يعني ذلك الانفصال عن الواقع وعالمه ومجافاته أو الهروب منه، وفي محاولة جعلت من فنه فناً عظيماً خلق واقعاً فلسطينياً جديداً، وخلق عالماً نضالياً ملحمياً في بنيته ومضمونه مشحوناً بعوالم روحية إضافية ترميزية متلاحقة راصدة برومنسية غير خيالية، لذلك يمكننا أن نقول: إن القصة عند غسان نشأت في الواقع وأنشأت الواقع وخلقته علاقة جدلية متبادلة الفعل. وتناول جبرا إبراهيم جبرا هذا المجتمع في جزء من خطابه تناولاً حضارياً في أكثر توجهات الخطاب، وكان همه الأكبر رصد التباين الهائل بين الذات والآخر المسيطر والعدواني ورصد التباين بين وعي الذات ووعي الآخر وبين وعي الواقع والواقع وقد أولى اهتماماً كبيراً لتصوير واقع المنفى أو المنافي الفلسطينية لذلك كان مجتمع الواقع منحسراً في خطابه.‏

وتعد سحر خليفة تميزاً واقعياً في تاريخ الرواية العربية هذا التميز يصفه الانحياز التام لصالح الواقع وتطويع الفن الروائي ليخدم التسجيلية الوثائقية، وتحضر الوثائقية في أعمال سحر خليفة حضوراً مدهشاً إلى درجة أن واقع الرّواية لا يختلف عن واقع الحياة الاجتماعية اليومية إلا بكونه واقعاً لغوياً محمولاً في اللغة، وإمعاناً في الإنحياز والالتصاق باليومي فقد جعلت الروائية لغة خطابها الروائي اللغة اليومية الإجرائية أو ما تدعوه "باللغة العامية مما يستنتج من هذا الإجراء الروائي أن الكاتبة تبحث بوعي عن مجادلة الواقع ومحاكاته بمطلقه، وهذا يوازي الفعل النفسي بل يحاول خلق معادل نفسي إضافة إلى البعد التوثيقي للرواية،، ولكن على الرغم من ذلك لا نستطيع أن نقبل أو نستسيغ هذا المد الجارف للعامية في الرواية ففي "الصبار" (**) تستمر سلطة هذه اللغة منذ بداية الرواية إلى الفصل السادس عشر أي ما يقارب منتصف الرواية وإذا كان هدف الروائية من وراء الإغراق الكبير في العامية كما قلنا فإن هذه التقنية ليست وحدها التي تظهر قوة الواقع بدليل أن الواقع ظهر في النصف الثاني من الرواية أكثر تأثيراً وفعلاً نفسياً في خلق المعادل الشعوري وذلك عندما استخدمت الكاتبة (الفصحى)، وهذا يعني أن العامية ليست تقنية واقعية مطلقة بل يمكن أن نقول : إنها تقنية مساعدة ويمكن الاستغناء عنها إلا في بعض الحوارات الضرورية جداً لهيكل البناء الروائيّ.‏

عالم الرواية «مجتمع الأرض المحتلة»‏

1ً- صورة العلاقات الاجتماعية:‏

أ - مجتمع الأم:‏

صور الخطاب هذا الجزء من المجتمع قدرة اجتماعية وفعلاً إنسانياً خاصاً يميز المجتمع الفلسطيني في ظرفه الاستثنائي تحت الاحتلال ويظهر أفقاً حضارياً إنسانياً لهذا المجتمع الذي يمثل المجتمع العربي عامة، ويصف الأم رمزاً نضالياً لا ينفصل عن رمزها الاجتماعي والروحي ويتميز مجتمع الأم الفلسطينية بالرؤية الشمولية لأنها تتعامل مع العالم من منطلق إحساسها الأمومي فهي ترفض أو تجد غضاضة في أن تدعو على الجندي الصهيوني بأن تثكله أمه (على الرغم من أنه جاء ليعتقل ولدها) لأنها تعرف بدقة معنى الأم ومعنى الأمومة ولأنها تخاف على ولدها من انتقام الغيب الذي تفترضه.‏

«لولا خوفي على ابني لدعوت الله أن تثكلك أمك»ص179 والروح النضالية كما أسلفت مكون أساسي غريزي من مكونات الأمومة فهي لا تخاف إلا على أمومتها وقد صوب الجندي سلاحه نحوها«صاح الجندي شاهراً سلاحه... مكانك.. تأملت رشاشه ببرود.. أنزل هذا الشيء من يدك بلا ش مسخرة، أريد أرتدي روبي، مدت يدها نحو الرشاش تزيحه من طريقها ومشت نحو المشجب... ولكنك لست خائفة... أخاف؟! علام الخوف... الوحيد الذي أخاف عليه بات مهدداً،هل أخاف على شيبتي ولا أخاف على شبابه»78- 179.‏

ب- العدو الاجتماعي :‏

عرض واقع الرواية مستويين من العداء الاجتماعي، أولهما الاستغلال الذي يمارسه مجموعة من ذوي النفوس الوضيعة في المجتمع مغتنمين الواقع المرير الذي فرض على أبناء الشعب بعد الاحتلال «قبل الاحتلال كان يعطيني 135قرشاً أردنياً في اليوم ولم يكن الغلاء مثل اليوم. بعد الحرب رجعت له فقال لي بـ80 قرشاً قلت: بس أنت كنت تعطيني 135 فما الذي اختلف والعمل موجود والرّب موجود، قال : العمال كثار والطلب على الشغل كثير وإن مش عاجبك تفضل من غير مطرود، فتفضلت...»ص53.‏

إن مثل هذه الظاهرة الاجتماعية ظاهرة طبيعية في المجتمعات في حالة الاستقرار ولكنها تستفحل في الظهور أثناء الأزمات والحروب ويظهر العدوّ الطبقي المستغلّ بشتى صوره وبأقسى حالاته ومظاهره وأساليبه.‏

وثانيهما المفاهيم الطبقية السائدة في المجتمع، المفاهيم التي ورّثتها عهود من الظلم والظلام في تاريخ الأمة العربية ولكن المفاهيم هذه أخذت بالانحسار ويبدو ذلك واضحاً في الرواية التي تقوم بتقويض البنى المهترئة وتوصيف واقعها الذي يخدم الظرف السياسي المتردي ويخدم واقع الاحتلال... "رجل له كرش ضخم وأوداج منفوخة يمدّ يده بساعة ثمينة، أحضرت هذه من الكويت أبنائي يعيشون هناك كالملوك، مال ووجاهة وسيارات آخر موديل اللهم أدمها من نعمة»ص 8و9.‏

غير أن الفعل الروائي قام بعرض بعض التحولات في البنية الهيكلية للسائد الطبقي وهشم جزءاً من مقولاته وثوابته التي لم تستطع الصمود أمام الواقع الجديد.«دار العيلة، قصر ضخم من قصور الأجيال السالفة... لكن الزمان فت من عضد كل شيء ولم يعد هناك خدم أو حشم فالعمال يملؤون مصانع إسرائيل وأصبح أجر العامل يضاهي أجر السيد..»ص37و38. وقد أصاب التحول مجموعة المقولات الفكرية والنفسية لأبناء الطبقة التي يمكن أن ندعوها البرجوازية الوطنية «ما زال الناس يفخرون باقتناء دور كبيرة كهذه موضة قديمة، لا تجاري روح العصر، هذه الدار بحاجة إلى ثلاث خادمات على الأقل وليس في الدار من خادمة سواي- وظاهرة الخدم انقرضت هل يزعجك هذا؟ لا طبيعي علينا أن نتعلم خدمة أنفسنا بأنفسنا»ص41. ولكن هذه التحولات بقيت في إطار ضيق خاص ولم تعن أن الصراع الطبقي قد انتفت حدته أو انتفى هو ذاته:«الوالد الصنديد يتربع وسط الديوان محاطاً بالوجهاء يشربون القهوة ويلعنون سنسفيل العمال، والعمال يلعنون دين الوجاهات ويحركون أصابعهم الوسطى حين يذكرون أموال الصمود»ص66.‏

ح- العدو الأخلاقي:‏

إن تناولنا المفهوم الأخلاقي هنا يتتبع مجموعة القيم الإنسانية العظمي التي يتكون منها الضمير الاجتماعي والإنساني ومدعماته الأخلاقية. لقد اختلت بعض النظم الأخلاقية التي كانت تحكم الفعل الاجتماعي وتضبطه،خاصة أن هذه النظم هي المميز الرئيسي للمجتمع العربي والمجتمع الذي ندرسه(المجتمع الفلسطيني).‏

يقع عادل الكرمي وهو الشخصية المركبة الممتلئة في الرواية فريسة مأزق أخلاقي إذ يحاول أن يتناسى الآلة التي تقوم بتنقية دم والده، ويتولد في داخله صراع في اللحظة الأخيرة قبل أن ينسف الجنود دارهم ولكن الصراع ينجلي في النهاية لصالح الضمير.‏

«لن آخذها، بل آخذها، لن آخذها، بل آخذها، كن حازماً ولو لمرة واحدة في حياتك؛العواطف لا تجدي.. وتقتل رجلاً؟ تقتل والدك، الرجال دائماً يقتلون، لو بقى هو نموت نحن أنا ونوّار والأطفال، ألا يكفي ما فقدناه، أسامة وباسل وميراث الأجداد دعه يموت*** بل دعه يعيش*** أنقذه تنقذ روحك من دمار الجريمة»بـ ص22. ويتعمق المأزق الأخلاقي في وجدان أكثر شخصيات الرّواية عندما يضطرّهم الواقع بتسلطه إلى ترك أعمالهم في الأراضي أراضيهم، والذهاب إلى الغرب إلى (إسرائيل) للعمل في مصانعها أو عندما يضطرون للتعامل ولشراء البضائع والمنتجات (الإسرائيلية).‏

د- انسلاخ الأجيال:‏

أنشأت الكاتبة عالمها الرّوائي على فكرة الواقع (الماضي) فكراً وأيديولوجيا والتحوّل عبر الواقع (الرّاهن: الحاضر) إلى الإمكان الواقع (المستقبل) وهذا يظهر واضحاً في ما أسميته انسلاخ إذ لم تعد المسألة صراعاً بين جيلين ساد بينهما تقليدياً وإنما إلى علاقة انسلاخ وانفصام بين الأجيال.‏

1- جيل المشيئة (القَدَر):‏

اعتمد هذا الجيل على منظومة من المحفوظات التي شكّلت عالمه وصَاغت له قدراته ورؤاه فأخذ ينظر إلى العالم وإلى مجرياته من منظورها بل لم يفهم هذه المحفوظات إلا بدلالاتها الصورية المعزولة تماماً عن الوقائع، فقد أضاف هذا الجيل قوة غيبية إلى الغيب لم تطرح فيه منعزلة عن الواقع في اصل طرحها. «البلد بخير، بكرة يحلها الحلال ويزول الاحتلال - ومن يحلها؟ - قلت لك الحلال يابني، ألا تؤمن بقدرة الله عز وعلا - دائماً يحلها الحلال يا أمي ألا تفكرين بحلٍّ إلا عن طريق الحلال؟- لا تكفر يا أسامة الله يرضى عليك، ألا تؤمن بقدرة الله عز وعلا؟»ص37.‏

إنّ هذا الجيل يقدم العالم سحرياً ويُظهره مرة إشكالاً غيبياً مستعصياً ومرة أخرى حلاً سحرياً جاهزاً.«تُزوجين وتميتين وتخططين كما تريدين، وعند الأزمات الحقيقية تقولين: يحُلّها الحلال»ص44.‏

2- جيل المشيئة (القُدرة ): سارقو النّار.‏

لقد وعى الجيل الجديد قدراته أولاً وضعف أسلافه ثانياً ووعى العالم والعدو ووعى إمكانيات التحقق ثالثاً ورابعاً... لذلك لم تقنعه فرضيات الأسلاف وحلولهم لذلك قام بعملية انسلاخ فكرية وروحية ليشكل جيلاً متحدياً متمرداً، ثائراً، واصبحت السياسة التي كانت فعلاً غيبياً يُضاف إلى الغيوب الأخرى عند جيل القدر، لعبة وألهية يلهو بها الأولاد.«سأشكو لك هؤلاء، كلّ يوم يجتمع الأولاد في باب الدّكّان وينزلون في ساحة السياسة باصرة ومن ديان لأشكول لجو لدامائير وعرفات لحد ما الدنيا تليّل... أقول لهم دروسكم يا أولاد؟ يقولون: ماشي الحال، وعلاماتكم... ماشي الحال.... وسيارات الدورية ماشي الحال.... أنا عارف!... جيل ما يقدر عليه إلا الله»ص81،82.ولكن هذا الجيل " قوي متوقد صلباً كالصّوّان، رغم قدّه الممشوق كالخيزران" ص45.‏

هو جيل المقاومة والمواجهة المبشرِّ بعالم جديد بل بالعالم الجديد، إنّه الغسل بعد الرّجُس لذلك لابدّ له من النار يطهرّ بها واقعه " مرّت مجنزة محاطة بالمدافع ... اختبأ الأطفال حتى ابتعدت قليلاً ثمّ تبعوها مهلّلين فرحين فتح ... فتح.. فتح، ووقف طفل في السّادسة وفتح بنطلونه الكالح وصوّب حمامته نحو الجنود.. ودبّ في الصبية حماس جنونيّ، وأمسك الجنديّ بصبيين من عنقهما كزغلولين منتوفي الريش، وأركبهما في السّيارة بعد أن أشبعهما صفعاً والبنات يطبلن على علب السمنة الفارغة والصبيان يهتفون .. ثورة ثورة حتى النّصر. الأليف: الله أكبر- البا: باب الحريّة- والجيم : جبهة شعبية - والدّال. ديمقراطية- والشين: شمّر ذراعك. والميم: ميم المحبة والواو: وحدة عربية" ص112 - 113.‏

يمكن اعتبار الخطاب الرّوائي لسحر خليفة في الصبار وثيقة تاريخية تصور الواقع النضالي لأبناء الأرض المحتلة بدقة العدسة السينمائية دون الإساءة لهذا الواقع وعرضه بواقعية على شكل أسطورة. وقد نجح الخطاب في تصوير نضال أصحاب المشيئة القدرة فقد صور مجموعة من القيم النضالية كالتضحية بكل شيء فداء للوطن والأرض. ففي عملية(باصات العمال) التي نفذها مع مجموعته يضحي أسامة بأقربائه وأصدقائه في الباصات«وتلفت أسامة وقد هزته المفاجأة، ذلك زهدي آه وربما عادل معه لا باس فدا الأرض فدا القضية»195.‏

وكذلك من القيم النضالية التي وردت في الخطاب الإصرار على المواجهة والانتصار انتصار الروح النضالية، فزهدي الذي كان في الباصات عندما هاجمها أسامة ومجموعته ينقم في البداية لأنه أصيب في كتفه بشظية لكنه بعد ذلك ينتقل إلى معسكر المواجهة فيتصيد جندياً. ويطعنه بمفكه وينزع منه رشاشه ويشارك في عملية الدفاع ويقتل مجموعة من جنود العدو ويُستشهد** ص194- 198 وليست هذه العملية الأولى التي يقوم بها أسامة، فقد قام قبلها بطعن ضابط إسرائيلي في الشارع «سالت الخنجر في عنقه كما تغوص الملعقة في وعاء اللبن، ركضت في الشارع دون أن يوقفني أحد، لا تسل عن الشماتة، التشفي، إحداهن صاحت "تسلم إيديك يا بطل»192. ولكن هذه العمليات كانت تساؤلاً في نفوس أبطالها حول القتل، على الرغم من أنهم في حرب، وهم الرجال المسالمون الذين لا يريدون إيذاء أحد. فقصة أسامة مع خروف العيد لها دلالتها الإنسانية**** وهو يرى أن «تشجيع الجريمة لا يدل على روح إنسانية، هذا صحيح ولكن ماذا بقي في هذا الصدر؟ الحقد، أورام الغضبّ»ص192 لقد استطاع أسامة وزهدي ص196- 197 تجاوز صدمة القتل هذه.‏

ولم يكن الرجل وحده المناضل والفاعل في مستوى الحدث النضالي فقد كانت المرأة شريكاً قوياً وقادراً،وعانت ما عانى الرجل فقد «اعتقلوا لينه.... سحبوها... لينة إنسان صلبة... وقد تحتمل التعذيب» ص203‏

صورة العدو الصهيوني‏

أساليب الإرهاب‏

السجن والتعذيب : التقليد الصهيوني السائد لقمع التحرك الثوري الفلسطيني وقتل روح المقاومة وإلغاء الصفات الإنسانية في الإنسان ولكن هذه الوسيلة مخفقة، فخالد الشاب المناضل«خرج من السجن بكفالة، عذبوه في كل شبر من جسمه حتى تلك المنطقة أطلقوا عليه كلباً مزق أعضاءه قد يصبح... عقيماً... ما زالت آثار التعذيب في جسمه لكنه لم يتعلم »ص9 وكذلك سجن باسل ممثل الجيل الجديد وخرج من السجن ليحاول أن يقوم مع أسامة بعمليات.‏

- الإذلال:‏

في معبر الحدود وعلى الجسر بين الأراضي الأردنية الفلسطينية أنشأ الصهاينة نقطة الظلام التي يستخدمونها لإذلال القادمين ليلتقوا بعائلاتهم.. «وقطع الممر وفجأة ارتفع صياح فتاة ما، ومر تحت النافذة الصغيرة وسمع دوي صفعات متلاحقة، وقف الشعر في رأسه وتوقف عن المشي وقد تصلبت ساقاه مر به جنديّ من أصل عراقي... امشِ يا حبيبي ما تخاف دورك هناك»ص 14- 22.‏

والحوار التسجيلي( التحقيق) الذي قام به الضابط الصهيوني مع أسامة وثيقة تاريخية دقيقة دالة على وسائل التعذيب والإرهاق والإذلال وفي الحقيقة ليس هذا الإرهاب سوى نقل لشعور القلق والخوف والإرهاب الذي يعيشه الصهاينة.‏

- التهويد:‏

يقوم العدو في الرواية بتبديل معالم الحضارة العربية يطلق المحقق اسم (شخيم) على نابلس ولكن أسامة يتصدى لهذه المحاولة ويثبت في الحوار اسمها العربي.‏

- الحلم التوراتيّ:‏

معروف الحل التوراتي لبني صهيون في إنشاء دولتهم من الفرات إلى النيل، لكن هذا الحلم تطور في واقع الخطاب كما في واقع الحياة إلى حلم السيطرة الكاملة على إجزاء الوطن العربي كلها. لنستمع إلى المحقق الصهيوني يقول لأسامة: «تصلون آبار البترول وتعودون أنتم لا تقدرون النعمة، لكننا نقدرها، سنوات ونكون هناك وتدخلون الكعبة بتصريح»ص13»أحد الجنود قال لي سنصل أسوان»ص82.‏

العدوّ المساعد «العدو العربيّ»:‏

لم يواجه العربيّ الفلسطينيّ عدواً واحداً واضحاً ولكن كان عليه أن يتوجه نحو أكثر من جبهة حاملاً تهمته كعربي فلسطيني يرمي بها أعداءه ويرمى بها، فقد كان ضحية الطرد والسبي من جهات عربية كثيرة:«طردوني... لأنني فلسطيني كانت التهمة الوحيدة، طردت بدون تهمة، كنا مئة، وستين فلسطينياً، سفرونا في ليلة واحدة، سحبوني من فراشي وألقوا بي في أول طائرة مغادرة إلى لشبونة ومن هناك ركبت الطائرة إلى بيروت ثم دمشق- لا تعجبك دول البترول ؟ ولا أمراء البترول!» ص 17- 18- 19- 20 ولم يتوقف الأمر عند العداء العربي الخارجي وإنما كان الوطن المحتل يغص بالأعداء الذين يمارسون أعمالاً لصالح العدو ويقومون بصناعته ودعم اقتصاده «تساءل أسامة بفزع سجائر إسرائيلية؟ وآكل أرزاً إسرائيلياً وسُكراً إسرائيلياً... ونحن ندفع ثمن البضائع مرتين مرة للجنسية الأصلية ومرة للجنسية الجديدة »ص25 ويشكل الجبن والخوف والرضوخ والخنوع عدواً لدوداً للعربيّ الفلسطيني وهذا سائد على مدار الرواية.‏

وتتحد جميع المعسكرات المعادية في وجه الفلسطيني ولكنه في النهاية (لا إحنا خالصين من أهل البلد و لا خالصين من العكاريت اللي هناك»ص84.‏

صورة الأرض، سورة الأرض:‏

عندما يبدأ حديث الأرض ترتقي الحالة الروائية إلى الشاعرية وتنتقل اللغة من اليومية الإجرائية إلى عمق اللغة الشعورية وتبدأ الأناشيد المرسلة إلى الأرض التي تتخذ الأبعاد التالية:‏

- الأرض، الخصب، الترميز الشاعري ص28 وعلى مدار الرّواية.‏

- الأرض، الدّار البيت روح الطفولة ترميز نفسي ص44، 46،221.‏

- الأرض كمفهوم طبقيّ الصّراع على الملكية، والملكية تعني القدرة على العمل ص50.‏

- الأرض والعقوق - يعقها أبناؤها فتجف وتذبل وتموت ص59.‏

- صورة الوطن الكبير:‏

توصّف الرواية الوطن الكبير عجزاً كبيراً عن الفعل يتساءل فيه الفلسطيني عن جدوى بل عن قدرة الوطن العربي الكبير على تخليصه من مأزقه ص82- ص192ص222.‏

ولا تغفل الرواية أصحاب الحلول وحلولهم وعزاء اتهم الأفيونية سواء أكانوا عرباً أم غير عربٍ ص40 ص37 ص74.‏

- صورة الفلسطينيّ والبعد الحضاري:‏

لقد خلقت المآسي المتكررة والزّلازل السياسية التي عاناها الفلسطيني روحاً حضارياً مضني ونفساً موجعة «لماذا توجعنا الأغاني الجريحة»ص7.‏

« وتسقط الرومنسية وتموت الأحلام الرهينة ويموت الشعر، يموت الهوى، ويصبح كل شيء حلقة في سلسلة القضية »ص8.‏

- ويتمظهر الفلسطيني كسندباد قسري يجوب العالم ليس حباً بالمغامرة والسفر والتجوال ولكن بحثاً عن جواب لسؤال يطرحه عن قيمة الحضارة ضمن قيم الخراب والدمار والقتل والسبي والفجيعة والخيانة، وبحثاً عن الخلاص (السؤال الكوني) «تغربت أكثر من مرة للكويت والظهران وألمانيا»ص85. ولكنه بعد هذه الغربة يعود حاملاً حلمه المنكسر والذي يحاول أن يقيمه مرة أخرى، يعود ليحلم بترتيب الوجود عائداً من منافيه المتحدة ضده لينشد: «وأنت يا صبر يا نخلة طويلة القامة... ولهذه الأيدي تقتلع الصخر من بطون الأرض وأفئدة الجبال، والحجارة تأتلق خامات ماس نلونها، نزوقها ونبنيها بيوتاً بامتداد الأفق وباحات الأزل ولتصفر الآلات في أيدي الجنود فلن نسمع إلا صفير الناي في كل المراعي، ولتسبح الأغنام في أمواج خضرة مرج ابن عامر ويعم في الأرض السلام وتنساح في الناس المسرة وتمتد أكف الصبر من محاجر عيبال حتى صنوبر جرزيم»ص223 وباقية ارض الأزل أرض الأبد.«وتطير الطيارة من مطار عربي حتى لشبونة ويقذفك الزعيم من مطار إلى مطار وتلفظك البلدان وتتلقفك أرضك،‏

يا هذي الأرض المعبودة،‏

يا صبوة قلب ملفوح‏

يا موسم حبّ مسفوح‏

في الغربة ومواويل الشوق.‏

الهوامش :‏

*يمكن الحديث عن (مجتمع فلسطيني ) بمعزل عن الاحترازات والتخوفات من الوقوع في مزالق أيديولوجية تتعلق بمفهومنا العربي كمجتمع قومي واحد، وكذلك يسوغ الحديث عن المجتمع الفلسطيني معزولاً عن المجتمع العربي الكبير المعزول بدوره ضمن كيانات قطرية.‏

** الصبار : سحر خليفة دار ابن رشد، بيروت، الطبعة الثانية 1978.‏

*** ترد في الرواية الأخطاء الكثيرة من نحوية وإملائية أكثرها يعود إلى استعمال العامية في الرواية.‏

**** رفض أسامة ذبح خروف العيد لأنه كان صديقاً له.‏

تشرين الأول 1991.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244