الطريق إلى النّصّ - سُلَيمان حُسَين

مقالات في الرّواية العربية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:18 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الطريق إلى النص الطريق إلى الشمس قراءة في عناصر القص الروائي.

إن مطمح أي مقاربة نقدية أن ترصد العناصر المكونة للنص وتحللها وتفسرها وتعيد تجميع العناصر المفككة وتؤلف بين تكويناتها في بناء يستطيع المتلقي تبينه واستيعاء مضامينه ومضمراته وفهم معنى الأدب وفحواه التي تحقق له أدبيته، وتتعدد عناصر النصّ الروائيّ المكونة وبذلك تتعدد التناولات الدراسية، وقد حاولنا في هذا المقاربة استقصاء البنى النصية الأهم ومراقبة امتدادها الدلالي والأدبي البلاغي والإبلاغي.

قراءات الخطاب والنص (الفرضية)

أ- قراءات الخطاب:

أولاً: القراءة الأيديولوجية : وذلك بالبحث في المصادر الأيديولوجية للكاتب من داخل النص والاستعانة ببعض الإضاءات الخارجية، ثم البحث في ثقافة الكاتب بكل تنوعاتها وتفاصيلها،إضافة إلى دراسة الأزمة الحضارية.

ثانياً:القراءة الاجتماعية والسياسية:

يدرس فيها المتخيل الروائي في ضوء الواقع «الخطاب بين الواقع والمتخيل»ويدرس كذلك مجتمع الرواية من حيث مشاهدة ووثائقية والحلول التي يقترحها لأزمة المجتمع: حل السلطة، الحلول الفردية (التمرد، الاغتراب ) حل الجماعة (الثورة.....)

ويُدرس فيها كذلك الآفاق السياسية لمجتمع الرواية وقدراته.

ثالثاً: القراءة السيكولوجية يُدرس فيها الاغتراب بصوره: الجماعي والفردي: الروحي والمكاني، وتستوعى فيه صورة الإنسان ومآزقه الاجتماعية والنفسية والسياسية والكونية ومآزقه مع ذاته، والحلول التي يمارسها.

ب- قراءات النص:

أولاً: بناء النص الزمني : مستويات النص زمنياً مستوى القص، زمن النص، مستوى انفتاح النص على القارئ وتقنيات النصّ الزمنية(الاسترجاع، القفز، الاستباق، المشهد الاختصار)

ثانياً: المكان الروائي : طبيعة المكان الروائي وأنواع المكان وعناصره، ودلالاته النفسية، وطرائق تصويره.

ثالثاً: السرد والحوار ومواقعهما في النص:

أنواع الحوار، وظائفه، مواقعه في السرد، تقنيات السرد الروائي الراوي وموقعه، المقدمات، الافتتاحيات، الخواتيم لغة الروائي وأنماطها....- البنية اللغوية السائدة في الخطاب.

تحاول هذه الفرضية المختصرة الإلمام الشامل بعناصر الدراسة الضرورية لاستيعاء مكوني الحديث الروائي(النص والخطاب لكننا في تناولنا لرواية (الطريق إلى الشمس، تشريقة آل المر) سنختصر في العناصر المدروسة وسنقتصر على الأهم منها التي تقدم لنا النص والخطاب أكثر وضوحاً.

وقل الولوج في عالم الرواية لا بد من الإشارة إلى بعض التحفظات والاحترازات أولها مسألة السياق وهي مسألة مهمة في الاستشراف النقدي، فالعمل الأدبي - والرواية بخاصة - ينتمي إلى سياق يتعلق إما بالجغرافيا التي ينتمي إليه المبدع وإما بالنوع الأدبي المنجز وإما بالسياق الأيديولوجي أو الفني. وتوضيحاً لذلك نطرح المثال التالي: عندما نريد أن ندرس رواية نجيب محفوظ فلا بد لنا من دراستها ضمن سياقه المحلي الجغرافي ثم ضمن سياقه العربي،وهذا الأقل، ويضاف إلى ذلك وهو الأهم.- أننا إذ أردنا أن ندرس عملاً روائياً لنجيب محفوظ فلا بد من أن ندرسه ضمن سياقه الروائي كاملاً.

إنّ العلم الرّوائي الذي بين أيدينا ينتمي إلى سياقات متعددة وندرسه معزولاً وربما يؤثر ذلك على دقة المقاربة ووضوحها. ويضاف إلى ذلك أن الرواية التي نحاول قراءتها هي الجزء الأول من ثلاثية واعدة فهي جزء من كل لم يكتمل بعد لكننا سنحاول قراءة النص بما لدينا من الأدوات الخارجية البسيطة وبما يقدمه النصّ في مجرياته وآفاقه وعوالمه.

- ترميز العنوان: «عنوان الثلاثية : الطريق إلى الشمس »

«عنوان الجزء الأول : تشريقة آل المُرّ»

إن استراتيجية التسمية لدى أي كاتب تعتمد على رؤاه الفكرية وعلى مرجعيته الأيديولوجية واستيحاءاته النفسية من خلال عمله الذي ينتجه، ويزداد التأثير عند ما يتعلق الأمر بعمل إبداعي شعري أو نثري، ويتوضح لدينا الأفق الإيحائي للتسمية لدى الكاتب عندما ترصد عناوين أعماله الروائية الأخرى«البحث عن نجم القطب» و «الحلقة المفرغة»و«المدّ و الجزر»الثلاثية التي تضم «الإنكسار والصعود» وجزءاً ثالثاً لم ينجز بعد كما يبدو، وهذا الأفق يتجلى في أن الكاتب مغرم بالوجود بمفهومه الكوني لما يخلقه من امتداد لا نهائي في الإحساس وفي الخيال،، وانتباه آخر إلى دلالات العناوين يوحي إلينا بأن هذا المكان اللامتناهي بالاتساع ليس له دلالة نفسية مستقرة فما زال الأمر في نطاق البحث: البحث عن نجم القطب والدوران في حلقة مفرغة وبين مد وجزر وصعود وانكسار، كل هذا يشير إلى أن التسمية لدى الكاتب ذات أبعاد روحية وفكرية وربما فنية، وهي تؤلف مطمحاً لدى الكاتب لا يقل أهمية عن اهتمامه بإنجاز عمله، هذا الشغف بعناصر الكون يشي بالروح الفلسفي للكاتب وبالنزوع إلى كسر الحدود وخرق المحدودات ويفسر هذا بحث الكاتب عن التنوع المعرفي في نشاطاته الإبداعية

المدلول الرمزي للعنوان:«الطريق إلى الشمس»: قد يرى العنوان في دلالته الرمزية القريبة دالاً على البحث عن الحرية بمفهومها الوطني، غير أن الانتباه إلى المستوى الأعمق يُظهر أن هذه العنونة إنما تنتمي إلى ما أشرنا إليه من النزوع الكوني. أما المدلول الرمزي للعنوان «تشريقة آل المر» فإنه في البدء يشير إلى الاستفادة من تراث القص العربي الشعبي، وبالذات من عنونة «تغريبة بني هلال» والاستفادة هذه معدلة تعديلاً مقصوداً وظيفياً له دلالته التي تتوافق واستراتيجية التسمية عند الكاتب، فالتعديل طرأ بعلاقاتٍ معينة على الشكل التالي:

تغريبة ¹ تشريقة. علاقة تضادّ

بني > آل علاقة جزء محتوى في كل

هلال المر عنصر مساعد ملحق /تسمية محايدة الدلالة

ولتفسير هذه العلاقة نقول: جاء التضاد بين التغريبة والتشريقة تضاداً مكانياً ذا دلالة زمانية، بمعنى أن استخدام الكاتب للتشريقة بدل التغريبة هو مناسبة بين المتخيل الحديث بآفاقه الفنية والفكرية والمتخيل القديم بقدراته وإيحاءاته الحديثة والملحمية. أما علاقة الاحتواء بين الجزء والكل (بني وآل )فهذا عائد إلى منزع نفسي عند الكاتب يحبذ فيه أن يجعل الحكم كلياً ،وسنشير لاحقاً إلى أنه يؤكد جميع استخداماته التي تحتمل الأجتزاء بلفظ كل وهو توكيد معنوي على المستوى اللغوي، مع أن اللفظين«آل» و«بني» يمكن أن يؤديا المعنى ذاته تقريباً إذا استخدم الكاتب أحدهما مقترناً بتسمية بعده. فلنحاول أن نجرب احتمالات التسمية ودلالاتها.

تغريبة بني هلال تغريبة بني المر

تشريقة بني هلال تشريقة بني المر

تغريبة آل هلال تغريبة آل المر

تشريقة آل هلال تشريقة آل المر

ثقافة الكاتب ومصادره:

يبدو من متابعة الأعمال الأدبية الإبداعية وغير الإبداعية التي ينتجها عبد الكريم ناصيف أنه يتحرك على مساحة ثقافية وساعة أول سماتها التنوع والتعدد، وتتجلى السمة هذه أكثر ما تتجلى في مترجماته، وليس التنوع ضمن حقل واحد من حقول العلوم الإنسانية بل في حقول كثيرة وربما يكون هذا التنوع والتعدد المصدر الرئيسي للغنى الإبداعي الذي سنلحظه في مجريات عالم الرواية فنجده قد ترجم كتباً من الحقول التالية:

1- الحضارة والتاريخ - 2- علم النفس بأنواعه : العام التربوي، علم نفس الانحراف، علم النفس الاجتماعي - 3- علم الاقتصاد والسياسة - 4- الأدب العالمي من رواية ومسرحية ومختارات، يضاف إلى ذلك أن الاختيارت التي يترجمها الكاتب ذات دلالات نفسية وفكرية وإبداعية فهي منتقاة وفق مخطط نفسي وفكري محدد، والسمة الأخرى لديه هي الموسوعية أو الرواية المطولة إذا صح التعبير وهذا ما نلحظه في رواياته المؤلفة، إذ نجد لديه مطمحاً كبيراً إلى إنجاز الرواية الموسوعية ويبدو أن هذه الظاهرة تستهوي كثيرين من الروائيين العرب وخير مثال على هذا الروائي لعربي المبدع عبد الرحمن منيف في مطولته (مدن الملح) لذلك نجد ثلاثية عبد الكريم ناصيف «المد والجرز » التي يبدو أن جزءها الثالث قيد الإنجاز وكذلك يعدنا الكاتب بأنّ هناك أجزاء أخرى متممة لرواية الطريق إلى الشمس لم تصدر بعد.

أولاً: القراءة الأيديولوجية:

أكدنا أكثر من مرة أن النص الأدبي في أقصى تجل معنوي له دلالة أيديولوجية، وأن أي إنجاز أدبي لا بد له من أن يضع في حسبانه الإبداعي هذه الدلالة منذ التخطيط لإنجازه، وهذا يعني أن النص وظيفي في مراميه وامتدادته، مهما تكن الوظيفة التي يرمي إليها. ودائماً تغلب الصبغة الأيديولوجية وتسيطر على وظيفة الأدبي، ولكن دون إغفال الوظائف الأخرى التي تعتني بالنزوع نحو فنية الإبداع. والعمل الروائي موازاة إبداعية فنية تخييلية للواقع والتاريخ، موازاة فاعلة بمعنى أنها لا تقتصر على النقل الواقعي التوثيقي، وإنما تطمح إلى خلق واقع بديل وتنزع إضافة إلى ذلك، إلى البحث في مآزق العالم وهذا دأب الرواية العظيمة التي تتنوع محمولاتها الإنسانية والفكرية وتتنوع معالجاتها وحلولها وتنبع عظمة الرواية من قدرتها على عرض مجموعة من مآزق الإنسان الكبرى ومعالجتها معالجة توازيها في المستوى الإشكالي.

ومما لا شك فيه أن الطريق إلى الشمس بحث في أيديولوجية المجتمع المتمثلة بالصراع القائم بين السلطة العثمانية بنوابها:

المختار والدرك وتوابعها في جهة والشعب الممثل بأهل الريحانة وممثليهم «آل المر» وفحوى هذا الصراع محاولة تناف بين الطرفين أو يمكن أن نقول محاولة نفي من طرف واحد هو الطرف القادر والفاعل أيديولوجياً وواقعياً هو طرف السلطة، وتنجح الأيديولوجيا السائدة في فرض ذاتها وتتراجع الأيديولوجيا المضادة دون أن تنتفي وتنعدم ويحكم العالم الروائي المستمد من واقعه بقانون «البقاء للأقوى»ويندرج هذا الصراع الحاد ضمن صراعات البشرية التقليدية التي تعيد المجتمع إلى بداءته.الأيديولوجية التي تنكرر في مراحل الحضارة الإنسانية. يعرض الخطاب مجموعة من السلوكيات الأيديولوجية التفصيلية التي تسير المجتمع وأهم هذه السلوكيات الرؤية العشائرية القبلية للإنسان، فالإنسان ملغى على مستويين : الأول مستوى السلطة التي تعتمد في وجودها على اقتيات قدرات الإنسان وعلى إلغاء كل ما من شأنه أن يجعله كائناً فاعلاً مستقلاً ومستوى المجتمع العشيري القبلي الذي يحاول أيضاً ما تحاوله السلطة ولكن اعتماداً على رابطة الدم. وينتبه الخطاب إلى سلوك مهم في الحياة الأيديولوجية لمجتمع الرواية وهو سيطرة العادات والتقاليد والأعراف المستحدثة على الدين وتحولها إلى مقدسات لا يمكن مسها. ويمكن أن نقول : إن الرواية قامت على المستوى الأيديولوجي باتخاذ موقف واضح من الصراع التقليدي الدائم بين السائد المطلق والمسود الذي يبحث عن نفي السائد وإلغائه.

المشهد الاجتماعي والسياسي في الخطاب :

لا يمكن الحديث بشكل مستقل عن ظواهر اجتماعية بمعزل عن المتممات الشقيقة المترابطة بعلاقات تبادلية فيما بينها وهي ظواهر الحضارة وظواهر السياسية التي ينشأ عنها حتماً الفعل الاجتماعي ويوجه ضمن مسار رؤيتها وتوجهها.

1- المشاهد الاجتماعية (الصوى): البؤرة الرئيسية للمشهد الاجتماعي السياسي في الخطاب ذات بعد حضاري فحواه الارتداد نحو الطفولة الحضارية للمجتمع، فالمجتمع غير متجانس العناصر الداخلية وهي مشكلة المجتمع العربي بعامة، لذلك لا يمكن أن يتابع أفقه الحضاري طالما أنه يعاني انتفاء التجانس ولايمكن أن يندرج في الأفق الحضاري العام للعالم. هذا في الجانب السلبي أما ما يتعلق بالجانب الإيجابي فهو القدرة الفائقة للمجموعة البشرية «آل المر» على تكوين مجتمع بديل بعد هجرتها القسرية من موطنها الأصلي إلى موطن جديد وإن يكن ذلك على حساب الحنين إلى الوطن الأصل وتحريره من عبوديته. ومن المشاهد التفصيلية للمجتمع في الرواية مشهد سلبي في الحياة الاجتماعية العربية هو مشهد الغزو، فالعلاقات بين المجموعات البشرية قائمة على التسالب المتبادل بطريق الغزو وانتزاع الملكية بالقهر والإكراه. ويضاف هذا إلى المشهد الرئيسي السياسي الاجتماعي وهو مشهد القمع والسلطوي والقمع القبلي والقمع الأسري الأبوي. لذلك نستطيع القول إننا في (لا مجتمع) أو في مجتمع تتصارع فيه القوى وتتنافى دون أن يستقر المجتمع لطرفٍ بالمعنى الصحي.

وتتنوع الحلول في الخطاب، فالحل الأول الفاعل في الواقع هو

- حل السلطة : وهو القمع وطبيعي أن هذا الحل طارئ لا يمكن أن يؤدي إلى نتيجة حضارية.

- حل الفرد : يقوم الفرد بمحاولة تمرد إيجابي يخرج فيه على قانون السلطة ولكنه يبقى حلا‌ً فردياً «سوبر مانياً أو عنترياً»إذا جاز التعبير.

- حل الجماعة : الرضوخ والتفاني فيما بينها وقد يخرج الحل الجماعي في أحد تجلياته إلى المفهوم الثوري، لذلك نجد لثورة الشريف حسين أهمية كبيرة بحثاً عن الحل.

- حل الاغتراب : بمستويين المكاني والنفسي:

عندما يرى الإنسان أنه محاصر من الاتجاهات كافة وأن كل مجريات العالم تقوم بمحاولة السيطرة عليه فإنه يختار أن يبقى العالم خارج ذاته ويصبح موجوداً مكملاً، وعندها يفقد جدواه وجدوى العالم.

الرواية بين الواقع والمتخيل:

إن المرجعية الرئيسية للخطاب الروائي خاصة وللخطاب الأدبي عامة هي الواقع بمفهومه العام، وتتفاوت قوة الواقع هذا بين روائي، وآخر وبين رواية وأخرى وفقاً لرؤية الكاتب للعالم ونظرته إلى الإنسان.

يفترض في العمل الأدبي الذي يطرح رؤية أيديولوجية أن يظل متسقاً مع رؤيته بطرح متخيله الروائي ممكن الحدوث بمعنى أن يطرح متخيلاً واقعياً.

- حضور الواقع: رواية التوثيق:

يبدأ المتخيل الروائي في رواية (الطريق إلى الشمس، تشريقة آل المر) غير واقعي في العنوان، وهذا الانعتاق من الواقعية يؤدي دلالة رمزية جمالية تحدثنا عنها في ترميز العنوان، وينكسر المتخيل اللاواقعي مباشرة في عنوان الجزء الأول «تشريقة آل المر»فهو عنوان يوحي بواقع جماعة تغادر مكانها لتتجه نحو الشرق. وتواظب الرواية على المحافظة على واقعيتها الحدثيه من بداية افتتاحيتها حتى خاتمتها،وهي بذلك متسقة مع طرحها الأيديولوجي الواقعي. وتُغرق الرواية في واقعيتها حتى تدنو في كثير من مجرياتها إلى التوثيق، فتصبح عملية توثيقية لمجريات أحداث فترة من التاريخ العربي هي الفترة الدامسة من سيطرة الحكم العثماني التركي على البلاد العربية، ثم تبئر هذا الواقع في الحدث التاريخي الذي يعد محور الأحداث في الرواية وهو «حرب السفر برلك»وما جرته هذه الحرب، على أن هذه الواقعية الروائية المعتمدة على واقعية حقيقية لم تكن على حساب الأداء الفني للأحداث فربما تكون غرابة الواقع وحوادثه المدهشة قد غطت على جفاف الواقع المنقول إلى عالم الرواية، غير أن الحديث عن واقعية تسجيله أو توثيقه لا يعني أن الخطاب يخلو من الحوادث التخييلية التي ترمي إلى الإدهاش بالخيال، ففي نهاية الفصل العاشر يكتشف عزيز أن الفارس الملثمّ الذي صادقه مدة طويلة ورافقه في أمكنة كثيرة وناقشه وجادله، هو امرأة جميلة متخفية. بزى فارس ملثمّ وهذا الحدث يذكر بالعوالم السرية للقص الشعبي - وبخاصة بعوالم ألف ليلة وليلة التي تتكشف فجأة عن مدهش جديد، وهذا الحدث ذاته مستقى من عوالم ألف ليلة وليلة، إذ تتخفى امرأة بزي الرجال وتقوم بأعمال عضيلة يعجز عنها جبابرة الرجال وفجأة تكتشف ببساطة متناهية كما حدث مع عزيز عندما أخذ يجاذب الفارس الملثمّ ليسبح معه فينكشف النقاب عن وجه أبيض ورديّ...إلى آخر القصة. ولكن كيف يمكن أن نناقش واقعية هذا الحدث؟ هناك قرائن تجعله في نطاق التخيل الإدهاشي لتحريك عملية القص. من هذه القرائن مثلاً وضع المرأة في المجتمع العربي في أحداث الرواية وبخاصة في المجتمع القبلي.

الشخصيات:

ربما نستطيع القول: إن الشخصيات هي التي تعطي الخطاب الرّوائيّ قوامه الذي يسوغ تسميته (بالرواية ) ولا نجد هنا مجالاً للحديث عن أنواع الشخصيات ومستوياتها وعلائقها المتداخلة وطرائق تصويرها داخلياً وخارجياً، فهي كثيرة متنوعة، لكننا سنقوم بانتقاء شخصيتين مهمتين لبناء القوام الروائي، الشخصية الأولى شخصية عزيز المحور البنائي للرّواية الذي يقود الأحداث جميعها ويوجهها وفق إرادته، والشخصية الثانية( شمس) الفارس الملثم، الأنثى التي غيبّت أنوثتها وعادت لتسترجعها على يدي رجولة عزيز.

عزيز المحور:

تمثل شخصية عزيز إلى جانب كونها المحور الفني للخطاب والنص- المحور الأيديولوجي الذي يحمل رؤى الخطاب ومرجعياته ومنازعه الإنسانية والفكرية والنفسية، عزيز الممثل الفردي للمطمح السياسي العربيّ«التخلص من ربقة العثمانيين الدامسة» لذلك نجده الداعية الرئيسي لأفكار الاستقلال قولاً وفعلاً، فعلى المستوى الفعليّ يرفض الانسياق إلى جندية العصمليّ للذّهاب إلى حرب (السفر برلك)ويضرب في الآفاق بعد أن يضرب المختار والدرك الذين جاؤوا ليحضروا شبان القرية للذهاب إلى الحرب، وإضافة إلى كون عزيز الممثل للنزوع السياسي نحو الاستقلال، فهو الممثل الأوّل للنزوع الحضاري نحو التطور والتخلص من صور التخلف التي يرفضها وأهم هذه الصور المظهر الاعتباطي المتوحش للاجتماع البشري«الغزو»من أجل البقاء، ويبقى التمثيل بسيطاً يدنو من السّذاجة التي تتوافق مع التكوين العام للشخصية التي تحمل بعض الأحيان رؤى أوسع من تصوراتها ووعيها: «الشام وبيروت وبغداد كلها ضد العصملي وهؤلاء كالمجانين يتخبطون يميناً، شمالاً، الأعداء من الداخل... من الخارج ولا يعرفون من يواجهون»ص279 «نقلع عن شريعة الغاب.. السلب والنهب»ص328.

ويمكننا، في نهاية الحديث المقتضب عن شخصية عزيز أن نقول : إنه شخصية شعبية ملحمية كما الزير سالم تماماً أو كعنترة العبسيّ وهذا غير مستغرب لأنّ الكاتب بدأ منذ العنوان يربط متخيله الروائي بالمتخيل الشعبي في تغريبة بني هلال، فالزير عزيز بطل التشريقة يقوم بالاعمال التي لا يستطيعها جبابرة الرجال كما يفعل الزير سالم بطل التغريبة ولكن دون أن يكون عزيز زير نساء، فهو عنيف يُذكرنا بعنترة «وأغضّ طرفي ما بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مثواها» لذلك يغض طرفه عندما يرى الفتيات يسبحن في العين وكذلك يرفض الانسياق مع رغبات أرملة أخيه التي تحاول إغراءه مرات حتى تندس في فراشه، غير أنه يقاوم هذا الشذوذ بشدة، ويصل في النهاية إلى المرأة الحلم شمس «الفارس الملثمّ»ويحط بين يدي أنوثتها رحال رجولته.

شمس المرأة التي تؤجل أنوثتها إلى أن يعيدها إليها عزيز

على طريقة انفجار العالم السري المفاجئ نكتشف وجود شمس، الفارس الملثم الذي يتحول إلى امرأة بإزالة نقاب وجهه من قبل عزيز بالمصادفة المحض غير المقصودة. لأنه لا يمكن للشمس أن تبقى طويلاً خلف النقاب وتسترد شمس أنوثتها التي حاولت وضعها في مكامن الاحتياط لتستعيض عنها بمظاهر الرّجال شكلاً وسلوكاً، ونحن إذ نتحدث بهذه المفاهيم إنما نتحدث عن مفهوم رجل مجتمع الرواية وأنثى ذلك المجتمع، ويبدو من لقاء ممثل التمرد الرجولي للتمرد عزيز«وهو ممثل حقيقي» وممثلة التمرد النسوي «شمس» (وهي ممثلة غير حقيقية) أنّ الخطاب أراد أن يعرضهما نموذجين متوازيين متناغمين للتمرد الإيجابي على القائم غير أنه غير صحيح البتة في حالة شمس.

1ً- تقوم شمس بالتمرد على وضعها النسوي كأنثى وتؤجل أنوثتها وتنتمي إلى عالم الرجال، والتمرد الإيجابي على الوضع الاجتماعي السائد للمرأة لا يكون بالانتماء إلى عالم الرجال وهجر عالم المرأة وإنما يكون بتكريس العالم الأنثوي بفعل مناسب يعطي الأنوثة وجودها.

2ً- إذا صحت عملية التمرد فإنها عملية ناتجة عن وعي شامل وهذا منتفٍ في تمرد شمس فهي ما زالت مؤمنة بالعقائد القبلية وبخاصةٍ بضرورة الغزو إذ تجادل عزيزاً في ضرورة الغزو قبل أن يكتشف أنها أنثى وليست فارساً ص(328).

3ً- تعترف شمس نفسها بأن تمردها هذا وانتقالها من عالم المرأة إلى عالم الرجل ليس إلا لعبة، بدأت بها لأنها قوية البنية قادرة ثم استهوتها اللعبة.

«صدقني أنا نفسي نسيت أنني فتاة... حين جعلني طول قامتي ومتانة بنيتي أشعر أنني قوية كالفتيان قادرة على فعل ما يفعله الصبيان بل مذ كنت صغيرة كان يستهويني اللعب مع الصبيان، فأمضي إلى حيث هم أجري كما يجرون، ألعب كما يلعبون أتحدث كما يتحدثون، يوماً بعد يوم كنت أبتعد عن لداتي البنات أبغض أكثر فأكثر لعبهن وأحاديثهن... كنت أرى نفسي أكبر من أن يسعني الخدر، وأكثر نشاطاً من أن أعيش عيش الحريم... مثلي مثل الصبيان... ذارعي قوية وقلبي شجاع... ولكي أكون مثلهم رحت أقلد مشيتهم بل صرت ألبس كما يلبسون... والدي أعجبته اللعبة...»ص365.

«كانت مجالس الحريم بغيضة على قلبي فصرت لا أجلس إلا مجالس الرجال... كما بتّ أصارع الفتيان.....

- شمس اصدقيني القول، أحقاً كنت قد نسيت أنك أنثى؟

- إلى أن ظهرت أنتَ.... أجل»ص 366.

من هذا النصّ الطويل الذي قطفناه من الرواية نجد أنّ شمساً أقرب إلى النموذج السيكلوجي، أي النموذج الذي يشذ عن القوام النفسي السوي منها إلى المتمردة الإيجابية الفاعلة في البحث عن التغيير، وقد كان تغييرها فردياً وفي الاتجاه الخاطئ.

- السَّردُ والحوار:

يعتمد الرّوائيّ في عملية السّرد الطريقة السّردية التقليدية التي تجعل الوصف الاخباري متكأها وربما تكون المرحلة الزمانية المتناولة، وطبيعة الحدث قد أملت على الكاتب هذا المسار السَّردي، وربما يكون منزع الرّوائي الفني والثقافي متلائماً مع طريقة القصّ هذه، ونسوق ما يمكن أن ندعوه قرينة دليلاً على كون طبيعة الرواية ضرورة جعلت السارد يقتفي هذه التقنية، وذلك في أنه استفاد كثيراً من طريقة القص الشعبي في السرد، وقد جاءت أكثر افتتاحيات الفصول إما سرداً على طريقة القص الشعبي وإما مقطعاً من سيرة شعبية مروية بالطريقة ذاتها، يُضاف إلى ذلك توظيف أبيات شعرية باللهجة السائدة المحكية.

موقعُ الرَّاوِي:

من قراءة فصول الرّواية نكتشف أنّ الرّاوي شخصية حيادية تمثل دور الجوقة في المسرح عندما يقوم بالتعليق على حدث وقع أو يوطئ لحدث سيحدث، وكثيراً ما نلاحظ تمازجاً واضحا بي الرّاوي والكاتب عندما يلجاً إلى اللغة الشعرية ليصور عالما نفسياً ما فيخرج الرّاوي خارج عالم الرّواية ليكتب عن خواطره الشخصية ورؤاه الفكرية ومعلوماته ومعرفته العلمية وهو بذلك يرتد إلى الكاتب الرّوائي ذاته الذي يريد أن يبث في الرّواية شيئاً من رؤاه وأفكاره ومعلوماته ومواقفه فيفقد الرّاوي موقعه ويسلمه للكاتب بخاصة في الافتتاحيات:

«يقولون الصدمة تصعق والمفاجأة تخلُّ بالتوازن يقرع الجرس... تخرج الأم تفتح الباب هناك تجد رجالاً يحملون ابنها جثة هامدة فيختل توازنها وتسقط أرضاً، راهبة بتول تدخل غرفة فتجد رجلاً عارياً أمامها ووجهاً لوجه فتقع مغشياً عليها. فكيف يحدث هذا... كيف يختل توازن كان قبل لحظة واحدة في ذروة الثبات؟. تلك الأسئلة يجيب عليها العلماء بأن فقدان الوعي إنما هو حيلة يلجأ إليها اللاوعي لدى الإنسان لتفادي موقف لا يريد مواجتهه بأسرع زمن وأقصر طريق».

إنّ هذا العرض العلمي بل السيكلوجي في تفسير ظاهرة نفسية هو نوع من التدخل الخارجي من خارج عالم الرّواية ومستواها الثقافي والشعوري والزمني، فلو أن البطل من عالم المثقفين كما في كثير من الروايات العربية لوجدنا الكلام متسقاً مع عالم الرّواية شخصية وفكراً، ولكن ما يسوغ قبول هذه المقاطع السردية جمال الأداء وعمق تصويرها الشعوري ورغبة الكاتب في محاولة وضع المتلقي في المحيط الشعوري للرّواية وللشخصية لخلق المعادل الشعوري الذي يطمح إليه لمتابعة عملية التلقي.

مستويات البُنى اللغوية السائدة:

إنّ التنوع الرّوائيّ يتطلّب تنوّعاً لغوياً موازياً على أقل تقدير وما نقصده بالتنوع الرّوائيّ هو تنوع عناصر الرّواية من حدث وشخصية وسرد وحوار وأفكار وعوالم ورؤى ومطامح وامتدادات ومضمرات فنية وأيديولوجية...ليصبح لدينا ما يمكن أن ندعوه لغات الرّواية وليس لغة الرّواية اللغوية إذا صحت التسمية، والعمل الابداعي الذي تتنوع بنيته اللغوية يحظى بقدرة إبداعية فائقة، وترتقي قدراته بارتقاء تنوعها وفي بحثنا للبنية اللغوية السائدة في الرّواية نجد أنها تخضع لنمط يتكرّر في أثناء الرّواية، وقد حاولنا أن نرصد بدقة النمط اللغوي السائد ونرجو أن نكون دقيقين في ذلك

سيطرت على النّص البنى اللغوية الأفقية التالية:

  1. بنية «كان... ولكنه »: تسود الرّواية منذ افتتاحيتها حتى خاتمتها بنية الفعل الماضي كان [وهو متكأ سردي سائد في الرّواية العربية خاصة عندما تنزع إلى السرد عن الماضي] إضافة إلى الاستدراك على هذا العقل، ويبدو من إصرار المؤلف على هذه البنية المتكررة أنّ العالم السيكلوجيّ للمؤلف الذي حاول إسقاطه على العالم الروائي ذو طبيعة استدراكية، خاصّة على الماضي، واللافت أنّ هذا الاستدراك لا يعني الإلغاء أو الحذف دائماً؛ وإنما يهدف إلى الإضافة إذ يستوحي أنّ «لكنّ، أو لكنْ» أداة إضافة أو زيادة، وهي في الأصل مضمار الرّواية غير منزاحة الدّلالة وغرضها إبداعي، ونود الإشارة إلى أنّ هذه التقنية اللغوية غصّ بها السرد ولم نجد أيّ أثر لها في الحوار مع أنها بنية حوارية وليست سردية.
  2. النفي بغرض الإثبات: وهي بنية لغوية دالة موفقة لدى الكاتب ذات قدرة بلاغية وإبلاغية عليا، لأنها تخلق المعادل الشعوريّ المتوخّى، وتوضح المضمرات الرّوحية والنفسية والفكرية للنصّ الرّوائيّ وتجعله متعمقاً في التوصيل وذلك بإثارة التضاد الدلالي الذي يخلق أفقاً شعورياً وذهنياً رحباً متحركاً.
  3. ظاهرة الفعل كان: قد نجد مسوغا ما لاستخدام الفعل كان في رواية تسرد الماضي لتوافقٍ معين بينهما غير أن الإسراف في استخدام هذه الصيغة اللغوية المفردة يلقي على سيرورة السرد وانسيابه عبئاً كبيراً ويفقد اللغة إيحاءاتها وانطلاقها الحرّ، يوضح الجدول التالي استعمال الفعل كان في الرواية وأثره على لغة الرواية وفق عينة عشوائية في اختيار الصفحات.

الصفحة

مرات الاستعمال

الماضي

المضارع

ملاحظات

001

1

1

-

 

010

2

1

1

 

020

1

1

-

سيطرة الحوار

030

4

4

-

 

040

4

3

1

 

050

5

5

-

 

100

5

4

1

سيطرة الحوار

150

9

8

1

 

200

9

7

2

 

250

5

3

2

 

300

2

1

1

 

350

8

5

3

 

400

4

2

2

 

450

6

5

1

 

500

10

7

2

 

15 صفحة

85

67

18

 

يلاحظ من خلال الجدول السابق العدد الهائل لاستعمال الفعل كان بخاصة في صيغة الماضي، وقد اخترنا الصفحات بفرق عقد بين صفحة وأخرى ثم عندما وصلنا إلى الصفحة الخمسين اعتمدنا الفرق خمسين صفحة وهذا الاختيار لا يرمز إلى شيء محدد وإنما للتأكيد على عشوائية الاختيار.

إذا قمنا بحساب المتوسط الحسابي لمرات إدارج الفعل في مستوى التعبير الإبلاغي يكون 5.66 لكل صفحة، وعندها يمكن أن نتساءل عن قدرات الأسلوب اللغوي الذي يستخدم هذا الكم من صيغة سردية واحدة.

4- ظاهرة لكنّ: نقول في هذه الصيغة ما قلناه في سابقتها، فإذا قمنا بالعملية الحسابية السابقة نفسها قد نجد أن في الصفحات ذاتها التي رصدت فيها عدد مرات ورود كان.

ويبدو أن حرف الكاف يحمل شحنة نفسية تؤدي غرضاً سيكلوجياً مهماً للكاتب، إذ نلاحظ سيلاً جارفاً من الكلمات التي تحوي الكاف سواء في بداية الكلمة أم في وسطها أم في آخرها، وتمكن العودة إلى أي صفحة من صفحات الرّواية لرصد ذلك.

5- ظاهرة الكلية: كنا أشرنا في بداية هذه المقاربة عندما بحثنا في ترميز العناوين التي يختارها الكاتب إلى أن هناك منزعاً نحو الكلية والمطلقية في الرؤى والتوجه نحو الحياة والإنسان،وهنا نقول: إن هناك منزعاً بل نزعة كلية في إطلاق الأحكام، ويمكن أن ندعوها الكلية اللغوية باستخدام الألفاظ «كلّ،جميع...» وإذا قمنا باستقصاء ذلك فسنجد الكثير والكثير، ونتمنى لو أن طبيعة الدّراسة وحجمها يسمحان بتقص شامل لهذه البنية الكلِميّة وللبنى الأخرى ليكون كلامنا أكثر دقة وإقناعاً.

وليست البنى اللغوية السابقة وحدها التي أشرنا إليها كانت المسيطرة على بنية النص ولكنها أهمها وأكثرها بروزاً ووضوحاً ومطمحنا في دراسات قادمة أن نولي مسألة اللغة اهتماماً تستحقه وهي دائماً تستحق إفراد بحث خاصّ بها.

في الختام نقول : إننا حاولنا أن نقدم تصوراً بسيطاً لمقاربة نقدية تمثل رغبة صادقة في البحث في عالم أيّ نصّ، ومجافاة النقد النظري الذي يغوص في عوالم من المصطلحات والنظريات التي تقدم ذاتها في خديعة نظريّة تلقي بعبئها على القارئ والناقد وعلى مستقبل النقد ذاته دون أن تفيد النصّ في شيء.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244