الطريق إلى النّصّ - سُلَيمان حُسَين

مقالات في الرّواية العربية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:18 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الخاتمة

نجد في ختام هذه المقاربات متعددة الألوان والمناهج أنه لا بد من محاولة وضع النقد الرّوائي العربي في موقعه المناسب في سياق الكل الهائل الذي ندعوه النقد العربي قديمه وحديثه، وأهم ما أودّ الحديث عنه يلخصه مصطلح التأثر، واقتصرت على جانب واحد لأنني أرى أن العملية أحادية الجانب وهي التأثر، ويتفرع التأثر المقصود بتعبيرنا إلى نوعين مهمين من التفاعل بين النصوص النقدية، فأوّل هذين الفرعين هو التأثر النقدي بالمستورد النقدي من الغرب ويحمل هذا التأثر سيطرة هائلة وسطوة ذات أبعاداً عميقة لا تمكن الاستهانة بها أو النظر إليها على أنها مؤثرات عابرة،بل لا بد من تناولها على أنها تمذهبُ أو (تأدلج) إذا صحّ العبير أو الاصطلاح، وهذه المذهبية (الأيديولوجية) ليست ارتكاسات في أكثرها وإنما هي تصور نقدي يستند إلى فلسفات رُبما تكون هي الأخرى من المستوردات، وتتعمق هذه المسألة فيما يتعلق بالنقد الرّوائيّ ؛لأنه من المستجدات الأدبية نسبياً على الرغم من نضجه واستقراره النسبي أيضاً. ومن هذا الذي قلناه تنبع مشكلة التناول النقدي أو مشكلة تحتم على الدارس أو الناقد توخي الحذر الشديد في أي مقاربة لفهم النص أو شرحه أو استخلاص ظاهراته أو البحث عن موقعه النقدي في سياق النقد أو حتى البحث عن مسوغات انتمائه إلى النقد.‏

وفي ضوء دراسة التأثر يمكن أن نحاكم النص النقدي أو نحكم له بالانتماء إلى حقل النقد العربي، ونهتم بلفظ (العربي) للبحث عن مشروعية التسمية التي نطلقها(النقد الرّوائيّ العربيّ) ونحيل المسألة عندئذ إلى حقل النقد المقارن الذي يبحث في مثل هذه القضية، والذي قد يوصلنا إلى المقولة السائدة بأن عملية التأثر التي يمارسها النقد الوافد وعملية التأثر التي يمارسها النقد العربي- واخص النقد الرّوائيّ بالذكر- إلى حدّ الاستلاب عملية مطلقة لم ينج منها أي تناول نقدي؛ وحينئذ لا بد من طرح التساؤل المهم وفحواه: ما مشروعية التسمية «النقد الرّوائيّ العربي» وما الذي يميزه عن مستلبه وما مسوغ وجوده إذا أصبح لدينا رواية عربية مستقلة العوالم والرؤى والأشكال الفنية وليس لدينا نقد روائي مستقل يواكب الظاهرة الرّوائية ويستوعي خصائصها ويبحث مستقبلها بعد أن يحدد مضمراتها النصية والخطابية التي ينبغي أن تكون اهم محمولاتها...‏

والفرع الثاني من فرعي التأثر الذي تحدثت عنه هو التأثر النقدي بالنص النقدي الذي يتناول الشعر أو ما يمكن أن ندعوه وفق المفهوم الحداثي المعاصر (التناص النقدي) بين النص النقدي الشعري والنص النقدي الروائي لأسباب كثيرة منها ما هو أدبي ومنها ماهو غير أدبي ؛ فمن العوامل غير الأدبية عامل السبق الزمني الذي جعل نقد الشعر وهو ذو عراقة زمنية سحيقة القدم يُسرب كثيراً من مفاهيمه إلى نقد الرواية، لأن الذاكرة النقدية لدى جميع المثقفين والنقاد مفعمة بالإرث النقدي الشعري إلى درجة أنه يشكل لهم النفس الحضارية في مضمار النقد، ومن العوامل الأدبية ما يتعلق بمطامح الرواية العظيمة والحديثة من محاكاة العوالم الشعرية وموازاتها والارتقاء إلى لغة نثرية تجافي نثرية الواقع الجافة وتجافي اللغة النثرية الميتة للسرد والقص التقليديين، لذلك تدأب الرّواية في سعيها إلى البحث عن التصوير الشعري وخلق المحسنات الأدبية والانعتاق من فكرة القصة التقليدية التي تدين بالعبودية للحدث وذلك بحثاً عن آفاق أدبية في الشكل والمضمون،وعند التناول أو المقارنة النقديين لهذا النص المتجاوز المتخطي لا بد من الالتفات إلى عناصر النقد الشعري ومقولاته للاتكاء عليها في استيعاء النصّ الرّوائي متعدد الآفاق والأبعاد والرؤى والمطامح ومتنوع الأشكال والمضمرات.‏

وقد تكون لدينا تصورات أخرى حول هذه القضية وقضايا لا يتسع مجال بحثنا هنا لاستيعابها وتمثلها،ولذلك يمكن تركها إلى مجالات بحث أخرى يكون من الممكن إغناؤها أكثر من هذه العجالة.‏

دمشق5/12/1996.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244