فصول في علم الاقتصاد الأدبي فصول مختارة من رؤى كاسندرا بريام - حنا عبود

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:20 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الأول: كاسندرا بريام والأدب الحديث

لأمرٍ ما صارت طروادة غنية، حظها أن تصبح غنية، هل هي المكوس البحرية التي فرضتها على البضائع المشحونة أم هي المكوس البرية المفروضة على البضائع العابرة، أم نشاط أبنائها حوّلها إلى دولة غنية؟ لا نعرف فربما كل هذه الظروف مجتمعة جعلت طروادة الدولة الأولى في العالم آنئذ. أبراج وأسوار وقلاع، ساحات وأبهاء وقصور، بيوت ودواوين وطرقات ونقاط مراقبة وجباية مكوس، ملك وجيش وقادة وأبطال، بطون متخمة وخزائن مفعمة، وقد تحولت الثروة إلى كنوز وكنوز حتى حار بريام، ملك طروادة أين يضعها، فقد ملّ من إنشاء بيوتات محكمة ومحصنة لها، كل شيء صار باعثاً على السعادة، وكل شيء بات جميلاً، فحتى العذارى صرن يضارعن الفتيات الأغريقيات حسناً وجمالاً وأناقة وبذخاً... باختصار دبت سوسة الاقتصاد السياسي في هذه المدينة/الدولة.

كانت كاسندرا بنت بريام ملك طروادة تراقب ما يجري بعين نافذة ومتخوّفة، فقد كانت هذه العذراء الفائقة الجمال تمتلك موهبة النبوءة الصادقة التي وهبها لها أبولو، عاشقها الولهان الذي رفضته رفضاً قاطعاً. عرض عليها كل أنواع المسرات والثروات، ولكنه أخطأ في شيء واحد وهو أنه منحها النبوءة الصادقة قبل أن ينال قبولها، فلما عرض عليها نفسه مع كل المباهج والغنى، استلهمت قوة النبوءة فوجدت أنها إن وافقت فسوف تبدأ حياة البؤس والشقاء فلا نعيم ولا سعادة مع الثروة، وتذكرت قصة أيون وأمه مع أبولو فرفضت بكل تصميم، فاغتاظ منها عشيقها المدنف، وبما أنه لا يستطيع استرداد ما وهبه لها، على جاري عادة الآلهة، فقد عمد إلى استرداده بطريقة أخرى، وهي أنه جعل الناس لا تصغي لنبوءاتها الصادقة، ومنذ ذلك الوقت والناس لا تصدق النبوءات الحقيقية، بينما تتهافت على نبوءات الشعوذة والدجل وتؤمن بها.

رأت كاسندرا ما رأت من أمر طروادة، وكيف اغتنى أهلها ففسدت علاقات الابن بالأب، والزوج بالزوجة والأخ بالأخت، فعرفت على الفور أي كارثة سوف يجرها الاقتصاد السياسي على مدينتها، وقالت لأبيها الملك: إنك ترفع للهزيمة راية وتحفر للأحياء قبراً، الأسوار سوف تنهار، وبنات الملوك سوف يصبحن أسيرات والغواني في البراري سوف تهيم وجوههن، أما الأبطال فللقتل منذورون، أما طروادة فلن يبقى منها إلا اسمها تلوكه الأجيال، جيلاً بعد جيل بقلب حزين. أيها الملك السعيد أنت بدأت تاريخ التعاسة وبالبوق أعلنت اقتراب الكارثة.

كانت في مقتبل العمر أي في السن التي تتتفتح فيها موهبة الشعر والأدب، فلم يصدقها بريام ولم يصدقها أحد ممن سمعها. كيف؟ بالمال والثروة والكنوز تصرف طروادة الأمور كما تشاء وكما ترغب. لقد نسي هؤلاء أنك عندما تصبح غنياً يكثر أعداؤك فيتساءلون: من أين له هذه الثروة؟ وهل يستحقها؟ وماذا يفعل بها وهي تتجاوز موهبته وقدرته وعمله؟... إنه يملك ما يجب أن يكون لغيره. وهذه بالضبط نظرة الإغريق تجاه المدينة التي كانت في طرف أوروبا أو طرف آسيا، فقد رأوا أنها تستأثر بما يجب أن يكون ملكاً لهم.

وعندما أراد بريام أن يسفر إلى الإغريق حذرته ابنته كاسندرا: لا تجعل باريس الجميل سفيراً، ولا تحمله الذهب والفضة وذخائر الكنوز هدايا، لأنه بذلك سيعود إليك بالجيوش التي ستدك أسوار طروادة المدينة الغنية المترفة.

ولما صار ما صار واشتد الحصار خاف بريام على ثروته الضخمة فأوفد ابنه بوليدورس مع كنوزه البراقة المغرية إلى صديق له في تراقيا يدعى بوليمنستر. لكن الحلوة كاسندرا التي لا يصدقها أحد قالت لأبيها: أن بوليدورس يصطحب معه قاتله. ومن قاتله من هؤلاء الموفدين؟.. فأجابت كاسندرا: إنه الكنز أيها الأب العجوز. فلم يصدقها ويصر على تنفيذ ما ارتآه، وبالفعل فإن صديقه الحميم جداً بوليمنستر عندما رأى هذا الكنز العظيم بيّت في نفسه شيئاً، وهل يكون هذا الشيء غير التخلص من بوليدورس والاستحواذ على الكنز؟... لقد خسر بريام ابنه وكنزه دفعة واحدة كما تنبأت كاسندرا.

وعندما صرع آخيل شقيقها البطل هكتور قالت لأبيها: إذا تركت روح هكتور هائمة على شواطىء أخيرون فخير من أن تفتدي جثمانه لتعبر روحه النهر إلى الدار الأبدية. وإذا ذهبت إلى آخيل فاعرض عليه الثروة مقابل السلام والرحيل، لا مقابل تسليمك جثمان هكتور، وإلا انهار حصنك ودك عرشك وتدحرج تاجك. لكنّ مالِكَ المال أعمى، يظن أن ماله منجيه من كل متاعبه ومشكلاته، بل يؤجل الأجل ويطيل العمر، فذهب بريام الشيخ ضارعاً وطرح أمام قدمي أخيل فدية مقابل جثة أوشكت تتعفن، فماذا يخبىء في خزائنه إذا كانت هذه هي فديته؟ هنا أزمع الإغريق على متابعة الحصار لتتم نبوءة كاسندرا الصادقة التي لا يصدقها أحد.

ويرى الطرواديون الحصان الخشبي ويصدقون ما رواه عميل الإغريق، لكن كاسندرا وحدها تقف معترضة تحذرهم من هذه الخديعة الواضحة صارخة: يا أهل طروادة لن تعرفوا الراحة والسلم مادامت كنوزكم حكراً لكم. إن هذا الحصان الخشبي يعرف معلفه تماماً، إنه كنوزكم، فلا تدخلوه الأسوار لأنكم ستكونون أول ضحاياه.

كاسندرا الجميلة التي لم يصدقها أحد وجدت هذه المرة أذناً صاغية من لاؤوكون. وهذه ميزة النبوءات الأدبية الصادقة، قلة يصدقون أما البقية فيسمعونها بآذان من طين. والذين يصدقون من أمثال لاؤوكون يلاقون مصيراً مأساوياً.

بعد سقوط طروادة صارت مباحة لجنود الإغريق، فالذكور للقتل والإناث للأسر، أما ما بقي فيها من ثروات فتوزع ويقترع عليها. وكان القائد اغاممنون يطوف بين الخرائب فرأى وجه كاسندرا المختبئة، فضمها إلى غنائمه، بعد أن أنقذها من يد أجاكس الأصغر.

ولما رأت كاسندرا أحمال الذهب مع اغاممنون تذكرت أخاها بوليدورس وسفارته إلى بوليمنستر فقالت لاغاممنون: دعني واذهب وحدك إلى بلدك مسّينا، إنك تحمل قاتلك معك. خلف باب قصرك تلتمع شفرة البلطة، فواجهها وحدك ودعني هنا فخير لي أن أهيم في خرائب مدينتي من أن أقتل في دهليز قصرك. سينتقم لك ابنك، ولكن ما قيمة الانتقام إذا وقع الفأس في الرأس وفات الأوان؟ وكما هي العادة لم يصدق اغاممنون كلمة واحدة مما قالته هذه الصبية، بل جعل أحمال الذهب تنتظم في قافلة تتقدم موكبه، وعاد إلى مسينا واصطحب كاسندرا معه... وخلف باب القصر وقعت الفاجعة، تماماً كما تنبأت هذه الفتاة الجميلة.

***

لا أدري لماذا نميل إلى معاملة الميثولوجيات بعيداً عن الواقع، مع أن كل ميثة من الميثات التي تردنا من هذه الميثولوجيا أو تلك ما هي إلا قصة واقعية بطريقة فنية رمزية. ونحن اليوم نعامل نبوءات كاسندرا باستخفاف فنظن أن هذه النبوءات سجلت في تاريخ الأدب بعد وقوعها ونسبت إلى كاسندرا، وهذا ليس صحيحاً أبداً، فنبوءات كاسندرا قيلت قبل وقوعها، وهي ليست بحاجة إلى قوة خارقة لمعرفتها، إنها لا تحتاج إلا لقليل من التبصر فقط. ولو نظرنا اليوم في هذه النبوءات لبدا لنا أن كاسندرا كانت تقابل بين النشاط الروحي والنشاط المادي، أو بين الاقتصاد الأدبي والاقتصاد السياسي فحيث يكون النشاط الأدبي فسلم وسعادة، وحيث يكون النشاط المادي فالكوارث تترى وتدمر. فلنستعرض تلك النبوءات مجدداً ولنمعن النظر فيها:

عندما رأت ثروة طروادة تتعاظم قالت لأبيها إنك ترفع للهزيمة راية وتحفر للأحياء قبراً. وعندما رأت بوليدورس يخرج بأحمال الذهب إلى تراقيا قالت لأبيها إنك ترسل قاتله معه، وعندما رأت الحصان الخشبي الضخم عرفت على الفور أن الأعداء لا يمكن أن يقدموا مثل هذه الهدية مجاناً فحذرت منه، وعندما ذهب بريام إلى آخيل بفدية ضخمة من الذهب لاسترجاع جثمان هكتور عرفت كاسندرا أن أباها يزيد من الشهوة الذئبية في صدور الإغريق، وعندما أخذها اغاممنون معه حذرته من عرضه للثروة أمام موكبه، فلو عاد فقيراً مشرداً لما طمعت فيه كليتمنسترا وعشيقها ايجست.

إن نبوءات كاسندرا بسيطة جداً، فهي من قوانين الاقتصاد الأدبي، وفي كل يوم يمارس الأدباء هذه النبوءات، فلو قرأنا أي قصيدة أو مسرحية أو رواية وعثرنا فيها على كنوز بريام أو أحمال لوليدورس أو أسلاب أغاممنون أو حصان طروادة، الهدية التي لا تفسير لها، لقلنا في أنفسنا إن هناك كارثة سوف تقع. فحيث الثروة يكون الوباء، وحيث الكنز يكون الموت حارسه. إنه قانون أدبي لا يمكن تغييره، ولا يمكن لأي اقتصاد أدبي أن يفعل غير ما فعلته كاسندرا، فأي غرابة في نبوءاتها؟

كيف حلّ الاقتصاد الأدبي هذه المشكلة، أو هذه الكارثة؟... حلها بالتربية الجمالية التي تدفع الإنسان إلى القيم المعنوية وتدخله مملكة القناعة المادية وتحول أطماعه إلى طموحات فنية، حيث لا وباء ولا جريمة، ولا حقد ولا حسد ولا غل ولا نميمة ولا طمع ولا جشع... فالكنز المعنوي لا يستطيع أحد انتزاعه منك، لأن الحصول عليه لا يكون باستثمار الآخرين فلا حاجة إلى جريمة أو قتل بل يكون بالتربية الجمالية التي يجعلها الاقتصاد الأدبي الموجه الأول للإنتاج المادي، فبها وحدها تكون السلعة مساوية للحاجة ويكون الإنتاج موازياً للضرورات فقط وليس لاستغلال الآخرين واستثمار جهدهم وإفقارهم.

يناقش النقاد بحرارة ويدخلون في مناظرات ومجادلات شائكة حول "وظيفة الأدب" أو "وظيفة الفن" مع أن هذه الوظيفة معروفة منذ آلاف السنين، منذ أن أوصى بروميثوس ابنه ديوكاليون أن يتعلم، بعد أن يحط فلكه على البرناس من ربات الفنون ما ينقذه ويحميه ويخلص روحه. وقد تابعت كاسندرا نبوءات بروميثوس. كان الاقتصاد السياسي قد نما بعد أن قتل قائين أخاه هابيل واضعاً حداً لأساليب الانتاج القديمة، فكان لا بد أن تحذر كاسندرا من خطورة الانسياق وراء المادة والثروة والكنوز، فوراء كل طمع نكبة، وخلف كل جشع كارثة، فنبوءات كاسندرا هي الخط الأساسي الذي يقوم عليه الاقتصاد الأدبي.

تابع الأدباء هذا الخط، ومع ذلك تعاظم دور الاقتصاد السياسي حتى صار الدور الوحيد الذي يحدد قيمة كل شيء والذي يقبع وراء كل الدوافع حتى أننا رحنا نغزو القمر والكواكب الأخرى تحت ذريعة "الضرورات" فأي ضرورة تدفعنا إلى الإنفاق على مثل هذه المشاريع سوى شهوة الطمع وحب السيطرة؟

إن وظيفة الأدب ليس تقديم التعزية والسلوان، فالأدب لم يخلق لينسي الإنسان متاعبه وهمومه وحياته الصعبة كما قد يظن بعضنا، إنه ليس سيركاً يسلينا ويروح عن نفوسنا وينسينا متاعب نهار شاق، بل إنه مجابهة حقيقية لمشكلات الإنسان المادية والروحية، فهو يطرح باستمرار البؤس الروحي والبؤس المادي، بل يربط بين الأول والثاني، ويرى أن الاضطراب في الحياة المادية سيؤدي إلى اضطراب في الحياة الروحية، ويعزو سبب ذلك إلى هيمنة الاقتصاد السياسي على النشاط المادي بحيث يتحول هدف السلعة من تلبية الحاجات إلى استغلالها، ومن وفرة السوق إلى احتكاره، ومن تأمين الضرورة إلى التلاعب بها. إن هدف الاقتصاد السياسي ليس الموازنة بين الحياة المادية والحياة الروحية بل دفع الناس إلى الانخراط في معمعة لا تنتهي من أجل تكديس الأرباح ضماناً للمستقبل، ومن أجل فرض سلطة قوية تؤمن استمرارية الأرباح وتدفقها. فالاقتصاد المادي هنا لا يعني سوى الربح. والسياسة التي ينسبونها إليه أو يصفونه بها لا تعني سوى السلطة، فكل اقتصاد سياسي هو في النهاية ثروة لتوطيد السلطة، وسلطة لضمان الثروة والاستزادة منها.

هدف الاقتصاد الأدبي، بالمقابل، هو جعل الحياة الروحية المفعمة بالقيم الفنية منطلقاً لتنظيم الحياة المادية، أي أنه يناقض تماماً طريق الاقتصاد السياسي، ولذا يدعو إلى التربية الجمالية لإحلال الرضى الروحي محل الجشع المادي. وهو باستمرار يبين فداحة الإنصياع لقوانين الاقتصاد السياسي، ويرى أن العناصر التي يقوم عليها من ثروة وسلعة وسوق وتجارة... لن تؤدي إلا إلى البؤس، وربما كانت الثروة من أهم ما دأب الأدب على فضحها وإظهار الاضطراب التي تحدثه في الحياة الاجتماعية والنفوس البشرية.

بعد أن دبّت شهوة الثروة والسلطة في النفوس بات من الصعب اقناع الناس بتهافت الاقتصاد السياسي، ومع ذلك ما فتيء الأدب يندد بذلك منذ ميداس وحتى اليوم. وميداس ملك على بقعة صغيرة، أراد أن يكون له نفوذ بتوسيع سلطان مملكته، ومثل هذا الطموح لا يتحقق إلا بالثروة، وعندما أكرم أحد الباخيين الشيوخ كافأه باخوس بتلبية أي رغبة يتمناها، فتمنى الغبي أن يتحول كل ما يلمسه إلى ذهب، فكان أن مياه الشرب ومآكل المائدة تحولت إلى ذهب، فهرع إلى باخوس فوراً ليوقف هذه المهزلة أو هذه المأساة، فنصحه إله الخمرة أن يغتسل بماء نهر يتدفق من ينبوع بين صخرتين، دعاه إلى الانسجام والتكيف مع الطبيعة، واغتسل الرجل فشفي، لكن الأدب بعد ذلك لم يطلعنا على رجل عرف فعل الندامة سريعاً مثل ميداس، فالأغلبية لا يظهر الصحو عندها إلا متأخراً.

إن عناصر الاقتصاد السياسي كلها تتبخر لدى ظهور أي هزة، فما يجمعه الاقتصادي في عشرات السنوات قد يبدده ابنه على مائدة قمار بليلة واحدة، وما يرثه ولد عن والد من أموال قد يتسرب إلى محفظة غانية لعوب بأقل من سنة، وقد برع الأدب الفرنسي إبان القرن التاسع عشر في تقديم الكثير من هذه النماذج. فأي اقتصاد هش هذا الذي تعصف بكل قوانينه نزوة عابرة، أو هواية سيئة، أو عادة ذميمة؟... إن ما يتراءى لنا ثابتاً وطيداً ليس أكثر من أطياف واهية، وما نظنه سنداً لنا ليس أكثر من عامل دسيس يفتت روحنا ويقضي على قيمنا، ويدفعنا إلى اقتتال بهيمي لا ينتهي. إن صراع الأمم، وبالتالي صراع الأفراد لا يكمن وراءه سوى سبب واحد فقط لا شريك له وهو الاقتصاد السياسي. إن الحرب الطروادية تتكرر باستمرار من أيام بريام وحتى هذه الأيام. كل المدن التي دمرت تمثل طروادة الغنية الناشطة التي تتركز فيها الثروة، أو التي تقاسم غيرها الثروة. وما نشبت حرب إلا كان خلفها الاقتصاد أو السياسة، إما لحيازة ثروة أو لتمكين سلطة ولا شيء غير ذلك سواء كانت الحرب تدور حول مرعى بسيط أو حول منطقة غنية بالذهب، حول سفح جبل أو ممر على البحر. وكل ما عدا ذلك ما هي إلا أعذار للتغطية فقط. المذّبة الجزائرية أو قتل مبشر مسيحيي في إفريقيا أو إهانة شعار امبراطورية في جنوب شرق آسيا ما هي إلا أعذار فقط لأن جميع الأسباب تنحصر في اثنين لا ثالث لهما: الاقتصاد أو السياسة، ولو قلنا لسبب واحد فقط هو الاقتصاد السياسي لكان أفضل: لأن لا وجود لسياسة خارج الاقتصاد. وكل تاريخ الانتاج الأدبي مكرس منذ القديم لفضح هذا المحرك للنشاط البشري وإظهار تهافته حتى نكاد نقول إن مجمل الأدب هو فضح تهافت الاقتصاد السياسي، وإظهار دوره المفسد في الحياة الاجتماعية، ولكن أروع ما في الأدب هو تلك الاختبارات التي يخضع لها الاقتصاد السياسي، كما فعل فيه الأدب الفرنسي كما أشرنا، ومثله بقية الآداب، فالدكتور فاوست، سواء في النسخة الإنكليزية أو النسخة الألمانية، يجسد الاقتصاد السياسي عندما يدخل في مساومة مع مفستوفيلس، فيطلب منه طلباً واحداً فقط وهو الثروة والسلطة أي الاقتصاد السياسي تماماً: بالثروة والسلطة يحقق كل ما يريد، حتى أنه يستقدم هيلن، الحسناء اليونانية التي كانت ذريعة نشوب حرب طروادة، ويا لها من ذريعة، كما ينتشر اسمه في كل الأصقاع، ويقصده الناس من كل صوب، ويتوج بالمجد الزائف مثل أي بشري يراكم الثروة ويستخدم السلطة. بيد أن كل هذا المجد، وكل هذه السمعة، وكل هذه الثروة وكل هذه السلطة لا تنفع في شيء، فقد كان العقد بينه وبين مفستوفيلس يقضي أن يدفع حياته ثمناً للثروة والسلطة. وكأن المتنبي كان يسهم في الصياغة الفاوستية عندما قال:

 

ومن ينفق الساعات في جمع ماله

 

مخافة فقر فالذي فعل الفقر

فلا يمكن تحقيق الثروة والاستحواذ على السلطة من دون الوقوع في الخواء الروحي، كما يقول الشاعر اليوت، فما يتحقق في مجال المادة تدفع الروح ثمنه، فما تقدم الاقتصاد السياسي إلا على حساب التربية الجمالية التي هي شعار الاقتصاد الأدبي.

ومن أعظم الاختبارات الأدبية التي أخضع لها الاقتصاد السياسي ما نجده في الرواية الروسية في القرن التاسع عشر. أن راسكولنيكوف يريد تحقيق العدالة عن طريق توزيع الثروة فيصبح رجلاً أجوف خاوي الصدر بعد أن استخدم البلطة وسيلة، ويأتي الإنقاذ على يد سونيا المجدلية الفاضلة، فهي نسخة راسكولنيكوف، أو ظله الذي كان مختبئاً فظهر وكان غافياً فاستيقظ، فهو لا يختلف عن فاوست، وإن كانت الدوافع مختلفة. إن راسكولنيكوف أراد تحقيق العدالة عن طريق وسائل الاقتصاد السياسي ففشل وضاع لو لم تعده سونيا إلى الحياة الروحية. إنه فاوست الروس بقلم دستويفسكي، وشبيه به بطل قصة "موت إيفان ايليتش" التي كتبها تولستوى في أواخر حياته، فقد سعى إيفان إلى الثروة فنالها وإلى السلطة فحققها، ولكن ذلك كان على حساب حياته الروحية، لم يشعر بالخواء الروحي الذي فيه إلا عندما وقع فريسة المرض الذي لا برء منه. وهذه هي اليقظة المتأخرة التي أشرنا إليها، فهي ليست يقظة سريعة كيقظة ميداس بحيث يمكن تداركها بالاغتسال في مياه الطبيعة، أي العودة إلى الحياة الإنسانية الأصيلة، وإنما هي يقظة لا ترد مسافراً إلى الدار الأبدية ولا تؤجل موعده. كل شيء يتغير في نظر إيفان ايليتش بعد أن يدب فيه المرض، يلتفت إلى الماضي فيتألم، وينظر إلى الحاضر فيحزن ويتطلع إلى المستقبل فيتجهم، فقد أمضى حياته في جمع الثروة وتوطيد السلطة فخلق لنفسه ظروفاً غير إنسانية، وهذه الظروف هي المأساة التي يفرزها الاقتصاد السياسي، فهو يستدرجك لبذل جهدك فيما تكمن فيه مأساتك، ولا يستطيع المنجرف خلفه أن يميز بين الحاجة الروحية والحاجة المادية، فيظن أن بالمادة يفعل ما يريد كفاوست، ويغيب عن باله أقفار الحياة الفاوستية من كل معنى وتدهورها.

فضحت الاختبارات والتجارب الأدبية بهرجة الثروة والسلطة، وأظهرت أن المرشد الحقيقي للحياة المادية هو التربية الجمالية وليس شيئاً آخر، فبها تتحول ملكية الطمع إلى ملكية القناعة، وهي الشرط الإنساني الأول لكل حياة بشرية، وهي الخطوة الضرورية لقيام نشاط روحي لا يرتوى منه الإنسان ولا يشبع. ولكن بالمقابل أيضاً نرى أن النشاط الروحي ضروري لضبط المسار المادي، أي لتحقيق ملكية القناعة، فمن دون تربية جمالية يستحيل الدخول في مملكة القناعة... إنهما شرطان متلازمان ولا نستطيع تقديم واحد على الآخر، تماماً مثل قصة الدجاجة والبيضة. لكن في العصر الحديث عصر سيادة الاقتصاد السياسي والانجراف المادي، نرى أن الخطوة الأولى هي إشاعة التربية الجمالية والانفاق عليها حتى تصبح شبه مجانية، فبها يمكن الخروج من بوابة الاقتصاد السياسي والولوج في عتبة مملكة القناعة.

الاختبارات الأدبية هي المحك الذي فضح الاقتصاد السياسي، وقد برع تولستوي في هذه الاختبارات التي ظهرت في معظم انتاجه الأدبي، إن لم نقل كله، وبالأخص في مؤلفاته الأخيرة كالأب سيرجي وموت إيفان إيليتش والمالك والعامل والبعث... وقد اتهم بسبب إدانته للاقتصاد السياسي القائم على الملكية والسلطة، بالرجعية من قبل النقاد الثوريين آنذاك، والنقاد الإشتراكيين الذين ظهروا في أعقاب ثورة اكتوبر، وهم يزعمون أن رجعيته تكمن في رفضه للتطورات الحديثة التي قدمها العلم، وفي دعوته إلى الحياة الريفية. ومثل هذه التهمة هي نوع من التأويل الذاتي والقراءة السياسية لمؤلفاته التي لا نظن أن فيها ما يدل على هذه التهمة التي ليست أكثر من اختبارات كان يدفع الاقتصاد السياسي إليها ليبين بهتانه. فالمعروف أن الاقتصاد السياسي هو ابن المدينة لا ابن الريف وكاسندرا بريام أدانت الاقتصاد السياسي لأنها ابنة مدينة طروادة تعرف سر الأشياء، أما الريف فكان بريئاً من مفاسد هذا الاقتصاد. وقد اضطر تولستوى أن يقارن بين هذين الطرفين لفضح الاقتصاد الجديد، فاحتجاجه لم يكن على العلم بل على طريقة استخدامه، ولم يكن أيضاً على الاختراعات الجديدة بل على وضعها بيد المالكين الكبار مما يجعل لها تأثيراً سيئاً في العلاقات الاجتماعية وتشويش الحياة والتدني بها، ونجد هذا الموقف الأدبي لدى كل الكتاب الأوروبيين حتى منتصف القرن العشرين من بلزاك حتى د. هـ. لورانس الذي أدان هذا الاقتصاد في روايته "عشيق الليدي شاترلي" حيث نجد ميلرز يمثل الحياة المنسجمة مع الطبيعة، وقد لجأت الليدي شاترلي إليه للخلاص من التطورات الجديدة التي أفسدت كلاً من الارستقراطية الإنكليزية والطبقة العاملة. وفي قصة "الحسناء والغجري" نرى ابنة القمر تهرب مع الغجري وكأنها تهرب من "الحياة الجديدة" المريعة التي كانت تلمس مفاسدها، إلى حضن الطبيعة، إلى الحياة الغجرية. فالاحتجاج الأدبي لا ينصب على التطورات العلمية الاقتصادية، وإنما على طريقة استخدامها ذلك الاستخدام المذل والمخيف.

على أي حال لم تكن تهمة الرجعية التي وجهها الاشتراكيون الروس إلى تولستوى مقتصرة على هذا الكاتب، بل شملت كثيرين غيره من أمثال دستويفسكي وكل من أدان الطريقة الجديدة في الملكية واستخدام السلطة. فما الذي جعل كاتيوشا في "البعث" تقف في المحكمة فترى على قوسها ذلك الشاب الذي كان سبباً في سقوطها، إنها الملكية، أو بالتحديد هذا النوع الجديد من الملكية الذي ظهر في كل المدن، وكل مدينة هي طروادة وكل كاتب هو كاسندرا بريام.

***

في النسختين الإنجليزية والألمانية لفاوست يمثل مفستوفيلس الاقتصاد السياسي، فهو يقدم الملكية والسلطة لكل من يبيع روحه، وقد انتقل الاقتصاد السياسي إلى فاوست فاستخدمه اسوأ استخدام. وماتزال هذه المقايضة سارية المفعول حتى أيامنا هذه. لكننا في النسخة الفرنسية لفاوست التي كتبها بول فاليرى في القرن العشرين نلاحظ شيئاً جديداً، وهو أن من يتحكم في الصفقة لم يعد الشيطان بل الإنسان، فقد شعر مفستوفيلس أنه خدع، فكل من اتفق معه ضحك عليه. كان الانسان قد تمكّن من فن الاقتصاد السياسي، صار يصنعه بيديه ولم يعد بحاجة إلى معين كمفستوفيلس، فكل اقتصادي صار أمهر منه، فبدلاً من أن يعقد صفقة معه صار يعقد الصفقات مع بني البشر، فالثروة لم تعد وليدة الحظ بل صارت لها طرق لانتاجها، الحظ يقتصر على تبديدها وليس على صنعها، وهذا ما عزز دور الإنسان الاقتصادي وجعله يستغني عن مفستوفيلس الذي ظهر لنا في النسخة الفرنسية مسكيناً مغلوباً على أمره. لقد تجسد مفستوفيلس وحلّ فينا، وهي خطوة جديدة في الحياة الاجتماعية التي مالت إلى المادة وانجرفت وراءها كلياً على حساب الحياة الروحية، قل الريفية بلغة تولستوى، تلميذ جان جاك روسو. وبهذه الخطوة انتقل الأدب الحديث من النبوءة إلى الإدانة، من اتهام الاقتصاد إلى اتهام الاقتصادي، فكأنه استعار لسان كاسندرا، بعد أن ترجم لغتها ترجمة تنسجم مع العصر الحديث العاصف، ولو قارنا بين الموقف الأدبي في النصف الثاني من القرن العشرين وبين موقف كاسندرا لهالنا هذا التطابق الكبير. كل ما في الأمر أن الحياة الآن صارت أشد قتامة وتعقيداً، حتى أن الإنسان لم يعد يعرف نفسه، ففي مسرحية يونسكو "المغنية الصلعاء" يلتقي الزوج بالزوجة فلا هو يعرفها ولا هي تعرفه، وبطريقة يونسكو المعهودة نعرف أن كل واحد منهما قد ضاع عن نفسه فضاع عن غيره وضاع غيره عنه، وليس غريباً فعندما تقفر الروح يموت الإنسان بتحوله إلى آلة تنتج المفاسد.

تميزت لغة كاسندرا بريام بالوضوح والدقة والصراحة والإيجاز والبعد عن الحذلقة والتنميق والتأكيد المتكرر على المقولة الواحدة، وهذه هي ميزات الأدب الحديث الذي عمد إلى المجابهة، تماماً مثلما كانت تفعل كاسندرا، إلا أن شيئاً واحداً كان ينقص لغتها وهو الإدانة، فقد كان عليها أن تقول لبريام أن السوء ليس في الثروة بل في استخدامها، فهو نفسه السيء الذي جلب الكارثة على وطن بكامله. وهذا ما قام به الأدب الحديث الذي صار يوجه الإدانة للإنسان نفسه، ولا يتنبأ بموته بل صار يعامله كأنه ميت بعد هذا الإيغال في مفاسد الاقتصاد السياسي.

كل ما فعلناه في هذا الحديث أننا شرحنا للقاريء لغة كاسندرا وكيف أنها اللغة التي ترجمها ويترجمها الأدب في موقفه من التطورات الحياتية. وفي الأحاديث القادمة سوف نترجم لغة كاسندرا إلى لغتنا القرعشرينية، ولا فضل لنا غير ذلك. إنها المؤلفة الحقيقية لهذه الأحاديث، ومن المعيب أن يدعي المترجم تأليف ما ترجم.

وقد قمنا بهذه الترجمة لاعتقادنا أن شيئاً في أيامنا لم يتغير عن أيام كاسندرا. صحيح أننا استبدلنا بعض الأسماء والعناوين القديمة بأسماء وعناوين جديدة، وسمينا المدن بأسمائها الحالية فلم نستخدم اسم طروادة أو مسينا أو طيبة أو غيرها، لكن ذلك لا يغير شيئاً، هدفنا "تحديث" لغتها وليس تغييرها، بل لا نستطيع تغييرها، فكيف نغير مثلاً قولها لاغاممنون: الجريمة تختبيء خلف باب القصر؟ هل نقول أن الجريمة تختبيء في مدخل الكوخ؟ من يصدقنا؟ الجميع يعرفون أن الجرائم الخفية لا ترتكب إلا في القصور، مكان إدارة الاقتصاد السياسي، وليس في الأكواخ. واليوم تقع أبصارنا على مئات القصور السامقة الباذخة التي تشاد باستمرار، فلا نستطيع أن نبتكر لها لغة جديدة، بل نتذكر لغة كاسندرا التي تذكرنا دائماً أن خلف باب كل قصر تختبيء الجريمة. يا الله ما أكثر القصور عندنا.

لقد اخترت من كلام كاسندرا الجميلة بعض الفصول وترجمتها بلغتنا القرعشرينية، وأني لفخور بذلك، مع علمي أن ما كان ينتظرها ينتظرنا نحن أيضاً، وإليه سوف نساق سوقاً... مثلها تماماً.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244