|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 01:20 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثاني مدخل إلى علم الاقتصاد الأدبي عندما نسمع بمصطلح الاقتصاد الأدبي نظن أنه مصطلح بلاغي، أو أنه ترجمة للمصطلح البلاغي المشهور: مطابقة الكلام لمقتضى الحال، أي يقوم على التزام القواعد البلاغية، بحيث يتقن المتكلم أصول الكلام أو الكتابة من أجل تشخيص الحال بما يلائمها، من دون زيادة أو نقصان، فقد تقتضي الحال الإيجاز أو المساواة أو الاطناب، فأي اخلال بذلك يعني الإخلال بالأداء، وبالتالي الانحراف عن الهدف المنشود. ليس هذا وحسب، بل إنه يشتمل أيضاً على أصول انتقاء الألفاظ، إذ قد تكون اللفظة المناسبة في موقف غير مناسبة في موقف آخر، وقد تكون الألفاظ مناسبة إلا أن التركيب غير مناسب... ومع ذلك نرى أن الأساليب تتغير وتتبدل من عصر إلى عصر، بينما تبقى البلاغة كما هي. علم الاقتصاد الأدبي لا علاقة له بالبلاغة، لأن البلاغة إنما تحصل عن طريق التقاليد الأدبية وليس عن طريق التعليم والدراسة أي بدخول المرء في عمق الدلالة الأدبية، وليس في القواعد البلاغية. والملاحظات التالية قد تكون مفيدة في تحديد دور البلاغة. 1- البلاغة عندما تكون نتيجة تلقين القواعد البلاغية هي بلاغة جامدة لأن الدخول إلى الأدب عن طريق بلاغي يعني تماماً تهميش الموقف الأدبي، كالدخول إلى الشعر من باب معرفة العروض، فالبلاغة كعلم تابعة لا متبوعة، فهي من العلوم الناقلة التي لا يجوز جعلها طريقاً إلى الأداء اللغوي الجميل، فالبلاغي لا يقابل الأديب. البلاغي له حرفة غير حرفة الأدب، إن كتب انتج كلاماً صحيحاً ولكنه ليس كلاماً أدبياً بالضرورة. ونلاحظ أن جميع البلاغيين في تاريخنا لم يكونوا أدباء، فالجرجاني والعسكري والقزويني وأضرابهم لم ينتجوا سلعة أدبية حقيقية. فمعرفة البلاغة لا تؤدي إلى انتاج النص الأدبي بالضرورة، تماماً مثلما أن معرفة العروض وعلومه لا تعني انتاج النص الشعري، والعروضيون كانوا نظامين ولم يبرز منهم شاعر. 2- الدخول إلى الاقتصاد الأدبي عن طريق القواعد البلاغية لا يعني تهميش الاقتصاد الأدبي وجعله تابعاً وحسب، وإنما يعني أيضاً تجميد الانتاج الأدبي وتقييد حريته وإن لفترة. والملاحظ أن الاقتصاد الأدبي هو ابن التقليد الأدبي ولكنه ليس ابن القواعد البلاغية. فالتقليد الأدبي هو النشاط الحر الناجم من الموقف الأدبي، فأنت عندما تجعل الآثم ينال جزاءه إنما تتبع تقليداً أدبياً لا تستطيع أن تغيره وإلا سقط أدبك ولم يأبه به أحد. أما كيف تجعل الآثم ينال جزاءه فهذا لا قاعدة له وإنما متروك للنشاط الفني الابتكاري الحر. ولا شك أن البلاغة -في التحليل الأخير- هي خلاصة التأملات في الفن الأدبي، ولكنها على يد المتحمسين المندفعين انقلبت إلى قوالب جامدة، وفقدت صلتها بالعلاقات الميثولوجية التي تحدد الأدب، والتي هي أصل اللغة والبلاغة والأدب. البلاغة تسير في الطريق المعاكس، أي تقدم القاعدة وتطالب الضرب عليها ضرباً، على النقيض مما يطالب به التقليد الأدبي، الذي ينبع من موقف أدبي إنساني عام ذي أصل ميثولوجي لا يمكن مخالفته، كما لا توجد قاعدة متبعة، فأنت حر في اتباع آلاف الطرق للتعبير عن هذا الموقف الذي ترى نفسك منساقاً إليه بطبيعتك. إن الروائي الذي يعاقب الآثم إنما يفعل ذلك من تلقاء ذاته، وعندما لا يعاقبه، بل يدعه يرقى في سلم النجاح فإنه يدفعه إلى النجاح المعكوس، أي النجاح الذي يثير سخطنا ويجعلنا ناقمين على الكاتب نفسه، ونسرع فنعلن فشله على الملأ. من يفرض على الكاتب معاقبة الآثم؟ لا أحد سوى التقليد الأدبي. من هذا التقليد العفوي تنشأ البلاغة الحقيقية. أما القواعد البلاغية فلا تنشىء أدباً، بل إنها تسهم في تجميد أساليب الأداء فيرى المنتجون الأدبيون أنفسهم وقد وقعوا في أشراك الكليشيهات والتعابير الجاهزة، فنحن مثلاً نقول ارتعدت فرائصه، وقلما استخدمنا تعبيراً جديداً من أمثال: تراءى له قلبه وهو يرتجف، أو شعر كأنه تمثال من جليد... أو غير ذلك. إننا عندما ندخل الانتاج الأدبي عن طريق البلاغة نكون وافقنا مسبقاً على التخلي عن حرية التعبير التي هي الشرط الأساسي للانتاج الأدبي وابراز التقليد الأدبي لا إعادته كما هو. إننا دائماً موجودون في قفص التقليد الأدبي، لأنه تقليد أخلاقي، لكن حرية التعبير هي التي تعيد هذا التقليد ضمن ما يسمى الجديد. والبلاغة لا تسهم في هذا التجديد، فهي دائماً تطفو على السطح ولا تغوص إلى عمق العملية الفنية. 3- البلاغة مرتبطة بالسفسطة، أي باللغو الكلامي، فحتى الآن لم نعرف سفسطائياً إلا كان ضليعاً بعلم البلاغة، بل إنه يستخدم هذا العلم لا لانتاج النص الأدبي، بل لإظهار البراعة وقوة المناظرة وحسب. فلا غرابة مثلاً إذا أيّد شيئاً هنا ورفض شيئاً هناك لا يختلف عن الشيء السابق في شيء، ولا غرابة في اتخاذ موقفين من ظاهرة واحدة. وقد اشتهر الإغريق بالسفسطائيين من أمثال سقراط وهيباس وبروتاغوراس وغورجياس... الذين برعوا في التلاعب اللفظي باعتماد البلاغة لتأييد فكرة مغلوطة أصلاً... فإذا نظرنا في أقوال سقراط - وهي الأوفر لدينا- لم نخلص إلى شيء. إنه يناقش في العدالة أو القانون أو الخير أو الجمال... ولكنه لا يوصلنا في النهاية إلى تحديد العدالة أو القانون أو الخير أو الجمال. إنه يستخدم البلاغة للغوص في السلبيات وليس للغوص في التحديات الإيجابية. وقد وصل الأمر ببروتاغوراس إلى نفي وجود الأشياء بتلاعبه البلاغي وتفتيقه اللفظي. أما الأدب فمهما اعتمد على الفنون البلاغية، وحتى لو غدا كليشيهات جاهزة في أساليب الأداء اللغوي فإنه لا يصل إلى هذه الدرجة المتمحلة والمصطنعة، فلا يجوز أن يتجه إلى البلاغة كغرض مقصود لذاته. ولعل المقامات في الأدب العربي مثال بارز في هذا الصدد، فما كان منها ناحياً نحواً بلاغياً نجح في التنميط اللغوي وفشل في الأداء الفني، فالمسألة هنا أبعد من مسألة الصح والخطأ، إنها مسألة كيفية التواصل مع الآخرين، ومدى قبولهم لما نقول. لقد قدم الإغريق بسفسطتهم البلاغية نصوصاً إدهاشية، أي تقوم على الإدهاش، ولم يقدموا نصوصاً أدبية، والنصوص الإدهاشية لا تحترم التقليد الأدبي، بل لا تحترم أي تقليد. ونعتقد أن سبب ذلك هو انجرافهم وراء الاقتصاد السياسي وليس وراء الاقتصاد الأدبي، فكلهم -عدا سقراط وبعض تلاميذه- كانوا يبيعون قدرتهم البلاغية، أي يعلمونها لقاء مبالغ متفق عليها. وهذا الموقف جرهم إلى المزيد من الاصطناع البلاغي والإيغال فيه، فقد خضعوا للسوق الاقتصادية وليس للسوق الأدبية التي لها قوانين مختلفة. ونظن أن هذا الإيغال هو ما أفقد البلاغة وهجها في العصر الحديث، فأخضعها النقد الأدبي لدراسات عادت بها إلى أصلها الميثولوجي، ولم يعد لتلك الفروع الكثيرة التي انتهت إليها البلاغة أي أهمية بالنسبة إلى الكاتب المعاصر، فقد غدت كالجداول اللوغارتمية، من غاص فيها ضاع ضياع الطفل في جرن معمودية فلورنسا، كما يقول دانتي. الأدب وليد الفطرة، ينمو ويتطور وفقاً لأنماط الفطرة هذه، من غير قسر ولا فرض، ولا تقعيد جامد. بلاغة الأدب مستمدة من طقوسيته الميثولوجية التي تتنامى باستمرار وتتجدد كل يوم، من غير أن تتخلى عن الجذور الأولية التي تعتبر أساساً لا يمكن التخلي عنه، لا لأنه يفرض نفسه، بل لأنه منطلق كل بلاغة أدبية، فالسفسطة البلاغية في الأدب انتحار. لقد أدت السفسطة البلاغية لدى البنيويين الفرنسيين إلى نتائج لم يقبل بها قسم كبير من المختصين، بل أن بعض الذين انتهوا إليها طفقوا يتراجعون عنها ويعيدون النظر فيها، وعلى الأخص في بعض اطروحاتها كموت المؤلف وموت النص. وهذا يدل على أن الغوص في بلاغة القول بعيداً عن مرجعيته الميثولوجية قد يؤدي إلى مثل هذه النتائج، في حين أن ربط الإنتاج الأدبي بهذه المرجعية مثمر النتاج، من غير ما حاجة إلى التقعيدات البلاغية المتشعبة، فالفن الأدبي ليس بلاغة إلا بمقدار ما تصدق البلاغة في حملها الينبوع الميثولوجي الأدبي، وإلا فإن الطغيان البلاغي يحرف الإنتاج الأدبي عن مساره ويغير من استراتيجيته. 4- ثم إن البلاغة تحاول أن تحدد ما لا يحدد. فهي تزعم مثلاً أنها علم مطابقة الكلام لمقتضى الحال، مع أن الحال لا يمكن تقديرها من قبل البلاغة، وبالتالي فإن البلاغة لا تستطيع أن تحدد مقدار الكلام المناسب لمقتضى الحال. وقد يوضح المثال التالي ذلك: لنفرض أن ثلاثاً من الأمهات استيقظن صباحاً فوجدن أطفالهن يعانون من ارتفاع حرارة، ولا شيء آخر سوى هذه الحرارة. فهل يكون رد الفعل الكلامي واحداً؟... لا نعتقد ذلك، فقد تكتفي إحداهن بصرخة، وأخرى بدعوات لله والنبي ورقية على الرأس، وثالثة تفضل استدعاء الطبيب. إذا رفعنا العدد إلى ثلاثة آلاف أو ثلاثة ملايين امرأة، نحصل على زمر من ردود الفعل، وليس على رد فعل واحد، فأين مطابقة الكلام لمقتضى الحال؟ والمثال ذاته ينطبق على الأدباء، فقد يتريث أديب عند مشهد يمر به غيره مروراً عابراً، فما يحدد مقتضى الحال ليس القواعد البلاغية، بل النفس البشرية. وهذا يدل أن البلاغة هي علم الجزئيات لا يمكنها أن تحيط بالفلز الأدبي. إنها تصفه بتشعباته وفروعه ولكنها لا تفسر لنا سبب استمرارية التقليد الأدبي كمرتكز لكل اقتصاد أدبي. فالقول ان البلاغة هي علم مطابقة الكلام لمقتضى الحال نوع من السفسطة التي تشتمل على مغالطة داخلية، وهذا ما جعل البلاغيين يظنون أن الأدب هو علم الكلام فراحوا يحددون "الأصول" في الألفاظ والبدايات والخواتيم والتقديم والتأخير وأنواع الأفعال والأسماء. وقد وصلت البنيوية الفرنسية إلى الطريق المسدود مثل البلاغيين العرب الذين ساروا في هذا المنحى. ثم إن بلاغة التعبير لا تنحصر في بلاغة الكلام، لأن هذه البلاغة تابعة للشغل الميثولوجي لانتاج الأدب، حتى أن بعضهم تطرف وصرح بأن كل كتابة هي خلق ميثولوجي، واللغة على أهميتها هي جزء من الدلالات الأدبية، وإلى جانبها كثير من الدلالات، وإلا كيف نفسر أن الأدب الإيمائي الذي ينتعش في هذه الأيام لم يفتقد الدلالات على الرغم من افتقاده اللغة؟ هناك تشبيه ناجح لبرغسون في كتابه "منبعا الأخلاق والدين" حول الثابت والمتغير استمده من النباتات النهرية، فكثيراً ما تنمو هذه النباتات من قاع النهر بساق طويلة باسطة أوراقها على سطح الماء الذي يحركها حسب اتجاهه، فتبدو لنا متحركة وهي ثابتة. فالكلام هو ظاهر الأدب ولا يجوز لنا الاقتصار على التوصيف السطحي. لا بد من المتابعة للوقوف على المرجعية الأساسية للأدب حتى تستقيم الأمور، وعندها يكون للبلاغة معنى آخر يطرح عنها تلك التراكمات الأجرومية المرهقة. *** بعد هذا التحديد للعلاقة بين الأدب والبلاغة ننظر في عناصر الاقتصاد الأدبي: الفلز الأدبي والواقع الاجتماعي والأنماط الأولية، ثم الصياغة الفنية والحرية. هذه هي أهم عناصر الاقتصاد الأدبي، ولكن قبل الخوض بها نتريث قليلاً عند هذا المصطلح لنبين أهميته ودوره في الحياة والرابطة الاجتماعية والانتاج المادي. قد نظن للوهلة الأولى أن الاقتصاد الأدبي مقتصر على الأدب ولا علاقة له بالحياة والرابطة الاجتماعية والانتاج المادي، مع أنه ذو علاقة وثيقة، فهو ليس تسلية ولا تزجيه لأوقات الفراغ، بل هو وسيلة من وسائل دفاع الإنسان عن نفسه وتحفيز قواه الروحية وتحويل العمل إلى نوع من الفرح وتمكين الإنسان من النظر إلى الآخرين بروح الرضا والمغفرة وتجاوز السيئات... وفي هذا ضابط للإنتاج المادي فلا يداخله الاستغلال والاستثمار والشهوات الذئبية. واليوم إذ يعمل الاقتصاد السياسي على إفساد الناس ودفعهم إلى التنافس المميت، نرى الاقتصاد الأدبي يعمل على تجنب قوانين الاقتصاد السياسي المدمرة، ويقيم نوعاً من العلائق السليمة، التي لو توافرت لابتعد المجتمع عن فوضى الانتاج ومضاربات السوق وهدر الطاقات. سلطة الاقتصاد السياسي مستمدة من الجهاز المالك/ الحاكم، أما سلطة الأدب فمستمدة من القاعدة الروحية الواسعة للمجتمع، وأقصد بالقاعدة تلك الطبقات المبعدة عن مباذل الاقتصاد السياسي. إن الاقتصاد الأدبي يفعل فعله بصمت وهدوء، وعلى المدى الطويل. ربما تمر أجيال وأجيال على الناتج الأدبي من غير أن يفعل فعله ومن غير أن نلحظ له تأثيراً، ولكن لا بد من أن يؤثر في المجتمع فيوقف على الأقل الأنهيار الذي يدفعه إليه الاقتصاد السياسي. إنه غير مدعوم بقرارات وإجراءات رسمية كالاقتصاد السياسي، بالإضافة إلى أنه يفتقد إلى القوة المادية، فانتاجه روحي وإن انعكس على النشاط المادي. سلطة الأدب تكون بإشاعة جو من الرهافة بعيداً عن الجو المشحون الذي يخلقه الاقتصاد السياسي. إن الأخلاق الأدبية هي التي تدفع الناس إلى التعاون في الجائحات والأزمات وليس الاقتصاد السياسي الذي يسببها، ولولا هذه الأخلاق لما استطاعت الهيئة الاجتماعية التغلب على الصعوبات أو التخفيف منها. وكلما تقلصت الأخلاق الأدبية امتدت واتسعت وسادت أخلاق الاقتصاد السياسي القائمة على شريعة الشهوة الذئبية، التي تجعل الملكية محركاً أولياً لكل حياة البشر كأنهم لم يخلقوا إلا ليتملكوا. يرمي الاقتصاد الأدبي إلى السيطرة على المادة لا السيطرة بالمادة، فهو يخاطب الروح الإنسانية لتترفع عن الصراع المادي، بغية الخلاص من الجرائم التي جرها الاقتصاد السياسي. إنه يدعو إلى ملكية القناعة مقابل ملكية الجشاعة التي يدعو إليها الاقتصاد السياسي. إنه يدرك أن الاضطراب في المجتمع مرده إلى الناحية المادية، ويرى أن هذا الاضطراب الشنيع لا ينتهي إلا إذا قامت الأخلاق الأدبية مقام الأخلاق المادية. قد يتحدث عن الملائكة والعالم العلوي ويصف الشياطين والعالم السفلي وقد يستخدم الجن والعفاريت, لكنه في المحصلة يرمي إلى إقامة علاقات روحية توجه وترشد العلاقات المادية. ومن دون هذا التوجيه لا يمكن الخلاص من ربقة الاقتصاد السياسي القائم على الاستغلال وإذلال الكرامة الإنسانية. وقد عرفت البشرية عصوراً ساد فيها هذا الاقتصاد فعرفت السلام والقناعة وفرح العمل، لا الحرب والجشع وحمى التنافس. كل مجتمع يتطور فيه الاقتصاد الأدبي، ويزداد عدد المستهلكين، يميل إلى التوازن ويتخلص من معظم العقابيل التي يخلقها الاقتصاد السياسي ذو السطوة والسيطرة على السوق الاستهلاكية، ويتوقف هذا على نسبة الاستهلاك الأدبي. وقد لوحظ أن البلاد التي يحقق فيها الاستهلاك الأدبي بنسبة عشرين بالمئة تميل إلى التوازن. وفي بلادنا لا تتجاوز نسبة الاستهلاك الأدبي نسبة 0.045 بالمئة، فنحن مقصرون جداً في هذا المضمار. وقد لوحظ أيضاً أن الأحياء التي يزداد فيها الاستهلاك الأدبي تخلو من وطأة العلاقات الاجتماعية الشائهة. ولا علاقة لهذه الأحياء بالمستوى المادي، إذ ليس من الضروري أن تكون من الأحياء الغنية، وإن كانت الأحياء المتوسطة هي الأغلب. وعندما يمر المستهلكون الأدبيون بالأحياء الغنية يقولون جهارة انها أحياء الجرائم والمفاسد الصامتة، فهي المسؤولة عن انهيار العلاقات الاجتماعية في كل طبقات المجتمع. في رأي الاقتصاد الأدبي أن السلعة المادية تبدأ بالروح قبل أن تخرجها اليد والآلة إلى السوق. وهي تحمل صفات هذه الروح معها فإن كانت روحاً طيبة فإنها سلعة مفيدة وطيبة، وإن كانت روحاً خبيثة فإنها سلعة ضارة ومفسدة. الروح هي التي تحمّل السلعة رسالتها: تنزل إلى السوق لسد حاجة وتعود بربح الكفاية، أم تنزل لتستغل الحاجة من أجل سرقة ما في الجيوب أو منافسة ما في الأسواق أو تدمير خصوم أو فرض سلطة أو استغلال ندرة أو إنشاء مملكة الثروة؟ وهذه الروح لا تنشأ إلا من الأخلاق الأدبية، أي من الاستهلاك الأدبي الواسع والعميق. انظر إلى أحياء المدينة: إنها تخضع لاقتصاد سياسي واحد ودستور واحد وأنظمة واحدة، ولكنها تختلف باختلاف الاستهلاك الأدبي، فالأحياء التي يدخلها الكتاب -أقصد طبعاً الكتاب الأدبي لا أي كتاب- هي الأرقى والأهدأ، هي الأرقى أخلاقاً والأهدأ اجتماعاً والأوثق علاقات. وعندما تدخل الروح الأدبية في عملية الانتاج المادي فإنها تغير من هدف هذا الانتاج بالقضاء على جرثومة الاقتصاد السياسي، وهي الشهوة الذئبية النهمة التي لا تعرف قناعة ولا تشعر بشبع، أو كما يقول انجلز " نزع روح الاستغلال من السلعة" إن السلعة المادية لا تعرف الانحياز ولا تعي هدفها. إنها حيادية ولكننا نحن الذين نحملها الرسالة ونطلقها لتكون حملاً أو ذئباً، لتكون لنا أو علينا، لتكون معمّرة أو مدمّرة. وكل محاولة خارج هذا الإطار لا معنى لها ولن تؤدي إلى نتيجة مرغوبة. وهذا هو منطلق دعوتنا إلى ضرورة توطيد ما سميناه "علم الاقتصاد الأدبي" الذي يؤدي إلى غايات إنسانية كبرى والذي يحول السلعة إلى معادلة إنسانية. بعد أن بينا أهمية العلم الذي ندعو إليه في توجيه الانتاج المادي ننتقل إلى مناقشة أهم عناصره، وهي عناصر متآزرة، نفصل بينها من باب التبسيط: |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |