فصول في علم الاقتصاد الأدبي فصول مختارة من رؤى كاسندرا بريام - حنا عبود

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:21 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفلز الأدبي

يتكون الفلز الأدبي من عناصر كثيرة لا حدود لها، من أبسط المخلوقات وحتى الجن والعفاريت والعوالم الكونية، بل والعوالم الأخرى، ولكن ضمن عملية المثلجة (الارتقاء فنياً إلى الميثولوجيا حيث صورة المجتمع المنشود). الفلز الأدبي هو أعظم احتياطي انتاجي في العالم، وهو الاحتياطي الذي لا ينضب. ولكن قبل ذلك دعنا نبحث عن المنجم الذي منه نستخرج هذا الفلز ونهيئه.‏

المنجم الذي منه نستخرج هذا الفلز هو "الخيال الأدبي". وحتى تكون السلعة المادية ذات رسالة روحية أدبية، لابد من أن تخضع للخيال الأدبي. نعم للخيال الأدبي الذي يتعامل مع الجنيات والحوريات وأماليد غابة لم ترها عين وألحان سيرينات لم تسمع بها أذن... ومع ذلك فإنه واقعي كل الواقعية لأن هدفه خلق مجتمع حقيقي ذي معادلة إنسانية تحفظ التوازن وتنتزع الشهوة الذئبية من الانتاج المادي. فما هذا الخيال الأدبي؟‏

الخيال الأدبي ليس العوالم الأخروية ولا الكائنات الوهمية ولا أشباح الغابة... هذه وسائل يستخدمها الأدب استخداماً. الخيال الأدبي هو صورة المجتمع كما يجب أن يكون، لا بأخلاقه المعنوية وحسب، بل أيضاً بطريقة انتاجه المادي. وحتى يكون حديثنا سهلاً سوف نجعل المجتمع مجتمعين: المجتمع الوهمي والمجتمع الواقعي، فالأول هو المجتمع الذي نعيش فيه والثاني هو الجتمع الذي نريد أن نعيش فيه، الأول وهمي لأنه يتغير باستمرار، والثاني واقعي لأنه ثابت والنضال من أجله هو أرقى مهمة إنسانية، الأول لا يثبت على شيء: ترى مؤسسات ضخمة ومنظمات قوية ولكنها في حقيقتها وهم في وهم لأنها - كما يقول دانتي سوف تزول، وتقوم مؤسسات ومنظمات بديلة، لكنها هي الأخرى سوف تزول، فنحن نتعامل مع الوهم وندعوه واقعاً، وهذه خطيئة من أشد الأخطاء الإنسانية. أما المجتمع الأدبي فإنه المجتمع الواقعي لأنه سوف يثبت لأن علاقاته سليمة. وهكذا فإننا نتعامل مع العابر ونسميه واقعاً، ونتعامل مع الثابت ونسميه خيالاً، وهي مغالطة تخالف أبسط مباديء المنطق.‏

بعد أن بينا أن الخيال الأدبي هو الواقع، وأن الواقع الاقتصادي هو الوهم، ننظر في هذا الخيال لنعرف طريقة انتاجه. فهو أضخم مكنة إنتاج عرفتها البشرية، تنتج سلعاً ذات هدف إنساني لا يتغير مدى الدهور، وهي ملتزمة بالمجتمع الواقعي المنشود.‏

إن الهدف هو الذي يحدد نوعية الإنتاج. وبما أن هدف الخيال الأدبي هو خلق مجتمع الفرح فإنه ولا شك يقدم صورة لمجتمع صحي سليم ليس فيه بغضاء ولا صراع ولا اقتتال ولا استغلال... وهذه المواصفات ناجمة من أهداف الانتاج الأدبي الذي يعمل على تطويع الإنتاج المادي لأهدافه. لا شك أنه مضطر إلى التعامل مع المجتمع الوهمي القائم والآيل إلى الانهيار، فهو يستخدم بعض مظاهر هذا المجتمع الوهمي وإن كانت عابرة، لكن استخدامه لعناصر هذا المجتمع يرقى بها إلى النمذجة حتى تصير صالحة للفن الأدبي وتخدم هدفه، أي أنه يمثلجها (يجعلها اسطورية بمعنى أنه ينتزعها من عالمها ويخضعها لمقتضيات الفن الأدبي وهي مقتضيات اسطورية).‏

والاسطورة هي بالضبط المجتمع الواقعي الذي يجب أن يحل محل المجتمع الوهمي العابر الذي نعيش فيه. والاسطورة هي الحلم الإنساني، والحلم هو الواقع الذي نريده، فهو ليس فردياً بل رغبة جمعية. ولهذا كانت الأحلام واحدة لدى جميع البشر، وبالتالي فالاسطورة واحدة لدى جميع البشر. ووظائف الاسطورة كثيرة يهمنا منها التفسير والتحذير والتدبير، وهذه الوظائف متآزرة فيما بينها، فعندما نقع على اسطورة تفسر لنا نشأة الكون نلاحظ أن هذا التفسير يشتمل على التحذير والتدبير، فتفسير النشأة مثلاً يطلعنا على ضرورة الحذر من الكائنات المتوحشة التي تفسد توازن الكون والمجتمع وتعلمنا كيف ندبر الأمور لنخلق الانسجام في كوننا ومجتمعنا. ففي الاسطورة التفسيرية نلاحظ أن الكون المنظم الذي نراه اليوم قد نشأ من الكاوس، أي العماء الفوضوي، بعد حرب ضروس ضد المخلوقات الشريرة التي لا تعيش إلا بالفوضى والتي تقف في وجه كل تنظيم.‏

وفي الأسطورة التحذيرية نلاحظ أن النجاح لا يكون إلا بالتغلب على الوحوش المريعة، سواء كانت من الطيطان القدماء أو من أرباب الاحتكارات المحدثين، فتركز هذه الأسطورة همها في التحذير من هذه الوحوش، أي الظواهر المعيقة أمام إقامة التوازن والانسجام في الكون والحياة.‏

وفي الأسطورة التدبيرية نلاحظ تأكيداً على العناصر الجميلة التي تقدم باعتبارها مثلاً جمالية عن طريقها يمكن إشاعة الاحساس بالجمال، وهذه أهم خطوة في التربية الجمالية التي إن توطدت هيأت الجو للانتصار على الاقتصاد السياسي ومفاسده.‏

لو نظرنا في كل الأساطير لوجدنا أنها كلها تدور في هذه الأطر التي أشرنا إليها، وهناك أطر أخرى ليس هنا المكان المناسب حتى للإشارة إليها. إن الأسطورة بحاجة إلى مؤلفات خاصة لأنها أعظم فلز أدبي يمكن أن نعتمد عليه في بناء الأسس التي عليها يجب أن تقوم الحياة والعلاقات البشرية. إن الأسطورة هي الهداية للانتقال من العالم الوهمي الذي نعيشه إلى العالم الواقعي الذي ننشده ومن دونها لا يمكن أن نحقق هذه النقلة النوعية.‏

لماذا يرتبط الاقتصاد الأدبي بالأسطورة دائماً؟‏

لسبب بسيط جداً وهو أنه يسعى إلى تقديم الصورة الأمثل بتفسيراتها وتحذيراتها وتدبيراتها ومن دون مثلجة ما يجري بين البشر لا يمكن تقديم هذه الصورة، فالمثلجة هي الارتفاع بالأحداث والشخصيات البشرية إلى مستوى الأسطورة، حيث تتم عملية النمذجة، سواء كانت هذه النمذجة إيجابية أو سلبية. وهذه أهم عملية في عمليات الاقتصاد الأدبي، لأنها العملية الواقية من الانجراف وراء انحرافات البشر، فالفلز البشري لا يكتسب جدارته إلا بالمثلجة، فيتحول إلى فلز أسطوري، إذ قد يخدعنا الفلز البشري بأن الثروة -مثلاً- أساس المجتمع، أما الخيال الأدبي فلا يخطيء، إذ كل أساطيره ترى في الثروة مفسدة. وما يقال عن الثروة يقال عن بقية عناصر الاقتصاد السياسي.‏

باختصار نقول إن من المستحيل أن نبني مجتمعاً واقعياً بالاعتماد على فلز الاقتصاد السياسي. إن ما قام به ماركس وانجلز ولينين هو الاعتماد على هذا الفلز معتقدين أنه يحمل في أحشائه جرثومة دماره من جهة، وأن فشله يؤدي إلى قيام طريقة جديدة سليمة لانتاجه، لكن الذي حصل هو أن قذارة هذا الفلز ظلت مختبئة في النفس البشرية، وبعد زعمهم أنهم قضوا عليه قضاء مبرماً خرج من مخبئه وانتشر من جديد، فهو كالسرطان إن بقيت منه خلية صغيرة عاد بطريقة جديدة إلى الانتاج.‏

إن كل ما أرادته الماركسية تحقق في الاتحاد السوفياتي من تغيير طرائق الانتاج وتوزيع الثروة وغير ذلك من عناصر الاقتصاد السياسي الأخرى. لكن شيئاً واحداً لم يتحقق وهو النفس البشرية. كانت نفساً خالية من الأدب، والنفس بلا أدب لا يمكن إلا أن تعيد طرائق الانتاج التي تخدم الاقتصاد السياسي. ليس هذا وحسب، بل نجد أيضاً أنهم كافحوا الاقتصاد الأدبي فزعموا أن هذا أدب قديم وإن ذاك أدب لا يتلاءم مع الطرائق الجديدة في الحياة. منعوا انتاج دستويفسكي... دستويفسكي الذي رأى أن الجريمة لا تجتث بالعقاب بل بتطهير الروح، بالتسامح والتضحية. وصموه بالرجعية فانهاروا وظل شامخاً. لقد كان الاقتصاد السوفياتي معادياً للاقتصاد الأدبي، فعلى يديه تحول الأدب الفني إلى أدب سياسي دعائي، أي إلى خادم للاقتصاد السياسي، وكانت النتيجة أن زعماء الاشتراكية تحولوا اليوم إلى أغنى أغنياء العالم. إن كل معالجة بوسائل الاقتصاد السياسي سوف تؤدي إلى هذه النتيجة الوخيمة، بل إن هذه النتيجة تتحول إلى عقبة جديدة أمام التحرر الإنساني فقد تراجع الاتحاد السوفياتي مئات السنين خلفاً، على الرغم من الركام الهائل الذي يملكه من الأسلحة.‏

إن لم نعتمد على الفلز الأدبي، وإن لم نرب صغارنا على الأسطورة، فإن من العبث العثور على حل يعيد التوازن إلى الحياة والطبيعة ويحقق الانسجام في العلاقات.‏

كل الأساطير هي من إنتاج الخيال الأدبي، ومعنى ذلك أنها كلها تصب في هدف واحد وهو إقامة المجتمع الواقعي والإجهاز على المجتمع الوهمي الذي نعيشه، فهي كلها فلز صالح لإعادة الصياغة وفق المتغيرات المستجّدة في كل العصور، من غير تمييز بين ميثولوجيا وأخرى، من هندية وفارسية وسومرية وإغريقية ومكسيكية، ولكن قد تستخدم عناصر أكثر من عناصر أخرى، فالأدب الحديث مثلاً يتجه إلى الأخذ بالميثولوجيا السكندنافية فيما يتعلق بالدمار الكوني والنهايات البشرية، بيد أنه لم يفقد الصلة -فيما عدا ذلك- بالميثولوجيات الأخرى على تنوعها، لأنها جميعاً لا تختلف إلا بالأدوات التعبيرية، فهي موضوعة لإقامة مجتمع واقعي مستقر، بعيد عما يجري في مجتمعنا الوهمي العابر، مجتمع الاقتصاد السياسي، بل إن بعض الأساطير تكاد تكون واحدة كالطوفان والنار والعالم السفلي والعالم العلوي ونشأة الحياة وخلق الإنسان، وغير ذلك مما لا يتسع المقام للتعريج عليه.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244