فصول في علم الاقتصاد الأدبي فصول مختارة من رؤى كاسندرا بريام - حنا عبود

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:21 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الواقع الاجتماعي

الأدب الحديث يشن حملة شعواء على الواقع الاجتماعي. إنه يدينه ويرفضه ويفكّكه بتحليل نقدي لا يرحم، ولا يفتأ يهاجم كل مظاهره ويبين أنه مجتمع وهمي عابر. ونحن نميز بين لأدب القديم والأدب الحديث بشمولية الإدانة فقط وليس بشيء آخر، فاستراتيجية الأدب لم ولن تتغير في يوم من الأيام.‏

لماذا هذه الإدانة الشاملة في الأدب الحديث للواقع الإنساني؟‏

لأن الاقتصاد السياسي أحرز في هذا العصر انتصارات صاعقة، فقد مدّ يده إلى كل شيء وحوّله إلى سلعة تباع وتشرى، فوصل إلى كل ما هو لصيق بالأدب كالموسيقى والرياضة والرسم، بل امتد حتى إلى بعض أطراف الأدب.‏

كان الأدب القديم يرى بعض الإيجابيات في مجتمعه الوهمي العابر فيستخدمها بإدخالها في حيز الأسطورة ويجعلها خالدة كالكائنات الأسطورية سواء بسواء. أما الأدب الحديث فيبدو أنه نفض يده من هذا الفلز ولم يعد يجد فيه إلا فلزاً يصوغ منه النموذج السلبي وحسب.‏

إن كلمة مجتمع هي كلمة معقدة وغامضة، على عكس ما تبدو لنا أول الأمر، فالمجتمع فرد وأسرة وارتباطات وفئات وطبقات ومؤسسات ومنظمات وأديان ومذاهب ودولة وحكومات وموظفون وجباة وسجون ومعتقلات وأسواق وصفقات واستغلال واستثمار ولكن عندما نقول أو نسمع هذه الكلمة نفهم منها الطابع العام للحياة في زمن معين. فكل مجتمع بهذا المعنى هو طابع عام ولكنه وهمي لأنه عابر وسوف يتغير مهما كان محافظاً. إن الثورة الصناعية عصفت بما كان يعتبر انكليزياً صميماً، بل إن امتداد انكلترا إلى المستعمرات غيّر الكثير مما هو انكليزي أصيل.‏

يشكل المجتمع بالنسبة للأدب فلزاً متغيراً، وهذا الفلز يضفي على الأدب الجدة والطرافة باستمرار. وعندما نقول عن أدب انه جديد فإننا لا نقصد سوى أنه تعامل مع المفرزات الجديدة للمجتمع وعاف المفرزات القديمة المنقرضة أو الآيلة إلى الانقراض. إن الأدب في هذه الأيام لا يستطيع أن يحدثنا عن أسرة ريفية في بيت صغير مع بقرة وخروفين وعدة نعجات. يبدو الأمر غريباً وغير مقبول ولكنه يحدثنا عن أسرة جديدة تهيمن كالطاغوت، أو أسرة تتحمل عناء هذا الطاغوت، عن ملوك الاحتكارات، وعصابات القتل الصامت.‏

فلز الواقع الاجتماعي يمد الأدب بكل ما هو متغير، فروايات ديفو لاقت إقبالاً لأنها رصدت هذه المتغيرات، ولولا نمو الاقتصاد السياسي ونشوء طبقة جديدة وبروز دور المرأة لما اطلعنا على مغامرات روبنسون كروزو ولا على الحياة الصاخبة لمول فلاندرز.‏

قد تطول أحياناً فترة العلاقات الاجتماعية الناجمة عن طريقة الانتاج فيظن بعض الأدباء أنها علاقات أبدية، ويعمدون إلى معاملتها كأنها القاعدة الأساسية لصياغة العلاقات. إن مثل هذا الانتاج الأدبي يصاب بالركود والكساد ثم الإغفال والنسيان، حالما تتغير العلاقات الاجتماعية، فشرط الانتاج الأدبي الحقيقي هو حذف الزمن عن طريق المثلجة، أي جعل الميثولوجيا مقياساً ورائزاً مبدئياً فالروائي عندما يتعامل مع الواقع العابر عليه أن يمثلجه فيكون استخدامه لعناصر هذا الواقع استخداماً واعياً، بحيث يعرف القارىء أنه أمام مجتمع وهمي لابد أن يتغير في يوم من الأيام، لسبب بسيط هو أنه لا يتطابق مع الميثة الأولية التي أنتجها الخيال الأدبي، والتي أودع فيها تصوره لمجتمع بعلاقات سليمة وبترشيد اقتصادي بعيد عن الشهوات الذئبية.‏

معظم المفكرين رصدوا العلاقة بين الأدب والمجتمع كالمنظر الماركسي بليخانوف وعالم الجمال شارل لالو والناقد الأدبي دافيد ديتشز وكثير من أمثالهم، وقد انتهوا إلى نتائج متقاربة نوعاً ما وإن كانت اتجاهاتهم مختلفة. ومما أجمعوا عليه أن الأدب يتأثر بالمجتمع ومنه يستمد كثيراً من الفلز الأولي ، وبعضهم ركز على الطبقات ، وبعضهم ركز على التغيرات الشمولية ، وبعضهم ركز على المؤسسات والأنظمة الأيديولوجية... والمعروف أن رصد مثل هذه الشبكة ليس بالأمر السهل، وإسهامات هؤلاء المفكرين تعد جهداً كبيراً في هذا المجال.‏

وحتى لا نقع في تلك الشبكة المربكة نقسم الفلز الاجتماعي إلى قسمين: قسم سريع العبور وقسم بطيء العبور، فالقسم الأول هو المؤسسات والنظم والعلاقات المرتبطة بالاقتصاد السياسي كالثروة والمصنع والسلعة والسوق، والقسم الثاني هو تلك الإيديولوجيات التي تطوى كثيراً من المؤسسات الاقتصادية وتبقى صامدة في وجه الزمن مدة أطول كالدين مثلاً، فكيف يتعامل الخيال الأدبي مع هذا الفلز؟‏

فيما يتعلق بالفلز السريع العبور، فإن الخيال الأدبي يتخذه مثالاً على تردي الاقتصاد السياسي وتخلف البشر، فالثروة مدانة لأنها مفسدة، والقانون الذي يحكم الثروة في النتيجة الحاسمة ليس الاقتصاد السياسي، بل دولاب الحظ، كما يقول دانتي، ولو أن الثروة دائمة لكانت الأسر الغنية القديمة ماتزال تمتلكها حتى هذه الأيام، وليس غريباً أن يستولي لص واحد على ثروة مؤسسة بكاملها فيؤدي بها إلى الدمار، وليس نادراً أن تؤدي وفاة رب أسرة إلى طمر أسرار الثروة معه وقد درجت العادة اليوم أن اللصوص يهربون أموالهم إلى الدول الأجنبية فيودعونها بأرقام سرية فتموت بموتهم... أشياء وأشياء كثيرة لا تقتصر على الثروة وحدها بل تشمل كل عناصر الاقتصاد السياسي، وقد بلغ الأمر ببعض الأدباء أن يتخلوا عما ورثوه من ثروة، لأنها لا تنسجم مع طبيعتهم كتولستوى مثلاً.‏

موقف الأدب من الفلز السريع واضح، وهو اتخاذه نموذجاً لتشويه العلاقات الاجتماعية. كل الأدباء ساروا في هذا الاتجاه، بيد أن أونوريه دي بلزاك يعتبر أغزرهم إنتاجاً وأدأبهم على تقصي آثار هذا الفلز الذي يفرزه الاقتصاد السياسي. وإذا كان دانتي قد كتب رائعته "الكوميديا الإلهية " في ثلاثة أجزاء ، وجعل همه الدخول إلى قلعة العقائد الدينية ، فإن بلزاك كتب الكوميديا الانسانية وجعلها في مئة وتسعين جزءاً أو زهاء هذا الرقم، وكما طاف دانتي ممالك الآخرة طاف بلزاك ممالك الدنيا، فلم يبق ظاهرة لفتت نظره إلا خاض فيها، من الحب والزواج حتى الحروب وانهيار الدول، من حياة الطفل الصغير إلى حياة العاهل الكبير، وقد ساعده في ذلك النمو في وسائل الانتاج وما أحدثه من تغير في العلاقات الاجتماعية، فقد كانت هذه العلاقات الجديدة ثورة كاملة، كأنما أوروبا تودع عالمها القديم. إن سانشو بانزا، تابع دون كيشوت كان "ميالاً" إلى الثروة والسطلة، ومع ذلك كان محباً لمعلمه وسيده ويحترم مثله وقيمه. في الملهاة الإنسانية جعل بلزاك إبطاله من السانشوبانزات، وقد تحولت ميولهم إلى حقيقة، يهيمنون على كل شيء، على كل مقاليد الأمور تقريباً، ولكن لم يعد في قلبهم ذرة من الاحترام للمثل والقيم، فقد تلاشت أبسط المشاعر الإنسانية في أعقاب الثورة الصناعية الأولى وهيمنة الاقتصاد السياسي على كل فروع الانتاج المادي.‏

أما تعامل الأدب مع الفلز البطيء، وعلى الأخص الدين، فإنه مختلف، إذ في هذه الحالة يخضع الدين لتجربة الأنماط الأولية التي تشكلت عبر أجيال وأجيال، فما كان منه متفقاً مع هذه الأنماط دخل الأدب وصار رمزاً من الرموز، وما خضع منه للاقتصاد السياسي اتُخذ نمطاً سلبياً. فقبل المسيحية مرت المجتمعات الأوروبية بأديان وأديان، لم يبق منها إلا الشذرات التي اختارها الأدب لدلالتها النمطية. أين الفيثاغورية والغنوصية والباخية والديمترية والميثرية والأورفية والأوزيريسية وغيرها من الأديان؟... كلها تلاشت وتراجعت ولم يبق منها إلا ما صوره الأدب، أي لم يبق منها إلا ما كان فلزاً أدبياً، لأن الأدب يُسقط من الدين ما لا يتفق والتطور الروحي للإنسان كنزعة التعصب والانغلاق والكراهية التي يكنّها دين للأديان الأخرى، فالأديان تخضع للنظرة الأدبية كغيرها من الظواهر الاجتماعية. إنها فلز عابر وإن كانت حركته بطيئة تستمر أحياناً مئات الأجيال، وكل أدب لا تتحقق فيه مقومات الإبداع ينسى حتى لو كان تحت مظلة الدين، فنحن اليوم لا نذكر الأدب الذي انضوى كلياً تحت راية المسيحية بينما نذكر الأدب الذي امتص من المسيحية رحيقها وترك قشورها اليابسة التي استخدمها الاقتصاد السياسي. وربما كانت مسرحية موليير "طرطوف" في القرن السابع عشر مثالاً واضحاً لموقف الأدب من الدين. إن طرطوف -بطل المسرحية- يمثل نموذجاً سلبياً لرجل الدين، فهو ابن الاقتصاد السياسي الذي أدخل إلى المجتمعات أخلاقاً جديدة من نفاق ومنافسة وجشع وتهافت على الثروة. فأدب الدين المسيحي لم يصمد أمام الاقتصاد السياسي الجارف، إذ خضع لقوانينه وانجرف في تياره والقيم الانسانية -وهي متقاربة في كل الأديان- استخدمت كأي مادة من مواد الاقتصاد السياسي، والوجه الإنساني للدين هو الذي نجده في الأدب وليس في الكتب الدينية وما أكثرها في العصور الوسطى. إن الوجه الإنساني لديمتر وباخس وأثينا وأبولو والمسيح يتجلى في الأدب. إن الجانب الذي يقره الأدب هو الجانب الإنساني، والجانب الذي يرفضه هو الجانب الذي سوف يزول مهما طال الزمن. إن الأدب يرفض موقف موسى عندما صرع مصرياً تنازع مع يهودي من دون أن يقف على سبب النزاع، بينما يقدر موقف ابن الخطاب تقديراً عالياً عندما عاقب ابن قائد كبير لأنه ساط مصرياً سبقه في الحلبة. إن دين صلاح الدين الأيوبي لم يحل دون تقدير الأدب لمواقفه التي تناقلها الغرب والتي تدل على إنسانية التعامل مع الأغراب.‏

لقد كان الاقتصاد السياسي أسوأ ما عرفته البشرية، فهو الذي أطلق الشهوة الذئبية التي تدوس كل القيم الإنسانية. وقد أشاربلزاك إلى ذلك بجهبذية في المقدمة التي كتبها لكوميدياه. يقول: فزوجة تاجر هي جديرة بأن تكون زوجة أمير، وغالباً ما تكون زوجة أمير أقل قدراً من زوجة فنان، فللحالة الاجتماعية مفاجآتها التي تسمح بها الطبيعة، إذ أن الطبيعة مضاف إليها المجتمع، فوصف الأنواع الاجتماعية هو على الأقل ضعف وصف الأنواع الحيوانية... فلدى الحيوانات لا يوجد إلا القليل من المآسي، فبعضها يهاجم بعضها الآخر، وهذا كل شيء، أما البشر فبعضهم يهاجم أيضاً بعضهم الآخر، لكن الاختلاف في درجة الذكاء هو ما يجعل المعركة أكثر تعقيداً (مدخل إلى قراءة بلزاك ص165 ترجمة ميشيل خوري وزارة الثقافة، دمشق 1993).‏

ولا أدري لماذا قال المجتمع ولم يقل الاقتصاد السياسي، ولو فعل لكان أكثر تحديداً لأن دخول الاقتصاد السياسي بهذه القوة وسيطرته على المجتمع هو الذي يجعل الدنيء بماله يستحوذ على أرقى النساء ثقافة وأدباً، مما يدخل الاضطراب والتشويش في المجتمع. إنه يفكك الأسرة، الخلية الأساسية لكل مجتمع. لقد صار المال هو الذي يقرر الفضائل والرذائل، وهو الذي يقلب الفضيلة إلى رذيلة، ويجعل من الرذيلة صنماً للعبادة.‏

هذه هي النقطة التي أردنا إبرازها، أما سواها فقد عالجه كثير من المفكرين والنقاد في كتبهم.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244