فصول في علم الاقتصاد الأدبي فصول مختارة من رؤى كاسندرا بريام - حنا عبود

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:21 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الأنماط الأولية

هل الاقتصاد الأدبي خاضع -كما هو شائع خطأ- للخيال الفردي؟... هنا سوف نعود إلى مثال ورد في الفقرة السابقة، وهو مثال يتجلى في موقفين: موقف موسى الذي انحاز لابن دينه وصرع المصري من غير تحقق وموقف ابن الخطاب الذي انتصر للمصري بعد التحقق من دعواه، وهو ليس ابن جنسه ولا ابن دينه، فعاقب ابن جنسه وابن دينه وابن فاتح مصر أيضاً. ونعود إلى هذا المثال لأننا ذكرناه فقط، وإلا فما أكثر الأمثلة. لنفرض أن أديباً محترماً جن في لحظة وانساق وراء خياله الفردي، بدلاً من خياله الأدبي -ومثل هذا التحول لا يتحقق إلا إذا أصيب الأديب في مخه، أو إذا شرب من خمرة باخوس ما يتجاوز حدود المتعة وعالم الوجد الأدبي- وراح يهذي ويقدم لموسى صورة زاهية، كأن يجعله بطلاً من أبطال اليهود ورئيساً دينياً حقيقياً ينتصر لجنسه ودينه، ويرى في قتل المصري عملاً رائعاً، ومأثرة بطولية، أو يرى في عمل ابن الخطاب عملاً مرفوضاً، لأنه لم ينتصر لابن جنسه وابن دينه على ذلك الغريب الذي لا يمت بصلة إليه. ماذا نقول في هذا الأديب؟‏

سنقول إنه مجنون ابن مجنون، أو على الأقل نقول أنه لا علاقة له بالأدب ولا بالخيال الأدبي.‏

وسوف ننظر في مثال آخر، وهو مثال إيجابي هذه المرة وهو رواية توماس مان "يوسف وأخوته". إن توماس مان يهودي بغض النظر عن إيمانه أو عدم إيمانه، ويوسف يهودي أيضاً، لكن توماس مان لم يقدم لنا يوسف زعيماً دينياً متعصباً، بل قدمه في ملحمته الطويلة بطلاً إنسانياً ذاق العذاب ولم يتخل عن موقفه الإنساني، فقد رمي في الجب من قبل إخوته، ثم دخل مصر وخدمها بكل إخلاص مثلما خدم إخوته عندما تعرف عليهم.‏

الخيال الأدبي ليس متسيّباً ولا يقع أسير النزوات الفردية أو الخيالات الذاتية مهما كانت راقية وكل انسياق وراء الذاتية يجعل الأدب نافلاً، أو وثيقة من الوثائق التي قد تفيد الفلسفة أو علم النفس أو علم الاجتماع... لكنها لا يمكن أن تدخل حيز الأدب.‏

الخيال الأدبي له أطر وتقاليد وقوانين لا يستطيع الخروج عليها، فهو يسير وفق الأنماط الأولية ولا يستطيع مخالفتها. والأنماط الأولية هي اللوحة التي وضعتها البشرية من أجل خلاصها، وهي التي تقدم لنا ما سبق أن ذكرناه، أي التفسير والتحذير والتدبير.‏

سبق وأشرنا إلى أننا أمام نوعين من الفلز: الفلز الأسطوري الذي يتألف من الكائنات الهيولية والخيالية والفلز الواقعي الذي يتألف من الواقع الإنساني الذي هو أشبه بالرمال المتحركة ويتغير باستمرار. ومن هذين الفلزين تتشكل الأنماط الأولية التي هي العمود الفقري للاقتصاد الأدبي الذي يرمي إلى توجيه النشاط المادي للإنسان، بحيث تنشأ علاقات صحية وسليمة، وخطوة خطوة يمكن - إذا اتعظ البشر واهتدوا بالاقتصاد الأدبي- أن يقوم المجتمع الواقعي بدلاً من المجتمع الوهمي، والذي يقبع الاقتصاد السياسي خلف وهميته ويعمل باستمرار على تدميره.‏

قلنا إن الكائنات الميثولوجية تشكل طرفاً والكائنات الإنسانية ضمن واقعها من جبال وبحار وكهوف وغابات تشكل الطرف الآخر. ومن تفاعل هذين الطرفين تتكون الأنماط الأولية التي قد نعتقد خطأ أنها أنماط خيرة وأنها أشبه بالمواعظ الدينية التي ترشد الإنسان إلى الطريق القويم. ونصحح هذا الاعتقاد المغلوط فنقول إن الأنماط الأولية ليست خيرة وليست شريرة وإنما فيها الخير والشر ولكن بطريقة فنية. فالأم كنمط أولي لا تكون دائماً الأم المُضحّية ولا الأم الحنون، فقد عرفنا أنماطاً أولية ظهرت فيها الأم المتوحشة والأم المفترسة، وإذا كان الأب قد ظهر في بعض الأنماط قاتلاً لأبيه أو لأبنائه، مثل زيوس مثلاً، فإنه ظهر في أنماط أخرى بطلاً مضحياً في سبيل البشرية، فالرب اودن السكندنافي لم يقترف جريمة لا بحق أبيه ولا بحق أبنائه، بل وهب نفسه لإسعاد البشرية، وقد قام بمغامرة خطيرة فقد على أثرها أحدى عينيه، وهي المغامرة التي قام بها لإحضار خمرة الميد ومنحها للبشر التعساء من أجل إسعادهم. ولهذه الخمرة ميثة دالة فيما يتعلق بالأنماط الأولية:‏

رأى اودن أن البشرية تغرق في جهالة مطبقة وحزن دفين. وهذه حالة لا تصلح لاستمرار البشرية فلابد من توفير الرونات والميد لها حتى تستمر . الرونات هي ألواح المعرفة والميد هي خمرة الشعر. المعرفة تهدي الإنسان في شؤونه المادية والخمرة تبعث فيه البهجة وتجعله شاعراً، أي كريماً سموحاً يتغاضى عن خطايا الآخرين ولا يعرف قلبه غلاً ولا حقداً ولا ضغينة. وقد سعى اودن وتعذب من أجل ذلك، فعلق على شجرة ريح صخرية تسع ليال وطعن بحربة. وبالمعرفة اهتدت البشرية، لكنها ظلت تتعذب فالمعرفة تعني إقامة الحق، وبالحق لا تسعد البشرية، لابد لها من المسامحة والرحمة وتجاوز الأخطاء والإساءات، فغامر اودن مرة أخرى وسرق من عند العمالقة خمرة الميد التي تجعل من يشربها شاعراً يحسن لمن أساء إليه ويتجاهل حقه ويمنح المغفرة للخطاة... وبهذه الطريقة تستمر البشرية وترتقي الحياة. ولكن -للأسف- لم يشرب كل الناس من خمرة الميد، ولذلك فإن شاربيها من المنتجين الأدبيين هم القلة في البشرية، إنهم الذين شربوا من خمرة الميد فعرفوا فنّ صناعة الفرح والتعزية. وعندما يذوق الناس جميعاً من هذه الخمرة يصلون إلى المغفرة التي جعلها لنا دستويفسكي قانون الوجود البشري، وبذلك تشيع السعادة التي يجدها المرء في المسامحة لا في الانتقام وفي العطاء لا في الأخد، وليس كما يفعل الاقتصاد السياسي الذي يرى أن السعادة تزداد بمقدار ما تزداد الثروة... فهو يجعل الحياة الإنسانية -كما يرى بلزاك- أدنى من حياة البهيمة.‏

هذه الميثة عن اودن هي ميثة أولية نجدها في كل الميثولوجيات، وبالأخص الإغريقية، وسوف نعرج عليها عندما نوجز تاريخ الاقتصاد الأدبي في بحث لاحق، ولكن بإخراج إغريقي مختلف، وهي ميثة بروميثوس ووصيته لابنه ديوكاليون ببناء فلك يقيه من طوفان الآلهة، حتى إذا علا الموج وطغى رسا الفلك على قمة البرناس ومن هذه القمة يتعلم ديوكاليون الفن والأدب من ربات الفنون والآداب في ذلك الجبل، وبذلك ينقل إلى البشرية وسيلة الخلاص الحقيقية.‏

هذا النمط الأولي للأب المضحي الذي يمثله اودن يقابله الأب القاتل، من أمثال كرونوس أو زيوس. فكل نمط أولي يقدم لنا جانباً من الاقتصاد الأدبي، ونحن ملزمون بالسير عليه. إن الأب غوريو الذي قدمه لنا بلزاك لا يختلف عن النمط الأولي لاودن الذي قدمته الميثة السابقة. والنمط الأولي للأب القاتل الذي قدمه لنا سوفوكليس في صورة لايوس، الذي خشي أن يغتصب العرش ابنه أوديب فأمر بقتله، لا يختلف عن ميثة كرونوس الذي كان يبتلع كل ولد ذكر حتى يظل رب الأرباب في جبل الأولمب. وعندما يكتب أديب متأخر، ولو في هذه الأيام عن الأب يجد نفسه ضمن الأنماط الأولية التي قدمها الاقتصاد الأدبي في آثار عظيمة ماتزال تفعل فعلها.‏

هذه الأنماط الأولية ليست مقتصرة على الشخصيات الميثولوجية والإنسانية، فمن الممكن استخدام مظاهر الطبيعة كفلز أدبي فتتحول إلى رموز مثلما تحول كرونوس أو زيوس أو اودن، وهي رموز متعددة الدلالة ولا تقتصر على دلالة واحدة أو دلالتين. فالنار أو الشمس، قد تبدو في نمط أولي مانحة للحياة، وقد تبدو في نمط أولي آخر محرقة، وقد تظهر في نمط مسببة لمنغصات وفي نمط آخر واهبة للبهجة. فكما نجد الأم المدنسة تقابل الأم المقدسة، كذلك نجد النار المدنسة تقابل النار المقدسة. وقد تقصى غاستون باشلار صورة النار في النفس الإنسانية بدراسة غنية دقيقة وانتهى إلى تعدد الأنماط (النار في التحليل النفسي، ترجمة نهاد خياطة، دار الأندلس، بيروت 1984).ما يقال عن النار يقال عن البحر والجبل والكهف والغدير والنهر والغابة والصليب والهلال، وغيرها كثير جداً. ومهما تعددت هذه العناصر، فإن الاقتصاد الأدبي يصوغ منها أنماطاً أولية شديدة الأسر لا يمكن تخطّيها أو الخروج من تحت مظلتها من دون أن نكون قد خرجنا من الاقتصاد الأدبي نهائياً ودخلنا تحت مظلة... أي مظلة؟... لا أعرف ولكن ليس مظلة الأدب بالتأكيد.‏

خلاصة ما نقوله أن الأديب لا يستطيع أن يفعل ما يعاكس الأنماط الأولية، وحتى لو استطاع إطلاق العنان لخياله الذاتي فإنه سوف يجد نفسه مقيداً بالأنماط الأولية لأنها تشكل نظاماً عالمياً للأدب. ولو فرضنا ما لا يجوز فرضه وهو أن الأديب خالف هذه الأنماط فإن الناتج لن يُصنَّف في سجلات الأدب، إذ أن الانتاج الأدبي وقتئذ يصبح أشبه ببرج بابل: ألسنة كثيرة ولا أحد يفهم على الآخر. إن وجود نظام عالمي للأدب هو الذي يجعلنا نفهم ما كتبه شاعر من الشعراء قبل آلاف السنين، أما لو خالف هذا النظام فسوف ينسى لأن صلتنا به سوف تنقطع، مثلما انقطعت صلتنا بكثير من الظواهر الاجتماعية القديمة. إن الأنماط الأولية تلغي الزمن وتحذفه ولا تخضع للمتغيرات الاجتماعية إلا بمقدار ما تستفيد من دلالتها على أنها عابرة فقط، أما خلف ذلك فهناك نظام كبير جداً ومتماسك جداً من الصعب أن نتمرد عليه.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244