|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 01:21 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الصياغة الفنية والحرية أول ما يتبادر إلى ذهن القارىء هو أننا إذا كنا خاضعين لهذا النظام الشامل والقويّ، فأين الحرية، حرية الانتاج الأدبي؟ أليس غياب الحرية هو غياب للتجديد؟ وغياب التجديد ألا يعني تكرار الأنماط الأولية بصياغة فنية قديمة لا تجديد فيها؟ إن الرد على هذه الأسئلة لا يكون بالحوار النظرى ولا بالنقاش، وإنما بالواقع الأدبي العالمي، فأي كاتب، في أي بلد من بلدان هذه الأيام يكتب بأسلوب يختلف كل الاختلاف تقريباً عن أسلوب أسلافه، وأسلوبنا نحن العرب في هذه الأيام يختلف عن أسلوب الجاحظ والهمذاني والقاضي الفاضل، بل إننا نختلف عنهم ونختلف معهم، ففي مجال النقد ليس من الضروري أن نأخذ برأي الجاحظ في الألفاظ والمعاني... أشياء وأشياء نختلف فيها عنهم ونختلف فيها معهم، ولكن لا يمكن أن توجد قيمة أدبية يمكن أن نختلف فيها معهم، والقيمة الأدبية هي الأخلاق الأدبية، أي اللوحة التي نقدمها من أجل مجتمع واقعي والخلاص من المجتمع الوهمي الذي نحن فيه. على إن هامش الحرية في الانتاج الأدبي لا يقتصر على الصياغة الفنية فحسب، بل يصل أيضاً إلى الأنماط الأولية، لأننا عندما نخضعها للصياغة الفنية في أيامنا نزيحها قليلاً عما كانت عليه، أو نعدل بعض جوانبها، أو نأخذ جزءاً منها ونتوسع فيه. وهذا ما نأخذه من الفلز الاجتماعي، فمن المستحيل اليوم أن نجعل بطلنا فوق صهوة جواده وبيده الرمح الطويل وهو يجوب شوارعنا. ولكن عندما ننتج هذا البطل لا نستطيع أن نجعله مخالفاً للبطل القديم، فنحن مضطرون أن نجعله شهماً نبيلاً كريماً يمتلك قدرة على التضحية... وربما قدمنا بطلاً سلبياً، وفي هذه الحالة نرى أنفسنا مضطرين إلى إضفاء صفات أخرى عليه تخدم النمط الأولي الذي ننتجه من جديد. لقد أعاد غوركي إنتاج النمط الإيجابي للأم، فاستخدم لغة جديدة من مفرزات عصره، واعتمد أسلوباً حديثاً، كما أنه لم يقدم النمط الأولي بكل جوانبه، بل اقتصر على بعضها، فالنمط الأولي في إعادة انتاجه هو وليس هوفي آن معاً. إن جيمس جويس أعاد انتاج الأوديسة في "يوليسيز" لكن لا نستطيع القول أن يوليسيز هي أوديسة هوميروس، فالاختلافات كثيرة وكبيرة، لكن النمط الأولي على الرغم مما أصابه من انزياح وتعديل وشيء من التشظي يظل واحداً، وهو عودة البطل إلى وطنه. الفرق أن بطل هوميروس استطاع أن يعيد ترتيب بيته، بينما بطل جويس يفصح عن فشله في إعادة ترتيب البيت، ففي هذا العصر صار التيار أقوى من البطل، فالاقتصاد السياسي بات اخطبوطاً قوياً أقوى من أي بطل فردي. إعادة انتاج الأنماط الأولية هو هامش الحرية الذي يتحرك فيه الأديب، سواء في الأسلوب أو الفلز الاجتماعي أو حتى الأركان الميثولوجية للنمط، إذ تخضع لشيء من الانزياح والتعديل والتشظي لتكون مقبولة من العصر، فهي من جهة زمنية ومن جهة أخرى غير زمنية. إن الأنماط الأولية تكون زمنية من حيث الفلز الاجتماعي وغير زمنية من حيث أنها تسير وفق التقليد الأدبي الذي لم يتغير مدى كل هذه العصور المنصرمة، إنه نظام عالمي كبير ومتماسك وواسع جداً. وهذا ما يجب أن يعيه النقد الأدبي في محاولته خلق مدارس قومية في النظرية الأدبية، فهذا أمر صعب بل مستحيل لأن الأدب نظام عالمي، فأنت لا تستطيع أن تتحدث عن النظرية الأدبية الفرنسية أو الألمانية أو الإنكليزية أو العربية أو الإيطالية أو الأميركية. يمكن أن تتحدث عن مدارس عالمية. إن البنيوية في هذا العصر ليست فرنسية ولا سلافية ولا أميركية ولا سويسرية... إنها اتجاه له أنصاره ومريدوه حتى في العالم العربي، وعلى الأخص في تونس والمغرب. النظرية الأدبية تحمل معالم قومية لكنها لا يمكن أن تكون قومية، إلا إذا اعتبرنا اللغة والأسلوب كدلالتين على القومية. والأدب إنساني لأنه عبارة عن تكرار مستمر للأنماط البشرية الأولية، ولهذا نقرأ آداب الأمم ونستمتع بها ونحس كأنها تنطق بلساننا، بل إننا أحياناً نصرخ بأن الشخصية الفلانية تشبه فلاناً وفلاناً عندنا. في الأدب لا تستطيع أن تقول "النظرية الألمانية في الأدب" كما تقول "النظرية الألمانية في القومية". إن الأمور في الأدب مختلفة كل الاختلال. *** إن الأدباء يناضلون من أجل إحلال الاقتصاد الأدبي محل الاقتصاد السياسي في معركة يائسة مثل أبطال الإسغارد بقيادة اودن. لا يستطيعون التخلف، فذلك أمر ليس بيدهم، لأن الأدب هو المكوّن لنزوعهم. ولكنهم يبررون نضالهم وخوضهم المعركة ضد الاقتصاد السياسي بأنهم يناضلون من أجل مجتمع واقعي، بل إن التاريخ البشري عرف أرقى العصور يوم كان الاقتصاد الأدبي هو المشرف والمدبر للانتاج المادي. كان الناس قديماً لا يستطيعون العمل إلا بإشراف الاقتصاد الأدبي، فالفلاحة والبذار والتعشيب والحصاد والدراسة ونقل المحصول إلى الأهراء، وعصر الزيتون أو تخمير الكرمة... كل ذلك كان يتم بمصاحبة الأغاني والأناشيد والرقصات والموسيقى الخاصة بكل عمل ولكل مناسبة. كان الإنسان يعمل وهو مفعم بالنعمة الروحية والفرح الداخلي، فحتى البناء والصيد والقنص إنما كان يتم ضمن إطار أدبي فني من دبكات ورقصات وأفراح مشتركة. لقد فقد الاقتصاد الأدبي السيطرة في هذه الأيام لصالح الاقتصاد السياسي، فحتى أغاني البحارة لم نعد نسمعها على الرغم من طول ساحلنا. إن ابعاد الاقتصاد الأدبي عن الانتاج المادي يعني نزع الفرح من العمل. عملنا في هذه الأيام صار بلا غبطة ولا محبة ولا بهجة. صرنا آلات، ومن هنا يحق للمنتج الأدبي أن يفخر بأنه ينتج بفرح لأنه ينتج لكل الناس من أجل خلق عالم نعمل فيه ونتألم ولكن بفرح. إن في مقدور الإنسان أن ينتج أطفالاً، ولكنه لا يستطيع أن يفخر بذلك فكل الحيوانات تفعل فعله، لكنه يرفع رأسه شامخاً إذا انتج الأدب، والمأثرة كل المأثرة أن يجعل هذا الاقتصاد الأدبي مشرفاً على الانتاج المادي، فبذلك يكون قد أعاد الفرح إلى العمل، وهو أمر -لو تعلمون- ليس سهلاً ولكنه يظل أعظم إنجاز إنساني في العصر الحديث وأعظم مفخرة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |