|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 01:21 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثالث موجز تاريخ الاقتصاد الأدبي يجعل الاقتصاد السياسي تاريخ البشرية مقسماً إلى خمس تركيبات اقتصادية سياسية هي المشاعية فالعبودية فالإقطاعية فالرأسمالية فالإشتراكية. ويضع لكل تركيبة خصائصها المادية التي تستحضر أوتوماتيكياً، أو بالتدريج، البنية الفوقية الخاصة بها، ويدرس أدوات الانتاج وطريقة انتاج كل مرحلة على حدة، زاعماً أنه يضع يده على مفاتيح التطور والتقدم. ولا أعلم ما الجدوى من هذه الدراسة مادامت العلة قائمة في كل التركيبات. فما الفرق بين القمع الإشتراكي والقمع العبودي؟ ما الفرق بين التجويع الرأسمالي والتجويع الإقطاعي؟ ما الفرق بين رفيق يسرق جمهورية كاملة من جمهوريات السوفيات وملك قديم يجعل مملكته ملكية خاصة له؟ ما الفرق بين سجن شيد بالحديد وسجن شيّد بالطوب المشوي؟ ما الفرق بين العاطلين عن العمل في أكبر الدول الحديثة وأسرى الحرب المهملين في مقالع الأحجار؟ ماالفرق بين احتكار السلاح الذري اليوم واحتكار أدوات الحرب والقمع بالأمس؟ الاقتصاد الساسي ليس علماً وليس مذهباً إنسانياً. إنه "رقية" كهنوتية تعلمنا كيف نملك وكيف نتاجر وكيف نفرض إرادتنا على غيرنا. إنه كتاب لتعليم فن السرقة واضطهاد الآخر، إنه مذهب بلا محبة، فلابد من النضال لفضحه وإظهار مدى تهافته، وابتعاده عن القلب البشري، مرجل الانتاج الأدبي، بل مرجل التنظيم الإنساني الحقيقي، شريطة أن يكون نظيفاً من أي نزوع إلى الملكية الاستلاطية. لقد أخذ الاقتصاد السياسي مقولاته التاريخية من الاقتصاد الأدبي، ولكنه أطلق عليها أسماء جديدة، وجعلها تسير بعكس مقولات الاقتصاد الأدبي. وبدلاً من أن يفضح الوسائل الجديدة والخطيرة للحيازة راح يطريها ويحللها ويعلمنا طرائقها، بل يرى في كل وسيلة جديدة خطوة تقدمية في تاريخ البشرية، فلا عجب إذا هلل لاختراع الذرة واعتبرها أعظم تقدم في تاريخ البشرية، بينما شكك الاقتصاد الأدبي فيها ورآها كما رأى غيرها وسيلة بيد الأقوياء لبسط السيطرة واحكام الهيمنة. إن شرط الاقتصاد الأدبي هو نظافة القلب البشري، فمن غير هذه النظافة فإن كل "خطوة" هي خطوة نحو الهوة. وكل إنتاج بعيد عن نظافة القلب البشري هو إنتاج ضار، فلو أنتجت الأجهزة الحديثة آلاف النسخ من المسيح المسالم لاستخدمت هذه النسخ استخداماً مضاداً لبني البشر مثلما استخدمت الكنيسة الغربية النسخة القديمة للمسيح من أجل شن الحروب الصليبية وإقامة محاكم التفتيش وفتح أميركا... السؤال المحرج للاقتصاد الأدبي هو: هل يمكن الحصول على قلب نظيف حتى نبني عليه استراتيجية مختلفة عن استراتيجية الاقتصاد السياسي؟... سنحاول الإجابة في غير هذا البحث. إن الاقتصاد الأدبي يرى أن تاريخ البشرية يسير من التقدم إلى التخلف على الضد مما يراه الاقتصاد السياسي، ولهذا يرى أن العصر الذهبي يقبع وراء البشرية وليس أمامها، كما يريد إيهامنا الاقتصاد السياسي. فالبشرية بعد هذا العصر انتقلت إلى العصر الفضي فالبرونزي، وهي الآن في العصر الحديدي. وإذا كان لابد من أن نشير إلى تركيبات أو مراحل تاريخية للاقتصاد الأدبي، فإنها موجودة منذ القديم جداً، وردت على لسان بروميثوس، وهي العصور التي أشرنا إليها، والتي كررها بعد بروميثوس كثير من الشعراء والأدباء، من هزيود في "الأيام والأعمال" وحتى ادغار آلن بو في قصيدته "الأجراس". وهي عقيدة أدبية راسخة يؤمن بها كل المنتجين في الاقتصاد الأدبي في كل أنحاء المعمورة. وقد أخذوا هذه العقيدة عن بروميثوس، كما أخذوا نبوءاتهم من كاسندرا بريام، فالعقيدة الأدبية هي بنت الأسطورة وحدها، والنبوءات هي بنت الصدق وحده، الذي مارسته كاسندرا اقتداء ببروميثوس. والأسطورة تمثل النظرة الواقعية، واقعية الأحلام البشرية، لذا فإن النبوءات التي تصدر عنها تكون دائماً واقعية وتتحقق لأنها تقيس الواقع بمقياس المثال، فتلمس خلله، وتحكم عليه سلفاً بالفشل مادام لا يسير باتجاه المثال، فكل نبوءة كارثة. العقيدة الأدبية بسيطة جداً، شرحها بروميثوس في نبوءة عجيبة وفريدة من نوعها. وقد ظهرت هذه العقيدة عندما انحاز بروميثوس إلى البشر، مع أنه من الأسرة المقدسة، فهو إله من الآلهة الأولمبية، إلا أن الآلهة ناصبوه العداء، وبالأخص زيوس كبير الآلهة الذي كان يسعى إلى تعزيز هيمنته، لكن الإنسان وقف معه، فالذي فك قيوده هو هرقل الذي كان إنساناً وإن كان نصف نسبه يرجع إلى كبير الآلهة. قبل ظهور بروميثوس لا تجد تاريخاً للاقتصاد الأدبي، لأن المصالحة بين الإنسان والطبيعة كانت هي السائدة. لكن إصرار زيوس على إفناء البشر ووقوف بروميثوس إلى جانبهم هو الذي جعل الاقتصاد الأدبي يخضع للتطورات، بعد أن ولى العصر الذهبي، وتلته العصور الأخرى: الفضي والبرونزي والحديدي، في انحدار لكل القيم البروميثية. نحن نحترم بروميثوس لأنه -كما هو شائع لدينا- سرق النار الالهية وقدمها للإنسان فطار صواب زيوس ودعا المجمع الأولمبي إلى الانعقاد وحكم على بروميثوس بالصلب على جبل القفقاس فكان أول فاد يبذل جسده من أجل البشر. لكن الحقيقة شيء آخر مختلف كل الاختلاف، فسرقة النار كانت ذريعة اتخذها زيوس لإدانة بروميثوس. أما السبب الحقيقي فله قصة خفية حاولت الآلهة إخفاءها عن البشر حتى لا تشد من عزائمهم، وحتى لا تتمسك بربها الفادي الذي بذل نفسه من أجلها، بل إنها حاولت تشويه سمعة الرب الذي علمنا خلاص النفس. تبدأ القصة منذ أن حارب الآلهة المشرقون تلك الطياطين الشريرة التي كانت تريد القضاء على كل حي في الكون من نبات أو حيوان أو إنسان. وقد انضم بروميثوس إلى الآلهة وحارب إلى جانبهم تلك القوى الطبيعية المدمرة التي خلقتها الطبيعة مع الآلهة في آن واحد. وبعد انجلاء المعركة وتقييد تلك الملخلوقات في قاع الهوة (كوستوس) تنبأ بروميثوس بأن الصراع سوف ينشب بين أعضاء الأسرة المقدسة ذاتها. وبروميثوس كلمة تعني الفكر المتقدم، أي الذي يرى المستقبل. وبالفعل فقد اقتتلت الأسرة المقدسة إلى أن نجح زيوس في إزاحة أبيه عن العرش واعتلاء سدة الأولمب، بعد أن تزوج من هيرا التي كانت نصيراً كبيراً له ولحكمه. بعد أن استتب الأمر لزيوس وصار السيد المهيمن الذي لا يستطيع أن يقف في وجهه أحد، التفت إلى حياة البهجة واندفع وراء ملذاته وقد اطمأن إلى أنه لا منافس له، فأكل الأمبروز وشرب النكتار، بل اختطف غلاماً جميلاً من بني البشر هو غانيميد ليكون ساقيه في الأولمب، لكن زيوس ظل يشعر بالرغبة في معرفة المستقبل. وهذه المعرفة لا يملكها سوى بروميثوس، الفكر المتقدم، فزاره سراً واستنطقه... ونطق بروميثوس فأطار صواب زيوس. قال له: سوف يزول حكمك في أواخر العصر الحديدي، وهو العصر الذي يأتي بعد انصرام العصور الذهبية والفضية والبرونزية. وهذه العصور هي التركيبات التاريخية أو المراحل التاريخية التي تتراجع باستمرار في عرف الاقتصاد الأدبي. - من يستطيع أن يقوم بأعمالي العظيمة حتى يحل محلي؟ سأل زيوس مستنكراً. - عندما يستطيع أن يقوم بأعمالك فسيحل محلك. أجاب بروميثوس. - من يملك سلاحاً مثل سلاحي؟ إنني أملك الصاعقة وبضربة واحدة أستطيع أن أدمر الأرض والقمر وأن أقضي على كل الأعداء كما فعلت بالطياطين ودفعتهم إلى الهوة السحيقة في أعماق الأرض، إلى كوسيتوس. - سيأتي يوم في أواخر العصر الحديدي يظهر فيه سلاح يدمر الأرض ويدمر الأولمب. إنه سلاح يعرف سر الأشياء فلا يبقى باب في وجهه مغلقاً. وبهذا السلاح سوف ينتهي حكمك. - ومن سوف يحوز هذا السلاح؟ هنا صمت بروميثوس ورفض أن يسمي ذاك الذي سوف يحل محل رب الأرباب زيوس. فعرف زيوس أن البشرية هي الخصم الأكبر له وأن السلاح سوف يظهر فيها، فعمد إلى إذلال البشرية لتبقى قطيعاً يركع ويصلي له ولبقية الأرباب. وكان دائماً يطرب لكل الطقوس التي تقام له ولكل الأضاحي التي تقدم للآلهة. كتم زيوس أخبار ما دار بينه وبين بروميثوس عن الآلهة، فلم يرغب في إفشاء نبوءة بروميثوس حتى لا يتجرأ أحد من الآلهة على التمرد. وبذل جهده لمعرفة خليقته فلم يبح له بها بروميثوس، الذي كان يعرف أن "العلم" سوف يمتلك أسلحة جبارة تقضي على سلطة زيوس، ولكنها ستكون وبالاً على البشرية إن لم تحسن توجيهها، وإن لم تسترشد بربات الفنون، فالعلم سوف يتقدم تقدماً جارفاً في أواخر هذا العصر الحديدي المشؤوم، وسوف يكون مدمراً إن لم يرشده القلب النقي. منذ ذلك التاريخ نشب الصراع بين الآلهة والبشر. فقد كان الإنسان خنوعاً يقدم الأضاحي لزيوس والأولمب من غير أن يذوقها. لكن بروميثوس علّم الإنسان ما لم يعلم، علمه كيف يقاسم الآلهة هذه الأضاحي، فجعل الضحية قسمين: قسم كلّه لحم ومغطى بجلد، وقسم كله عظام ومغطى بطبقة من الدهن. وقد اختار زيوس القسم الثاني لاعتقاده أنه القسم الذي يليق بالآلهة ولكن سرعان ما عرف الحقيقة وكشف الخديعة ودور بروميثوس فيها فكظم غيظه وحفظها لبروميثوس منتظراً الفرصة السانحة لإخضاعه وانتزاع السر من صدره. جاءت الحادثة الثانية لتدل على عناد بروميثوس، فقد عزم زيوس على إغراق الأرض بالطوفان ليهلك البشرية المناوئة بحجة أنها تكفر بالنعمة الآلهية، فلا يبقى منها مخبر. لكن بروميثوس علّم ابنه ديوكاليون كيف يصنع فلكاً كبيراً ويحمل عليه زوجته وأهمّ مستلزماته، ففعل كل ذلك، وزيوس لا علم له، إذ كان يشرب الخمرة من يد غانيميد في الأولمب وهو ينظر إلى البشرية تفنى. وبعد تسعة أيام نجا ابن بروميثوس في فلكه الذي استقر على قمة البرناس، وهي القمة الوحيدة التي لا تصل إليها مياه الطوفان ولا سلطة الآلهة، وهذه أهم نقطة مشرقة في تاريخ الاقتصاد الأدبي، فلنقف عندها قليلاً لأنها تشكل صلب العقيدة البروميثية. لقد رسا فلك ديوكاليون على قمة البرناس، لا على قمة أرارات ولا في أي من جبال أرمينيا أو إيران، فلماذا اختار بروميثوس قمة البرناس وليس غيرها؟ لقد اختار بروميثوس قمة البرناس لأنها القمة الوحيدة التي تستطيع الحفاظ على رقي البشر، وفيها الوسيلة الوحيدة لخلاصهم. فماذا فيها؟ فيها ربات الفنون إلى جانب آلهة الحكمة والخمرة من أمثال أبولو وأثينا وديونيسوس. وهذه هي المتلازمات الثلاث لخلاص بني البشر: الفن والحكمة والخمرة، أي مهارة اليد والعقل والقلب. أما ربات الفنون فهن تسع يمثلن الفنون التسعة التي لم تستطع البشرية أن تزيد عليها فناً جديداً ولا أن تحذف منها فناً واحداً. وكل هذه الفنون يمكن جمعها تحت كلمة "الأدب" فيكون البرناس هو القمة الأولى في العالم التي قامت بإنتاج الأدب ونقله إلى الإنسان ليحقق خلاصه، وما كان أصدق شوبنهور عندما أعلن في العصر الحديث أنه لا خلاص للإنسانية إلاّ بالفن، وبالفن وحده، وأي تقدم في أي فرع من فروع المعرفة: علم، فلسفة، اقتصاد... سيكون مدمراً خارج مظلة الفن. من هنا نعرف لماذا دفع بروميثوس ابنه لبناء الفلك قريباً من جبل البرناس، فهو يريد أن يكمل له عملية الخلاص، التي لا تتم أبداً من دون الوصول إلى نبع الانتاج الأدبي. نجا ديوكاليون وزوجته بيرها من الطوفان، وعرفا من قمة البرناس كيف يكون الإنتاج الأدبي، فمنذ ذلك التاريخ والإنتاج الأدبي لم ينقطع، وبسبب تعرفهما على ربات الفنون أعادا خلق البشرية من الأرض إذ ألقيا بحجارة خلفهما فنبتت الأرض البشر مرة ثانية، فالفن واقعي مهما تعددت مذاهبه لأنه سلاح الخلاص بيد الإنسان. نحن من سلالة بروميثوس الذي انحاز إلى جانب الإنسان وعلمه ما لم يعلم، بل يكفيه أنه علمه الفن وسيلة للخلاص. ولكن البطن بستان كما يقولون في الأمثلة الشعبية، فلا غرابة إذا اختلفت المواهب الفنية لدى البشر، وإن كانت في تلك الأيام متقاربة. نتساءل: لو أن الإنسان نجا من الطوفان ولم يرس الفلك على قمة البرناس، ولم يطلع على أصول الإنتاج الأدبي، فماذا كان يحصل له؟ ربما يبقى جنسه مستمراً ولكنه استمرار الوحشية مادام بعيداً عن الأدب والإنتاج الأدبي، فحتى يكون إنساناً حقاً لابد من أن يمتلك وسيلة الخلاص الخاصة بالإنسان وحده: الأدب. يبدو أننا انسقنا وراء نقاش أهمية الأدب للإنسان وكيف رفعه فوق مستوى البهيمة، ونسينا تاريخ الإنتاج الأدبي الذي هو تاريخ الصراع بين الأدب والقوى الأخرى المناوئة له، القوى التي تشد الإنسان إلى الحيوانية ومنها الاقتصاد السياسي، فلنعد إلى ما كنا فيه. لم يستطع زيوس بقواه الغاشمة أن يقضي على الإنسان. طاش صوابه بعد أن علم كيف حط الفلك على قمة البرناس واكتسب الإنسان وسيلة الخلاص. غيّر من خطته، فلم يعد ناوياً على تدمير البشرية، بل جعل همه يتركز في إبعادهم عن التقدم فحرمهم من النار المقدسة، فما كان من بروميثوس إلا أن سرق النار وقدمها للإنسان الذي أحرز بها تقدماً كبيراً وصار يرى الكون رؤية أوضح. هنا ثارت ثائرة زيوس فجمع البانثيون الأولمبي وألقى خطبة رنانة أدان فيها بروميثوس زاعماً أنه علّم الإنسان ما لم يعلم مما جعله يتمرد على الآلهة ويستخف بها ولا ينصاع لأوامرها. أين أولئك البشر الذين كانوا يركعون وهم يرتعدون مبتهلين للآلهة أن تسعفهم؟ لقد تغير البشر وصاروا ينتجون الأدب وهو إنتاج كان خاصاً بالآلهة يوم لم يكونوا يعرفون العداء ولا الحقد... وطالب في نهاية خطبته بصلب بروميثوس على جبل القفقاس وتسليط نسر ينهش كبده نهاراً لينمو ليلاً في عذاب أبدي مرير. لماذا أخضعه للعذاب فقط؟ لينزع من صدره السر فيعرف من سيحل محله. لقد أخضعه للعذاب لانتزاع المعلومات كما تفعل أجهزة المخابرات في عالم اليوم. لم يدفع به إلى الهوة "كوسيتوس" لأنه يريد أن يعرف ذاك الذي سيطيح به فيتجنب الكارثة. فسرقة النار كانت ذريعة. السر يكمن في معرفة اسم وريثه ومغتصب عرشه. لكن بروميثوس ظل صامتاً إلى أن حرره الإنسان فرد جميلاً بجميل، فقد مر به البطل اليوناني هرقل واستمع لقصته فانقذه متمرداً على قوانين الآلهة. وبذلك عاد بروميثوس ليكون عوناً للإنسان. أيقن زيوس أن مثل هذه الخطة لن تنجح، فتخلى عنها وعمد إلى خطة لئيمة تختلف عن الخطة السابقة القائمة على العنف. لقد لاحظ زيوس أن العنف لا يؤدي إلى نتيجة، فتخلى عنه ومال إلى طريقة جديدة هي تقديم إغراءات للإنسان الذي نجا من الطوفان مبرأ من عيوبه السابقة، وكثر نسله وساد الأرض، إذا ما اتبعها ضل طريقه ونسي تعليمات ربات الفنون، وانخرط في صراع محموم يقضي عليه وعلى نسله. وبذلك يعود إلى بيت الطاعة ويخضع للآلهة كما كان قديماً يوم لم يكن يعرف النار المقدسة. جمع زيوس البانثيون الأولمبي وزعم أنه يجب أن يكافيء هذا الإنسان، لأنه مخلوق عظيم فقد أظهر بطولة فائقة أمام الصعوبات التي اعترضت مسيرة حياته، فأوعز إلى هيفستوس أن يصنع له امرأة من ماء وطين وأن يجعلها من أجمل الخلق طرا، ففعل وقدم له هذه الأنثى فسماها "باندورا" أي هدية الآلهة للإنسان. فكانت آية في الجمال والإغراء. وحمّلها صندوقاً فيه كل أنواع الأمراض القاتلة، والمغريات التي هي أشد فتكاً من الأمراض، إلا أن ابولو دسّ في هذا الصندوق شيئاً عظيماً من دون أن يعلم أبوه زيوس. هذا الشيء هو الأمل. نصح زيوس باندورا إلا تفتح غطاء هذا الصندوق، وهو يعلم أن باندورا لن تقوى على ذلك، أنه يعرف طبيعتها، أليس هو الذي قدم المواصفات لهيفستوس؟ كان زيوس قد تصالح ظاهرياً مع بروميثوس. وعربوناً لهذه المصالحة قدم له باندورا مع صندوقها لكن بروميثوس رفضها رفضاً قاطعاً. وبما أنه يعرف أخاه أبيميثوس (الفكر المتخلف الذي لا يفكر بالمستقبل) معرفة جيدة فقد هرع إليه وسهر معه ليلة بكاملها محذراً من قبول الهدية التي عرضت عليه قبله، والتي سوف تعرض على أبيميثوس بعد ذلك. وفي تلك الليلة حدث بروميثوس أخاه طويلاً عن أساليب الآلهة في إفساد البشر عن طريق المغريات، بل قال له: إذا رفضت المرأة فارفض أيضاً صندوقها فالآلهة لا تهدي الإنسان ما يخلصه ليظل تابعاً لها. - وماذا يحتوي الصندوق؟ سأل أبيميثوس أخاه. - كل ما يبعد الإنسان عن البرناس، فيظل ضعيفاً جاهلاً يركع أمام القوى الغاشمة. أبيميثوس الذي لا يفكر بالمستقبل ما إن رأى باندورا حتى خر شاكراً الآلهة على هذه الهدية النفيسة فقبلها وتزوجها، وما هو إلا وقت قصير حتى دب الوسواس في صدر باندورا، ففتحت الصندوق لتنطلق منه الأوبئة: فيروسات من كل نوع كالطاعون والزكام والتهاب الكبد وميكروبات مختلفة كالسل وبقية الأمراض الفتاكة من كل صنف ولون، فامتلأت الأجواء بهذه الجراثيم المخيفة التي ما إن تدخل بدناً حتى تميته أو تذيقه الموت وهو على قيد الحياة. هذه هي الأمراض التي تفتك بالأبدان، أما الأمراض التي تفتك بالروح فكثيرة جداً، وكلها انطلقت من الصندوق: الغش والخداع والكذب والتزوير والجشع والغضب والكبرياء والشهوة الذئبية التي تجعل الإنسان ينقض على الإنسان، وحب الثروة والأنانية والطيش والتهور والطمع... باختصار: إن صندوق باندورا أطلق كل ما يعادي قمة البرناس وربات الفنون. سارعت وأطبقت الصندوق ولكن لم يكن قد بقي سوى الأمل، فأطلقته. هنا، بعد فتح الصندوق تساوى الناس من جهة واختلفوا من جهة ثانية. تساووا أمام الأمراض التي تفتك بالبدن، لكنهم اختلفوا في أمراض الروح، إذ انخدع -وينخدع الآن- قسم منهم بهذه الأمراض النفسية وظنوها سبيلاً إلى السعادة، وهو القسم الأكبر والأغلبية العظمى، وقسم لم تخدعه هذه المغريات وظل محافظاً على العقيدة البروميثية ومتمسكاً بالتقليد البرناسي في إنتاج الأدب والفن. لقد انقسم الناس إلى بروميثيين وزيوسيين. بعد هبوط باندورا كانت الأغلبية لصالح البرناسيين، وقد استمرت هذه الأغلبية حتى القرن الثالث بعد الميلاد. وقد سعت هذه الأغلبية للتخلص من هيمنة زيوس الوحدانية فاندفعت إلى الإنتاج الأدبي والفني بغزارة وبلغت الأوج في القرن الثالث قبل الميلاد، ففي عصر بركليس مثلاً، قرر مجلس الشيوخ زيادة المبلغ الذي يدفع لكل من يحضر المسرح، وقد شجع هذا الإجراء الفلاحين الذين كانوا يهبطون من قراهم لمشاهدة المسرحيات والمباريات الأولمبية إينما أقيمت، فكانت التربية الجمالية أساساً للمواطنة حتى أن العبد كان عندما يصبح منتجاً أدبياً يمنح وثيقة الحرية من مجلس الشيوخ، ولكنه لو قدم من الإنتاج المادي ما يعادل عشرة أضعاف الثور لما حصل على وثيقة الحرية. كانوا ينظرون إلى العبد كما ننظر اليوم إلى الآلة، والانتقال من الآلية إلى الإنسانية لا يكون بالإنتاج المادي، بل بالإنتاج الأدبي والفني، أي بالانتساب إلى البروميثية. وقد ازداد الاستهلاك الأدبي ازدياداً كبيراً في تلك الفترة، فمن النادر أن تقابل يونانيا لا يعرف التراث البرناسي. لقد كانوا واعين أن الاقتصاد الأدبي يجب أن يكون القائد والموجه لكل النشاطات الأخرى، فلم تكن الأعياد والمباريات الرياضية تبدأ إلا بعد تقديم العروض المسرحية والمنافسات الأدبية، وتعليلهم أن المرء لا يستطيع استيعاب الجمال في الطبيعة والمجتمع إلا إذا كان بروميثياً يرفض الهبات الزيوسية المغرية التي تبدو عظيمة في ظاهرها، بينما هي لئيمة في حقيقتها، فالزيوسيون لا يقدرون دور الأدب والفن ولا يفهمونهما، وإن كانوا يستغلونهما لصالحهم، سواء كانوا من الحكام أو من المواطنين. ولذلك نجد أن الحكام كلهم أو معظمهم، وإلى جانبهم الأغنياء يتمسكون دائماً بالهبات الزيوسية سراً بينما يعلنون الهبات البرناسية لاستغلالها تمتيناً لوضعهم. في تلك الفترة كان الاقتصاد الأدبي مقياساً للمواطنة وموجهاً للنشاطات فعلاً، بل يمكن القول إنه كان يحظى بهالة من الاحترام وبشيء من القدسية. والحادثة التي وقعت لبركليس تدل على ذلك فقد كان بركليس يشاهد إحدى المسرحيات، فأراد أحد الأغنياء، وهو طبعاً من الزيوسيين، أن يهينه لأنه يقف أمام مشاريعه الاقتصادية، وكان صاحب صناعة جلدية متطورة، فداس على ثوبه وشتمه لما أصدره من قوانين تحد من مصالحه. لم يرفع بركليس عليه دعوى طيلة وجوده في السلطة، لأنه كان يعتبر نفسه حاكماً، عليه أن يتحمل إساءة الآخرين. ولكن بعد أن ترك السلطة أقام عليه دعوى بتهمة الإساءة للفن والجماهير لأنه لم يحترم المسرح الذي كان فيه، كما لم يحترم الجمهور الكبير من المشاهدين، فهي دعوى باسم الحق العام وليست دعوى شخصية. وقد انقسم المواطنون قسمين، فالبروميثيون وقفوا إلى جانب بركليس، والزيوسيون من بعض المسؤولين والأغنياء وقفوا إلى جانب الدباغ الغني. ونظراً لأن البروميثيين كانوا الأكثرية وكان الجو العام مؤيداً لهم فقد ربح بركليس الدعوى. أعظم آيات الأدب والفن ظهرت في تلك الفترة، لكن الصراع بين الزيوسيين والبروميثيين كان عنيفاً وإن كان صراعاً خفياً لم يظهر على السطح بسبب غزارة الإنتاج الأدبي. وقد استخدم الزيوسيون كل "المواهب" التي كانت في صندوق باندورا من جشع وطمع واستغلال... كأسلحة فعالة في تغيير المجتمع واعتمدوا على الثروة في إفساد النفوس وتأليب الناس ضد البرناس. كان الزيوسيون يسعون إلى فرض هيمنة الإله الواحد وإقامة حكومة زيوسية واحدة تفسح المجال أمام القوى المادية لتنطلق وتتطور، وقد برز سقراط كممثل للزيوسيين في السلك الفلسفي، فنشر عقيدة الإله الواحد التي كانت أمنية زيوس لتعزيز سلطته، وأيد الحكومة الدكتاتورية ورفض الديمقراطية التي كانت شعاراً لبركليس وكل البروميثيين، وطالب بإبعاد المنتجين الأدبيين عن الحكم. وقد تجلى فكر سقراط في مؤلفات تلميذه أفلاطون وبخاصة في "الجمهورية" حيث أبعد الأدباء والفنانين عن هذه الجمهورية. وقد جاء كتاب الجمهورية مشرعاً للاقتصاد السياسي والإنتاج المادي، فكل طبقات الشعب في الجمهورية هي طبقات منتجة مادياً تقف على رأسها مجموعة من الفلاسفة يقودها رئيس لهم. إنه الهرم الزيوسي: إله واحد، كتاب واحد، شعب واحد، على النقيض من البروميثيين تماماً، إذ أن البروميثيين، كما لاحظنا، أكدوا على الإنتاج الأدبي كمرشد وكمقياس وكشرط للمواطنة. وقد سمى أفلاطون هذا الإله "الديمرجوس" وأسبغ عليه الصفات التي ستبرز في الديانة الوحدانية المسيحية. ولهذا نعتبر كتاب الجمهورية أول كتاب في الاقتصاد السياسي وقف في وجه الاقتصاد الأدبي. الدعوى التي أقيمت على سقراط تذكرنا بدعوى بركليس على صاحب صناعة الجلود، فهي دعوى "الحق العام" ليس فيها أي اتهام شخصي، فالرجل كان يدعو إلى إله واحد، رافضاً بقية الآلهة، زاعماً أن الكون الواحد يفسد إن كان فيه أكثر من إله واحد، وهذه أكبر جريمة في نظر البروميثيين، لأن هذا الزعم يقود إلى الدكتاتورية. وبالفعل فقد أخذ على سقراط أنه من أشد أنصار الدكتاتورية بل إن الدكتاتوريين الذين استلموا زمام الأمور لفترة كانوا من تلاميذه. تشكلت هيئة المحلفين، على جاري العادة، وزادت على خمسمئة عضو. وقد انقسم الأعضاء إلى قسمين، فالزيوسيون صوتوا إلى جانب سقراط، والبروميثيون صوتوا ضده وفازوا بالأغلبية وأدين سقراط وخير بين الموت أو ترك أثينا، المدينة التي كانت قدوة في تلك الأيام. وقد اختار سقراط شراب الموت "الشوكران" على مغادرة المدينة، وبيده تجرع كأس الموت. كان الاقتصاد الأدبي أساساً لبنية المجتمع، وقد بدا واضحاً في الدستور الأثيني، فمثلاً لا يحق للمواطن أن يرشح نفسه لمجلس الشيوخ أو أن ينتخب غيره إذا لم تتوافر فيه الصفات الأدبية، فهذا الحق يفقده كل من إساء لزوجته وأولاده إساءة أدبية كالشتم والإهانة، وكل من أساء للآداب والفنون وكل من أهمل حراثة حقله بحجة أنه غني ولا يحتاج إلى منتوج الحقل، وكل من تلاعب بقوت الشعب الروحي والمادي، وكل من فر من معركة وكل من اغتصب امرأة، وكل من اتخذ زوجة ثانية إلى جانب زوجته، فلم يكن يحق للرجل سوى زوجة واحدة فإن لم تنجب رفع كتاباً إلى مجلس الشيوخ الذي يحاول إقناع الزوجة باختيار أمة لزوجها، بغرض الإنجاب، لأن حب الأولاد غريزة إنسانية، وكل من أساء لغيره إساءة معنوية فحسب، أما الإساءة المادية فتحلها المحاكم المختصة، وكل من استخدم ثروته لتضليل المواطنين أو لاستغلالهم استغلالاً قبيحاً، وكل من رشا مهما كانت ضآلة الرشوة، وكل من تخلف عن مشاهدة المباريات الأدبية والمباريات الرياضية، وكل من اتخذ لنفسه حرساً شخصياً... وحتى لا يكون للاقتصاد السياسي دور في الانتخابات اخترعوا حيلة ظريفة ولكنها عادلة، وهي اللجوء إلى القرعة بعد الانتخابات، لأن عدد الناجحين يجب أن يكون ضعف عدد أعضاء المجلس المطلوبين وبذلك قطعوا الطريق على الاقتصاد السياسي، إذ أن من بذل المال والرشوة للفوز بالانتخابات سيواجه دواليب الحظ، ويخضع للقرعة، فما كان أحد يغامر بأمواله ليمثل أخيراً أمام مجموعة من الصبية يديرون دواليب الحظ، فربما لا يكون رقمه من الأرقام الفائزة. كل القوانين الأثينية كانت ترمي إلى الحد من "المواهب" الزيوسية ولجم الاقتصاد السياسي من التفشي ونشر الفساد، إلا أن فيليب المقدوني قضى على كل هذه القوانين ومهد الطريق أمام الرومان للانتقال إلى الاقتصاد السياسي، فقد شح الإنتاج الأدبي في أيامهم، بل تحولت المسارح والملاعب إلى ساحات المجالدة تتفرج عليها الطبقة الارستقراطية في منصة كبرى، يحيط بها جمهور من الغوغاء يصوتون على القتل برفع الأصابع أو بتنكيسها، فينظر راعي المجالدة إلى أصابع هؤلاء الغوغاء، ولكن ليس من الضروري أن يوافقهم فقد يرفع أصبعه إذا نكسوا أصابعهم، وقد ينكسها إذا رفعوها... ومع ذلك يهلل الغوغاء لقراره الحكيم... كانت فكرة الإله الواحد قد راجت... ألغيت المبالغ التي كانت تدفع لمن يشاهد المسرحية. صار الدخول مجاناً فقط، لكن الاهتمام بالمسرح والأدب تضاءل إلى درجة أن المشاهدين كانوا لا يشغلون إلا قسماً ضئيلاً من المدرجات. ومع الأيام هجر المسرح وأهمل الأدب. وكان هذا ضربة أليمة للاقتصاد الأدبي. لقد صارت المادة أو هبات زيوس ومواهبه هي السائدة. إلا أن الضربة الأشد فتكاً بالاقتصاد الأدبي جاءت على يد المسيحيين الذين نصبوا زيوسهم محل زيوس القديم، وأعادوا الاعتبار إلى سقراط وتلميذه أفلاطون حجة بيدهم على ضلال "الوثنيين" فعندما تحدث أفلاطون بلسان معلمه عن الديمر جوس أكدوا أنه كان يتحدث عن إلههم الواحد الأوحد الذي يهيمن بجبروته ورحمته، بعقابه وجزائه، بحبه وكراهيته على كل شيء. وطبقوا آراء أفلاطون في الحكومة ورأوا أنها يجب أن تكون بيد النخبة المفكرة تحت رئاسة واحدة، فكانت النخبة رجال الكهنوت وكانت الرئاسة بيد البابوية التي تمثل الإرادة الإلهية. كل شيء تغير في العهد المسيحي، فقد تلاشى الاقتصاد الأدبي أو كاد،وحطمت تماثيل وأقيمت مكانها تماثيل، فتمثال مارس مثلاً في مدينة فلورنسا استبدل بتمثال يوحنا المعمدان... وهكذا. وقد قضي على المسرح ولم يعد الانتاج الأدبي يظهر، وألغيت الألعاب الأولمبية وما كان يرافقها أو يتقدمها من نشاط أدبي، ومعها كل الألعاب الأخرى وحظرت المسرحيات من دون أي استثناء ولم يعد مطلوباً من المواطن سوى أن يتلقى أوامر زيوس الجديد بلسان ممثله الجديد وكهنته الجدد، فحلت الوحدانية محل التعددية في كل شيء وقد استمر الوضع على هذه الشاكلة أكثر من ألف سنة (من 500 إلى 1500). محقون أولئك الذين يطلقون على هذه الفترة لقب "العصور المظلمة" فهو لقب جدير بها ولائق لها. وأعظم إنتاج أدبي في تلك الفترة جاء على يد دانتي وهو "الكوميديا الإلهية" فقد حاول التصدي لهذه الوحدانية الزيوسية الجديدة، وسعى إلى إعادة دور الاقتصاد الأدبي بقيمه الروحية في حياة البشر، بل جعله الوحيد القادر على إنقاذ البشرية. إن "الكوميديا الإلهية" هي أعظم صيحة بروميثية في عالم الإنسان، فلم يشهد التاريخ حتى اليوم كتاباً نضالياً كهذا الكتاب. إن المرء يخال أن بروميثوس هو الذي كتبه، ولم لا؟ إن دانتي يعترف بأنه استلهم أبولو وربات الفنون البرناسية: فيا أبولو الطيب، هذه آخر مهماتي ابتهل إليك أن تجعلني وعاء لقدراتك طالما تعتقد أني أهل لأن أتوج بالغار. كادت قمة واحدة من البرناس تكفي حاجتي، لكني الآن بحاجة إلى قمتين حتى أدخل حلبة المنافسة مرة أخرى. (الفردوس 1: 13-18) إن تضاؤل الإنتاج الأدبي في العهد الجديد لزيوس الذي كان ينطق بلسان نوابه وكهانه جعل الناس أقرب إلى الحيوانات البشرية، وقد فضل دانتي أن يخاطبهم بأسمهم الحقيقي وهو يحذرهم من الخدعة الزيوسية: أيتها الحيوانات الأرضية، أيتها العقول المتخشبة إن الإرادة الإلهية خيرة بذاتها لذاتها وترضي ذاتها بالخير الذي لذاتها فقط. (الفردوس 19: 85-87) ومع أننا قطعنا شوطاً بعيداً عن زمن دانتي، فإننا مانزال في زمن الوحدانيات: زيوس واحد وشعار واحد وتعليم واحد واقتصاد عالمي واحد... ويظل أفضل كتاب للاقتصاد الأدبي في العصر الحديث هو كتاب "الكوميديا الإلهية" الذي يجب -لو كان بالإمكان- أن يوزع مجاناً للوقوف على هذا الأسلوب الحديث الذي وضعه دانتي في كتابه، الذي عرض فيه بجدارة أهم قوانين الاقتصاد الأدبي التي يجب أن تسود. والذي نراه أن "الكوميديا" هي أعظم صيحة في تاريخ البشرية على الإطلاق، إنها الصيحة البروميثية الحقيقية. صيحات كثيرة أعقبت الكوميديا، وصيحات كثيرة صاحبتها، لكنها تظل الصيحة الأشد تأثيراً من غيرها فهي أنضج إنتاج أدبي على مر العصور، وهي الأساس الذي اعتمد عليه الإنتاج الأدبي في عصر النهضة. إننا نحتاج إلى مجلدات كثيرة لشرح هذا السفر النفيس، هذا الانجيل البروميثي المتوهج الذي أعاد العقيدة البروميثية إلى العمل، والذي فضح كل المغريات الزيوسية، وكشف سر الكنيسة الغربية الوسطوية في السيطرة على عقول الناس وإبعادهم عن ينابيع البرناس. فإذا كان شرح انجيل دانتي يستدعي كل هذه المجلدات، فكم يستدعي رصد الإنتاج الأدبي في عصر النهضة، وفي العصور التالية؟ كم مجلداً نحتاج لرصد إنتاج شعراء التروبادور وشعراء الغزل الألمان، وروايات الحب الفرنسية وأعمال شكسبير؟ بل إن اراسموس وحده يحتاج إلى مجلدات، أو تلميذه المخلص رابليه، الذي قدم سفراً إلهياً ضخماً هو "غارغانتوا وبنتاغرويل" أو سرفانتس الذي كان فاتحة النبوءة الجديدة للاقتصاد الأدبي الحديث. فماذا نفعل الآن في عرضنا الموجز لتاريخ الاقتصاد الأدبي وكل محطة من محطاته تقتضي كتاباً خاصاً؟ نتمنى أن يسهم غيرنا في شرح الاقتصاد الأدبي عن طريق التخصص، في الأعلام أو المراحل، فيكون كتابنا هذا أشبه بمخطط سريع ليس غير... ومع ذلك فلابد أن نقف عند دانتي قليلاً قبل استئناف الرحلة الخاطفة في تاريخ الاقتصاد الأدبي الحديث، لا لنشرح انجيله المقدس الذي يحمل قيم الرب الإله بروميثوس، فادي البشرية ومرشدها إلى طريق الخلاص، فهذا شيء كرسنا له جهداً استمر أعواماً لتقديم ترجمة أدق لانجيله، بمقدمة ضافية، وإنما لنشرح سوء فهم هذا الإنجيل من قبل المتعاملين معه. إن سوء فهم هذا الإنجيل البروميثي يرجع إلى انسياق بعض الدارسين وراء القيم الزيوسية، فهذا يزعم أنه متأثر بالمعراج أو بالمعرى، وهذا يدعي أنه متأثر برؤيا يوحنا، وهذا يؤكد أنه متأثر برؤيا ألبريغو ورسالة بابل الجهنمية التي كتبها جياكو مينودا فيرونا، وهذا يرجح أن يكون متأثراً برحلة سان براندانو. كثير من التهم وجهت إلى هذا الإنجيل الفذ، كاتهمامه بالإستفادة من رؤيا بطرس أو رؤيا بولس... أشياء وأشياء لا مجال لمناقشتها، بل إن مناقشتها غير مجدية لأنها لن تؤدي إلا إلى مزيد من التشويش، إلا أن من الضروري المرور ببعض النقاط لإظهار فرادة هذا السفر العظيم. يستخدم دانتي دائماً الأسماء الرومانية بدلاً من اليونانية: أريس هو مارس وافروديت هي فينوس وهيرا هي جونو، وبالتالي فإن زيوس هو جوبتر الإله الذي يريد أن يتفرد بالكون والحياة. وبما أن دانتي من سلالة بروميثوس فإنه يقف دائماً في وجه جوبتر بأسلوب متلاعب خبيث هرباً من طغيان الكنيسة. فهو في الجحيم يعجب بكابانيوس الذي رفع قبضته في وجه جوبتر، وهو دائم السخرية منه، فلما حلّ جوبتر الجديد محل جوبتر القديم، فعل الشيء ذاته ورأى في دستوره انحرافاً عن العدالة: جوبتر، أيها الفائق، يا من صلبت من أجل البشرية، سأسألك إن كنت تسمح بالسؤال: ألا ترى أن عين عدالتك انحرفت بعيداً؟ أمْ أنَّ ما تفعله هو مخطط وضعتْهُ حكمتك التي لا حد لها من أجل الخير، وهذا لا يمكن أن يدركه الإنسان الفاني؟ إنه ينطلق من العقيدة البروميثية في محاسبة جوبتر الساعي إلى بسط نفوذه والتفرد بالسلطة بوحدانية متشددة. إن المعركة هي دائماً بين الاقتصاد السياسي الذي أرسله زيوس في صندوق باندورا، وبين الاقتصاد الأدبي الذي وضع أسسه بروميثوس في تعليماته لابنه ديوكاليون والذي اكتمل في قمة البرناس. هذه هي النواة الحقيقية للكوميديا الإلهية، انجيل التربية الجمالية. وهي ميزة فريدة لا نجدها في أي سفر آخر، لا في رسالة الغفران ولا في غيرها. إن انجيل دانتي يحافظ فقط على شيء واحد من أوله حتى آخره وهو العقيدة البروميثية في التربية الجمالية. من هنا نعجب كل العجب من أولئك الذين يرون دانتي متأثراً بغيره. فحتى فرجيل لم يكن له عليه تأثير، وإن سار في صحبته. لقد كان فرجيل جواز مرور للدخول إلى قلعة زيوس الجديد وتفجيرها، فالمسيحيون يعتبرون فرجيل مبشراً بزيوس الجديد بسبب بيت من الشعر. وقد أحسن دانتي في اصطحاب فرجيل، إذ جعله جواز سفر إلى الممالك الزيوسية. أما ما سوى ذلك فلا تأثير له في هذا الانجيل، السفر الذي يبرز الصراع بين الثقافتين: البروميثية والزيوسية. وكل من فاته إدراك هذا الخط المستمر في الكوميديا، أخطأ في تأويلها. وما على القاريء إلا أن يطلع على مقارنته تلك التي أجراها بين الفضائل الطبيعية وبين الفضائل الدينية من إيمان ورجاء ومحبة، أو يطلع على الاختبارات التي أجريت له في إيمانه ورجائه ومحبته في الفردوس حتى يعرف أين يقف دانتي، وعم يدافع. إنه يدافع عن التربية الجمالية ضد الهبات التي وضعها زيوس في الصندوق لتفسد البشرية. أما المعري فما أبعده عن هذه الأجواء. إنه لم يلامسها ولم يتنشق نسمة واحدة منها، فقد كان الرجل متشائماً عازفاً عن الحياة. صحيح أنه يناقش زيوس، بيد أن نقاشه يصب بعيداً عن التربية الجمالية ومفهومها البروميثي. إن رسالة الغفران مزيج من الفذلكة اللغوية الثقافية والسخرية المعرية من الموزاييك الديني. لكنها ليست أكثر من ذلك، فهي لم تقارب الثقافة البروميثية أبداً، وهي أبعد ما تكون عن التربية الجمالية، وسيلة الخلاص البرناسية التي تشكل صلب العقيدة البروميثية. أما الإطار المشترك من جحيم ومطهر وجنة فهو إسكاتالوجيا مشتركة بين كل الشعوب، ويمكن لأي منتج أدبي أن يستخدم هذا الإطار من دون أن يطلع على الكوميديا أو رسالة الغفران أو سواهما. أيضاً وأيضاً نعجب من أولئك الذين يسبغون حلة الإيمان الزيوسي على دانتي. إنه مؤمن حقاً ولكن بالقيم الجمالية البروميثية التي دافع عنها فكان فاتحة الاقتصاد الأدبي الحديث. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |