فصول في علم الاقتصاد الأدبي فصول مختارة من رؤى كاسندرا بريام - حنا عبود

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:21 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الرابع الاقتصاد الأدبي الحديث

دانتي في انجيله الأدبي "الكوميديا الإلهية" كان فاتحة الإنتاج الأدبي الحديث بعد أن عانى هذا الإنتاج ما عانى من قمع كنسي في العصور الوسطى التي ظهر دانتي في منتصفها تقريباً. أو ظهر في الثلث الثاني منها. فمنذ القرن الخامس الميلادي تراجع الإنتاج الأدبي تراجعاً لا مثيل له واستمر الأمر طيلة ثمانية قرون وأكثر. إن ظهور انجيل دانتي كان حدثاً فريداً من نوعه أعلن استئناف الإنتاج ووضع الأسس العامة للاقتصاد الأدبي، وكل إنتاج بعد دانتي حتى القرن العشرين جرى وفقاً لهذه الأسس، ولكن بتفريعات وتفصيلات موسعة فرضت سيطرتها في القرون التالية.‏

كان دانتي رسولاً بروميثياً مخلصاً وضع في انجيله "الكوميديا" العقيدة البروميثية الأدبية. وبعد أن أنهى هذا الإنجيل الكبير بعدة أسابيع توفي في منفاه، كأنما أخلد للراحة بعد أن أدى واجبه الرسولي.‏

في هذا الإنجيل يتابع دانتي التقليد النبوئي البروميثي، فقد تنبأ بروميثوس بخطورة هدية الآلهة لباندورا، فمن صندوقها انطلق الجشع والطمع والفتن والصراع، وهي الأسس التي قام عليها الاقتصاد السياسي، وتنبأ بالعصر الحديدي الذي نحن فيه الآن وكيف أن هذا العصر سوف يقضي على سلطة زيوس ويقيم سلطته المدمرة أيضاً في جو من التنافس والاقتتال والحروب المستمرة وتدمير تلك المؤسسات البشرية التي تنشأ لتخوض فيما بينها صراعاً مريراً.‏

وتابعت كاسندرا بريام هذا التقليد فتنبأت بالحرب الطروادية وحذرت منها، وعندما شاهدت حصان الأغريق رأت فيه تكراراً لصندوق باندورا ونبهت الطرواديين إلى أن هذه الهدية تشبه هدية زيوس ليس فيها إلا الدمار، وتنبأت بمصير اغاممنون وبمصيرها أيضاً ، لكن أحداً لم يصدقها فتمت كل هذه النبوءات، وعندها فقط صدق الناس، ولكن بعد أن جرى ما جرى وانهار ما انهار.‏

في الإنجيل الجديد يسير دانتي على التقليد البروميثي ذاته فيتنبأ بإفلاس الاقتصاد السياسي وانهيار مؤسساته، التي تنشأ قوية وسرعان ما تتحطم وتندثر، ثم يظهر غيرها ويلاقي مصيرها، أما ما يبقى فإنه الانتاج الأدبي الذي يلغي الزمن خلفاً وأماماً، ويظل يتمتع بالحداثة والنضارة. قال في كوميدياه، في النشيد السادس عشر من الفردوس:‏

76 ... لما صعب عليك أن تفهم، أو كان‏

غريباً عليك أن تسمع ان العائلات تنهار‏

بل حتى المدن سوف تسعى إلى نهايتها.‏

79 ... كل مؤسسات البشرية، من أي نوع كانت،‏

سوف تموت، مهما طال بقاؤها،‏

لكن ذلك يخفى عليكم لقصر حياتكم‏

85 ... لذلك ليس من الغريب أبداً أن‏

تسمعني أتحدث عن الفلورنسيين الطيبين‏

الذين لا يطال التغير شهرتهم.‏

وبهذا وضع قانونا أساسياً للاقتصاد الأدبي: إن المنتجين الاقتصاديين زائلون، أما المنتجون الأدبيون فخالدون لا يطال التغير شهرتهم.‏

لم يختر دانتي الممالك الأخروية الثلاث عن عبث. لقد ترك المملكة الأرضية وراح يطوف تلك الممالك لأنه يريد أن يكشف سر جوبتر، ويفضح الممارسات الشائنة لأنصاره. لقد عرف أن السبب الأساسي لفوضى الحياة على الأرض يرجع إلى القوانين الجوبترية، التي سببتها الأمراض الروحية التي انطلقت من صندوق باندورا، من طمع وجشع واستلاط وحسد... أي كل ما يقبع وراء الملكية الآثمة. وقد أكد لنا أن جوبتر، كعقيدة طبعاً، يبسط سيطرته الشاملة ليس على الممالك الأخروية وحدها بل على المملكة الأرضية أيضاً، فكما في السماء كذلك على الأرض، إذ أن كل شيء يجري بأمره، وينفذه جهاز من رجال الاقتصاد السياسي، رجال الملكية الجشعة. إنهم جهاز تنفيذي يفعلون كل ما يريدون تحت غطاء تبريري من العقيدة الجوبترية المقدسة التي لا يسمح لأحد أن يطالها، لأنه بعمله هذا طالهم هم بالذات. ولهذا فإن أنصار جوبتر يجعلون العقيدة باسطة ظلها على كل شيء، من أكبر الممالك حتى الفكر الشخصي، أو حتى التأملات التي تنطلق عندما يخلو المرء بنفسه. وحتى الجحيم نفسه الذي نظن أنه مملكة لوسيفر إنما يخضع لأوامر جوبتر، ففي النشيد التاسع من الجحيم يرفض الشياطين السماح لدانتي بعبور البوابة مع فرجيل. وخاف دانتي من أن يتركه وحده، فطمأنه فرجيل وطلب منه أن ينتظر قليلاً. وبالفعل يظهر رسول جوبتر بعد قليل ويفتح البوابة بعنف بعد أن يهدد الشياطين بعقوبات أشد إذا عادوا إلى مثل هذا التمرد.‏

رأى دانتي أن سبب كل ما يجري في الأرض مرجعه إلى العقيدة الجوبترية فسافر في ممالكها ووصل إلى عقر دارها في الإمبريوم، وكشف كل أسرارها وكل مقولاتها من إيمان ورجاء ومحبة وجزاء وعقاب، وأظهر أنه في ظل هذه العقيدة المتسلطة لا يمكن الخلاص من الفساد الأرضي، بل لا يمكن حتى مساعدة الإنسان للوقوف في وجه الأمراض الروحية التي انطلقت من صندوق باندورا. فالعقيدة الأحادية المهيمنة هي دمار للإنسان البروميثي بأي شكل تجلت وبأي ممارسة ظهرت، فيكفي أنها تدمر نزوعات الإنسان الجمالية، وتقيد نشاطاته في منحى واحد حتى تكون هدفاً للنضال البروميثي من أجل إسقاطها وإطلاق حرية الإنسان، الحرية التي تتجلى في الفن والأدب. فوضع الروح في المسار البروميثي الحر هو بداية حقيقية لصالح الإنسان، فمن العبث الحديث عن أي إنجاز إنساني فعلي من دون الروح البروميثي القائمة على احترام النزوعات المتعددة للنفس البشرية التي تجد تعبيرها في النشاط الأدبي قبل سواه. وحيازة الروح الأدبية هي بداية كل تنظيم، لأنه بذلك سيكون تنظيماً يحترم حرية الروح ونزوعاتها، وإلا فإنه تنظيم قمعي كما هو الأمر في الاقتصاد السياسي، حيث صارت السلعة وثنا متحكماً مسيطراً وليس الفن والأدب، وسيكون ماركس من أعظم الذين أدانوا وثنية السلعة وتحطيمها لإنسانية الإنسان في القرن التاسع عشر.‏

إن الكوميديا هي أعظم انجيل بروميثي ظهر في كل تاريخ الإنتاج الأدبي، ودانتي هو أعظم رسول بروميثي بين الرسل.‏

إذا كان دانتي قد اختار الممالك الأخروية وكشف أسرارها، فإن سرفانتس طاف المملكة الأرضية وقدم لوحة بما يجري عليها من دمار وتخريب للروح البروميثية، في أنجيله المتشائم الذي يذكرنا بنبوءات كاسندرا بريام، التي عرفت مصيرها ولم تهرب منه.‏

عندما طاف سرفانتس المملكة الأرضية في عصره أطلعنا على شيء جديد كل الجدة. وهذا الجديد ليس شخصية دون كيشوت بل شخصية سانشوبانزا، فهو الذي يمثل المملكة الأرضية وليس دون كيشوت الذي يجسد المثل البروميثية من شهامة وصدق وقلب أبيض خال من الغش والجشع والطمع والنميمة والحقد والحسد والكراهية... أي كان بريئاً من كل الهبات الزيوسية التي حملتها باندورا في صندوقها.‏

دون كيشوت هو الابن الشرعي للتراث الأدبي، وبالمقابل فإنه الابن غير الشرعي لعصره، وهذا شأن كل بطل أدبي، إذ سيكون مرفوضاً ومنبوذاً من أبناء عصره، ولكن ليس من كل أبناء عصره، وإنما من الزيوسيين أنصار البراغماتية والاقتصاد السياسي، أما القلة القليلة من البروميثيين الذين يتضاءل عددهم كلما استلط الاقتصاد السياسي على الحياة البشرية، فإنها ترى في دون كيشوت بطلاً بروميثياً عظيماً جداً... ولا أدل على ذلك من أن المنتجين الأدبيين بعثوه من جديد كبطل رائع. هكذا تجلى لنا في كتاب أونومونو الإسباني وفي كتاب غراهام غرين الإنكليزي في القرن العشرين، الأول قدمه في أوائل هذا القرن والثاني قدمه بعد منتصف هذا القرن، تأكيداً للصفات البطولية البروميثية التي قدمتها ريشة سيرفانتس.‏

لكن سانشوبانزا يظهر إلى جانب دون كيشوت كنقيض له وفي الوقت نفسه كمحب مخلص. وفي هذا الشيء الكثير من المغالطة الظاهرية التي سوف نفسرها على النحو التالي:‏

خرج دون كيشوت من بطون الكتب، فالكتاب هو الرحم الذي احتضنه حتى إذا حان المخاض ظهر لنا هذا الوليد مشبعاً بكل أجواء الرحم الذي جاء منه. إنه يحمل كل المثل والقيم الأدبية. سلالة دون كيشوت البشرية غير معروفة ولا يمكن لأحد أن يؤكدها. كل ما نستطيع قوله هو أنه ابن الخيال الأدبي البروميثي، وهو يصرح بذلك لتابعه مؤكداً أنه قد يكون من أسرة نبيلة ريعها السنوي خمسمئة سويلدو، وهو مبلغ تافه جداً يكاد لا يسد الحاجات الضرورية، ولكنه بالتأكيد ليس من سلالة الملوك، وبهذه الطريقة أعلن البطل انتماءه الحقيقي... أنه من الرسل البروميثيين الشجعان.‏

حياته المادية بؤس في بؤس، كأنه مثال للمنتج الأدبي، فقد كان ينفق ثلثا دخله على لحم البقر في بعض الأيام وعلى العدس في معظم الأيام، فلم يكن يأكل اللحم إلا قليلاً، فالعدس أرخص ويمكن لدخله أن يؤمنه له. الثلث الباقي كان يشتري به لباسه: سترة بسيطة وبنطلوناً رخيصاً من الشعر. هذه هي ملكية بطلنا العظيم، وهذا ما يفسر لنا إحجامه عن الثروة والمجد الزائف واندفاعه لتخليص المظلومين ولو كلفه ذلك حياته.‏

حياته المادية فقيرة جداً يقابلها غنى روحي لا حد له. أما سانشو بانزا فمن أين خرج؟ من عفن الحياة في ذلك العصر، فوالداه معروفان وأسرته معروفة، وهو مثال حقيقي لعالم ذلك العصر، فهو براغماتي شديد البراغماتية، وانتهازي شديد الانتهازية، ووصولي شديد الوصولية، يهفو إلى الثروة بجوانحه ويتمنى السلطة بشغاف قلبه، لكنه لم يكن مالكاً الوسائل التي تمكنه من ذلك... طبعاً فعصره لم يكن يخوله القيام بكامل دوره. وبمقدورك أن تعرف صفاته من الحوارات التي كان يجريها مع معلمه، فهو دائماً يدلي برأي مناقض لرأي سيده، ودائماً يكون رأيه الرأي الناجح في هذا العالم الذي يسوده الاقتصاد السياسي، ولكنه إذا قيس بالرأي الكيشوتي فإنه رأي مرفوض، فموقف كيشوت هو الموقف المثالي، الموقف الأدبي الصادر عن نقاء القلب، أما موقف تابعه فإنه موقف العارف بأسرار عالم الاقتصاد السياسي وما فيه من طمع وشهوات ذئبية، ولهذا فإن سانشوبانزا يمثل الموقف الصحيح في نظر الاقتصاد السياسي والموقف المرفوض في نظر الاقتصاد الأدبي. فأدبياً لا يستطيع كيشوت أن يتخذ الحيلة أو الخديعة أو الغش أو الطمع وسيلة لتحقيق مأربه، وإن كان يعرف سر الأشياء كلها. وفي هذه المواقف لا ينجح إلا البراغماتي، إلا سانشوبانزا الذي صار رجل أعمال في أميركا ومسؤولاً في الدول التي يطلق عليها اسم "العالم الثالث" بل حتى الموظف الصغير في هذه الدول تخلق بأخلاق سانشوبانزا البراغماتية.‏

ومع ذلك كان سانشوبانزا يحب سيده، وفي الفصل الثاني عشر من الجزء الثاني يفصح عن سبب حبه عندما يتحادث مع تابع آخر فيقول بأنه يحب سيده لأن في مقدور أي إنسان أن يقنعه أنه في منتصف النهار عندما يكون في منتصف الليل، وإنه في منتصف الليل والشمس في رائعة الظهيرة. إنه مثل الطفل يتصور أن الآخرين دائماً يقولون الصدق. وهذه أهم ميزة من الخصائل البروميثية.‏

ويعلق أونامونو على هذا الفصل مخاطباً سانشو: نسأل الله يا صديقي سانشو أن يحمينا ويبقينا دائماً أطفالاً.‏

رجل الأعمال أو المسؤول الثالثي لم يعد في هذا العصر يحب دون كيشوت كما كان يحبه سانشو. لقد تطورت الأمور وصرنا أقرب إلى الأغناروك السكندنافي، أي المعركة الفاصلة، فلا مجال للمساومة.‏

في الفصل الرابع من الجزء الأول يدور حوار بين التجار وكيشوت، فيسخر التجار من دولسينا حبيبة بطلنا التي لا وجود لها ولكنها تمثل كل ما هو رائع وجميل، تمثل الحق والخير والجمال، تمثل القيم البروميثية. ويحتج التجار بأنهم لا يستطيعون الإيمان بدولسينا لأنهم لم يروها. فيرد كيشوت على الفور بأنه لا فضل لهم أن آمنوا بها بعد أن يروها، يجب أن يؤمنوا بها من غير أن يروها. ليس هذا وحسب، بل طالبهم بالدفاع عنها والنضال من أجل سلامتها.‏

في هذا الفصل يقدم لنا سرفانتس صورة رائعة ودقيقة للواقع المتشائم الذي تفاقم في أيامنا كثيراً. فالناس لا يؤمنون إلا بكل ما هو ملموس، وبما أن القيم البروميثية غير موجودة في هذا العالم، فكيف بها يؤمنون؟ والحق معهم، بل كل الحق معهم لأنهم حالما يؤمنون بدولسينا تنهار مصالحهم وتتبخر ثرواتهم غير المشروعة. ولم يكن اختيار سرفانتس للتجار كمحاورين لكيشوت مجرد مصادفة. كان يعرف كيف يضع طرفي الحوار ليقدم الدلالة البالغة لأفكاره. فالحق والخير والجمال نؤمن بها ولا نراها، والتجار -أسياد هذا العالم- لا يتعاملون إلا مع ما يرون.‏

وباختيار طرفي الحوار استطاع سرفانتس أن يقدم لنا حصة كل طرف في الحياة، فالحظ دائماً إلى جانب الفريق الأول من الاقتصاديين السياسيين، والشجاعة دائماً إلى جانب الفريق الثاني من الاقتصاديين الأدبيين. والحظ والشجاعة لم يلتقيا في يوم من الأيام. التجار في حالة خوف دائم على ما يملكون بين أيديهم قبل الخوف على ما يملكون بين صدورهم، والبارون كيشوت في حالة مستنفرة من الشجاعة، فالرجل لا يملك ما يخاف عليه، لذلك يهفو بشجاعة إلى دولسينا الحق والخير والجمال، فلا وجود للخوف والشجاعة معاً، ولا وجود لتاجر وأديب في شخص واحد. والإيمان الوطيد بدولسينا هو الذي وجّه أعمال دون كيشوت النبيلة دائماً كما أنه هو الذي منحه شجاعة القول بثقة ان الأجيال القادمة.ستروي أعماله المجيدة . وهذا شأن كل مناضل أدبي . إنه لايُعرف تماماً إلاّ في الأجيال القادمة أما التاجر أو من شابهه، فابن يومه يموت بموته، وهو نفسه لا يفكر بالأجيال القادمة ولا يهمه إذا ذكرته أو أنكرته. همه شبيه بهم الحيوان بالعلف، لا يرى غيره ولا يفكر في أي شيء آخر من القيم التي لا يمكن وضعها بالمعلف والمذود.‏

الفشل الذي كان يمنى به كيشوت يقابله النجاح المستمر لسانشو الذي أبدى مهارة كبيرة في إدارة الأمور عندما صار حاكماً على إحدى الجزر. لقد عرضت عليه مشكلات شائكة لا يستطيع كيشوت حتى أن تخطر على باله، فحلها حلاً عملياً أدهش المختصين، فأثبت أن البراغماتي ليس بحاجة إلى ذكاء ولا إلى حساسية حتى يحل المشكلات القائمة، إنه بحاجة إلى حس خنزيري فقط، فهل هناك من عجب إذا ارتبط الفشل بالاقتصاد الأدبي، وارتبط النجاح بالاقتصاد السياسي؟ وكثيراً ما نسمع من الأوساط الشعبية قولهم: ما أذكاه، أميّ وجمع ثروة طائلة. ولو توخوا الدقة لعرفوا أنه لو كان ذكياً حقاً لما كان صاحب ثروة. الثروة لا تحتاج للثقافة، إنها تحتاج فقط لحس خنزيري. والكتب التي منها ظهر كيشوت هي التي حددت مصيره. هي التي جعلته مناضلاً فاشلاً، فابسط الأمور المادية كانت تدحره، إلا أنه كان شامخاً في إيمانه بدولسينا.‏

من هنا نعتقد أن خاتمة دون كيشوت جاءت منطقية تماماً، مثلما أن خاتمة سانشو جاءت هي الأخرى منطقية، فالأول مات وظل حياً، والثاني ظل حياً ولكنها حياة مطفأة مثل حياة الاقتصاديين السياسيين في كل العصور، لا يمدحهم أحد في حياتهم ولا يذكرهم أحد بعد وفاتهم. لقد صدق كاراسكو عندما نقش على ضريحه:‏

هنا يرقد النبيل الجبار الذي فاق حدود الشجاعة‏

حتى أن الموت لم ينتصر على حياته بالموت‏

لقد وطىء الموت بالموت فانبعث بيننا بطلاً بهياً، شأن كل بطل أدبي يبعث بعد موته في ذاكرة البشرية الأدبية.‏

لقد استشرف سرفانتس آفاق المستقبل فقدم هاتين الشخصيتين: كيشوت الهائم بالقيم البروميثية الذي مات وانبعث، وسانشو الذي ورثه كل المتهافتين على الثروة والمادة الذين لا يتركون بعد رحيلهم أي أثر يذكر. لقد مات كيشوت كما مات كثيرون غيره، لكنه وحده الذي قام من بين الأموات الذين يؤلمهم النسيان. وبعد قيامته عاش بطلاً مشرقاً في أذهاننا، بينما جعله الاقتصاديون السياسيون مثالاً سيئاً ومثاراً للسخرية، فهو المهزوم دائماً أمام المادة، ويا له من وسام عظيم، يقدمونه له وهم لا يعلمون.‏

وعندما يظهر مفكر إنساني في ميدان الاقتصاد السياسي، سرعان ما يتهمونه بالدون كيشوتية، ساخرين منه. هكذا فعلوا مع فورييه وكرون وكريج وأمثالهم ممن أكدوا أن الملكية الجشعة هي السرقة بذاتها. وصفوهم بالمثاليين بينما هم واقعيون حقيقيون، وهل هناك واقعية أكثر من إدانة السرقة؟ فالواقعية هي المذهب الإنساني المنفتح على الواقع لا لقبوله بل لرفضه. إن كيشوت واقعي كل الواقعية برفضه الأخلاق الخسيسة من جشع وطمع وحقد واستغلال واستثمار. وقد تقولون: صحيح ولكنه لم يكن يملك وسائل وطرائق لتغيير هذا الواقع ، ونحن نقول انظروا إلى كل الذين كانت في أيديهم وسائل وطرائق لتغيير الواقع المادي، ألم ينقلبوا إلى اقتصاديين سياسيين وتخلوا عن كل القيم البروميثية؟ ثم من قال ان كيشوت ليس عملياً؟ إنه العملي الوحيد الصادق، ولكن قولوا ان قوى زيوس قوية وتتعاظم بتقدم الوقت أكثر فأكثر.‏

إنهم يسخرون من فشل كيشوت العملي. ولكنهم لا يستطيعون أن يقدموا لنا اقتصادياً سياسياً واحداً يمكن اعتباره ناجحاً، لا في دنيا الرأسمالية ولا في دنيا الاشتراكية. كلهم فشلوا، وتدل على فشلهم البطالة الدائمة، سواء كانت ظاهرة أو مقنعة. إن نجاح الاقتصادي السياسي يعني تماماً تشليح الناس من ثروتهم وممتلكاتهم، واحتكار الحاجات الضرورية بغية التحكم بهم، وهذا هو الفشل في عرف الاقتصاد الأدبي. لذلك نقول أن دون كيشوت عرف السر الحقيقي، ووقف في وجوههم شامخاً.‏

إن سرفانتس يؤكد مقولة دانتي بأن كل هؤلاء الاقتصاديين مع مؤسساتهم هم أشبه بالحباحب، يلتمعون ثم ينطفئون، أما المشهورون فهم في صفوف الاقتصاديين الأدبيين الذين لا ينال الزمن منهم مهما تقادم. وقد تحول كيشوت من مستهلك أدبي ولد من بطون الكتب إلى منتج أدبي يقف وراء الكثير من المؤلفات العالمية والأفكار الإنسانية الصافية. ونحن مثل دون كيشوت: نفشل كثيراً في الأمور المادية، ولكننا لا نخطىء ولا نسقط عندما نتمسك بالقيم البروميثية.‏

قلنا ان سرفانتس قد استشرف المستقبل. وبالفعل فإن كل الإنتاج الأدبي الذي أعقب الثورة الصناعية يدور حول قطبين: كيشوت وسانشو. والمأساة دائماً من حظ الكيشوتيين، والثروة دائماً من حظ السانشيين. كل ما كتبه أعلام الكلاسية الجديدة والرومانسية والواقعية والطبيعية يدور حول هذين القطبين، رغم اختلاف التسميات. البروميثي البريء المتمسك بمناقب المحبة والتضحية والحق والعدالة والمنادي بالإخوة والعطاء، لا بالحقد والاستلاب، مهزوم دائماً، مثل دون كيشوت. والزيوسي الذي يبسط سيطرته لجمع ثروته، ويجمع ثروته لبسط سيطرته، وعلى حساب الآخرين يقيم مملكته، هو الذي لا يهزم من أمثال سانشوبانزا. وإذا نظرنا في تاريخ الاقتصاد الأدبي منذ بروميثوس وحتى اليوم لم نجد بريئاً نجح ولا خبيثاً فشل إلا في الملهاة التي تعتبر الوجه الإعلامي المباشر للقيم البروميثية.‏

قلنا من قبل ان انجيل سرفانتس كان متشائماً لأنه أبقى على سانشو ودفن كيشوت، وإن كانت ذكراه حية. وهذه النظرة تغيرت في نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فقد صار الدمار شاملاً في المذهب التعبيري، الذي لا نجد فيه بارقة أمل، فهو لا يحمل في يده وردة بل بطاقة نعي. وكل المذاهب التالية سارت في هذا المنحى، فقد صارت ترثي الإنسان نظراً لمصيره المحتوم الذي لا مفر منه، وصارت تهزأ بما يسمى "المجد" و"الخلود" وما شابه ذلك مما كنا نجد منه بصيصاً عند دانتي وسرفانتس.‏

وتفسير ذلك واضح جداً، فقد ظهرت الثورة الصناعية الأولى ثم تلتها الثورة التقنية الثانية ونحن في بداية الثورة الثالثة. وهذا يعني أنه كلما حقق الاقتصاد السياسي انتصاراً لنفسه دمر غيره وأشاع البؤس والتشاؤم والقلق النفسي والتشوهات الروحية، فالاقتصاد السياسي لا ينجح بتحقيق التوازن بل بكسره لتكون كل القوى تحت سيطرته. لقد خرق التوازن في الحياة والمجتمع والطبيعة، فأفسد كل شيء من أصغر مخلوق على الأرض حتى أجواء الفضاء، ففي كل صباح يأتي نسر زيوس لينهش كبد بروميثوس الذي صار الأدباء يعتقدون أنه لن يصمد طويلاً، فكثرت الملاحم الراثية للبشرية والكون وانتشرت النبوءات بقرب الأغناروك، المعركة التي سيخسر فيهاأودن، وأنصاره المحبون للإنسان معركتهم مع أبالسة الجحيم وأرباب الشر. إن الميثولوجيا السكندنافية التي كنا نظن أنها متشائمة لا تصلح أن تكون برنامجاً بروميثياً، انبعثت من جديد حيث ترى أن الذي يزول ليس زيوس وحده في نهاية العصر الحديدي، بل الإنسان أيضاً الذي بدأ الاقتصاد الأدبي الحديث لا يرى فيه إلا مخلوقاً لا يستحق الحياة، لما فيه من خبث ونهم وشراهة وجشع، فشل طيلة تاريخه المخزي في إقامة العلائق الأدبية اللائقة بالوجود البروميثي والتي تسهل قيام اقتصاد أدبي حقيقي.‏

لكن هذا النقد للإنسان في الأدب الحديث إنما هو من باب التأنيب لتقاعسه في دفاعه عن حريته التي من أجلها صلب بروميثوس، فهو نقد لا ينطلق مما ينطلق منه الاقتصاد السياسي الذي يرى أن وجود الإنسان يتلاشى في سبيل أقل كمية من الربح، أو أقل كمية من الثروة، فالنقد في الاقتصاد الأدبي نابع من خيبة الأمل بالإنسان، بينما مثل هذه الخيبة لا يمكن أن نجدها في الاقتصاد السياسي الذي لا يجد ملجأ له سوى الإنسان الذي لولا استغلاله واستثماره وإخضاعه لصنوف كثيرة من الغش والخداع... لما وجد أي مبرر لوجوده وأي تسويغ لاستمراره، فهو لا يعيش إلا في المياه الكدرة. الاقتصاد الأدبي يرى العلة في الرضوخ، أما الاقتصاد السياسي فيرى العلة في تمرد الإنسان على قوانين السوق.‏

عندما أعلن نيتشه بلسان نبيه زارادشت أن الإله قد مات، كان كمن يشهد بصدق نبوة بروميثوس بأن زيوس سوف يزول في العصر الحديدي. والإله الذي حل محله هو العلم والتطور المادي السريع والعاصف.‏

وعندما أعلن ميشيل فوكوه في الربع الثالث من هذا القرن عن موت الإنسان، كان كمن يوقع على وثيقة موت دون كيشوت بعد الاندحارات المتتالية التي مني بها في حياته المأساوية، فهو يشهد بصدق نبوءة سرفانتس ويسلم باندحار الإنسان ذي القيم النبيلة، بعد هذه التطورات الصاعقة التي كلما تعملقت بدا الإنسان أمامها هزيلاً حتى وصل إلى درجة الصفر وتلاشى. لقد انقلبت الآية، فما زعم الاقتصاد السياسي أنه ينتج لمصحلة الإنسان إلا زعم وأهم، فقد تبين أن الإنسان هو الذي يُضَحَّى به لمصلحة الاقتصاد السياسي. فحتى صاحب المؤسسة تتلاشى شخصيته أمام شخصية مؤسسته ويصبح وجوده المعنوي مرتبطاً بالمكانة التي تحتلها مؤسسته, فكأننا نعيش في زمن تمحي فيه الشخصية الإنسانية وتبرز فيه شخصية الاقتصاد السياسي.‏

في مسرحية ألمر رايس "الآلة الحاسبة" يبرز أمامنا بطلها "المستر صفر" كضحية للاقتصاد السياسي. وأمام الآلة الحاسبة تتلاشى كل الشخصيات وليس المستر صفر وحده. إن المستر صفر هو الإنسان، والآلة الحاسبة هي الاقتصاد السياسي الذي يؤمن أن كل شخصية إنسانية يمكن محوها بوضع رقم مقابلها: الحسناء الممنّعة لها رقم، ورجل الدولة له رقم، والفقير له رقم والأمير له رقم... أمام الأرقام تتهاوى الشخصيات، وبالأرقام تستطيع أن تغير الأشياء والبشر. والأرقام من ابتكار الاقتصاد السياسي, الذي حصر القيمة بها وروّج لها حتى دخلت الأمثال الشعبية كالمثل القائل معك قرش، تسوى قرشاً...‏

كتب رايس مسرحيته في الربع الأول من القرن العشرين، مما يدل أن الأدب لم يكن غافلاً عن جرائم الاقتصاد السياسي، لكن صياغة فوكوه لموت الإنسان كانت صياغة فلسفية لاقت رواجاً.‏

لنتأمل قليلاً في هذين الإعلانين، إعلان نيتشه بموت زيوس، وإعلان فوكوه بموت الإنسان، نجد أنهما لم يظهرا إلا في الزمن الذي استشرى فيه الاقتصاد السياسي، فإعلان نيتشه ظهر في أعقاب الثورة الصناعية الأولى، بعد أن رأى ثورة البخار والصناعة وما جرت من ويلات، فقد بات الناس مرتبطين بظروف الانتاج الجديدة، فلا وقت لديهم لذكر زيوس وإقامة الصلاة له، فقد حلت الصناعة أو الأرقام محله بل إن الأعياد التي كانت كثيرة قد تقلّصت حتى كادت تختفي، فلم يبق سوى يوم واحد هو عطلة نهاية الأسبوع يمكن أن يتنفس فيه الإنسان إن استطاع.‏

وإعلان فوكوه جاء بعد الثورة الصناعية الثانية ، نورة الكهرباء وعجائبها، ثورة الترانزستور التي جعلت من الإنسان صفراً، فجعلت وجوده ووجود الأشياء الأخرى شيئاً واحداً، لا فرق. وإذا استمر الاقتصاد السياسي في بسط سيطرته من دون أن يتأثر بالمنتجين الأدبيين، فإن الثورة الثالثة التي نحن في مطلعها سوف تتعامل مع "الأصفار" حقاً.‏

قلنا من قبل، في بحث سابق، ان السؤال المحرج للاقتصاد الأدبي هو: هل يمكن الحصول على قلب نظيف حتى نبني عليه استراتيجية مختلفة عن استراتيجية الاقتصاد السياسي؟ وقد أرجأنا الجواب إلى هذا المكان من البحث، أي أواخر القرن العشرين، بعد أن طغى الاقتصاد السياسي وصار الشغل الشاغل للبشرية، وغدا الأداة الأقوى والأصلب والأوثق لتركيع الآخرين.‏

والجواب -نظن- معروف، إذ أن الاقتصاد السياسي أخضع كل شيء لهيمنته وجعل القرار الحاسم بيده، فقد انتزع من الأدب أهم فروعه وأخضعها لقوانينه، كالموسيقى والرسم والغناء والنحت والرياضة، وسوف أكتفي بمثال بسيط من الرياضة فقط للتدليل على ذلك، فهو من الأمثلة الواضحة والشعبية.‏

حظيت الألعاب الرياضية بسمعة طيبة قديماً، فهي ترجع إلى القرن السادس قبل الميلاد في اليونان، التي استفادت من الألعاب الشرقية كثيراً. ولكن لم يكن مسموحاً أن تبدأ الألعاب قبل المباريات الأدبية التي يتوج فيها الفائزون كأبطال عظماء. وقد ألغت المسيحية هذه الألعاب في أواخر القرن الرابع الميلادي، ثم أعيدت بعد نضال بيير دي كوبرنان 1896 ولكن بطريقة أخرى، إذ لم تعد تقتضي إجراء مباريات أدبية قبل بدايتها. ومع الأيام تطورت كل صنوف الرياضة واتسعت، فانتبه لها الاقتصاد السياسي وأسرع لبسط سيطرته واستغلالها مثلما يستغل أي سلعة، بتحويلها إلى أرقام، فقد صار اللاعب يباع ويشرى وفقاً لمهارته، فكأنه آلة حديثة تقدم إنتاجاً أوفر للاقتصاد السياسي. وظهرت مؤسسات مختصة تتعهد المباريات الرياضية، بل إن دولة عظمى هي الولايات المتحدة أدخلت لعبة كرة القدم لما تدر من أرباح، وكانت لعبة مهجورة لا يتعاطاها أحد في تلك البلاد، فانتشرت النوادي وكثر المتعهدون بعد المونديال الكروي في عام 1994 الذي درّ أرباحاً أطارت صواب رجال الأعمال وكل الاقتصاديين السياسيين.‏

هذا مثال واضح أن الاقتصاد السياسي قد حسم المعركة لصالحه، بل مد يده إلى السلعة الأدبية ليحولها إلى سلعة اقتصادية، فأي كتاب يحظى بأبسط جائزة يدفع الاقتصاد السياسي لصاحبه مبلغاً كبيراً ليجني من ورائه أرباحاً هائلة. وقد ظهر اليوم ما يسمى "البست سلو". نعم هكذا صار يقدر الكتاب، بالأرقام، كسلعة اقتصادية محضة، فتصدر منه نسخة فخمة ونسخة متوسطة ونسخة شعبية، مثل بقية السلع، إلى جانب الكثير من الأحابيل التي يلجأ إليها الاقتصاد السياسي، ومنها استخدامه للأدب في وسائل الإعلام للدعايات التجارية، التي سرعان ما يتلقفها الأطفال الذين صاروا حفظة حقيقيين لأغاني الدعايات بدلاً من الشعر الأدبي الراقي. ووسائل الإعلام هي جزء من الاقتصاد السياسي، بل هي اليوم الجزء الأهم. وهي تريد جرّ الأدب إلى عجلة هذا الاقتصاد، فالمسلسلات التلفزيونية هي الوجه الجديد لمنحى الأدب الروائي. وقاعدة "البست سلو" هي القاعدة المعتمدة في هذا الأدب الجديد. إن كل ما يجري يقع في قبضة رجل الأعمال الجديد سانشو بانزا الذي فقد براءته وبساطته وعفويته، وصار "رجل أرقام"، فحتى السلطة التي لا يرغب في إدارتها، أو لا يجيد إدارتها، يستطيع أن يرفع إليها رجل السياسة، وما الاقتصاد السياسي سوى اجتماع هذين الرجلين، رجل الاقتصاد ورجل السياسة. أما رجل الأدب فما أشبهه بدون كيشوت الذي أكرمه الدوق، وعندما دخل مخدعه المخصص له في القلعة، خلع نعليه ونظر إلى جوربيه فرآهما متآكلين. يحزن كثيراً، ومع ذلك يرفض أي مبلغ يقدمه الدوق له. يرهن حوائجه بمبلغ زهيد ليتابع رسالته. إن رجل الأدب في هذه الأيام لا يتوانى عن رهن مصاغ زوجته أو أمه أو أخته ليطبع ديواناً يحمل رسالته الكيشوتية إلى العالم الذي -وقد هيمن عليه الاقتصاد السياسي- لن يرى في هذه الرسالة إلا ما رآه الدوق واتباعه في رسالة دون كيشوت... رسالة هواء في هواء، لا تنتج ولا تثمر، وأنّى لها ذلك وهي لا تتعامل بالأرقام... و...‏

هذه الرسالة صارت تقسو على الإنسان في هذه الأيام وتبين، ليس عيوبه فقط، وإنما أيضاً عدم جدارته بالوجود. فهو متطفل باقتصاده السياسي على كل شيء، ومنذ صندوق باندورا وحتى هذه الأيام لم يفلح في إقامة النظام الذي يستريح فيه، النظام الذي يخلق شيئاً من التوازن بينه وبين نفسه، وبينه وبين الطبيعة. إن الأدب الحديث يفضح باستمرار غرور الإنسيان وتوهّمه إنه مركز الكون، وإن كل شيء سوف يزول بزواله، مع أن زواله لن يغير شيئاً لا في نظام الكون ولا في نظام الطبيعة، بل إن الطبيعة سوف تفرح وتبتهج إذا تخلصت من هذا المخلوق المدمر الذي يلوث كل ما تطاله يده، فمخلوقات الأرض انقرضت أو في سبيل الانقراض بسببه، والجو الذي كان صافياً يمنح الحياة للمخلوقات صار دخاناً خانقاً.‏

إن الأدب الحديث صار أقرب إلى نعوة سوداء تعلن موت هذا المخلوق الذي لم يدفن بعد. ونجد ذلك واضحاً في أدب جويس وبيكيت وكامو ويونسكو وادوارد ألبي وديرنمات وجورج شحادة وأداموف... وكثير غيرهم، فقد غدت النعوة تياراً أدبياً في هذا القرن.‏

إن الإنسان هو الوحيد الذي لا يحتاج لمن يحفر له قبره، إنه بيديه يحفر هذا القبر وحين ينتهي منه سوف يدفن، ولكن من دون مراسم ومن دون رفع صلوات توبة ولا ابتهالات رحمة، لأنه لن يجد من يقوم بذلك، بل ربما كان هناك من يزغرد لمغادرة هذا الأحمق إلى... العالم الآخر... لن يكون هناك من يبكي عليه أو يحزن لموته.‏

مهما كان الأمر في هذه النعوة فقد ظل الأدب الحديث محافظاً على التقاليد الأدبية فلم يقبل بمفرزات الاقتصاد السياسي. ظلت أبطاله الينابيع والأشجار والجبال والوديان وعاشق ومعشوقة.. لم يجعل الصاروخ أو الدبابة أو الطائرة أو البندقية أو المشغل أو المصنع أو المؤسسة...أبطالاً له بل جعلهم هدف تصويب ورماية، ومثار سخرية مريرة. وما انتشر في الأرض مما كان في صندوق باندورا كان ومايزال مرفوضاً من الأدب.‏

ومع كل هذه الإدانة للإنسان، يظل الاقتصاد الأدبي الطريق الوحيد للخلاص. فبهذا الاقتصاد وحده ينهض القلب البشري ويتمسك بالقيم البروميثية ويوقف الموت البطيء الذي بات سريعاً هذه الأيام، بفضل الاقتصاد السياسي الحديث، بل يعيد للإنسان نضارته ويخلصه مما على جسده من دروع وما حوله من كتل الحديد، ويقيم علاقات سليمة بإعادة كل ما انطلق من صندوق باندورا إلى عتمة هذا الصندوق.‏

الاقتصاد الأدبي هو ابن الحب والمودة والصدق والمسامحة والتعاون، والاقتصاد السياسي هو ابن الملكية التي لا تعرف قناعة ولا تقف عند حد، إنه ابن الحقد والشراهة والذكاء الشيطاني.‏

وحتى ينهض الاقتصاد الأدبي يحتاج إلى حركة نقدية متينة تضع أمامها استراتيجية إنقاذ الإنسان وتخليصه من حماقته ووقف اندفاعه نحو الهوة المظلمة، وهي الاقتصاد السياسي.‏

مايزال النقد للأسف يبحث عن تركيب جملة ورهافة كلمة وإشراقة ديباجة في ثرثرة لا تنتهي.‏

على النقد أن يضع برنامجاً استراتيجياً لانقاذ هذا المخلوق الأحمق الذي بالاقتصاد السياسي يحفر مقبرة للأحياء.‏

وبما أن الكبار قد أفسدهم الاقتصاد السياسي فعلى النقد أن يوجه الاقتصاد الأدبي لخدمة الصغار والأطفال... فعلّ وعسى.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244