فصول في علم الاقتصاد الأدبي فصول مختارة من رؤى كاسندرا بريام - حنا عبود

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:21 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل السادس : القانون الأساسي للاقتصاد الأدبي

لا شك أن الماركسية ثورة في التفكير. وثورة اكتوبر لا تمثل الماركسية بالإجماع ولا بالأكثرية، فمنذ قيامها حذّر بليخانوف من أنها طفل خديج، ومن بعده كتب كاوتسكي مؤلفاً خاصاً عن الثورة تحدث فيه عن مستقبل هذه الثورة التي لا تمثل الماركسية في رأيه. والغريب أن هذا الكاتب، الذي وصفه لينين بالمرتد، رسم معالم انحراف الثورة منذ بدايتها وحدّد بدقة غريبة معالم انهيارها، وتحققت نبوءته بعد ربع قرن من وفاته تقريباً. إلا أن الماركسية كثورة فكرية ماتزال فعّالة في الأوساط الثقافية العالمية. ومن أبرز ما قدمته الماركسية وكان له تأثير في الدراسات النفسية والأدبية واللغوية قولها ان المجتمع يتألف من بنيتين: أساسية وثانوية أو تحتية وفوقية أو مادية ومعنوية. وقد استفاد المفكرون والباحثون من هذه الأطروحة كثيراً، وبالأخص المفكرون الفرنسيون. إن دراسات لوسيان غولدمان، الذي أنتج كتبه في فرانسا، تقوم كلها على هذه الأطروحة. ودراسته لأدب القرن السابع عشر، أدب البورتروياليين هي تطبيق دقيق لهذه المقولة، إذْ درس البنية التحتية وأبرز قانونها الأساسي ثم انتقل إلى أن هذه البنية هي التي أنتجت أدب البورتروياليين الذين شعروا أنهم أقصوا عن الفعالية الإنتاجية.

إذن كل بنية فوقية تتبع البنية التحتية وتتفاعل معها تأثراً وتأثيراً. والتغيير الذي يحدث في البنية التحتية لابد أن يجري التعبير عنه في البنية الفوقية من حقوق وآداب وتشريع وسياسة. وقد وضع ماركس وانجلز في البيان الشيوعي المعالم الأولى للتشكيلات الاقتصادية التاريخية التي توسع في دراستها الماركسيون في النصف الثاني من القرن العشرين. وحتى لا نطيل على القاريء بمعلومات باتت معروفة نوجز فنقول ان التاريخ عرف خمس تشكيلات اقتصادية، كل تشكيلة في وقتها تشكل البنية التحتية التي تستوجب قيام بنية فوقية خاصة بها. وهذه التشكيلات هي المشاعية فالعبودية فالإقطاعية فالرأسمالية فالإشتراكية.

كل تشكيلة من هذه التشكيلات لها قوانينها الخاصة. لكن هذه القوانين كلها تنبثق من قانون اقتصادي واحد يقال له القانون الأساسي. فالقانون الأساسي للمشاعية هو جني الثمار وما يترتب عليه من قوانين المبادلة وغيرها. والعبودية قائمة على قانون امتلاك أكبر ما يمكن من العبيد لأنهم يشكلون الثروة الأساسية في تلك الأيام. أما القانون الأساسي للإقطاعية فهو استثمار الأرض بحيث يكون العائد بيد الإقطاعيين الذين يمثلون النسبة الضئيلة من مجموع المواطنين أو السكان. والقانون الأساسي للرأسمالية هو تحقيق أقصى درجة من الربح بينما القانون الاقتصادي الأساسي للاشتراكية هو تأمين أقصى درجة من الرفاهية المادية والثقافية، أي تلبية حاجات الجماهير الواسعة، المادية والمعنوية.

عندما يتغير القانون الأساسي للتشكيلة التارخية فإن البنية الفوقية تتغير. وحتى لا نذكر كل عناصر البنية الفوقية فإننا نكتفي بالأدب، الذي من المحتم أن يتغير، إذا اعتبرناه بنية فوقية تابعة للبنية التحتية، وعنصراً مرتبطاً بالقانون الاقتصادي الأساسي للتشكيلة التاريخية. إلا أن الماركسية أشارت، ببراعة ودقة إلى أن البنية الفوقية لا تنزاح آلياً بانزياح البنية التحتية, فقد تمارس تأثيرها فترة من الزمن وهذه الظاهرة أطلقوا عليها اسم "الانخلاع". والانخلاع لا يكون إلا في البنية الفوقية. فإذا وجدنا أدباً إقطاعياً في التشكيلة الرأسمالية فإن ذلك يعني أن الأدب الإقطاعي انخلع عن ظروفه واستمر في التشكيلة الجديدة، إلا أن استمراره ليس أبدياً، بل سرعان ما يفقد تأثيره في الناس ويأخذ بالتلاشي.

يعتبر الفصل الثالث من البيان الشيوعي فاتحة الدراسات الأدبية التي ظلت تنظر إلى الأدب على أنه بنية فوقية تابعة، من ماركس وأنجلز وحتى لوسيان غولدمان. فالأدب في هذه النظرة يعامل كما يعامل التشريع والحقوق والدساتير التي لا يمكن أن تسبق التطورات الاقتصادية والعلمية. فنحن لا يمكن أن نضع قانون سير للأوتوموبيل في العصر الذي لا نستخدم فيه إلا عربات الجر والنقل. وهذه النظرة قائمة على التقدم المطرد مهما كانت الانتكاسات. بمعنى أن كل تشكيلة اقتصادية جديدة هي أفضل من التشكيلة القديمة. وقانونها الأساسي أفضل من القوانين السابقة عليه. ليس هذا وحسب، بل إن أي تشكيلة اقتصادية إنما هي تشكيلة تاريخية، بمعنى أنها ضرورية للتشكيلة التي تليها والتي تكون بذورها مزروعة في قلب التشكيلة السابقة. وهذا ما أطلقوا عليه اسم "الحتمية التاريخية" أو المادية التاريخية. أي أن الانتاج المادي هو إنتاج تاريخي يخرج عن الإرادة البشرية ويصبح ذا خط تطوري خاص. إن الراسمالي ينتج، ولكنه لا يعرف أن هذا الإنتاج سوف يؤدي إلى مرحلة جديدة.

هذه المعلومات المعروفة عرضناها بإيجاز كتمهيد للانتقال إلى البحث عن القانون الأساسي الذي يرتبط به الأدب، أو القانون الأساسي للاقتصاد الأدبي،وفق نظرة جديدة ووقائع تارخية جديدة.

ظلت الماركسية تنظر إلى الأدب كما تنظر إلى الحقوق والسياسة والدين والفلسفة... كأنه تشريع من التشريعات أو فلسفة من الفلسفات، مع أنه لا من هنا ولا من هناك. وفي المناقشة الواسعة التي دارت عام 1950 في الاتحاد السوفياتي رفضت النظرة التي تجعل اللغة بناء فوقياً وقد حسم ستالين هذه المسألة في كتابه "الماركسية ومسائل علم اللغة" وقد ترجمنا الكتاب كاملاً. وإذا كانت اللغة ليست بناء فوقياً، فإن الأدب بناء فوقي تابع للبناء التحتي ويزول بزواله... كما أكدت المناقشة. يمكن الحديث عن لهجة أو أسلوب طبقي في اللغة ولكن لا يمكن القول أن اللغة طبقية، أو يمكن أن تكون ثمة لغة طبقية. اللغة تراث مشترك تسهم فيه جميع الطبقات. أما الأدب فهو دائماً طبقي. ولا يمكن أن يتصوروا أدباً خارج إطار الطبقة. فالأدب ليس مشتركاً، إذ لكل طبقة أدبها وأدباؤها، تماماً مثلما أن لكل تشكيلة اقتصادية أدبها. بل إن الأدب كالسياسة يعبر ليس فقط عن الطبقة، بل عن تضاريسها الفئوية أيضاً. وبما أننا نرى الأدب رؤية خاصة تنأى به عن التبعية لأي تشكيلة اقتصادية تاريخية، وبالتالي لأي طبقة، فلا بد من شرح هذه الرؤية عن طريق بسط النقاط المفصلية الأساسية التالية:

1- لا نظن أن الأدب يسير وفق هذه التبعية للبناء التحتي. إنه لا يختلف عن اللغة في هذه الناحية. إن كلمات من أمثال: القنبلة النووية والصاروخ الموجه والنفاثة والدبابة وحرب الفضاء.. هي كلمات حديثة جداً لا نطمع أن نجدها في أي تشكيلة اقتصادية سابقة. فمن المحال أن ينطق بأي كلمة من هذه الكلمات شخص يعيش في أي تشكيلة من التشكيلات السابقة على الرأسمالية. وهناك مفردات لغوية بعضها انتهى وبعضها على وشك الانتهاء وصلتنا من التشكيلات الاقتصادية السابقة مثل المجرفة والمعول والمحراث... بل حتى كلمة الحصان بدأت تخف من التداول اللغوي. وعندنا اليوم من النادر أن تقرأ كلمة "جمل" في نص حديث. إن اللغة تتلون بألوان التشكيلة الاقتصادية التاريخية. هذا أمر ظاهر ومؤكد. لكن ذلك لا يعني أبداً أن اللغة بناء فوقي تابع لبناء تحتي، وللا يجرؤ أحد أن يؤكد ذلك أو أن يثبته ولو توافرت له عشرات البراهين بأن مفردات الرأسمالية تختلف عن الإقطاعية، ومفردات الإقطاعية تختلف عن العبودية... وهكذا إن مثل هذه التلاوين لا تعني أن اللغة فقدت استقلالها عن البناء التحتي.

ونحن نرى أن الأدب في هذه الناحية يشبه اللغة، فهو لا بد من أن يتأثر بالبيئة الاجتماعية الطارئة أو السابقة، ولابد من أن تدخل عليه مفردات جديدة من التشكيلة الجديدة. لكن ذلك لم ولن يؤثر على وظيفته، على قانونه الخاص كما سوف نرى. ومثل هذه المفردات هي التي خدعت بعض الباحثين فجعلوا الأدب تابعاً للبناء التحتي. لا شك أن مفردات العصر الجاهلي، حيث اللات والعزى والانتقال عن الديار التي تحولت إلى آثار دوارس، تبرز في نصوصه الأدبية. فالشاعر الذي يقول:

 

ودار لها بالرقمتين كأنها

 

مراجع وشم في نواشر معصم

بها العين والأرام يمشين خلفة

 

وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم

وقفت بها من بعد عشرين حجة

 

فلأيا عرفت الدار بعد توهمِ

أثافي سعفاً في معرس مرجل

 

ونؤيا كخذم الحوض لم يتثلم

هو شاعر لا يمتّ إلى تشكيلتنا ومفرداتها بصلة. ولا شك أن مفرداتنا لم تكن تخطر على بال ابن أبي سلمى ولا على بال غيره. ومع ذلك لا نستطيع الزعم أن الأدب بناء فوقي تابع لبناء تحتي، إلا بمقدار ما نستطيع الزعم أن اللغة بناء فوقي يخضع لتغيرات التشكيلة الاقتصادية التاريخية، لأنه يخضع لقانونه الخاص الذي لم يتغير منذ ظهوره وحتى اليوم، والذي نظن أنه لن يتغير.

2- لو كان الأدب بناء فوقياً لكان لكل تشكيلة أدبها. وما وصلنا من أدب يرجع إلى آلاف السنين قبل الميلاد. ومن الآثار الأدبية التي وصلتنا كاملة تقريباً ملحمة كلكاميش وقصة سنوحي وألواح أوغاريت التي دوّنت عليها قصائد ومقطوعات شعرية ونوتات موسيقية. ولو سرنا بالتسلسل حتى هذه الأيام لصرنا أمام كمية هائلة من الأدب المنشور فهل نستطيع تصنيف هذه "الأبنية الفوقية" وفقاً للتشكيلات الخمس؟ ترى ما الفرق بين قصائد أوغاريت وغزل نزار القباني؟ ولو استمعنا إلى الموسيقى الأوغاريتية التي باتت معروفة وفي متناول اليد، من دون أن نعرف إلى أي زمن ترجع، ولا نعرف اسم المدينة التي أنتجتها، فهل نستطيع إرجاعها إلى التشكيلة الاقتصادية التي أفرزتها أو أوحت بها؟

بالطبع لا نقصد أن التشكيلة لا تترك بصماتها في الأثر الأدبي. فقد سبق أن أشرنا إلى أن اللغة ذاتها، والتي تعتبر مستقلة عن البناء التحتي تتأثر بالتشكيلات الاقتصادية التاريخية. وكل ما نستطيع قوله هو أن الأدب يظل واحداً من حيث عمومية التجربة الإنسانية، لكنه يتأثر بالمرحلة أو الظرف أو البيئة من حيث أدوات التعبير فقط. فعندما يكون السيف رمزاً للسلطة فإنه لا يختلف عن الصاروخ من الناحية الأدبية. وقبل السيف والصاروخ كانت العصا التي استخدمها أصحاب السلطة من الشامان إلى الحكيم إلى الخطيب إلى الراعي إلى الملك. ولا يزال بعض الملوك اليوم يمسكون بالصولجان رمزاً للسلطة والسيادة، بل إن بعض قادة الجيش في هذا العصر عندما ينالون مرتبة رفيعة في السلك العسكري يتأبطون صولجاناً من نوع خاص للتدليل على مكانتهم السلطوية.

وعلى هذا فإن في مقدورنا القول ان عمومية التجربة الإنسانية هي التي تبقى في الأدب، بمعنى أن الهدف النهائي للأدب لا يتغير. إنه هو ذاته منذ أقدم العصور وحتى اليوم. بيد أن المهمات الآنية هي وحدها التي تتغير. اليوم لا ينتج الأدب ذلك الشعر المرتبط بالعمل. قديماً كانت هناك أناشيد لصيادي البر وراكبي البحر. كانت هناك أغاني الكروم التي كانت تننشد يوم كان أهالي القرية، ولعهد قريب، يذهبون جماعات جماعات إلى الكرم فيبدأ أحدهم أو إحداهن بلازمة الأغنية ثم يكون الترداد الجماعي والتناوب الافرادي حتى ينتهي قطاف الكرم، فينتقلون إلى الكرم المجاور... ومثل ذلك يحدث في الحصاد والدراسة وعصر العنب وفرط حبات الذرة، وفي معاصر الزيتون التي كانت مقامة بعيداً عن القرية... فشعر العمل انتهى على أثر التطورات الحديثة. وكل أدب مرتبط بظاهرة من الظاهرات الخاصة بهذه التشكيلة أو تلك يذهب بذهابها، ولا نعود ننظر إليه إلا نظرة حنين، نحبه ولا نستطيع إنتاجه.

ولكن رغم كل ذلك فإن من الصعب أن نجعل ثمة تشكيلات أدبية فوقية تتطابق مع التشكيلات الاقتصادية التحتية. إن هذا ممكن في البنى الفوقية الأخرى مثل السياسة والحقوق والتشريع... أما الأدب فإن له مساراً خاصاً وإن كان لا يستطيع تجاهل البنية التحتية، بل إنه مصطر للتعامل معها ولكن ضمن قانونه الخاص.

3- ومع ذلك لابد من الاعتراف بأن ثمة أدباً يسير في ركاب السلطة القديمة أو الحديثة. أي يسير مع البنية الفوقية السياسية التي أفرزتها التشكيلة الاقتصادية. في هذا الأدب نجد صورة صادقة -أو مزيفة- للمرحلة التي تم فيها إنتاج الأدب. فهو لا يعكس المعالم الكبرى للتشكيلة الاقتصادية وحسب، بل إنه يعكس أيضاً بعض السيرورة الذاتية للسلطة القائمة. ومثل هذا الأدب يصفيه الزمن، فلا يبقى منه إلا ما اتصل بعمومية التجربة الإنسانية فقط. بل نذهب أبعد من هذا ونزعم أنه حتى الشعر الذاتي يسقط إن لم يراع المشترك الإنساني.

ولكن كما نجد أدباً يرتبط بالبناء السياسي الفوقي ويغدو له بوقاً، نجد أدباً رافضاً لهذا البناء وبالتالي يعلن غضبه وقلقه من الظروف التي يجد نفسه فيها. فأي الأدبين يجب أن نعتمد، وهما أدبان يقفان على طرفي نقيض؟

هنا يأتي دور القانون الخاص بالأدب... الهدف الرئيسي الذي يجب أن يتجه إليه الأدب. فإذا اتفقنا على هذا القانون، أو الهدف الأكبر، أو المهمة الأسمى، بات من السهل معرفة الصدق في هذا الفن الذي نسميه الأدب، إذ في كل مرحلة وفي كل ظرف... باختصار في كل حين كان هناك أدب متذمر، عميق وله مأرب ينأى به عن الذاتية أو عن التبعية للسلطة السياسية. وحتى في الحكم السوفياتي نشأ أدب معارض، من تامزدات وسامزدات، بعضه نافل وبعضه يستهدف المهمة الكبرى للأدب فعلاً. ولو كان الأدب صقل عبارة وتوفير جرس وتوزيع إيقاع وغير ذلك من الطلاء الخارجي لكان هذا مثل ذاك. وعندما نمسك بالقانون الخاص بالأدب، يغدو في مقدورنا تحديد موقع كل من الأدبين: أيهما الأساسي وأيهما السطحي العابر. أيهما الذي تجاوز الزمن واخترق خصوصية التجربة وايهما الذي سار كالأعمى لا تهديه إلا عصاه. ومن دون هذا التفريق من الصعب الوصول إلى توصيف صحيح أو تشخيص دقيق للأدب. وعندما يتبين لنا هذا، يمكن أن نقرر فيما إذا كان الأدب متاثراً فقط ببعض مفرزات التشكيلة أم إنه لصيق بها تماماً كالسلطة السياسية سواء بسواء.

ويكفي أن نقدم مثالاً لإيضاح ما نعنيه، بعيداً عن السياسة وكل البناء الفوقي. هذا المثال من أبي فراس الحمداني ويشمل قصيدتين: الأولى أرجوزته في الطرد، والثانية من رومياته. قال في الأولى:

 

دعوت بالصقّار ذات يومِ

 

عند انتباهي من نومي

قلت له اختر سبعة كبارا

 

كل نجيب يرد الغبارا

واجعل كلاب الصيد نوبتين

 

ترسل فيها اثنين بعد اثنين

ولا تؤخر أكلب العراض

 

فهن حتف للظباء العراض

أما الثانية فليخترها القاريء من رومياته. وهو لا يحتاج إلى الاختيار لأن أي قصيدة من الروميات تفي بالغرض:

 

أراك عصي الدمع شيمتك الصبر

 

أما للهوى نهي عليك ولا أمر؟

فلا يعقل أن ندخل الأولى في باب الأدب ونعتمدها نموذجاً. عندئذ لا يكون للثانية أي مكانة. إن الأمور لا تستقيم إلا إذا طرحنا ذلك الركام الهائل المرهق الذي قد يعتبره بعضهم أدباً. وما لم نقم بتحديد الماهية الأدبية فإننا أعجز من أن نجري حواراً أو مساجلة أو بحثاً حول الأدب. فإذا اعتمدنا "أراك عصي الدمع" أدباً سقطت الطردية، وأمكننا القول ان علاقة الأدب بالبنية التحتية هي علاقة الكل بالجزء. الكل هو الأدب والجزء هو البنية التحتية. إن هذه البنية قد تقدم بعض أدوات التعبير ليس إلا. ومثل هذه الأدوات قد تختلف من زمن إلى زمن أما عمومية التجربة فلا علاقة لها بالبنية التحتية.

4- من باب آخر لا نستطيع أن نوفـّـق بين المذاهب الأدبية وبين البنية التحتية من تشكيلات اقتصادية متتالية تاريخياً. لقد أطلقنا على الأدب اليوناني لقب الأدب الكلاسي، وقلنا انه نتاج المجتمع العبودي... لابأس ولكن لم تقم مدرسة أدبية قبل القرن السابع عشر حيث قامت مدرسة الكلاسية الجديدة، وهي في حقيقتها عودة إلى اليونان. وبعد ذلك أيضاً لا وجود لمدرسة أدبية قبل نشوب الثورة الفرنسية. تشكيلات تاريخية تمتد مئات السنين، ومع ذلك لا وجود لأي مدرسة أدبية إلا في العصر الحديث. نحن الذين حاولنا أن نجعل الأدب اليوناني مدرسة بالإكراه، وكذلك الكلاسية الجديدة في القرن السابع عشر، لكن الحقيقة أنه لا وجود لمدارس أدبية قبل الهزّة المريعة التي أحدثتها الثورة الفرنسية، فبعدها انطلقت الرومانسية والطبيعية والواقعية والتعبيرية والانطباعية والدادائية والسيريالية والمستقبلية والرمزية... دفعة واحدة تقريباً. إنها جميعاً من إنتاج القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. إن هذا يدعو إلى التساؤل حقاً. إن كل التشكيلات التاريخية السابقة لم تنتج مدرسة متماسكة. فجأة ظهرت كل المدارس، وفجأة انتهت كل المدارس. ففي هذه الأيام لا نستطيع القول أن هناك مدرسة متميزة في الأدب، لا عندنا ولا عند غيرنا.

هل نزعم أن التجمع البشري في التشكيلات القديمة كان واهياً نظراً لضعف وسائل الإعلام، لذلك عجز عن تقديم مدرسة أو مدارس أدبية؟ ولكن من يجرؤ أن يزعم ذلك؟.. إذن يصطدم بسؤال أخطر وهو كيف نفسر أنه في عصر وسائل الإعلام الضخمة لا وجود لمدارس متميزة؟

لم يبق سوى مخرج واحد أمامنا وهو مسألة الكمية، أي يجب أن تكون وسائل الإعلام شبيهة بما كانت عليه في القرن التاسع عشر: صحيفة، مقهى كتاب منتدى صالون، معرض... فإن نقصت عن ذلك أو زادت على ذلك لم يعد من الممكن الحصول على مدرسة متميزة.

يا لها من حجة مضحكة. إذن للحصول على مدارس أدبية.،وعلى تفعيل الاقتصاد الأدبي علينا تصنيع ظروف أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وقد يقتضي الأمر إحداث ثورات كثورات 1848 أو إشعال حرب عالمية شبيهة بالحرب العالمية الأولى حتى نحصل على اقتصاد أدبي فعال.

بعد المدارس التي أتينا على ذكرها لم يظهر سوى مذهب واحد هو الوجودية. إنه المذهب الذي قدم إنتاجاً أدبياً متماسكاً وذا شخصية بارزة. أما المذاهب الأخرى من بنيوية ولسانية ونفسانية... فإنها مذاهب نقدية فقط. إنها مذاهب ممهورة بالنزعة التحليلية التي جاء بها القرن العشرون. همها تحليل الظاهرة والغوص حتى أدق أجزائها. أما من حيث الإنتاج الأدبي فمن المتعذر العثور على مذهب ادبي واضح.

على أن التسليم بفرضية حشر الأدب في البنية الفوقية وجعله تابعاً للبنية التحتية يجب أن يقدم دليله من الأدب الفولكلوري الحقيقي. إن أي شعر أو طقس فولكلوري لا يمكن أن نربطه بهذه التشكيلة أو تلك. إن الأشعار ذاتها تتكرر في كل التشكيلات، بل إن الدبكات والرقصات هي هي كما كانت قبل آلاف السنين. وإن كل ما فعلناه في العصر الحديث أننا "طورنا" هذا الفولكلور. وتطويرنا مقتصر على إضافة بعض الحركات الجسدية على الإيقاعات الفولكلورية فقط. بعض الرقصات التي دخلت بلاطات القرن التاسع عشر معدلة عن رقصات فولكلورية قديمة جداً. أما الأشعار الفولكلورية فظلت كما هي، سوى أننا رحنا نؤلف كلمات جديدة على الألحان القديمة، وفي كثير من الأحيان نسرق من الفولكلور من دون أن ندع أحداً يرانا.

فالأوْلى بالتشكيلة الاقتصادية أن تؤثر بالفولكلور، من أن تؤثر في الأدب الرسمي. ونحن لا نجد شيئاً من هذا التأثير إلا القليل الذي أشرنا إليه. وهو لا يكاد يذكر أمام التيار العام للأدب.

5- قلنا من قبل ان لكل تشكيلة اقتصادية قانونها الخاص ففي المشاعية كان القانون هو "الاعتماد على وفرة النتاج الذي تقدمه الطبيعة" وفي العبودية تصدرت الحرب، فكانت المصدر الأكبر للثروة. وكان غنى الأشخاص يقاس بما يملكون من عبيد. وفي الإقطاعية يبرز قانون الريع العقاري العائد لبعض الأسر. وفي الرأسمالية يبرز قانون السوق وتحقيق الربح الأكبر في الزمن الأقصر. أما الإشتراكية فقد تركنا قانونها جانباً لأن القائمين عليها هم أنفسهم القائمون على الأنظمة الحالية مما يدل أن هذا القانون لم يعرف النور، ولو... لكان الأمر مختلفاً.

ما علاقة الأدب بهذه القوانين؟ لا شيء. إن الأدب الذي قدمته المشاعية يقوم، افتراضاً، على تقديس الطبيعة... لابأس. ولكن حتى اليوم لم يغير الأدب ديدنه. فهل نقول اننا اليوم نكتب أدباً تابعاً لبناء تحتي مشاعي؟

لسنا بصدد مساجلة لإثبات استقلالية الأدب. يكفي أن نثبت أن للأدب قانوناً خاصاً حتى نبلغ مرامنا. ويمكن اختصار القانون الاقتصادي للأدب على النحو التالي: خلق التوازن لتمكين الإنسان من الاستمرارية في الكون والحياة. هذا هو القانون الذي يتحكم بالاقتصاد الأدبي. إنه قانون لا يتغير. ولذلك وفقاً لهذا القانون وقف الأدب ضد الحروب والتسلط الإقطاعي والاستغلال الرأسمالي. إن الاقتصاد الأدبي مستقل عن أي تشكيلة كل الاستقلال. إنه ليس نتاجها، بل نقيضها بحكمقانونه الذي لم يتغير. فالدعوة إلى التحرر وإطلاق الطاقات وتوفير الظروف للإبداع البشري هي الدعوة الحالية للأدب، تماماً مثلما كانت الدعوة القديمة للأدب منذ آلاف السنين.. من كلكاميش وحتى آخر قصيدة في عصر حرب النجوم. قانون واحد لم ولن يتغير. إنه القانون الأساسي للأدب. ثابت وطيد لأنه ليس ناجماً عن تشكيلة اقتصادية عابرة، مهما عمّرت. إن السكندنافي الذي يقال إنه يتمتع اليوم بالحرية أكثر من أي مخلوق بشري، ينشد الحرية بحماسة لا تقل عن حماسة سبارتاكوس عندما وقع في الأسر وهو يقاتل في تراقيا. ومن هنا شددنا ونشدد على إنسانية الأدب واستقلاليته.

يؤكد فرويد في كل كتبه تقريباً أن صدمة الولادة ليست الصدمة الأولى للإنسان وحسب، بل إنها الصدمة الكبرى أيضاً. إن الإنسان يحيا في الرحم حياة الحرية والطمأنينة بعيداً عن الشقاء والبؤس المنتظر خارج الرحم. فالإنسان يحمل حنيناً بيولوجياً لحياة الرحم، ويشعر بنفور شديد من الحياة خارج الرحم لا تؤثر فيه ولا تغير من موقفه المتمسك بتلك الحياة التي حرم منها. إنه لا ينسى قانونه. ولن ينساه ما لم يصبح الخارج رحماً أو شبيهاً بالرحم. عندئذ فقط ينسى الإنسان قانونه، وكذلك الأدب الذي لن يتخلى عن قانونه إلا بإقامة الحياة الرحمية. إن كل أدب هو دعوة لاستعادة هذه الحياة المفقودة، والتي يبدو أنها لن تعود... ولن يتغير قانون الأدب.

من هذه الناحية، أو من مطلب استعادة الحياة المفقودة، فإن كل إنسان شاعر وأديب بالفطرة. فمن توافرت له أدوات التعبير الأدبي تجسدت فطرته شعراً أو نثراً، لكنها من حيث المطلب واحدة. أما من جرفته السلطة،سلطة الملك أو الملكية وقف في الطرف المقابل. ولذلك نعتقد أن هذين الطرفين موجودان دائماً في الحياة البشرية سواء كانت التشكيلة عبودية أو إقطاعية أو رأسمالية أو اشتراكية. ولقد تبين في أعقاب انهيار النظام الاشتراكي أن أصغر مسؤول كان يملك أكثر مما كان يملكه آخر القياصرة بأضعاف المرات. والنظام الاشتراكي انهار ليس بمؤامرة خارجية، بل برغبة من المسؤولين أنفسهم لتوفير نظام يسمح لثرواتهم أن تتحرك وتنتج... وهذا ما يفسر لنا قيام أدب معارض منذ قيام الثورة التي وعدت بحياة رحمية فما قدمت سوى حياة رَجميّة. والناس واحد من اثنين: شاعر أو قاتل... وأقصد بالقاتل المالك. والشعر ضد الملكية، سواء كانت ملكية عبودية أو إقطاعية أو رأسمالية أو اشتراكية. إنه يريد حياة رحمية ليس فيها دولة ولا فيها ملكية. إنه يكره حرفة القتل.

هذا القانون المستقل استقلالاً حقيقياً لا يعني أن الأدب لا يتفاعل ولا يتعامل مع الواقع، أي مع التشكيلة الاقتصادية التاريخية. بل بالعكس من هذا الزعم، فهو مضطر اضطراراً أن يتعامل مع هذا الواقع. لكن هذا التعامل لا يعني أبداً التبعية بقدر ما يعني المساجلة. لا يعني الموافقة بقدر ما يعني الرفض. إن هذا القانون الذي يسير عليه الأدب هو قانون ثابت. ولكن بما أنه قانون فلا بد من تطبيقه. وتطبيقه يعني التفاعل مع التشكيلة الاقتصادية التاريخية القائمة ليس هذا وحسب، بل أيضاً يتفاعل مع البناء الفوقي من سياسة وأخلاق وقوانين وتشريعات وغير ذلك.

إن الأدب يتعامل ويتفاعل مع الواقع التحتي والفوقي. هذا التعامل وذاك التفاعل ليسا عشوائيين بل يسيران وفق القانون الخاص بالأدب، وهو قانون: خلق التوازن لتمكين الإنسان من استمرارية الحياة بالشكل الممكن والأفضل. إنه قانون تحصين النفس من أجل خلق ظروف رحمية أفضل، خلق ظروف الفردوس الأرضي.

مثل هذا القانون ينظر في التشكيلة الاقتصادية التاريخية ببنائها التحتي وبنائها الفوقي فيوافق على ما ينسجم معه ويرفض ما لا ينسجم معه.. أي يقبل ما يتقدم بالبشرية نحو الفردوس الأرضي أو الرحم المتخيل، ويرفض ما يحول بينها وبين هذا الفردوس أو هذا الرحم، من غير أن تكون ثمة محاباة أو مراعاة لهذه التشكيلة أو تلك، أو هذه النظرية أو تلك، أو هذا الدين أو ذاك. إن الأدب يوافق على كل ما يناسبه، ويرفض كل ما لا يناسبه. إنه مستقل عن التشكيلات والنظريات والأديان والفرق والمذاهب والنحل ... ولكنه تعامل معها كلها، كما تتعامل النحلة مع الأزهار التي لا حصر لها. أما الأدب الذي ينحاز لهذه التشكيلة أو النظرية أو الدين أو الفرقة أو المذهب أو النحلة... فإنه يسقط من دون شك. وأنا أقصد الأدب وليس الأديب. فبلزاك كاثوليكي متعصب ولكن أدبه لا علاقة له بتعصبه. وغراهام غرين اعتنق الكاثوليكية عن وعي وتصميم، ولكن اقرأ رواياته الدينية تجد أنه يدفع الكاثوليكية في معمعان الحياة ليختبرها لا ليمجدها، وليجعلها تجابه أموراً أعجز من أن تحل. والأرثوذكسية التي نادى بها دستويفسكي تعني تماماً: تجاوز السيئات عن طريق التسامح وليس العقاب... بذلك يكون قد قدم نظرية للخلاص.

وتفيدنا في هذا المجال شخصية "ليليث" التي كتبنا عنها بحثاً ضافياً بينا فيه التحولات التي خضعت لها في الأدب والفن، كدليل على تفاعل الأدب مع الواقع الحي، نلخصه بإيجاز شديد كمايلي:

آ- قدم الأدب الأكادي ليليث كربّة المهد وحاضنة الأطفال ليلاً. مهمتها الهدهدة للطفل في الليل حتى ينام نوماً هادئاً. تمتاز بشعرها الطويل الذي يمسك به الطفل وهو يصغي لأغنية المهد تشدو بها ليليث. ومنها سمى العرب ليلى وسمت الشعوب المحيطة بهذه المنطقة الليل ليلاً باسمها. وكانت مثالاً للوداعة والسلم والطمأنينة، ولذلك اختارها الأدب اليهودي لتكون زوجة آدم الأولى، فهي أفضل أنثى تستحق أن تكون أماً للبشرية.

ب- عندما تحول المجتمع إلى مجتمع مقاتل للوقوف في وجه غارات القبائل الشمالية الزاحفة حَوَّل الأدب ليليث إلى شيطانة ليلية تخنق الأطفال، بمعنى أن تربيتها السلمية لم تعد تتفق والمجتمع الباحث عن مقاتلين حرصاً على وجوده. وعندما سمع اليهود بما آلت إليه ليليث، أسرعوا وطلّقوها من آدم ثم زوّجوه من حواء حرصاً على النسل البشري. وقد اختفت ليليث بعد ذلك من الأدب العبري.

جـ- قدم أدب العصور الوسطى ليليث باعتبارها شيطانة ليلية ولكنها لم تعد تقتل الأطفال وحدهم بل غدت قاتلة للرجال أيضاً كما يشير غوته في مسرحيته فاوست.

د- احتفظ أدب شمال أوروبا لليليث بوظيفتها السلمية القديمة ولذلك ألفت المقطوعات الشعرية والموسيقية المسماة ليليباي "Lulaby" أي ترنيمة المهد. وحتى اليوم تقوم الأم التي تدلل ابنها بما كانت تقوم به ليليث قديماً، فتقتله بحبها وتخنثه بحنانها، فتجرم من حيث تريد أن تحسن. إن حياة ليليث أشبه بانتقال من داخل الرحم، الهدوء، إلى الخارج، الصخب والعنف.

هذه السيرورة التي شوهها الإيجاز تذكرنا، على إيجازها، برأي فرويد في أن الوليد عندما يطل على هذه الدنيا يظل متذكراً حياة الجنة التي كان فيها، حياة الرحم الآمنة. ولكنه على الرغم منه يرد باستجابات مختلفة على الظروف المختلفة لا يهديه إلا هاد واحد هو استعادة الرحم الذي جاء منه أو الفردوس الأرضي...

... وكذلك الأدب، وهذا هو القانون الأدبي الوحيد الذي لا يمكن أن يتغير مهما تغيرت الأبنية التحتية أو الفوقية، ومهما أوغل في التعامل معها. والحقيقة أنه لا يتعامل معها بقدر ما يستخدمها لـ"العودة إلى الرحم"، أو لتأمين الفردوس الأرضي.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244