|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 01:21 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل السابع : أبرز معالم قانون الاقتصاد الأدبي القانون الأدبي هو باختصار قانون العودة إلى الحياة الرحمية، الحياة قبل الخروج إلى هذا العالم الذي لم يغادره أحد قبل أن يذمه. فما عليك إلا أن تتصور الحياة في الرحم وكيف تخلو من الحقد والضغينة والصراع والقتال والحسد والكبرياء... وغير ذلك من المثالب التي يجدها المرء أينما وجّه طرفه في هذا العالم الخارجي. فما عليك إلا أن تتخيل حياة إنسانية متوازنة تتكيف مع البيئة وتنزع إلى مزيد من الحرية والتسامي، حتى تستطيع أن تتلمس كل مواد القانون الأساسي للانتاج الأدبي.مع ذلك نود أن نتريث قليلاً عند أهم معالم هذا القانون، وهي: 1- شريعة بلا مشرع. 2- بنية تحتية. 3- مؤسسة واحدة ولغة واحدة. 4- تعديل لا تبديل. قد نظن أن النقاد هم الذين وضعوا القانون الاقتصادي للإنتاج الأدبي. ولو قلنا انهم شراح القانون لكان أفضل، لأن هذا القانون لم يضعه أحد. وقد توهم كثير من الباحثين أن أرسطو هو أول من وضع للأدب قانونه في كتابه الذي اشتهر باسم "الشعر" مع أنه "كيف يُصنع الشعر" إذا عدنا إلى اشتقاق كلمة البوطيقا. ومن القوانين التي ارتبطت باسم ارسطو قانون التراجيديا" إثارة الخوف والشفقة". وقد أدى هذا إلى اتهام النقاد التالين لأرسطو بالعقم لأنهم لم يستطيعوا أن يغيروا هذا القانون، بل أنهم لم يتمكنوا من تعديل هذا القانون. وفي رأينا أن هناك مغالطة كبيرة كامنة في قلب هذا الطرح. فأرسطو لم يضع أي قانون، وإنما رصد قانوناً كان الأدباء يمارسونه من دون صياغة نظرية. إن النصوص التي اعتمد عليها أرسطو في صياغته لهذا القانون تعود إلى هوميروس واسخيلوس وسفوكليس ويوربيدس في التراجيديا، وأرسطو فان في الكوميديا. هؤلاء الكتاب كانوا يمارسون القانون بعفوية ومن دون شروح أو تنظير. ولا نشكك في أن كل نص يختلف عن الآخر. ولكنه اختلاف في الشكل وطرائق الأداء والنظرة إلاّ أنّ النتيجة واحدة لا تكاد تنزاح عن القانون الأساسي شعرة واحدة. وهؤلاء الكتاب لم يعقدوا "مؤتمراً" كما نفعل اليوم لاتخاذ القرارات الناظمة للإنتاج الأدبي. بل إن هؤلاء الكتاب لم يلتقوا لا في مأدبة ولا في أكاديمية ولا في منتدى... كيف يكون ذلك وهم من الأوائل الذين انتجوا الأدب من دون أن يكون هناك آباء لهم. من علم أسخيلوس؟ من درب سوفوكليس؟ على يد من رُبّي يوربيدس؟ إن كل ما فعله أرسطو هو أنه تحدث عما يجري. وبسبب نزعته الفلسفية، فقد أتقن صياغة ذلك, فكل فيلسوف يحاول أن تكون صياغته من العمومية بحيث تغدو قانوناً معتمداً. إن الفيلسوف، كما هو معروف، يتحدث دائماً بالعموميات. ولكن هذا التعميم لا يكون إلا بعد استقراء الإنتاج الأدبي بكل جزئياته. ولو لم يكن أرسطو فيلسوفاً لما جاءت صياغته بهذه الدقة وهذا الشمول. لو كان أرسطو سابقاً على عصر هؤلاء الكتاب، لصعب علينا إقناع القاريء أن قانون الإنتاج الأدبي ليس من ابتكار أرسطو. إلا أن تأخر أرسطو في الزمن يعتبر حجة بين أيدينا لنؤكد أن جميع الذين كتبوا قبل أرسطو إنما كانوا يمارسون هذا القانون من دون حاجة إلى أي توجيه. نحن الآن نتحدث من قلب الأدب الإغريقي، باعتباره الأبرز والأكمل بين الآداب القديمة. ولكن لنعد خلفاً في الزمن إلى الأدب المصري أو إلى الأدب الفراتي أو إلى الأدب الهندي، لنرى أن هذه الآداب تختلف من وجوه كثيرة عن الأدب الإغريقي. فهم، على سبيل المثال، لم يقدموا الشكل المسرحي الناضج وإن كانت المواكب الدينية تشبه مواكب اليونان. إن المسرح لم ينضج إلا في اليونان. ولكن لو نحينا هذه الاختلافات أو الفروق جانباً، لوجدنا أن هذه الآداب لا تختلف عن الأدب اليوناني من حيث قانون الإقتصاد الأدبي. فكل نص من نصوص الأدب المصري (أو غيره) ينتهي إلى ما انتهى إليه نص يوناني مماثل. وإذا كان النص تراجيديا انتهى إلى ما انتهى إليه النص اليوناني المماثل. لم يتح لهذه الآداب أرسطو. ومع ذلك سارت على القانون ذاته الذي سار عليه الإغريق والذي صاغه أرسطو خير صياغة. لننظر إلى أي أدب آخر في أي بقعة في العالم. لننظر في ملاحم المكسيك أو الأرمن أو الشركس وآدابهم نجد أن القانون واحد في هذه الآداب على الرغم من عدم وجود أرسطو عندهم. كنا نظن أن الأدب القديم مقتصر على آداب مصر والفرات والإغريق. ولكن بعد الأبحاث الانتروبولوجية الحديثة تبين أنه لا يمكن تصور شعب بلا أدب. وكنا نظن أن أدب مصر والفرات والإغريق يتشابه لأنه يقع في دائرة ثقافية واحدة هي دائرة البحر الأبيض المتوسط، ولكن الدراسات الحديثة للانتروبولوجيا قد بينت على نحو عجيب مدى تقارب هذه الآداب مع بعضها على الرغم من تباعد القارات التي تفصلها مساحات شاسعة من البر أو البحر. لنقترب أكثر من العلاقة بين الشريعة والمشرع. لقد ذهب أرسطو إلى أن أي تراجيديا لابد أن تنبع من "هامارتيا" أي من خلل أو نقص أو نقطة ضعف، من كعب آخيل. واعتقدنا أنه بذلك يضع قانوناً مع أنه وصف وصفاً ولم يشرع تشريعاً، إذ أن من المستحيل تصور تراجيديا من دون هامارتيا، حتى لو كانت هذه التراجيديا في مقطوعة شعرية لا تتعدى خمسة أبيات. وإذا قلنا ان الأغريق وعوا هذه الهامارتيا، فماذا نقول في الهامارتيات الأخرى في كل آداب العالم من دون أي استثناء؟ لا شك أن الكتاب يختلفون جداً في استيلاد هذه الهامارتيا، سواء كانوا يونانيين أو مصريين أو جبليين أو ساحليين أو في المكسيك أو في مجاهل إفريقيا أو في قلب صقيع الأسكيمو... سواء كانوا يقطنون قرب الأنهار أو بين الرمال... فهذا يجعل الهامارتيا في الإنفعال المندفع، في الرعونة وذاك يجعل الهامارتيا في الشغف الجنسي, وآخر يجعلها في العلاقات الاجتماعية، وغيره يجعل الهامارتيا في الأذى الموجه ضد الذات أو ضد الآخرين... باختصار أن كل بطل تراجيدي لابد أن يكون له كعب آخيل. ومن الهامارتيا تنبع المأساة وتتم الكارثة. وجميع الكتاب في العالم ملتزمون بربط التراجيديا بالهامارتيا، من غير أن يكون لهم معلم أو منظر أو مشرع. إن القانون الأدبي هو تقليد يعرفه الأديب بالتدريب لا بالتعلم لأنه شريعة بلا مشرع. وعدم وجود مشرع يدل أن هذه الشريعة هي طبيعية، أي نابعة من طبيعة الإنسان الأدبية، وإن شئت فقل أن هذا القانون يمثل شريعة الفطرة الحقيقية. المعروف أن البنية التحتية وطيدة وهي طويلة العمر تمتد أحقاباً وأحقاباً. فأحياناً تظل أداة من أدوات الإنتاج، وهي من جملة تركيبة البنية التحتية، عشرات القرون بل مئات القرون، كالمحراث الزراعي الذي يرجع تاريخه إلى آلاف السنين. وعندما تتلاشى البنية التحتية فإنها تحدث هزة في البنية الفوقية، تماماً كما يحدث البركان تغييراً في الجو عندما يثور. وأنا أرى أن الأصح أن نقول عن الإنتاج الأدبي بأنه بنية تحتية خاصة قائمة بذاتها، من أن نقول إنه بنية فوقية. وما يجعل بعضهم يستكبر هذا القول هو أن الانتاج الأدبي لا يملك تأثيراً مباشراً. إنه شتلة زيتون عليك أن تنتظر عشر سنوات وليس حبة حنطة تزرعها في الخريف وتحصدها في أوائل الصيف. إنه "القانون الصامت" إن صح التعبير. إن أي أداة إنتاج تعطي مردودها فوراً أو بعد مدة قصيرة إلا الأدب. إنه يحتاج إلى مدة طويلة جداً. هذا من جهة ، ومن جهة ثانية فإنه يخضع للقمع في كثير من الأحيان، فيُعطَّل العمل بالقانون الأدبي وتُفرض قوانين أخرى. ولو لم يكن الأدب بنية تحتية لما عاد إلى سيرورته كما كان تماماً. لا شك أن أعظم أدب توهج في مرحلة ما قبل الميلاد هو الأدب اليوناني الذي يتراءى لبعضهم أن كل قوانين الأدب مستنتجة منه باعتباره المجسّد الأكمل للأشكال الأدبية. ولكنه لم يكن أبداً نهاية لأدب سابق ولا بداية لأدب لاحق. إنه حلقة ذهبية في تاريخ الأدب، وكما سعى الأدب اليوناني إلى الشكل الأكمل يسعى كل أدب في هذه الأيام إلى الشكل الأكمل. لقد سعت الكنيسة في الغرب إلى وقف مسيرة الأدب منذ القرن الخامس. وفي القرن السادس تراءى لنا أن الأدب بمفهومه القديم انتهى إلى الأبد وان الآداب المسيحية المقتصرة على التسابيح الربانية ومدائح رؤساء الدين هي التي تسود أو سوف تسود. وبالفعل فقد توقف النشاط المسرحي توقفاً كاملاً ثم استؤنف بمسرحيات "حياة المسيح وآلامه" ولم نعد نسمع قصائد الغزل والحب، ولا الأدب المعبر عن نزوع الفرد والبشر إلى عالم أفضل.. العالم الأفضل موجود ومؤكد، وهو الجنة بعد أن يقرع ناقوس يوم القيامة، والطريق إليه معروف... الصلاة والصوم... إلخ. ولكن منذ القرن الثالث عشر، ازدهرت قصائد الحب والغزل وأبدى الشعراء موقفهم الصريح الواضح، فكانوا أول نواة ثورية دكت مؤسسات العصر الوسيط وفجرتها تفجيراً. أنا لا أشك أن الكوميديا الإلهية لدانتي في القرن الرابع عشر كانت أعظم وأقوى وأشد وأعنف قنبلة ضد العصور الوسطى، لكن شعراء الحب قبله، وعلى الأخص في ألمانيا وفرانسا، اسهموا إسهاماً كبيراً في تفعيل القانون الأدبي. ففي النصف الأول من القرن الثالث عشر ظهر لمؤلف مجهول في فرانسا رواية غرامية امتزج فيها الشعر بالنثر أحدثت ضجة عظيمة وشهرة كبيرة في وقتها، فكان حتى الغلمان يناضلون نضالاً حقيقياً للوصول إليها أو الحصول إليها تهريباً، لخوفهم من آبائهم "المؤمنين". لقد كانت هذه الرواية، وهي بعنوان "أوكسان ونيكوليت" عودة إلى قانون الأدب وإعادة له. إنها تذكرنا بأناشيد الحب والزواج التي نظمتها الشاعرة اليونانية القديمة سافو. أوكسان في الرواية هو ابن الكونت أما نيكوليت فهي لقيطة يتبناها الفيكونت. ويطير صواب الكونت: كيف يحب ابنه مثل هذه الفتاة ويدع باحتقار الفتاة التي يرغب أبوه في خطبتها له. إنها سليلة أسرة إقطاعية كبيرة ودوطتها وحدها تبلغ رقماً لا يحلم به خاطب. ويذهب الكونت إلى الفيكونت ويطلب منه أن ينصح له ابنه ليبعده عن الفتاة المبّناة، حفاظاً على الصداقة بينهما. وكان الفيكونت اصلاً لا يريد مثل هذه الزيجة. وبالفعل ينصحه الفيكونت. لكنه أثناء حديثه يلاحظ ابتسامة خفيفة على شفتيه، فيختم حديثه بقوله إن أصر أوكسان على موقفه فلن يدخل الجنة. وهنا انفجر أوكسان وقال: مالي وللجنة التي لا يدخلها إلا القساوسة الدجالون والشيوخ المقعدون والمرضى الذين يسعلون ليلاً نهاراً وهم يصلون أمام المذبح، وأنا أريد الجحيم حيث العلماء والظرفاء والفرسان الأوفياء والنساء الجميلات اللواتي لكل واحدة منهن عشيقان أو ثلاثة إلى جانب زوجها. وتكون النتيجة أن يحبس الفيكونت ابنته في العليّة ويحبس الكونت ابنه في القبو. ويتغنى العاشق بشعر ينظمه في نيكوليت وينشده بصوت عال، فيعزو لها من العجائبية ما لا يستطيعه إلا المسيح نفسه: يا نيكوليت، يا زهرة الزنبق البيضاء يا أحلى من الكرمة في الكأس حدث لك يوماً ما ان جاء من ليموزين حاج متعب خائف مكتئب يتقلب على فراشه وهو قاب قوسين أو أدنى من الموت فدخلت يا ذات الطهر والنقاء ومشيت بخفة حتى أبصرك العليل ثم رفعت ذيل ثوبك والجلباب الموشي بالفراء ورفعت الشعار وكشفت له بخفة عن أجمل عضو فيك فحدثت الأعجوبة إذ ذهب سليماً معافى وأمسك صليبه وغادر فراشه واتجه مرة أخرى إلى بلاده العزيزة يا زهرة الزنبق إن كل الناس مولعون بك
وتسمع نيكوليت فتصنع حبلاً من أغطية فراشها تهبط عليه وتصل أمام القبو فترفع ثوبها بكلتا يديها، ثم تهرب خوفاً إلى الغابة. ويظن الكونت أن الأمور استتبت فيطلق سراح ابنه فيهرب هو الآخر إلى الغابة حيث نيكوليت التي ترفع ثوبها فتصنع العجائب... إن الأدب هو الذي أنقذ البشرية من غياهب العصور الوسطى وهو الذي دك البنية التحتية (الإقطاعية) والبنية الفوقية (المسيحية الغربية) فعاد إلى القانون الأدبي وأعاده إلى العمل والإنتاج بعد كل هذه الحقبة من الأحكام العرفية التي عطلت القانون. وبعمل القانون وبالانتاج الأدبي انهارت أطول بنية تحتية (الإقطاعية) وأقوى بنية فوقية (المسيحية) فالأدب أعظم من أن يدرج في بنية تحتية أو بنية فوقية. إنه بنية تحتية قائمة بذاتها.، لا يمكن القضاء عليها. يمكن تعطيلها ولكن لا يمكن التخلص منها. في العصور الوسطى عطل قانون الأدب طيلة عشرة قرون. ولكن النصر في النهاية كان لهذا الأدب الذي أسقط المؤسسات الإقطاعية والمؤسسات الأحادية المسيحية، لأنه ضد كل خضوع وضد كل أحادية مسيحية كانت أو غير مسيحية. إن الأدب هو منقذ البشرية الوحيد. إنه نيكوليت التي تكشف عن أجمل أعضائها فتشفي البرص والمجدورين والمقعدين والمشلولين... بل تحيي العظام وهي رميم. ونقول انه بنية تحتية قائمة بذاتها لنجعله مستقلاً عن أي بنية أخرى تحتية كانت أو فوقية. إن كل بنية أخرى يمكن تفجيرها. إنها سوف تضعف وتزول وتتلاشى وهذا ما لا يحدث مع الأدب. إنه بنية تحتية أقوى من الزمن، بل إنه على الضدّ من ذلك يتقوى كلما مرت الأزمان، وهو البنية الوحيدة من بين كل البنى الفوقية والتحتية معاً، التي لا يمكن القضاء عليها. والأدب، مثل نيكوليت، ما إن يكشف عن جماله حتى يدك أعتى الحصون. إن كل مؤسسات العصور الوسطى، الاقتصادية والدينية بدأت تنهار لدى ظهور الشعراء الفرسان والشعراء العشاق، والعشاق الجوالين... إن قليلاً من العشق الشاعري دك حصون العصور الوسطى. إن الأدب ساحر، ولكنه ساحر حقيقي وليس مشعوذاً. والمعجزات التي يقوم بها هي معجزات حقيقية. إنه المنقذ الوحيد لبني البشر في أيام محنتهم.
في هذه الأيام يكثر الحديث عن العالمية. فالمواصلات باتت عالمية والإتصالات صارت كونية ومخاطبة النجوم القريبة أو البعيدة صارت ممكنة، والسياسة صارت عالمية وكذلك الاقتصاد والثقافة... وكل شيء حتى الأمم المتحدة -تصوروا- منظمة عالمية... وهكذا. لكن العالمية الحقيقية قائمة في الأدب قبل غيره وبأجلى مظاهرها. والسبب في ذلك بسيط جداً وهو أن الأدب فطرة ليس فيه أي شيء مصنّع، فهو لا يتكون عن طريق العلم والدراسة. فالشعراء من خارج الجامعة أكثر بكثير من الشعراء الذين ظهروا من الجامعات. والأدب هو الوحيد الذي كان قبل التعليم والذي استمر بعده، وهو الوحيد الذي لم يؤثر فيه التعليم. ففي المدرسة يمكن أن تعلم الطالب افضل الأساليب لكتابة الرواية، لكنك في النتيجة لن تحصل على عدد من الروائيين أكثر من عددهم أنفسهم لو كانوا خارج الدراسة. لكن ذلك لا يعني أن يكونوا أميين كأدباء العصور القديمة، فنحن اليوم نعيش في العصر الذي يقوم فيه الأدب على الكتابة، بعد أن تفكّكّت الروابط الاجتماعية، ولم يعد للناس مناسبات احتفالية أدبية تجمعهم كما كان في الأيام الخوالي. قد تتمكن من تصنيع عالم أو حرفي نجار أو حداد أو نقاش... ولكن لا تستطيع تصنيع أديب. والأدباء المصنعون، على مدارتاريخ البشرية، هم أولئك الذين لا إسم لهم في سجل الأدب. قد يسجلهم التاريخ لأنه يتحدث عن أسيادهم الذين صنعوهم. ولكن لا أكثر من ذلك أبداً. والأدباء الذين من هذا النوع هم ملحقون إلحاقاً بالنظام السياسي، يصعدون بصعوده وينهارون بانهياره. أما في سجل الأدب الحقيقي فلن يكون لهم مكان. لننتقل الآن إلى ما نقصده بالمؤسسة العالمية الحقيقية. إن الأدب قبل ثورة المواصلات والاتصالات يشكل مؤسسة عالمية واحدة. والدليل على ذلك أن أي شاعر في أقصى آسيا ينظم قصيدة غزل لا تختلف عن قصيدة حب ينظمها شاعر في قلب القارة الإفريقية. وأقدم شاعر في أرمينيا التي يقال أن شعلة الحضارة في العالم القديم انطلقت منها، لن يختلف عن أحدث شاعر انتجته أحدث قارة في العالم وهي أوقيانوسيا. إنها مؤسسة عفوية ووحدة بلا تصنيع. وبمناسبة ذكر القارة الجديدة لابد أن نشير إلى مدى عمق القانون الأساسي للاقتصاد الأدبي. ان استراليا هي أحدث دولة، أو قل أحدث أمة في التاريخ. دخل الإنكليز باديء ذي بدء في أواخر القرن الثامن عشر: وفي القرن التاسع عشر وفد إليها الكثير والكثير جداً ولكنهم كلهم من المحكومين الخطرين أو من المغامرين أو من البحارة الذين يريدون الاستقرار والتملك. بعض المغامرين من الجغرافيين وعلماء الحشرات أو علماء الحيوان والنبات سمعوا بهذا العالم الجديد فذهبوا مستكشفين فقط، ثم استقروا.هؤلاء هم سكان استراليا بالاضافة إلى مجموعات من العسكر المغضوب عليهم ومن المغامرين الآخرين من الأقطار الأخرى. لم يهاجر أديب واحد إلى هذه البلاد الجديدة. إذن من المتوقع أن يظهر أمامنا أدب جديد، بقانون جديد يختلف كل الاختلاف عما هو في انكلترا (أو في أي بلد فالأمر سيان) إن الأدب الإسترالي الجديد جداً والحديث جداً سار على القانون الأساسي للإنتاج الأدبي. إن ما كتب من روايات "البحث عن الذهب" إنما يسير وفق القانون الأساسي للإنتاج الأدبي. هذا القانون موجود منذ القديم وليس مرتبطاً بظهور الذهب أو اكتشاف استراليا. إن بعضهم يظن أن روايات البحث عن الذهب الأميركية كانت فتحاً جديداً. إن هذا النمط من روايات المغامرة يرجع إلى أقدم العصور، إلى رواية البحث عن الجزة الذهبية، تلك المغامرة الأسطورية التي قام بها بحارة الأرغو، بقيادة أكبر مغامر في التاريخ جاسون العظيم الذي اعتمد على ميديا للوصول إلى هدفه. إن الأدب الاسترالي لم يخرج عن قانون الأدب الإنكليزي ولا عن قانون أي أدب عالمي، فالقانون واحد وقد نشأ منصاعاً لهذا القانون. إن قصائد أشهر شاعر في القرن التاسع عشر "آدم لنفسي غوردون" لم تخرج عن التقليد الأدبي العالمي، ولم تخرق أي ناحية من هذا التقليد. طبعاً لا نقصد أن البيئة الجديدة لم تؤثر في الأدب. ولكن هذا التأثير هو ضمن مجرى القانون الأساسي العام، فلو نظرنا في أعماق مجرى الأدب متجاوزين السطوح الصاخبة المتغيرة لوقفنا على لغة واحدة ثابتة في كل أصقاع المعمورة. فالعشيقة لابد أن تكون جميلة بهية رائعة خفيفة الدم ذات سحر عجائبي، مثل نيكوليت تماماً. إنها لغة واحدة، فإينما نقبت في أي أدب من آداب العالم وقفت على هذه اللغة الواحدة. إن أوكسان يتبع القانون العام للأدب. إنه يرى في نيكوليت العشيقة الفائقة البركات التي يكفي أن ترفع ثوبها عن أجمل أعضائها حتى تشفي المرضى وتفسد رحلة الحجيج فتعيد إليهم الوعي الحقيقي ، ولا ينقصها إلا أن ترفع ثوبها في المقابر حتى ينهض الموتى ويبعثون من جديد. من رأى نيكوليت؟ لا أحد. من يضمن أنها ليست أقبح من ضبع تأبط شراً؟ لا أحد. لكن التقليد الأدبي يضعنا في موقف حبي فلا يستطيع الأديب أن يصورها إلا كما يقتضي هذا التقليد وليس كما هي حقيقة هذه المخلوقة، والعكس صحيح، إذ عندما يضطر الكاتب أن يواجه شخصية آثمة مكروهة فإنه يقدمها في منتهى القباحة المادية والمعنوية، وما أكثر هذه الشخصيات في الأدب. ولو طفنا في كل آداب العالم لوجدنا أنها تسير وفق لغة واحدة ولو زادت ألسنة الكتاب على عدد ألسنة بابل. هذا فيما يتعلق بقصيدة حب، ولكن خذ المغامرات أو البحث عن المجهول أو صورة الأم بوجهيها، أو الأب بأوجهه المتعددة، أو انظر إلى الزوجة التي كانت في يوم من الأيام معشوقة تدور حولها قصائد عاشقها الشاعر، ثم غدت مثل صخرة على صدر زوجها الذي يبحث عن عشيقة، ولم يعد ينظم فيها شعراً، منتظراً وفاتها حتى يؤبنها كما تقتضي الأصول... تجد أن هذه اللغة واحدة في كل آداب العالم، من أقدم العصور حتى أحدثها، ومن بدائيي استراليا حتى أصحاب ناطحات السحاب (إن صادف وظهر فيهم أثر من آثار الأدب، فهذه معجزة أصعب بكثير من معجزات نيكوليت). ليس هذا مستغرباً أبداً. إن المؤسسة العالمية الواحدة تستلزم لغة واحدة. لا يمكن أن تكون في المؤسسة الواحدة لغات مختلفة ولهذا فإن قيام مؤسسة أدبية عالمية منذ ظهور الأدب وليس منذ ظهور الذهب واكتشاف أميركا، إنما حصل بسبب أن الأدب يملك لغة واحدة لا يغيرها ولايمكن أن يغيرها أي تأثير خارجي عليه: الشمس والقمر والشجر والغابة والبحر والمحيط والليل والنهار والجحيم والسماء والهواء والنار والنور والنجوم، الأم، الأب، الأخ،... كلها لغة واحدة لاتتغير من أدب إلى أدب. وكما تجد للكلمة الواحدة في المعجم الواحد عدة معان، كذلك تجد لكل كلمة في الأدب عدة معان، فهناك الأم الكبرى وهناك الأم المتوحشة، وهناك الأب البطل والأب السكير والأب الملتهم لابنائه... إنها لغة حقيقية، معجمها يغتني باستمرار ولكنه لا يتغير ولا يتبدل. وهي لغة معروفة جداً ولا حاجة بنا إلى عرض مفرداتهذا المعجم الضخم، ولا إلى دراسته.
كل المخلوقات تولد صغيرة ثم تنمو وتكبر إلى أن تصل مرحلة النضج إلا عفريت ألف ليلة وليلة. إنه مخلوق عجيب، إذ يولد كاملاً. فأنت لن تعثر على عفريت يحبو أو يرضع أو يرعى الماعز وهو صغير السن العفريت كامل دائماً. قد يصبح صغيراً ويدخل القمقم، لكنه كامل على صغره. والأدب هو العفريت الذي خلق كاملاً. قد يدخل في قمقم كما في العصور الوسطى، إلا أنه يظل كاملاً مكتملاً، ما إن يخرج منه حتى يتابع مسيرته سليماً معافى. لكن هذا العفريت ليس مقدوداً من حجر فهو يتأثر بالحر والقر والغيم والمطر والشجر وإذا اصطدم رأسه بصخرة تضجر وتأفف... إن الأدب يخضع في مسيرته لكثير من التطورات والتعديلات، لكنها لا تؤثر في شخصية نيكوليت... ستظل الحبيبة العجائبية حتى بعد ستماية ألف سنة وأكثر. ولكن لو أخذنا نصاً من العصور الوسطى لعرفنا على الفور، ومن النص ذاته، أنه من نتاج الأدب في العصور الوسطى. نستدل على ذلك من اللباس والمأكل والمشرب ووسائل المواصلات والعلاقات الاجتماعية ومن الإتيكيت الذي كان سائداً في تلك الأيام، من السيوف والرماح والفروسية والأدوات المستخدمة... من الغسيل على ضفاف الأنهار، ومن البوق الذي يعطي الإشارة، والبرج الذي يلوح بفانوسه ليوجه فرسانه... من الحلاق الذي ينتقل من قرية إلى قرية... من التجمعات والكرنفالات... ومن كرسي الاعتراف ومحاكم التفتيش والحروب الصليبية وفتح أميركا أيضاً. إن من المستحيل أن تكون نيكوليت بنت هذا العصر. يكفي أن نقرأ في رواية الكاتب المجهول ان هذه الفتاة كانت بيديها ترفع ثوبها لتحدث المعجزات، حتى نعرف أنها ليست من عصرنا. بنت العصر لا ترفع ثوبها. فإن كانت معشوقة مثل نيكوليت فإنها تفعل المعجزات مثلها ولكن من دون أن ترفع فستانها، إذ لا تستطيع أن ترفعه أكثر مما هو مرفوع. إلا أن كل هذه التعديلات والتطورات تظل هامشية لأنها لا تبدل من جوهر القانون الأدبي. فنيكوليت تظل نيكوليت مهما تطور لباسها أو مأكلها ومشربها وعليّتها... جاء في تاريخ الأسرة المقدسة أن كرونوس راح يلتهم ابناءه حتى لا ينافسوه على العرش والصولجان واليوم حدثت تطورات كثيرة. لا يمكن أن نتحدث عن كرونوس ولا عن ابنه زيوس الذي خلعه. إننا نتحدث اليوم - كما فعل فرانز كافكا- عن المؤسسة الضخمة الاحتكارية التي تشبه الأخطبوط، في التهامها للمؤسسات الصغيرة، وعن المؤسسة الصغيرة التي تختبيء من وجه المؤسسة الضخمة المريعة وتستغل نقطة ضعفها فتقضي عليها كما قضى زيوس على أبيه بقطع خصيتيه وجعله عقيماً لا ينتج. ومن هنا لنا الحق في القول إن هذا الأدب حديث وإن ذاك الأدب قديم وقديم جداً ولكن لا يحق لنا ابداً أن نقول أن هذا الأدب استن سنة جديدة أو خرج عن القانون الأساسي للإنتاج الأدبي. وعندما نقول ذلك فإننا نضع في أذهاننا ما اتفقنا عليه في بحث سابق وهو أن الأدب مخلوق جميل ليس منه تلك المخلوقات الشائهة من روايات وملاحم وقصائد ومسرحيات خارجة عن قانونه الأساسي. إن الشاعر الذي يستسلم لنزوات فكره أجدر بنا أن نسميه "الخاطر" لا الشاعر، إن الشاعر الحقيقي هو ذاك الذي يحترم التقليد الأدبي بقانونه الذي يحرك بتياره العميق جداً كل المياه العميقة، في حين لا ترى اعينننا سوى تلك الأمواج الصاخبة التي تظهر سريعاً وتتكسر سريعاً. إننا بحاجة إلى عيون ليزرية حتى نكتشف حقيقة الأدب فلا ننخدع بتلك الآداب المَوْجيّة السخيفة أو الآداب السياسية السطحية. ولكن على الرغم من كل التجديدات والتطورات يظل القانون الأدبي يعمل في العمق. نحن اليوم نسمع مطربينا يصدحون بقصيدة مشهورة جداً قلما مر يوم لم يسمعنا إياها مطرب منهم:
هل كانت هذه الفتاة جميلة إلى هذا الحد الذي سلب من الرجل دينه ويقينه؟ لا أبداً فقد تكون أقبح من ميدوزا وأخواتها ولكنه الأدب بقانونه الصارم. قارن الآن هذه الفتاة بنيكوليت التي جئنا على سيرتها من قبل، أو بالأصح قارن بين القصيدة الأولى والقصيدة الثانية، تلاحظ أنك أمام لغة واحدة لم تتغير أبداً. الأولى كتبت بالفرنسية والثانية كتبت بالعربية، الأولى كتبت في بلاد تحيط بها الغابات والجبال والأنهار، والثانية كتبت في سوق بازار عابر جداً، إنه سوق أسبوعي... ومن يدري فقد يكون سوقاً شهرياً أو سنوياً، والأولى كتبت في النصف الأول من القرن الثالث عشر والثانية كتبت قبلها في مناسبة عابرة، بمئات السنين، إلا أن القصيدتين كتبتا بلغة واحدة لأنهما تتبعان القانون الأساسي للأدب. ولو كتبت آلاف القصائد بالروسية والألمانية والهندية والأميركية والماو ماو... للاحظت أنك أمام لغة واحدة شريطة أن تتناول هذه القصائد الموقف ذاته، أي موقف العاشق. إنك أمام قانون واحد، أمام مؤسسة واحدة، أي أمام لغة واحدة. *** نكتفي بهذه المعالم، مع أن ثمة الكثير من الأمور التي أرجأنا الحديث عنها. وقد أبرزنا هذه المعالم لنرى مدى رسوخ القانون الأدبي. ولو لم يكن راسخاً لما استطاع أن يقوم بعملية التوازن. إن ليليث التي تحدثنا عنها سابقاً خضعت لعملية توازن كبيرة. ففي البدء كان المجتمع سلمياً بحاجة إلى ناشئين مسالمين، بينما لما تحول إلى مجتمع حربي وانتقلت السلطة إلى الأب، لاحظنا أن الأدب خلق التوازن وجعل من ليليث شيطانة ليلية, إذ لو استمرت ليليث بتربية الأطفال بتلك التربية المخنثة أو المؤنثة لاجتاحت قبائل الشمال تلك البلاد بأيام إن لم نقل بساعات. ولهذا قلنا أن كل مفردة في معجم الأدب لها عدة معان، فما أسرع ما تنقلب الأم الحنون إلى أم قاتلة في الأدب، عندما يقتضي الأمر وحسب متطلبات التوازن الاجتماعي. هذا القانون الراسخ والوطيد والمستمر إلى الأبد، والذي لم يضعه مشرع، والناجم من الطبيعة البشرية، سيظل في اذهاننا ونحن نعالج مشكلات الإنتاج الأدبي والسوق الأدبية والمستهلك الأدبي، وغير ذلك دونما حاجة إلى التذكير به. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |