|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 01:21 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثامن: الناتج الوطني والاقتصاد الأدبي الناتج الوطني هو، في عرف الاقتصاد السياسي، مجموع القيم المادية المنتجة من قبل شعب معين خلال فترة زمنية، شهرية أو سنوية، أو عقب تنفيذ خطة تنموية خماسية السنوات أو سباعيتها أو عشاريتها. وبقسمة الناتج على عدد السكان نحصل على دخل الفرد من الناتج الوطني، من غير تحديد طريقة توزيع هذا الناتج: ما حصة الدولة منه وما حصة الشعب، ما حصة المحتكرين وما حصة الكادحين، ما حصة المتبطلين الطفيليين وما حصة العاملين الحقيقيين. وفي كل ميزانية يكون الناتج الوطني وسيلة لمباهاة القائمين على الحكم بأنهم حققوا ناتجاً يزيد عن الناتج السابق بنسبة خمسة بالمئة أو مئة بالمئة. وفي أكثر الأحيان تزف وسائل الأعلام الرسمية إلى المواطنين بشرى زيادة خيالية في بعض فروع الاقتصاد القومي تزيد عن خمسمئة بالمئة. وبالطبع إن بعض السكان يستخفون بهذه النسبة لأن دخلهم ربا على ذلك كثيراً، ومعظم السكان يفغرون أفواههم وهم يتلقون الخبر أو "البشرى" مثلما يتلقى القاريء العفريت الذي يخرج من المصباح السحري، ويعتبرونها نسبة إعلامية لأنهم لم يحصلوا على شيء منها. والناتج الوطني حسب مفهوم الاقتصاد السياسي الذي تدرسه المعاهد والكليات المختصة يختلف من مرحلة إلى مرحلة، ففي المرحلة المشاعية لم يكن ثمة ناتج وطني لأن الإنسان يأخذ من منتجات الأرض ما يفي حاجته فقط. وفي المرحلة العبودية كانوا يحصون رؤوس العبيد، وفي المرحلة الإقطاعية يحصون المنتوج الزراعي. أما في المرحلة الرأسمالية فقد اختلف الوضع كثيراً جداً نتيجة عدة أمور أهمها على الإطلاق ظهرو الآلة، أو قل الصناعة، وظهور رأس المال الذي بات من المحركات الأساسية جداً عقب تدفق ذهب العالم الجديد في المرحلة الميركانتيلية. وقد أولت كتب الاقتصاد اهتماماً خاصاً بالمركانتيلية، من غير أن يشير واحد منها -سوى كتاب ماركس- إلى أن ذلك كان على حساب إبادة السكان الأصليين، فالرجل المؤمن جداً كريستوف كولومبوس قتل وجماعته ثلاثين مليون نسمة. ولكن بما أن هذه الكمية لا تؤثر مطلقاً في التجارة التي باتت عماد الاقتصاد الحديث، فإن من السخرية أن تشير إليها كتب الاقتصاد السياسي، مع أن الإجهاز على هذه الكمية "الكولومبية" وحدها يعني الشيء الكثير في تلك البلاد، ليس من الناحية الاقتصادية وحسب، بل أيضاً من النواحي الأخرى: الفنية والعلمية والأدبية... وبظهور هذين الشيئين: الصناعة والرأسمال (ذهباً كان أو معدناً آخر أو أوراقاً مالية...) ظهر شيئان آخران هما التجارة والبورصة. التجارة تولدت من الصناعة لفتح أسواق لمنتجاتها، والبورصة تولدت من الرأسمال المالي، فصارت تجارة قائمة بذاتها. وحتى تتم التنمية ويزداد الناتج الوطني لابد من تجديد أدوات الإنتاج وما يسمى بالرأسمال الثابت، وتخفيض كلفة الإنتاج وتقليص الزمن اللازم للإنتاج، والدخول في السوق العالمية... وغير ذلك من الأمور الأخرى التي يعرفها حتى المبتدئون في الاقتصاد السياسي. مثل هذه الشبكة جعلت الأمور تتعقد أكثر فأكثر، فالنمو الصناعي أدى إلى كوارث بيئية، والبورصة أدت إلى إفلاسات مريعة، وتجديد أدوات الإنتاج أدى إلى البطالة. فالكرة الأرضية باتت محاطة بجو مسموم من الخارج وبجحيم لا يطاق من الداخل، ما أحلى جحيم دانتي الرائع عنده. ونورد هذه المعلومات لا لإدانة الاقتصاد الرأسمالي وحده بل لإدانة كل اقتصاد يسير في هذا الاتجاه. فالاقتصاد الإشتراكي خلق جيشاً من البطالة المقنعة، وجعل المسؤولين يثرون أكثر من أصحاب كبريات التروستات والكارتيلات. وقد بلغت ثروة لص من هؤلاء المستفيدين من الاقتصاد الإشتراكي درجة رفض فيها أحد البنوك توظيف كامل المبلغ لأنه لا يستطيع استثماره كله. ويبدو لنا أن كل اقتصاد سياسي مصيره أحد الاحتمالين: لصوصية سرية تحت شعارات براقة، أو لصوصية علنية تحت شعارات رفع الناتج الوطني وتحقيق دولة الرفاهية... ولكن الناس العاديين ظلوا في الحالين يدفعون ضريبة مخططات "الاقتصاد السياسي" التي تنتهي دائماً بالفشل. والمشكلة إنك في هذا الاقتصاد لا تعرف شرقك من غربك، فمرة يقول لك هذا الغراب المتغطرس ان تجديد المكننة يحل الأزمة ومرة يقول لك أن السبب يرجع إلى إهمال الاستثمارات الزراعية، ومرة أخرى يضع مشكلة المياه، ومرة أخرى يزعم أن ندرة المواد الأولية هو سبب الأزمة، ومرة يجعل النفط أكبر مشاغب في السوق العالمية، ومرة يذهب إلى أن تجارة المخدرات إلى جانب البورصة جعلت السوق العالمية لا تعرف الاستقرار ولا القانون، ومرة يزعم ان تجارة المعلوماتية التي دخلت حديثاً هي التي ستؤدي بالاستقرار المالي والاقتصادي. إن الاقتصاد السياسي هو العلم الزائف والمنافق الأكبر وهو الستار الذي خلفه يحقق الرأسماليون أو المسؤولون الإشتراكيون أعظم ثروات عرفها التاريخ، ولو عاد قارون في هذه الأيام لعد فقيراً. وقد تصدى نادى روما للمشكلة وأصدر ما أصدر من كتب ودراسات مستفيضة، ولكن المشكلة بعد هذه العقود التي انصرمت على انعقاده تفاقمت والأزمة اشتدت والبيئة فسدت أكثر فاكثر. وسبب فشل نادي روما أنه اعتمد على الاقتصاد السياسي الكلاسي المعروف. وهو علم حديث جداً ظهر في القرن الثامن عشر واكتسب أهميته في القرن التاسع عشر. ولو قرأت في أي كتاب من كتب الاقتصاد السياسي لظننت نفسك تقرأ في كتاب للسحر، إذ الأمور سهلة وبسيطة لا تستدعي أكثر من الإشراف وحسن استخدام المواد الأولية وأدوات الإنتاج من مادية وبشرية ومراقبة السوق، بيد أن عفريت الأزمة مع كل ذلك يظهر، وعندها لا أحد يعلم من أين، من أي عنصر من عناصر هذا الاقتصاد المشؤوم نشأت الأزمة. إن كتب الاقتصاد السياسي لا تشير أبداً إلى دور الفن والأدب والموسيقى وبقية القيم المعنوية في الإنتاج. كل شيء في الاقتصاد السياسي يدور بين قطبين: الاقتصاد - السياسة فقط. ومع ذلك، وعلى الرغم من جهود العلماء الاقتصاديين الأفذاذ فشل الاقتصاد السياسي في تجنيب دولة جبارة كالولايات المتحدة عقابيل الأزمات الخفيفة والحادة، كما فشل في وقف انهيار معسكر بكامله. إن فشل الاقتصاد السياسي يعود في أساسه إلى تجاهله علم الاقتصاد الأدبي الذي هو الركيزة المكينة والثابتة لكل اقتصاد، قديماً كان أو حديثاً. ومن المقارنة بين الاقتصادين، الأدبي والسياسي تبرز مقومات الاقتصاد الأدبي. يرى الاقتصاد الأدبي أن الإنسان هو الركن الأول والأخير في أي عملية اقتصادية أو غير اقتصادية. وفي حال تخلف الإنسان (والمقصود بتخلفه إهماله الأدب فقط) لا تجدي التدابير ولا الوسائل ولا أي شيء في الاقتصاد السياسي. في حال تخلف الإنسان تتساوى الوتيرة الاقتصادية العالية والوتيرة الاقتصادية المتدنية. وربما كانت الوتيرة العالية أشد ضرراً بالإنسان من الوتيرة المتدنية، فقد لوحظ ارتفاع معدل الجرائم والاضطرابات في الوتيرة العالية للاقتصاد، مما يجعل الرفاهية المادية عبئاً خطيراً أن لم تصحبها رفاهية أدبية. والسبب في ذلك يرجع إلى أن الأدب هو المرشد الوحيد للحاجة الإنسانية. أما الاقتصاد السياسي فإنه يصطنع هذه الحاجة اصطناعاً، عن طريق طرح منتجات جديدة لم تكن تخطر على بال أحد. فهناك أشياء كثيرة في السوق لا يحتاج إليها الإنسان. لكن وجودها هو الذي يخلق الحاجة إليها. وما الموديلات المختلفة للثوب الواحد إلا من هذا القبيل. فالإنتاج الاقتصادي يتحول إلى عبء بدلاً من أن يرقى بالمخلوق البشري. وهذه الناحية هي أخطر ناحية في الاقتصاد السياسي الذي يعمل متجاهلاً هذه النقطة تجاهلاً تاماً فيقع في الفوضى ، حتى لو أشرف على إدارته آدم سميث ومالتوس وماركس. من هذه النقطة يمكن أن تنطلق لتحديد مقومات الاقتصاد الأدبي. إن هذه المقومات هي: الفلز الأدبي والمنتج والمستهلك والسوق. فالفلز الأدبي مطروح لكل منتج مجاناً. إنه لا يكلف شيئاً ولا يحتاج المنتج إلى رأس مال ثابت ورأس مال متغير، ولا إلى الأيدي العاملة، ولا إلى الآلات والمكننة الأوتوماتيكية والإلكترونية. وهو الفلز الوحيد الذي لا يمكن احتكاره. إنه أكبر فلز في تاريخ البشرية يرجع إلى أكثر من ثلاثين ألف سنة. إن في مقدور المنتج أن يحوز الفلز من الفولكلور المصري أو البابلي، أو من أبرع المنتجين الأدبيين في العالم وهم الأغريق، من دون أن يدفع قرشاً واحداً. إنه فلز مجاني يختلف عن الفلز الاقتصادي أو ما يسميه الاقتصاديون "المواد الأولية" التي كانت من أكبر أسباب اندلاع الحروب والصراعات بين الشعوب والدول. أما المنتج الأدبي فإنه يقف على الطرف النقيض من المنتج الاقتصادي . والمقارنة بينهما مخجلة جداً، ففي حين ترى المنتج الأدبي إنساني النزعة لا يرمي إلى ابتزاز أو احتكار أو تحقيق ربح بأسرع من لمح البصر، ولا إلى تشويه النفس الإنسانية وتدمير فئة أو دفع طبقة بكاملها إلى البؤس، نرى المنتج الاقتصادي ينطلق من عاطفة ذئبية. إنه منذ البداية يفكر في الطرق التي تمكنه من ابتزاز الآخرين وإفقارهم حتى آخر رمق. إنه عندما ينتج لا يفكر بحاجتهم، بل يفكر كيف يخلق فيهم الحاجة إلى منتجاته. إنه يستدرج -مثلاً- الأطفال لمنتوج سخيف فيأخذ من الفقير مثل ما يأخذ من الغني، فهو يساويهما في الابتزاز وليس في العطاء. وعندما يخلق الحاجة لمنتوجه فإنه يهيء النفوس للشعور بالحاجة تجاه المنتوجات الجديدة النافلة. وهو بذلك يسهم في الكوارث الاجتماعية . إن دفع لعبة سريعة العطب إلى الأطفال يسبب عبئاً على الأسرة الفقيرة. وهو يعرف أن الطفل في الأسرة أشبه بملك لا ترد أوامره. إن هذا المنتج ذكي جداً، يعرف كيف يتصرف ويعرف كيف ينتج. ولكن هذا الذكاء اشبه بذكاء لوسيفر الذي أرسل الأفعى الحكيمة إلى حواء فأفقدها السعادة وطردها من الفردوس الأرضي أو الحياة الرحمية. وبالمقابل نرى الطرف الآخر وهو المستهلك يختلف أيضاً في الاقتصادين الأدبي والسياسي. فالمستهلك الأدبي يدفع ثمن مايخلق له التوازن النفسي والإنسجام مع البيئة (القانون الأساسي للاقتصاد الأدبي) وهو يملك عاطفتين متعارضتين قويتين: العاطفة الأولى هي القناعة المادية والعاطفة الثانية هي الطموح أو الشغف الأدبي. فهو مادياً يقنع بما يكفيه ويريحه. إنه يعي تماماً إن العبيد الآليين لا يدخلون بيته ليخدموه، بل ليخدمهم. إن صيانة أي عبد آلي في هذه الأيام تكلف أكثر من الثمن الأصلي للعبد. وبذلك يتحول المستهلك إلى عبد يخدم العبد الآلي فكأن الإنتاج يتمرد على المستهلك وعلى الوظيفة التي من أجلها اقتناه. أما العاطفة الثانية للمستهلك الأدبي فهي الطموح الذي لا يشبع، إذ عندما يقبل على السلعة الأدبية يشعر بالاكتناز الروحي وتنزرع في صدره نبتة المحبة الإنسانية (الكاريتاز) التي تجعله يتماهى في كل ما هو راق وجميل. وكلما ازداد طموحه المعنوي زهد في نوافل الماديات. وهذا شأن كل تربية جمالية. فإذا جئنا إلى مسألة السوق وجدنا فروقاً كبيرة جداً، فالسوق الأدبية هي سوق إنسانية خفيفة الأسعار نفيسة القيم، تعمل على الإمداد بكل مقومات الحساسية الراقية، بعيداً عن الأزمات والاضطرابات والإفلاسات والإنهيارات. ان السوق الأدبية هي سوق بعيدة عن الاحتكارات والتروستات والكارتلات، على النقيض من السوق الاقتصادية التي لا تعرف النظام ولا الاستقرار، إنها أشبه بجحيم دانتي، تمور وتفور فتعذب وتدمر وتقمع، إنها سوق جهنمية، وهذا شيء طبيعي مادام المنتج ينطلق في إنتاجه من عاطفته الذئبية المفترسة التي لا تأبه بأي قيمة تغني النفس البشرية. هذه المقومات وغيرها من مقومات الاقتصاد الأدبي سنعود إليها بالتفصيل في بحوث لاحقة. ولكننا أشرنا إلى بعض خصائصها هنا حتى نكون على وضوح فيما يتعلق بالبحث الذي بين أيدينا وهو علاقة الناتج الوطني بالأدب. *** إذا كان الاقتصاد السياسي يعي تماماً العملية الاقتصادية، وأصول التنمية وأسس التوازن في السوق، وتلبية حاجات السكان، فلماذا لا يرتفع مستوى الناتج الوطني؟ إذا عدنا إلى المرحلة الميركانتيلية لاحظنا أن الناتج الوطني الأوروبي حقق في تلك المرحلة أعلى مستوى يمكن أن يحلم به أي اقتصاد مهما كان مؤتمتاً ومبرمجاً، ومهما كانت الأجور منخفضة. ولكن كيف تحققت هذه القفزة الهائلة؟... من القتل والسرقة والنهب. من كريستوف كولومبوس الذي اقام له الأوروبيون في أميركا أضخم التماثيل تقديراً لمجهوده في قتل السكان وإرسال الذهب إلى أوروبا. واليوم يحطم السكان الأصليون هذه التماثيل، والأدبيات في أميركا اللاتينية تظهره بمظهر أكبر مجرم عرفه التاريخ، انه لص تاريخي وقاتل فظيع، لم يتفوق عليه أحد، ولا حتى الكونت دراكولا، مصاص الدماء. هذا هو باني الاقتصاد السياسي الحديث، وهذه هي سيرته "المشرفة" لهذا الاقتصاد. فالناتج الوطني الذي يتباهون بارتفاعه المعتدل أو الصاعق ناجم عن السرقة والنهب أكثر مما هو ناتج عن تنظيم السوق تنظيماً إنسانياً من حيث الإنتاج والإستهلاك. وعندما ننظم السوق وفقاً للحاجات الإنسانية فإن الوفر الوطني سيكون صفراً، من دون أن تكون هناك أزمات أو ضائقة اقتصادية... لكن "الاقتصاد السياسي" يأبى أن يرضخ لهذه القناعة فيزيدمن وتيرة الإنتاج ليدخل البورصة والسوق العالمية، أي الدخول في صراع مع الآخرين، أي السرقة والسلب والنهب. ولص واحد في الدولة يستطيع أن يبلع كامل الناتج الوطني، الذي يغوص في الجيوب ويرتفع في البيانات الرسمية. والفضل في ذلك يرجع إلى الاقتصاد السياسي، الغراب المتغطرس. ويدعي الاقتصاد السياسي ادعاءات سخيفة جداً، فهو يذهب إلى أن التقنية الحديثة هي التي تسبب ارتفاع الناتج الوطني. وللوهلة الأولى يبدو الأمر صحيحاً إذ أن هذه التقنية تحقق قفزة اقتصادية، لكن انتظروا قليلاً تجدوا أنها هي نفسها تتحول إلى عنصر مدمر بعد أن كانت مسهمة في التقدم. إنها تشبه تماماً العبيد الآليين الذين ندخلهم إلى بيوتنا ليخدمونا، ويخدموننا فعلاً باديء الأمر ولكن بعد فترة نصبح نحن أنفسنا خداماً لهم. إن هذه التقنية التي أدت إلى ازدهار موقت انقلبت إلى عبء ثقيل بسبب ما ندفع على صيانتها المستمرة، أو بسبب ظهور عبيد أحدث تصر النساء على اقتنائهم، حتى لو لم يستخدمنهم. وتزداد الأزمة تفاقماً عندما تحاول المؤسسات التخلص من التقنيات القديمة فتحدث هزة في الأسواق وهكذا تنقلب التقنيات التي كانت معبودة إلى أبالسة تقبع في زوايا البناء لابد من التخلص منها بأسرع وقت ممكن. لقد باتت طاردة للبركة. وإذا فشل الاقتصاد السياسي في هذا الادعاء لم يستح أن يقدم لك ادعاء زائفاً آخر لا يقل تفاهة عن سابقه، كالتضخم السكاني مثلاً. يا لطيف إنه غول مخيف كم وكم حذَّرنا منه مالتوس ونحن عنه غافلون. ولكن من ينكر في هذه الأيام أن الإنفجار السكاني لا يشكل كارثة، وعلى الأخص في ظل الاقتصاد السياسي الكلاسي الذي يطرد الاقتصاد الأدبي؟ لا أظن أن ثمة من ينكر أهمية الإنفجار السكاني وخطره في ظل هذا الاقتصاد. ولكن كيف نتجنب الانفجار السكاني؟ أباقتصادكم؟... إذن لماذا لم تتجنبوه أنتم؟ المسألة لا تكمن هنا أبداً على الرغم من خطورة الانفجار السكاني. المسألة تكمن في التمسك بالاقتصاد السياسي الذي لم يول أي أهمية للناحية الأدبية الاقتصادية. ومع ذلك لابأس أن نتريث قليلاً عند هذه النقطة لدلالتها وأهميتها. لننظر الآن في نسبة التكاثر في البلدان التالية: السودان والجزائر والبرازيل... فماذا نجد؟ نجد أن السودان هي من الدول ذات المعدلات المنخفضة جداً. إنها أخفض نسبة تكاثر في العالم على الإطلاق. إن نسبة أقل بكثير من نسبة تكاثر الولايات المتحدة لا نجدها إلا في البرازيل فقط. نحن أمام ثلاث دول تمثل كل أنماط النمو السكاني حتى أن أدناها تكاد تصل إلى الصفر. ومع ذلك فإن الناتج الوطني في هذه الدول هو في انحدار مستمر. فأنت لا تستطيع ربطه بالسكان، فإن ربطته بالسكان في السودان، برزت لك البرازيل وإن ربطته بالسكان في البرازيل برزت لك السودان، وإن قلت الزائد أخو الناقص وإن النسبة يجب أن تكون معتدلة برزت لك الجزائر. فهذه الدول الثلاث تقوم فوق ارض تعتبر مخزناً من الثروة الهائلة، بعضها تحت الأرض وبعضها فوق الأرض، ومع ذلك فإنها تزداد مديونية بازدياد السنين، حتى الفوائد باتت بحد ذاتها عبئاً ثقيلاً. وبإمكانك أن تفتح أي كتاب في الجغرافية الاقتصادية لتقف على الثروات الهائلة التي لا يمكن الحفاظ عليها من السرقة والنهب إلا بالاقتصاد الأدبي. في هذه الدول تكاد نسبة الاستهلاك الأدبي تتدنى إلى الصفر، فالأدب في هذه البلدان يستهلك خارجها أكثر مما يستهلك في داخلها بمئات المرات. إن الاستهلاك الأدبي في هذه الأقطار محدود إلى درجة مخجلة. وحين لا يكون للأدب تأثير فإن الاقتصاد السياسي يلعب بحرية فيغش وينافق ويكذب، فمرة يعزو الأزمة للسوق العالمية ومرة لوفرة الإنتاج ومرة لقلته ومرة للآلات وأدوات الانتاج ومرة لعدم تقسيم العمل... ولكنه دائماً يعجزُ أنْ يضبط لصاً في الدولة أو في السوق أو في البلدان الأجنبية، لأن هذا اللص يكون هو نفسه متمكناً من معرفة مباديء الاقتصاد السياسي فيعرف تماماً كيف يحوله إلى جيبه وجيوب شركائه. وقد لعب الاقتصاد السياسي بعقل هيئة الأمم المتحدة فأقدمت على عقد اجتماع في القاهرة مخصص للنمو السكاني وطرق معالجته. وقد أنفقت الأموال الطائلة من أجل إنجاح هذا المؤتمر الذي كان اشبه ببرج بابل حيث كانت كل جماعة تنطق بلغة لا يفهمها الآخرون. فالفاتيكان وإيران وجبهة الإنقاذ والسودان وأمثالهم وقفوا بشدة ضد هذا المؤتمر الذي رأوا فيه مخالفة لوصايا الدين. والقاهرة نفسها انقسمت على نفسها فعلماؤها رأوا في الانفجار السكاني مشكلة، في حين أن المتشددين فيها رأوا فيه نعمة ربانية. ولم تكن هيئة الأمم تجهل ماذا سيحدث في هذا المؤتمر، ولا كيف ستتشعب الأمور وينقسم المؤتمرون إلى فئات متجاورة ولكن غير متحاورة، وإن تحاورت فهو حوار الطرشان... كانت تعرف كل ذلك، ومع ذلك فقد أقدمت على عقد المؤتمر "خدمة للاقتصاد السياسي" موهمة الناس انها تحل المشكلة التي لا يمكن حلها إلا بالاقتصاد الأدبي وحده فقط. ونوجز هنا ما كنا كتبناه أثناء انعقاد المؤتمر من أن هيئة الأمم تملك جداول إحصائية دقيقة لكل ظاهرة اقتصادية أو غير اقتصادية. إنها تعرف مثلاً عدد البزالات والبراغي في مصنع كوري شمالي تحت الأرض، وعدد العاملين فيه، والمنتجات التي تخرج منه وأسماء الذين يبيعون ويشترون وأعمارهم ولون عيونهم... وكان الأجدى أن تنشر بياناتها الإحصائية عن الاقتصاد الأدبي فتبين للناس أن الدول منقسمة قسمين: دول تكتب فلا تنجب ودول تنجب فلا تكتب، فحيث ترتفع نسبة التناسل والتكاثر تنخفض نسبة الاقتصاد الأدبي. قارنوا مثلاً بين الهند وهولندا أو باكستان والسويد. وربط الإنجاب بالكتاب ليس كافياً، إذ يجب ربطه بالناتج الوطني. فسواء كانت البلاد تنجب أولاً تنجب فإن شيوع الاقتصاد الأدبي فيها سوف يزيد من الناتج الوطني، وضموره يعني التدني الخطير للناتج الوطني، فهناك دول في أواسط أفريقيا تتناقص سكانياً بسبب الأمراض لكنها تزداد فقراً لانعدام الاقتصاد الأدبي فيها. خذوا فرانسا مثلاً، وهي من أوائل الدول قراءة وكتابة، واسحبوا منها الكتاب، واتركوها عشر سنوات فقط، ثم انظروا ماذا يحدث؟ إنها لن تزداد سكاناً فحسب، وإنما سوف ينهار ناتجها القومي أيضاً. وإذا انتظرتم عشرين عاماً انتشرت البيروقراطية واللصوصية، ولن تجدوا وزير مالية بريئاً يقدم على الانتحار، بل لا ينتحر وإن كان مداناً، وعندها سوف يزداد الناتج في البيان ويتضاءل في العيان لأنه ينزلق إلى الجيوب أو في البنوك الأجنبية. ولو أن هيئة الأمم أنفقت مصاريف المؤتمر على طباعة المؤلفات الأدبية ووزعتها على الدول المعنية لكان ذلك أجدى لها، ولوفرت على الفاتيكان نفقات عقد مؤتمر مناهض لمؤتمر القاهرة حيث عرض على المؤتمرين أسرة رومانية مباركة لأنها تتألف من خمسة عشر نفراً ما شاء الله، وقدمها على أنها أسرة نموذجية، مما دعا بعض اللاهوتيين الفرنسيين الكاثوليك إلى الإفصاح عن موقف معارض. على أي حال ليست هذه هي المرة الأولى التي تتدخل فيها الأمم المتحدة في تنظيم الاقتصاد العالمي. فقد تدخلت كثيراً قبل ذلك، فمرة تشير على هذه الدولة أو تلك بأن تعوم عملتها، ومرّة تشير على دولة أخرى بتصدير موادها الأولية لأنها لا تجيد استثمارها، ومرة تنصح باستيراد الآلات الحديثة لرفع وتيرة الانتاج... وأمثال ذلك. وهيئة الأمم واقعة تحت تأثير الاقتصاد السياسي المعروف الذي لم يستطع إثبات أي حقيقة سوى حقيقة واحدة فقط وهي أن الاقتصاد الوطني أو العالمي هو دائماً في صالح القوي، فالقوي يغتني حتى في حالة انخفاض الناتج الوطني أو في حالة تدني مردودية الاقتصاد العالمي. وربما كان تدني مردودية الناتج الوطني أو الناتج العالمي أشد دعماً وتأييداً للقويّ من ارتفاع هذه المردودية. ونسأل هيئة الأمم المشرفة علينا بعد الحرب العالمية الثانية: لماذا القويّ يزداد غنى، والضعيف يزداد عوزاً، في حالتي الأزمة والإنفراج، بالرغم من النصائح المذهلة حقاً التي تقدمينها للدول الضعيفة بعين خاشعة وقلب متواضع؟... لماذا لم يعمل أحد بنصائحك، التي لم تمنع أزمة الثمانينات من العصف بدول الجنوب؟... ألا يعني هذا أن الاقتصاد السياسي المعروف وسيلة خداع بيد السياسة التي هي أداة ناجحة دائماً في يد القوي؟ واليوم نسمع من الأمم المتحدة نغمة جديدة وهي أن دول الجنوب تعاني من تلوث البيئة لذلك يتدنى ناتجها وينهار اقتصادها، فالبيئة الملوثة تجعل فاعلية السكان أقل وتجعل نفقات الصحة على الفرد تستنفد الوفر الأسروي... ولكن لماذا يؤدي تلوث البيئة في الشمال إلى المزيد من الناتج الوطني؟... بل أن المزيد من تلوث البيئة يتناسب طرداً مع المزيد من الربح وارتفاع الناتج الوطني. والحقيقة أن كريستوف كولومبوس لايزال السبب الأول الكامن وراء زيادة الناتج الوطني. يبدو أن تماثيله لم تحطم كلها. إن الإقتصاد السياسي الذي نزعم أن العقول الكبيرة هي التي هندسته وقدمته هدية لمن يريد أن يستفيد منه -ويبدو أنه لم يستفد منه إلا اللصوص- ليس أكثر من ستار يخفي الرغبة الذئبية الكامنة في الإنسان. وعندما نادى هوبز بأن الإنسان ذئب للإنسان كان محقاً ولكنه لم يكن محقاً عندما جعل الدولة تحل المشكلة. كان عليه أن يلمس أن الدولة عندما تقوى وتتدعم وتسيطر على الأمور وتقمع الرغبة الذئبية في الإنسان تتحول هي نفسها إلى ذئب لا يشبع, فالذي استقدمه هوبز لحل المشكلة يغدو نفسه مشكلة. لا أظن أن أحداً أسند إلى الدولة مهمات أسمى وأنبل من تلك المهمات التي أسندها إليها ماركس. ولكن ماذا كانت النتيجة؟... كانت أن هذه الدولة تزداد ذئبية كلما ازدادت هيمنة فامتلأ رحمها بجراء الذئاب الذين ما إن ولدوا حتى التهموا أمهم وصاروا هم أنفسهم أصحاب السيادة. وكنت منذ الستينات -زمن اطلاعي على أدب دستويفسكي- أسأل نفسي، وأنا أعرف الجواب: لو أن أدب هذا الكاتب شاع في منتصف القرن الثامن عشر، هل كانت البشرية تعاني من الثورة الفرنسية المريعة؟ أو لو أن الشعب الروسي كان يعرف أدبه جيداً، هل كان يستجيب لنداء البلاشفة فيستبدل دولة بأخرى، ثم يندم على ما فعل، فيبحث عما عاف فلا يجد؟ أنا أذهب مذهب اشبنجلر بأن الذي عبر عن نفسية الشعب الروسي هو دستويفسكي، إلا أن أدبه لم يكن شائعاً في بلاده. ربما كانت أوروبا أكثر استهلاكاً لانتاجه من بلده روسيا، حيث كانت طبعات كتبه لا تتعدى الألف أحياناً، وكذلك كتب تشيخوف التي لم تنل حظها من النشر في الداخل وفي الخارج إلا بعد وفاته بزمن طويل. وليس عبثاً أن الثورة الروسية كافحت مؤلفات دستويفسكي بضراوة لا تقل عن ضراوة النضال ضد جيوش بولتشاك ودينيكين البيضاء. لن نوغل في تحليل نوعية الأدب اللازم لتحسين الناتج الوطني، فهذا مدخل خاص، ولكننا نشير إلى أن المقصود من كلامنا ليس زيادة كمية الناتج فحسب، وإنما تحقيق العدالة في توزيعه. والعدالة مطلوبة من الاقتصاد الأدبي قبل الزيادة. إن الأرقام الضخمة للناتج لا تعني أبداً انه وطني فقد يكون طبقياً أو فئوياً أو فردياً، ومن دون الإنتاج الأدبي لا يمكن أن يتحول الناتج الاقتصادي من ناتج فئوي إلى ناتج وطني. هذه دول العالم منشورة على الخارطة أمامك فانظر فيها وخذ من الجغرافيا الاقتصادية المعلومات عن هذه الدول، تجد أنه حيث تشيع الثقافة والكتاب تكون مشكلة الإنفجار السكاني وتوزيع الناتج الوطني مشكلة بسيطة إن لم نقل انها مشكة محلولة تماماً. ثم ادخل في تعاريج هذه الدولة أو تلك تجد أن الأحياء التي لا يدخلها الكتاب، سواء كانت أحياء فقيرة أو أحياء غنية، هي الأحياء التي تكثر فيها الجريمة، فالفقير يستخدم المدية والمسدس والغني يستخدم الاحتكار أو إغراق السوق لتحطيم أحد المنافسين... وكلها جرائم، وإن كان النوع الثاني أشد خطراً بما لا يقاس من النوع الأول. ولو ألقينا نظرة على تاريخ الناتج الوطني لدول الجنوب التي تتشرف بحمل وسام التخلف على صدرها، لوجدنا أن هناك وزارتين لا يمكن المساس بميزانيتهما وهما وزارة الحربية ووزارة الإعلام. الوزارة الأولى تزداد ميزانيتها باستمرار وتكاد تلتهم الناتج الوطني إذ تجتزيء ما يقارب النصف، والثانية تلتهم ما يقارب الربع، وهي وزارة فريدة من نوعها إذ لا وجود لها في كل دول العالم إلا في بلدان الجنوب المتخلفة فقط. وهاتان الوزارتان معاديتان للأدب والثقافة، وبالأخص الثانية التي تكيف الأدب وفقاً للمصالح السلطوية، أقصد الأيديولوجيا التي تغطي طريقة اقتسام الناتج. وهي وزارة تبتلع الأدب، فالقصص والروايات والشعر والمسرح وحتى الرسم والنحت والموسيقى يجب أن تسير مع المتطلبات الإعلامية، مهما جرى التسامح في الأطر الأدبية. وعندما تظهر غيوم أزمة عابرة أو شديدة فإن ميزانيات الوزارات تخفض فوراً باستثناء هاتين الوزارتين ويتقلص الإنفاق على الثقافة أكثر من أي فرع آخر. وهذا مرجعه إلى النظرة التي ينظرون فيها إلى الثقافة. إن الثقافة المنتجة في عرفهم هي ما تحمل في طيها مشروعاً إعلامياً. وما سوى ذلك نافل وغير منتج. إنهم ينظرون إلى الإنتاج الأدبي على أنه أداة طفيلية، أيُّ إنفاق عليه إرهاق للدولة فهو عقيم لا يثمر وعاطل لا ينتج، وإن كانت إحصائيات بقية الدول تربط بين الرقي والإنتاج الأدبي ربطاً وثيقاً. إن الإنتاج الأدبي، كما تبين هذه الإحصائيات هو الأداة الوحيدة المثمرة التي تخلق التوازن بين الحاجات المادية والحاجات المعنوية والتي تجعل الحاجة المادية تتقلص إلى الضروريات وترتفع الحاجة المعنوية إلى أرقى ما يمكن. والتوازن الذي نقصده هو بهذا المعنى وهذا الاتجاه، وليس توازن المناصفة، كما قد يتوهم القاريء. والإنتاج الأدبي هو الوحيد الذي ينظم الأسرة والنسل والسكان من دون تدخل هيئة الأمم والفاتيكان، وهو الذي يخلق الإنسان الراقي الذي يعي تماماً ما يفعل، والذي لا يمكن لشيء أن يرتقي ما لم يرتق هو: لا اقتصاد ولا ناتج وطني، ولا حتى نظافة الشارع. إن المشكلة في الناتج الوطني ليس ضخامة الأرقام أو ضآلتها، وإنما الكيفية التي يتم بها إنتاجه وتوزيعه، وهذا أمر لا يحله إلا الاقتصاد الأدبي. اشتهي أن أقرأ في أي كتاب عن الاقتصاد السياسي، شرقياً كان أم غربياً، ماركسياً كان أم براغماتياً كلمة واحدة عن دور الأدب والفن والرياضة والموسيقى في الاقتصاد. إن قاريء الاقتصاد السياسي يخرج -مهما بلغ عدد الكتب التي يطلع عليها- بنتيجة كئيبة وهي أن الناس الذين يتحدث عنهم هذا الاقتصاد هم أجساد بشرية بشهوات ذئبية. وربما كان هذا السبب وراء تأليف كارل تشابيك مسرحيته الشهيرة "الإنسان الآلي" التي ترجمت إلى العربية أكثر من مرة؛ والتي يتحدث فيها عن الرجال الآليين الذين ارتقت الحركة الأوتوماتيكية عندهم إلى درجة كبيرة، إلا أنهم -أي الروبوطات- يستنكرون ما يجري أمامهم. وماذا أمامهم؟... أناس جمدت قلوبهم وتصخرت أفئدتهم، فما هان عليهم -وهم رجال من حديد- أن يروا الناس هكذا، فدبت المشاعر فيهم وثاروا على الناس والآلات "المتطورة" أي ثاروا على الاقتصاد السياسي إياه، وعلى وجهته المدمرة، واقدموا على تحطيم كل شيء، ووزعوا العاطفة الانسانية من جديد، أي وزعوا الأدب . المتاعب التي جلبها الاقتصاد السياسي مكشوفة ومعروفة.. من أبسط الانهار حتى طبقة الأوزون. وسوف يتزايد تأثير الاقتصاد السياسي حتى يصل إلى الطريق المسدود... وعندها يولد، وبجدارة، الاقتصاد الأدبي الذي يحمل الرقي الحقيقي والذي يعرف فعلاً كيف يخلق الناتج الوطني النظيف وكيف يتصرف به. وحتى نقف على تهافت الاقتصاد السياسي وانحرافه عن الأهداف الإنسانية نفتح كتاب "تحديات الجنوب: تقرير لجنة الجنوب" ونأخذ من الصفحة 40 من الطبعة الإنكليزية شكلين: الأول يشير إلى النسبة المئوية المقتطعة من الناتج الوطني والمنفقة على البحث العلمي حيث نلاحظ أن الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية يحققان أعلى نسبة: النسبة المئوية من الناتج المنفقة على الأبحاث العلمية
والشكل الثاني يبين عدد العلماء والمهندسين، حيث يحقق الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية أعلى رقم من الكادرات العلمية والمهندسين في العالم:
نسبة العلماء والمهندسين بالمليون
والشكلان مقتبسان من "كتاب الإحصاء السنوي لليونسكو" فهما من الوثائق الرسمية البعيدة عن الدعاية السياسية والإعلام الأيديولوجي. فالدول ذات النسبة المرتفعة إنما تسير وفق مقتضيات الاقتصاد السياسي، ومع ذلك انهارت أنظمتها مثل بيوت الرمل على شاطيء عاصف من غير أن يمنعها اقتصادها السياسي المدروس والمبرمج جداً من هذا الانهيار. إن غياب الاقتصاد الأدبي هو الذي يكمن وراء هذا الانهيار المريع، لأنه الملاط الذي يمسك حجارة المجتمع والذي يرقى بنفسية المنتج قبل أن يرقى بكمية المنتوج ونوعيته، والذي من دونه تذهب كل الجهود هباء. ومع أن الاقتصاد الإعلامي والأيديولوجي حظي بأكبر اهتمام منذ عام 1917، فإنه لم يستطع أن يوقف الانهيار. إن كل حديث عن الاقتصاد السياسي بعيداً عن الاقتصاد الأدبي يعتبر نافلاً ولا يؤخذ بالحسبان. القيمة الاقتصادية الحقيقية تنبع من الأدب لا من العلم ولا الهندسة ولا من قوانين السوق ولا من قوة المال، ولا من المكننة المتطورة. إن كل أركان الاقتصاد تتبع النفس البشرية، فإن كانت خاضعة للشهوة الذئبية فلا قيمة لأي إحصاء ولا لأي تقدم. إن السوق تصبح سوقاً ذئبية والمنتج يصبح ذئباً والمستهلك يصبح نعجة يضحى بها بمناسبة ومن دون مناسبة، والمكننة تتبع نفس الممكنن فإن كان ذئباً فإن مسنناتها ليست أكثر من أنياب مفترسة. في الكتاب الذي أخذنا منه الشكلين البالغي الدلالة نقرأ بعض النصائح لمواجهة أزمة التسعينات القادمة التي ستواجهها دول الجنوب التي ستعاني من ضائقة اقتصادية شديدة إن أهملت هذه النصائح. لنفرض أن بعض دول الجنوب لم تأخذ بهذه النصائح، فما الذي يحدث؟ تلافياً للضائقة الاقتصادية أو المالية ستعمد هذه الدول إلى تقليص الإنفاق على الأدب، إن لم نقل أنها ستلغيه تماماً، وسوف تزيد من الإنفاق على الإعلام بمقدار ما تزيد من الضرائب. منشوراتها ستخصص كلها للإعلام، وهذا القسم الضئيل الذي كان مخصصاً للأدب سوف يختفي "تلافياً للأزمة" أنا أكتب وأنتم تقرؤون، والأيام قادمة، فاذكروا كلامي.. الأدب سيكون الضحية الأولى في الأزمة إن حدثت. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |