|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 01:21 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل التاسع المنتج الأدبي هو بكل بساطة ذلك الإنسان الذي ينتج مضطراً، تحت ضغط نفسي شديد تلك القيم والتقاليد التي يشكل مجموعها ما نسميه الأدب. فشخصية المنتج الأدبي بسيطة جداً. إنه متلقي الوحي النفسي الذي لا يستطيع متابعة الحياة من دون الإفصاح عن ذلك الوحي، أو اللاوعي إذا أردت استخدام المصطلحات الحديثة. فهو من هذه الناحية يقف على الطرف المقابل للمنتج الاقتصادي فالأول يخضع لضغط نفسي ، لحاجة بيولوجية يشعر بها ويلبيها فينتج الأدب ، أما الثاني فغير ذلك تماماً. إنه يستغل حاجات الناس المادية، لا ليقدمها مجاناً كما يفعل الأول وإنما ليستغلها أبشع استغلال، وبأسرع زمن ممكن. قد يبدو كلامنا غامضاً أو غريباً لأن عقولنا مؤدلجة وفقاً لفلسفات الاقتصاد السياسي الزائفة:. فنحن نؤمن مثلاً بأن الاقتصادي يقوم بدور هام في تأمين الحاجات المادية، مع أننا لو عكسنا هذه المقولة لأصبنا الحقيقة. فالمنتج الاقتصادي هو بالضبط ذلك الذي لا دور له، إذ أنه هو الذي يصطنع هذا الدور، وذلك بتدخله في عملية الاقتصاد المادي وزعزعته ووقف عمليته الطبيعية وتحويلها إلى عملية خاضعة له. أعتقد أن الملكية هي التي تحدد لنا الفرق بين المنتج الأدبي والمنتج الاقتصادي. فالأول لا يعرف الملكية ، وإنتاجه مشاع للناس جميعاً، بينما المنتج الاقتصادي يقوم أولاً وقبل كل شيء بإدخال الملكية في الاقتصاد. فهو يملك ويوسع ملكيته. هذه هي الخطوة الأولى. وبعد ذلك يأتي دور الإنتاج الذي هو في الحقيقة ناجم عن عملية سلب ونهب كبيرة جداً أو آثمة جداً، وهذا ما لا يعرفه المنتج الأدبي الذي يقوم أصلاً على عدم الملكية، بل إنه منذ وجوده وحتى هذه الأيام يناضل لإسقاط الملكية، أي إعادة الإنتاج إلى دورته الطبيعية، أي مجموع ما تنتجه الأرض يملكه مجموع البشر العاملين. لقد كانت منتوجات الطبيعة تكفي الإنسان، بل تزيد عن حاجاته كثيراً وكثيراً جداً. وفي هذه المرحلة بالذات ظهرت الملكية. إنها لم تظهر نتيجة تطور مادي، بل ظهرت نتيجة نغولية نفسية فاسدة. والاقتصاد السياسي الكلاسي يعترف بذلك فيحدد ظهور المكلية بتحول السلطة من المرأة إلى الرجل في المرحلة الزراعية. وقد نقول: ما الفرق بين سلطة المرأة وسلطة الرجل؟.. الفرق كبير جداً وبسيط جداً يقتصر على كلمة واحدة هي "الملكية". إن سلطة الرجل مرتبطة بالملكية على النقيض من سلطة الأم. وبظهور الملكية لم يظهر المجرم الاقتصادي وحسب، بل ظهر المجرم الأدبي أيضاً، لكن هذا المجرم الثاني كان محدوداً لم يجرف معه التقاليد الأدبية. فبعض الأدباء راحوا يطرون الملكية والمالكين حتى أضفوا بعض القيم عليها وعلى المالكين، فسهلوا بذلك ترسيخ ما يجب أن يقفوا ضده، وما يقف ضده جميع الأدباء. المالك ليس شاعراً أو أديباً ولا يستطيع أن يكون شاعراً أو أديباً، لأنه اختار الدرب المعاكس. لكنه بحاجة إلى قيم معنوية فاستأجر وأفسد. استأجر الأدباء فأفسد الخليقة إذ أقنعها بأهمية الملكية. ولكن على الرغم من كل ذلك ظل الأدب في اتجاهه العام ملتزماً بالجذر الأساسي الذي نشأ منه وهو الابتعاد عن الفساد، أي عن الملكية، فحتى هذه الأيام نرى الأدباء والكتاب ينحون باللائمة على الملكية، مفسدة الضمائر، مفسدة الناس. كل زعم للاقتصاد السياسي بأن المنتج الاقتصادي لم يظهر إلا عندما دعت الضرورة البشرية إلى ذلك هو زعم لا أساس له من الصحة، فكل وقائع التاريخ وحقائقه تكذبه، فهو ليس ابن الضرورة بل خالقها والمتحكم بها. هكذا كان وهكذا هو الان. ولو أنه منذ القديم رفع يده المتسلطة لما شعرنا بـ"الضرورات" المصطنعة التي تجعلنا عبيداً له منذ القديم وحتى اليوم. إن الفرق بين عبد الأمس وعبد اليوم هو أن الأول كان مملوكاً بوثيقة، بينما نحن مملوكون بحكم هذه الضرورات المصطنعة والمفتعلة، والأول كان يذبح أمام بيت سيده، ونحن نذبح في بيوتنا ذبحاً بطيئاً، وبالتدريج. لم يتغير شيء، فحتى الأدب اليوم يشبه أدب الأمس، فأنت ترى -مثلما كانوا يرون- بعض الأدباء يتحلقون حول المالك يسبحون بعظمته ويمجدون كل جرائمه ويطرون كل تصرفاته مهما كانت شائنة. وهذا هو الأدب الذي يدافع عن الإثم الكبير "الملكية" وهو القسم الذي نحيناه عن الأدب، فمن المستحيل أن يكون الأدب المنافح عن دعارة الملكية هو ذاته الأدب الذي يريد أن يرفع عن البشرية هذا الإثم الكبير الذي تحول إلى قناعة نفسية مفسدة. إن التيار العام للأدب يلفظ هذه النافورة الشاذة ويعتبرها إثماً ناجماً عن إثم وليس فرعاً من شجرة. وبعض النقاد السخفاء يصرون على أن هذا المنتوج هو فرع من فروع الأدب. فرع؟... أدب؟ من المستحيل أن يكون هناك أدب يدافع عما يفسد الأدب، عن نبتة الشيطان. ولكن على فرض أنه فرع فإنه فرع أصابه اليباس فلم يعد يرضي النظر ولا يشرح الصدر: أو قل إنه الأدب الضال أو الأدب المضاد للأدب، فالأدب موقف قبل أن يكون كلمات وألفاظاً وتعابير جميلة. وحتى تعرف الأدب حقاً ترجمْه فتسقط منه الجماليات اللاصقة والطافية فتحصل على النواة الحقيقية. عندئذ انظر فيه واحكم عليه، إذ تكون بعيداً عن التأثيرات السطحية. إن خرق القانون الطبيعي هو ما أدى إلى الملكية وليس احترامه. وقد دفعت البشرية ثمناً لذلك الشيء الكثير، وستظل تدفع الثمن الباهظ الذي نظن أنه أكبر بكثير مما قد نتوهمه. إنه ثمن سوف يكلفها حياتها إن لم تتدارك الأمر. إن وجود البشرية اليوم مهدد بسبب هذه الملكية الآثمة. وعندما نقول ملكية فإننا لا نميز بين ملكية فرد أو شركة أو تروست أو دولة، فمالك الرؤوس البشرية القديم لا يختلف عن مالك الرؤوس النووية الحديث. إن ملكية الأنهار أفسدتها، وملكية الأشجار اجتثتها وملكية الجو لوثته، وملكية الأرض حجبت انتاجها فصارت سيفاً مسلطاً بدلاً من أن تكون مصدر العطاء. إن الأدب وحده يقف في وجه هذا الإثم الكبير، وهو وحده الذي يريد أن يجتث نبتة الشيطان (الملْكية)، لا الدين ولا الفلسفة ولا العلم ولا أي شيء آخر. أما الرقص والغناء والموسيقى فقد نحيناها جانباً لنكون متعاملين فقط مع الأدب المكتوب. إن كل ما ذكرنا يقوم على الملكية ويسبح بحمدها، جل جلالها، فقد حرصت عليها الأديان والفلسفات والأخلاقيات والعلوم. الأدب وحده ظل ينادي بإسقاطها. وما على القاريء إلا أن يستعرض تواريخ تلك العلوم الطبيعية والاجتماعية ليرى كيف أنها قامت بعد قيام الملكية وعليها أسست صرحها، وصارت لها تابعة أو وصيفة تزينها لتصير فتنة للناظرين. لولا الملكية لما ظهرت الهندسة ولما ظهر الحساب ولا المساحة... كل هذه العلوم لم تكن موجودة قبل ظهور الملكية. الأدب وحده كان موجوداً فهو وحده المناضل الذي ظل مخلصاً مع نفسه، فلم يتوان عن إشهار سلاحه ضد هذه المفسدة. لا تقولوا أن بعضاً منه استسلم. إن هؤلاء هم بعض الأدباء، وقد نفيناهم من سجل الأدب، لأنهم خرقوا بفظاظة التقليد الأدبي، إما لجهلهم -فهم ليسوا أدباء- وإما لخباثتهم أو تبعيتهم أو اغترارهم أو حاجتهم للمالكين- وهم أيضاً ليسوا من الأدب في شيء. الأدب لا يمكن أن يلتقي بالملكية الشيطانية. الأدب لا يسقط أبداً. وقبل أن ننسى نود أن ننبه القاريء إلى شيء نخشى أن يلتبس الأمر عليه وهو أن المنتج الأدبي ليس أكثر من منتج للقيم المعنوية. اللبس ناجم من اعتقاد القاريء أنه لا علاقة لهذا الانتاج المعنوي بالانتاج المادي. وهو اعتقاد موهوم لا أساس له من الصحة إطلاقاً. ومن شك في ذلك فليرجع إلى التاريخ الاقتصادي ليرى أن كل تدخل في الاقتصاد الطبيعي يفرز قيماً زائفة تتناسب والمقاصد الدنيئة. إن زوجة المالك الكبير التي تمتلك ستين ثوباً مزخرفاً فاخراً تجددها في أقل من ستين يوماً لا تنظر إلى الحياة وقيمها المعنوية كما تنظر ريفية لم تفسدها بعد مآثم الملكية. إن القيم الزائفة الناجمة عن الملكية، تعود بدورها وترسخ النزعة الذئبية أكثر وأكثر، تماماً مثلما المزيد من الملكية تؤجج الشهوة الذئبية أكثر فأكثر. فالقيم المادية تنصاع للقيم المعنوية مثلما تنصاع القيم المعنوية للقيم المادية. وعلى هذا فإن المنتج الأدبي عندما ينتج القيم المعنوية الأدبية فإنه يسهم في الانتاج المادي، بل إنه يرقى بهذا الإنتاج إلى المستوى الإنساني الرفيع لأنه يلح على إبعاد جرثومة الشر والنوايا الخبيثة عنه. يريده انتاجاً نظيفاً يسد الحاجة ولا يخلقها، ويعين على الحياة ولا يعقدها فيزيد من صعوبتها ومأساتها. إننا بنظرتنا السطحية نظن أن المنتج الاقتصادي، على سوءاته، يقوم بعبء تقديم القيم المادية ونتوهم أننا لا نستطيع الحياة من دونه. وهذه النظرة هي التي جعلتنا ننظر إلى الأدب على أنه من المعنويات النافلة، فلا تستطيع سبعة آلاف قصيدة أن تمدنا بمجرفة للحقل أو حتى بدبوس ثياب. ولو قلبنا هذه النظرة لاستقامت الأمور. إن الأدب نشأ ليقيم التوازن مع الطبيعة ومع الذات، وإن الاقتصاد السياسي نشأ ليخل بهذا التوازن. لا يوجد منتج اقتصادي في العالم كله بلا استثناء يفكر بالتوازن أو بـ"إخوانه" من بني البشر. دائماً يفكر كيف يخل بهذا التوازن ليتحكم بالطبيعة وبالناس معاً، وليكون سيداً بسلطة شمولية. من هنا بدأ الإخلال بالتوازن. وهذا الإخلال شمولي، أي لا يقتصر على علاقة الإنسان بالطبيعة وإنما يمتد إلى العلاقة بين الإنسان والإنسان، وبين الإنسان ونفسه. والأدب هو الوحيد الذي ظهر قبل الإخلال بالتوازن فاكتسب النظرة الحقيقية لضرورة خلق التوازن أو استعادته. وهذا هو قانونه الأولي وهاديه الأوحد. إنه تعرية الملكية، الشجرة الشيطانية التي في كل غصن تُنبتُ ناب أفعى. فلا عجب والحالة هذه إذا وصف الأدب أنه فوضوي أو أنه دائماً ضد الأنظمة القائمة أو أنه يميل إلى التمرد. وهذه ناحية علينا أن ننتبه إليها، وهي أن الأدب، من بين كل تلك العلوم لا يملك برنامجاً سياسياً ليحل سلطة محل سلطة. وهو ليس اقتصاداً سياسياً يقوم على الملكية. إنه يسعى إلى إعادة التوازن أو خلق توازن جديد، فالحياة في هذا المسرى الجاري لا يمكن أن تطاق. ففي كل يوم اقتتال وانفجارات سياسية وانهيارات اقتصادية. إن الاقتصاد السياسي منذ أن نشأ هو عبارة عن سيناريو للصراع والحيازة. أما الأدب فهو سيناريو التوازن. من هنا كان استهداف الأدب محدداً، وهو تعرية كل ما أخلّ أو يخلّ بهذا التوازن المنشود في كل الأصعدة. فعندما يرى العلم مدمراً يقف في وجهه وعندما يرى السلطة طاغية يقف ضدها، وعندما يرى الاقتصاد منحرفاً يفضحه وعندما يرى العلاقات الاجتماعية شائهة يهاجمها. فمن الطبيعي جداً أن يتهم بالتمرد والفوضوية. ولكن كيف يعيد المنتج الأدبي التوازن؟ كيف يقيم وهو المغلوب على أمره، قاعدة التوازن بعد كل هذا التاريخ القائم على الملكية السرطانية الجشعة؟ إن كل ما يعرفه هو أن ما يجري يخل بالتوازن ولكنه لا يعرف الخطوات العملية لذلك، وحتى لو عرفها فإنه أعجز من أن ينفذها، إنه يعرف مسبقاً أنه يخوض معركة خاسرة، ومع ذلك لا يتراجع، فأخلاقه لا تسمح له بذلك، فهو مثل يوسف العظمة... يعرف أنه هالك ويقتحم، وأنه مدحور ويقدم، وأنه ميت، فيعلن سلفاً ورقة نعوته. ولهذا السبب يبدو مضحكاً، كشخصية المهرج، ينطق بالحقيقة مثل كاسندرا ، ولكن لا أحد يصغي إليه ولا أحد يؤمن بنبوءاته المتشائمة والمدمرة. إنه مثل عراف شكسبير يحدس بالكارثة ولكنه لا يعرف كيف يتجنبها، وموقف الناس من المنتج الأدبي يشبه موقف يوليوس قيصر من هذا العراف. قال له: ها قد جاء الخامس عشر من شهر آذار، فيجيب العراف: نعم لقد جاء ولكنه لم ينته بعد. ويدخل قيصر إلى مجلس الشيوخ ولكنه يخرج منه جثة هامدة. وبدلاً من أن يكون مقتل قيصر حلاً للمشكلة، يصبح بداية لمشكلة جديدة أعقد وأخطر من كل المشكلات السابقة، بل أن مقتله كان نذيراً بكارثة جديدة. والمنتج الأدبي يرى بحدسه أن الحلول التي تجري أمامه لمشكلات الملكية السرطانية ما هي سوى نذير للكارثة الجديدة، فلا هو يعرف الحل ولا هو قادر على تجنب الكارثة. وينشغل الناس بالكارثة الجديدة، ويسعون إلى حل الماديات بالماديات فينسون تلك البضاعة التي يطرحها أمامهم مجاناً. إنهم لا يؤمنون أن الماديات يمكن أن تعالج بالمعنويات، ولذلك كانت مشكلاتهم أشبه بالقنابل الانشطارية التي لا تعرف التوقف أبداً. ومع أن بذرة الشر عنيدة وراسخة، إلا أن المنتج الأدبي يظل أشد عناداً بكثير. لا غرابة إذا بدا المنتج الأدبي غريباً شاذاً خيالياً مجنوناً مخرفاً في نظر معاصريه. إنهم لا يعرفون قيمة انتاجه إلا بعد رحيله بزمن طويل. ومع تقديرهم لهذا الإنتاج يتابعون مسيرتهم السخيفة محولين آثار المنتج الأدبي إلى مادة للتسلية. وهم بذلك يحسنون ويسيئون في الوقت ذاته. إنهم يحسنون عندما يقرون بقيمة هذه الآثار، لكنهم يسيئون عندما يتسلون بها من جهة، وعندما ينسون معاصريهم من المنتجين الأدبيين من جهة ثانية. وفي المعاصرة دائماً شيء من التجاهل. ولولا ذلك لكان تأثير الأدب فورياً. فالأدب في ظل الملكية السرطانية حاجة مرجأة دائماً، علينا أن ننتظر ردحاً طويلاً حتى نشعر بأننا كنا في حاجة إليها. هنا نصل إلى الوجه الآخر من المنتج الأدبي وهو أنه هو نفسه خاضع لتأثيرات هذا السرطان الذي يسمى الملكية التي لا تعرف القناعة التي ينادي بها الأدب، القناعة التي تساعد على إعادة التوازن. وخير دليل على خضوعه لتأثيرات هذا التاريخ الطويل الشائه للملكية هو انتقاله عموماً من الشعر إلى النثر. ومن هذا الباب تأخذ قصيدة النثر شرعيّتها. إن تاريخ الملكية هو تاريخ الصراع بين الشعر والنثر. فالمنتج الأدبي قديماً لم يكن ينتج بضاعة نثرية. كان الأدب شعراً فقط سواء اتخذ شكل الملحمة أو شكل المسرحية أو شكل القصيدة. إلا أن الملكية خلقت -بحكم طبيعتها الجشعة- وتيرة متسارعة للزمن. صار زمناً عاصفاً لا يستطيع الشعر ملاحقته. صار زمناً نثرياً. لقد وضعتنا الحياة -بسبب هذه الملكية السرطانية- في موقف نثري جارف. لم نعد قادرين أن نتريث قليلاً للتمتع بحديقة أو نهر أو غابة أو جبل. لم نعد نتمتع بما حولنا بعد كل هذه التطورات المخيفة. المصير هو ما يشغل بالنا، إلى أين تسير البشرية في هذا الطريق المشؤوم؟... إلى المزيد من التطاحن والاقتتال. إن مظاهر الجمال قائمة حولنا. إنها موجودة في الواقع، ولكنها غير موجودة في حس المنتج الأدبي الذي شغلته مسألة المصير البشري. يمكن تلخيص تاريخ البشرية بأنه تاريخ الانتقال من الحس الجمالي إلى الشهوة الذئبية، من الإنسانية إلى الحيوانية، من الشعر إلى النثر. ومهمة النثر في هذه الأيام هي ملاحقة سرعة الشهوة الذئبية لا الاستسلام لها. إنه سلاح جديد وفعال أكثر من الشعر المتراخي الجميل. إنه سلاح أسرع وأقوى وأدق، وهو يثبت جدواه أكثر فأكثر. لم يظهر النثر الأدبي بظهور ملكية القناعة بل بظهور ملكية الشراهة. وكان لابد أن يظهر ليستطيع مجاراة السرعة التي فرضتها الملكية. وكلما ازدادت الملكية شراهة ازداد الإنتاج النثري شراسة... وهل هناك ما يليق بالشراهة غير الشراسة؟ إن قصيدة النثر هي أروع ما أبدعه المنتج الأدبي في هذا العصر الزنخ الذي ماتت فيه الحاسة الجمالية، والذي صار بحاجة إلى شتيمة ورثاء، لا إلى التسلية والغناء. كان المنتج الأدبي يقدم في إنتاجه بارقة من جمال أو ملمحاً من أمل. ولكن الرؤى السوداء أطبقت عليه من كل جانب, فرصد بدايات الكارثة ومظاهرها الشمولية. ومنذ عشرين عاماً نشرنا بحثاً ربطنا فيه بين الشعر السوري والرؤى السوداء. وقد ظن بعضهم أن هذه الخصيصة لا وجود لها إلا في الشعر السوري. ولإزالة هذا الظن يكفي أن يطلع القاريء على كل آداب العالم ويتساءل: لماذا تحول الأدب العالمي في معظمه إلى النثر؟ لماذا سادت فيه الرؤى السوداء وانعدمت أي بارقة أمل؟ لماذا تتضاءل مساحة الإنتاج الأدبي في كل وسائل الإعلام؟ لماذا لم يعد المنتج الأدبي متمتعاً بالمكانة التي كانت له قديماً؟ لماذا ينظرون إلى المنتج الأدبي على أنه بهلول مسكين لا يصغي إليه أحد؟ قطار من اللماذات يمكن أن يضعها القاريء أمامه. وليس من سبب سوى الملكية السرطانية والابتعاد عن القناعة. ففي الوقت الذي يتفاخر المالكون بحيازتهم للقنابل والصواريخ، وبأن هذه الحيازة خطوة رفيعة من التطور والتقدم يرى المنتج الأدبي في ذلك كارثة محققة. ومثل هذه الحيازة الشرهة الشريرة لا تنطبق فقط على أدوات القتل والتدمير الشاملة، بل تنطبق على أبسط أنواع الملكية الشيطانية .فحتى امتلاك خمسة أزواج من الأحذية يعتبر كارثة. إن أي تخط لملكية القناعة الملبية للضرورة يعتبر إسهاماً في صنع الكارثة. وربما قال القاريء في نفسه: ما همني إذا امتلك غيري العالم كله، مادمت مكتفياً بما لدي؟ وحبذا لو كان الأمر كما يتوهم. إن سرطان الملكية لا يحترم خلايا البدن النظامية، فهو يهاجمها باستمرار، وهو لا يملك سوى هذه الصرخة التي أسمها الأدب... لا هي تشبع، ولا هو يكف عن الصراخ. وحتى يقف القاريء على التحولات العاصفة التي أشرنا إليها إشارة ولم نقف عندها، سنكرر عليه ما يعرفه من ملحمة هوميروس "الأوديسة" وهو عبارة عن مقطع في الكتاب الثاني والعشرين، بل هو من المقاطع الأخيرة التي يمكن الرجوع إليها بسهولة بالغة جداً. والمقطع يصور لنا خواتيم المقتلة التي أوقعها أوليس بأعدائه وخطاب زوجته بنيلوبي. فبعد هذه الوقيعة لا يبقى حياً في القاعة الكبيرة إلا ثلاثة وهم ميدون الذي شهد تليماخوس، الابن البطل لأوليسن بأنه بريء فعفا أوليس عنه، وليوديس الكاهن، وفيميوس الشاعر المغني. يتضرع ليوديس طالباً العفو، زاعماً أنه أرغم على المجيء إلى القصر إرغاماً. وعندما وصل راح ينصح خطّاب بنيلوبي، ليكفوا عن مضايقتهم. يجيبه أوليس بأنه يكذب فيما يزعم، فمادام كاهنهم فلا شك أنه خادمهم، يرفع صلاته من أجل ألا يعود أوليس أبداً وليس من أجل أن يعود. ثم يشهر سيفه ويضرب عنق هذا الكاهن الدجال فيتدحرج رأسه وهو مايزال يتكلم. هذا هو مصير الكاهن في الأوديسة، فماذا كان مصير الشاعر؟ كان فيميوس يمسك قيثارته ويتوارى قرب باب القاعة. فلما رأى مصير الكاهن رمى قيثارته على أرض القاعة بين الأحشاء المختلطة وركع أمام أوليس وزعم له أنه شاعر ينطق بوحي المحبة، لكنه أرغم على المجيء إلى هذا القصر إرغاماً، فقد كانوا الأكثر والأقوى، ولا حيلة له في التخلص منهم، فصدح لهم بصوت الخير وأغاني المحبة، لكنهم كانوا أشراراً. ويشهد تليماخوس بذلك، فيعفو عن صوت المحبة والصدق، ولا لوم إذا أرغم على المثول أمام من لا يستحقون أن يمثل أمامهم شاعر أو فنان. في الأوديسة يقدم أوليس على قتل الكاهن لأنه كذوب مرائي، ويعفو عن الشاعر لأنه صادق. ولا قيمة لإنشاده أمام من لا يستحق من المفسدين. وهذه، كما يعرف القاريء ليست نظرة البطل في الشاعر، بل إنها نظرة المجتمع على لسان هذا البطل. فماذا نجد اليوم؟ عشرات الفيموسيين يقتلون على يد الكهنة أو على يد السلطة المتخاصمة مع هؤلاء الكهنة. قد يبدو الأمر غريباً جداً. الفيموسيون لا ينتمون للسلطة، كما أنهم لا ينتمون إلى الكهان. ومع ذلك يقتلون -بطرائق مختلفة- من قبل الطرفين. حتى أن منتجاً أدبياً كبيراً تجاوز الثمانين من عمره يطعن في عنقه، مع أنه لم ينتم طيلة حياته إلى أي فئة سلطوية أو سياسية أو معارضة أو دينية. أليس هذا غريباً؟.. إنه نجيب محفوظ. قد يبدو ذلك غريباً جداً للوهلة الأولى. تفسيرات عديدة قرأناها. منها أن هؤلاء الكهنة المزيفون لا يريدون من وراء ذلك سوى إظهار ضعف السلطة -كأن هذا المنتج من السلطة- والحط من هيبتها. ومنها ان هذا المبدع عنيد لا يلزم الصمت، وكان قد حذر بأن يلزم الصمت على الأقل، ومنها أن هذه الطعنة هي رسالة تخويف للناس، ومنها أنها تحدث ضجة إعلامية... تفسيرات كثيرة يمكن أن نعثر عليها. لكن الحقيقة أن الطرفين -بحكم طبيعتهما- لا يرغبان في وجود هذا المنتج الأدبي وأمثاله من الفيموسيين، لأن وجوده يشكل -على المدى الطويل- خطراً كبيراً على وجودهما. وجوده يعني لا سلطة ولا كهانة. كيف؟ وهل يمكن أن يكون هناك وجود من دون سلطة, أو أن يكون هناك بشر من دون كهانة؟... يا للكفر. إنهم لا يتصورون ذلك أبداً، ولذلك يقومون بما يجب أن يقوموا به انسجاماً مع طبيعتهم. ولهذا السبب فإننا لا نعجب لما يجري. إن المنتج الأدبي هو منبع الخطر الدائم والقوي، فلا بد من الإجهاز على هذا المنتج حتى لا يظهر إنتاج يطالب بحياة متوازنة سليمة لا جشع فيها, لا سلطة ولاكهانة. إنهم محقون في مسعاهم الشائن هذا, لأنهم يعرفون تماماً من أين تهب الرياح العاصفة التي تحمل سيف أوليس هدية لأعناقهم. إنهم يعرفون ماذا يفعلون. ليس غريباً أن يكون المنتج الأدبي، بعد كل هذه العصور من الملكية السرطانية منبوذاً ومهدداً في وجوده في كل حين وفي كل مكان يستشري فيه سرطان الملكية، أي السلطة والكهانة. والأمن لا يعرفه إلا المنتج الأدبي الأشوه الذي قد ينحاز هنا أو هناك، إلى هذا الطرف أو ذاك. أما المنتج الحقيقي فعليه أن يعيش باستمرار تحت رحمة سيف ديموكليس. هذا هو تاريخه منذ ظهور الملكية المسرطنة... هذا هو قدره الذي رسمته له هذه الملكية. ولا يعني هذا أن المنتج الأدبي زاهد في السلطة مترفع عن الملكية. لا أبداً بل إنه دائماً يهفو إلى السلطة ويتشوق إلى الملكية. لكن أي سلطة وأي ملكية؟ إنها سلطة المحبة وملكية القناعة. ولهذا السبب كان سلاحه معنوياً، ومعنوياً فقط، فهو أبعد الناس عن القتل والمكيدة والمحايلة والزيف والنفاق. وهذا شيء طبيعي. فسلطة المحبة لا تفرضها السيوف وملكية القناعة لا تحميها الأسلاك. ولكن المحبة والقناعة سلاحان من أفتك الأسلحة بالاقتصاد السياسي الشيطاني الذي جر كل هذه الويلات. من منا يستطيع أن يتصور اقتصاداً سياسياً يقوم على المحبة أو ينطلق من القناعة؟... وإذا قام عليهما فهل يحق لنا أن نسميه اقتصاداً سياسياً؟... لو فعل -ولن يفعل- لتحول إلى اقتصاد أدبي يعيد التوازن بعيداً عن حلبات المنافسة والاقتتال حيث الأبرياء وحدهم يدفعون ضريبة الفقر والجوع والدم. في كل المجالات يقف الاقتصاد الأدبي ضد الاقتصاد السياسي: وهذا واضح من طبيعة كل منهما فالسياسي يعني تماماً الملكية السرطانية والأدبي يعني دائماً ملكية القناعة وسلطة المحبة ومملكة التسامح، وهي المباديء التي ظهرت في آثار دستويفسكي خير ظهور، وقدمت ما يشبه البيان، بما يجب أن تكون عليه سياسة الاقتصاد الأدبي، ولا سياسة غيرها يمكن أن تصلح للمنتج الأدبي، أو حتى يمكن أن تكون حافزاً له على الكتابة في المستوى المنشود، منذ أن كان هناك أدب وحتى آخر الدهر. والمنتج الأدبي -بالتالي- يقف في كل المجالات على الطرف المقابل للمنتج الاقتصادي. فتاريخ الأدب المكتوب لم يعرف إطلاقاً منتجاً أدبياً أنتج بقصد الربح. المنتج يفكر فيما ينتج: كيف يكون جميلاً رائعاً مشوقاً ويتخيل الناس وقد اطلعوا على ما كتب فأكرموه بالاحترام فقط ولا شيء آخر، وهو راض ومسرور لمثل هذا التكريم. أما المنتج الاقتصادي فلا يفكر إلا في غناه وإفقار الآخرين. أول شيء يفكر فيه هو الجيوب، والشيء الثاني هو وصل قناة بين جيوبهم وجيوبه بحيث تتدفق الأموال بأسرع ما يمكن، والشيء الثالث هو الغش من أجل المزيد من تراكم الأموال في جيوبه وصناديقه. المنتج الأدبي لا يفكر إلا بالمستهلك المثالي. يتمنى أن يقدم انتاجاً رائعاً ليكافأ بإكرام معنوي من قاريء مثالي. أما المنتج الاقتصادي فإنه يفكر في سن المستهلك... كيف يخدع هذا الغلام بلعبة من البلاستيك الرخيص وكيف يستدرج هذا الشيخ إلى حذاء مغشوش يوهمه أنه يشفي روماتيزم القدمين، وكيف يحتال على المرأة السخيفة بإقناعها أن هذا المعطف يجعلها تبدو جد نحيفة. إن هذا المستهلك يختلف كل الاختلاف عن المستهلك الأدبي، فشتان ما بينهما، شتان ما بين مستهلك مثالي يهفو إلى القيم المعنوية، وبين مستهلك اقتصادي لولا بلادته وغباؤه لما استطاع المنتج الاقتصادي ترويج بضاعته، وشتان ما بين بضاعة شبه مجانية تخاطب الوداعة والذكاء، وبين بضاعة باهظة، لم يرتفع سعرها إلا بسبب الغباء، فيا للمفارقة: بضاعة يروجها الغباء والبلادة والنزوع الحيواني والغرور... وبضاعة لا تروج إلا بالذكاء والحساسية والرهافة والنزوع الإنساني والقناعة والتواضع، لكن هذا موضوع آخر يحتاج إلى وقفة متأنية. أما الآن فلابد من متابعة المشوار مع هذا المنتج الأدبي المسكين ونناقش أبرز التهم الموجهة إليه. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |