المثقَّف العربي والمتغيِّرات - د. علي عقلة عرسان

دراسة - منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:22 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

البعد القومي في الخطاب السياسي العربي

nnn ـــــــــــــــــــــــــــــــــ‏

من يتفحص الخطاب السياسي العربي في السنوات الأخيرة، لا سيما بعد مؤتمر مدريد، يقف على ضمور مريع في البعد القومي لذلك الخطاب، ويكاد لا يلمس حضوراً لأي التزام قطري حيال القضايا القومية والنضال القومي، بعد أن كان ذلك هو مركز الخطاب السياسي وثقله وجوهره في العقود الماضية من هذا القرن.‏

وإذا مرت عبارات تشير إلى شيء من الاهتمام القومي، ولا أقول الالتزام القومي، فإنها تجيء من باب رفع العتب، أو جراء رسيس قديم يطفو من آن لآخر على سطح ذلك الخطاب ولا يلبث أن يغيب من دون أن يترك في أذن السامع وقلبه أي تأثير يذكر.‏

ولم يكن ذلك سوى نتيجة منطقية لتجذّر القطرية في السياسة العربية، وزيادة تبعية تلك السياسة للغرب، وهُجْنَة قرارها أو مصادرته ـ رهبة أو رغبة ـ واضمحلال الثقة فيما بين الأنظمة العربية، وحلول الخوف من الأخ الجار بدل الاعتماد عليه والاستقواء به، وزيادة حجم التفريط بالقضايا المركزية للأمة من قبل مسؤولين من العرب، من دون حساب؛ غير آبهين بشعوبهم أو بحساب التاريخ لهم، أو بمواقف تلك الشعوب وذلك التاريخ منهم، لأنهم ربطوها إلى لقمتها التي ربطت بدورها إلى كتلة ثقيلة من الهم والغم والقلق والخوف، وأخذت تكْرُج نازلة على سفح منحدر ينتهي إلى هاوية سحيقة يتوقى المرء الوصول إليها أو يؤخِّر ذلك الوصول بكل الوسائل، ومنها الصمت عن قول الحق، والاستغناء عن فضائل كثيرة ومقومات كرامة وحياة ومواطنة.‏

ولأن الالتزام القومي ضَمُرَ حتى كاد أن يتلاشى، فقد تقزَّمت كل القضايا والطموحات والتطلعات والأحلام القومية، وتراجعت الموضوعات المتصلة بذلك عن مكان الصدارة الذي كان لها، وصار الحديث عنها أو التعلق بها نوعاً من غواية يستتاب صاحبها، وشيئاً من خطل وجهل وخبل يستوجب التقويم والتعنيف، وإرهاصاً بخلل في السلوك يستدعي الوصاية، وغبشاً يلف الرؤية، وتشويشاً يلحق التفكير والتدبير، وكل ذلك يحتاج إلى "معالجة" من أهل الحل والعقد والاقتدار.‏

ليس ملحاً الآن أن نعرف المزيد عن الأسباب والعوامل التي أدت إلى ذلك، وإن كان من الضروري معرفة تلك الأمور بدقة وعمق، واستخلاص النتائج منها في أقرب وقت، ولكن الملح الآن، في مناخ الانهيار والتراجع والمسارعة إلى الاعتراف بالعدو الصهيوني، وتبادل العلاقات والمنافع بينه وبين أنظمة عربية ورجال أعمال ومفكرين وصحفيين وأدباء وأجيال صاعدة من أبناء الأمة العربية، تحت مظلة "بذور السلام" التي يرفعها أميركي متصهين، في ظل التطبيع الزاحف على كل شيء؛ الملح الآن هو استنبات العزيمة والمحافظة على بقايا ثوابت ومواقف وعزم، لنؤسس، انطلاقاً من ذلك كله، تجديداً لحضور البعد القومي في الخطاب السياسي العربي الراهن، ولنعيد ولو ظلاً من الالتزام القومي بذلك الخطاب، الذي غدا مفجعاً وموجعاً في تقوقعه القطري وانهزاميته وتسليمه بالأمر الواقع !؟!‏

من المسلم به أن غياب التركيز على البعد القومي في ذلك الخطاب لم يأت من فراغ، ومن المعروف المعلن أن الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، والعدو الصهيوني ومعه شرائح من المتعاونين العرب ـ ساسة ومثقفون ومنتفعون ـ يركزون جهوداً كبيرة، ويبذلون أموالاً، ويسخرون إمكانات وقدرات، لكي يضمحل ذلك البعد القومي، ليس في الخطاب السياسي العربي فحسب، وإنما في الوجدان الفردي والجمعي على امتداد الوطن العربي. وقد قالوا بصوت جلي مجلجل، منذ عدة سنوات: وداعاً للقومية العربية، وداعاً للوحدة العربية، ولكل أشكال العمل القومي والأحلام القومية؛ بعد أن تثبتوا من تدمير الكثير مما يربط العربي إلى العربي، ومما يؤسس لثقة حاكم عربي بحاكم عربي آخر.‏

فكيف نستعيد بعض الذي كان لنا، مما لم يكن يعجبنا أو يلبي طموحاتنا وتطلعاتنا، في الخمسينيات والستينيات وحتى في السبعينيات من هذا القرن؟ كيف ننقي الأجواء العربية ونقيم جسور الثقة بين الأقطار والأنظمة والقلوب ؟ بل كيف نوقف اندفاع الانهيار في بنية الثقة وصلات القلوب، بعد الذي صار والذي جرى؟!‏

هل يكون ذلك بمبادرات عربية من بعض الأقطار أو الحكام الذين يتمتعون بموقع قيادي ـ قومي، ويحظون باحترام وثقة، على الصعيدين الرسمي والشعبي، ويحملون تاريخاً متميزاً من النضال في سبيل الوحدة القومية والمصلحة العربية العليا، ويحرصون على موقفهم ودورهم وتاريخهم، ويؤرقهم ألا تتحقق رؤاهم وتطلعات أجيال يمثلونها؟؟‏

أم تراه يتم من خلال حوار ثنائي وصلات ومصالح، بين قطرين أو أكثر، لا يلبث أن يتوسع ويتعمق ليشمل أقطاراً ومستويات أداء، ويشيع اهتماماً عربياً على أسس موضوعية تتصل بوحدة الوجود والمصير العربيين في هذا العالم؟‏

أم أن للمثقفين دوراً وجهداً وتأثيراً لا بدَّ أن يؤتي أكلاً ويحقق بعض النجاح، وأن من واجبهم أن يطرحوا ذلك ويحشدوا له، ويرصوا صفوفهم من حوله؟!!‏

إن كل ذلك مطلوب، وكل ذلك يمكن أن يدفع عربة القومية العربية المتوقفة عن المسير إلى الأمام، ويعيد الاعتبار والحضور والتأثير للبعد القومي في الخطاب السياسي العربي، ويعيد له بعض حيويته وتأثيره. ولكن لا بدَّ من الانطلاق من بعض ما أود أن أنظر إليه بوصفه مسلمات، استناداً إلى استقراء التاريخ وتجارب الشعوب، ومن ذلك:‏

* أن مقومات القومية العربية، والوحدة العربية، والمصلحة العربية العليا، والمصير المشترك، لأبناء الوطن العربي لم تزل ولن تزول، ولا غنى لهم عنها إذا ما أرادوا لأنفسهم إنقاذاً ولأوطانهم تقدماً ولحقوقهم استعادة.‏

ولا يمكن للأمة العربية، التي ترفض التسليم بأنها انتهت أو بأنها يمكن أن تنتهي، لا يمكن لها أن تستسلم لما يراد لها من مصير؛ وتاريخها الذي عرف الهزائم والانتصارات يؤكد قدرتها على استعادة الحضور والتأثير، فضلاً عن الحقوق والأرض والمكانة.‏

* أن العدو الصهيوني الذي أخذ يقود المنطقة بدعم غربي إلى مفاهيم ومعطيات وسياسات جديدة وواقع جديد، تحت مقولات "الشرق أوسطية" ومشاريعها، في ظل الاعتراف و /اتفاقيات عقود/ الإذعان أو الخيانة، لا يمكن أن يصبح جزءاً طبيعياً من النسيج الشامل للمنطقة، لا في ظل السلام ولا في جو الحرب؛ وليس له مستقبل بين أبنائها، ولا موقع له في أرضها، ولن يستثمر تأثيره وقوته إلى ما لا نهاية. فلم يعرف التاريخ قوة احتلال وظلم وظلام واستعمار وعنصرية بغيضة بقيت مهيمنة على شعوب حية تتعلق بالحرية والحياة والكرامة والحق وتضحي من أجل الخلاص من كل ما يشينها ويهينها.‏

*وأن على الذين تغشى بصائرهم وأبصارهم غشاوة، فيرون الوجود والحاضر والمستقبل بعيون صهيونية أو أميركية، أو انهزامية ـ استسلامية، أن يراجعوا حساباتهم، ويقيموا مبادراتهم وتصرفاتهم على أساس من الاعتبار بحقائق تاريخ العرب في ماضيهم وحاضرهم، وعلى أساس من رفض الإسلام، العقيدة الرئيسة لأغلبية العرب، لكل أنواع الاستخذاء والتبعية والركوع لغير خالق الخلق، باذل الرزق، الواحد العزيز الجبار، ملك السموات والأرض. وإن غداً لناظره لقريب.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244