المثقَّف العربي والمتغيِّرات - د. علي عقلة عرسان

دراسة - منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:22 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ثقافة المقاومة ,,, ومقاومة التطبيع

هناك دعوة في الشارع الثقافي العربي لثقافة تقاوم تطبيع العلاقات العربية مع العدو الصهيوني، وهي في الوقت ذاته، دعوة لنشوء مقاومة، رأس حربتها الثقافة، تضع حداً للانهيار والانهزام في الروح المعنوية العربية، وفي العلاقات العربية ـ العربية على كل مستوى وصعيد. فما هي حدود تلك الدعوة ؟ وما هي الآفاق التي يمكن أن تتحرك فيها ؟ لمن تتوجه، وما هي أهدافها وبرامجها وأدواتها وأساليبها؟ وإلى أي شيء تستند، بعد أن تعرت كثير من القيم والمقومات والتوجهات القومية والتحريرية في الوطن العربي، وفي الشارع السياسي العربي ؟ وما هو التطبيع الذي تقاومه وترفضه، ولماذا تفعل ذلك، وبمن تقاومه وبماذا ؟ وما هي مقومات تلك الدعوة وقيمها ؟ كل تلك الأسئلة لا بد من مواجهتها في هذا الوقت بالذات، أعني الوقت الذي تكبر فيه كرة الثلج وتزداد سرعة وقتامة واتساخاً وهي تتدحرج من قمة مدريد إلى حضيض أريحا، حيث لا يوجد على سطح الكرة الأرضية أكثر انخفاضاً من أريحا، ليس بالمعنى الجغرافي للكلمة فقط، وإنما بالمعنى السياسي والنضالي، وربما الأخلاقي القومي والوطني أيضاً، إلا إذا كان وادي عربة قد نافسها في ذلك سياسياً ؟؟ إن الإجابة على تلك الأسئلة، وتلمس مقومات الأجوبة وأسانيدها وحججها لا يذهب إلى الاعتماد على معطيات : عقلانية ـ منطقية ـ علمية ـ واقعية خالصة، محكومة بالمنظور والمصلحة الراهنين، ذلك لأن تلك الأجوبة لن تغفل عوامل رئيسة منها : الإرادة والإيمان والعواطف والمشاعر، والقوة الروحية، لأمة تحرقها المعاناة، ويصهرها الدرس التاريخي المر صهراً، يوماً بعد يوم، وتجربة بعد تجربة .

اللجوء إلى الثقافة، وإلى المقاومة انطلاقا من الثقافة، بأدواتها وقدراتها، أمر منطقي، وتوجه طبيعي، واقعي وإنساني مجرَّب، فالوعي الذي تخلقه الثقافة هو الشمعة التي تبدد ظلام الجهل، وتكشف المسالك للناس، والوعي يولد لدى الفرد والمجتمع مناخاً روحياً يعزز الإرادة والثقة والإيمان بالذات وبالحق من جهة، ويدفع طاقته على هذه الأرضية إلى التجسد في فعل ناجز، وإبداع متألق في الأساليب والأدوات من جهة أخرى، ويجعله يستفيد من كل ما يقدمه الوعي من قدرة عقلانية وعلمية وسلوكية ليحقق من خلاله أهدافاً وقيماً أبرزها الوعيُ ذاتُه ووضعها في مجتلى عالي المقام من سلم الحياة والقيم والغايات البشرية .

والثقافة هي الحصن الأخير الذي تلجأ إليه الشعوب والأمم والمجموعات البشرية المتمايزة والمتميِّزة للدفاع عن نفسها وحقوقها ومقومات حضورها النوعي، وعن نوع ذلك الحضور بين الأمم والشعوب والمجموعات البشرية الأخرى ؛ وهي السلاح الاستراتيجي الذي تدافع به أمة من الأمم عن هويتها وقيمها ووطنها وعقيدتها وسيادتها وحقوقها التاريخية، وتعمل من خلالها على تكوين الفرد والإرادة والمناخ الاجتماعي الملائم والسلاح الفعال وكل ما يمكّن من الدفاع عن النفس والحق والممتلكات، وما يساعد على تأكيد الحضور النوعي واستمرار النمو والتطور .

وحين نقول بدور أساس للثقافة تنطلق منه المقاومة، وبمقاومة تكون منطلقاتها الثقافة، فإنما نركز، في النتيجة، على دور العقل والوجدان والإيمان معاً، وعلى دور الكلمة والروح، المعرفة وطاقة الإبداع، في تجلِّيات الانتماء البشري لأرض وعقيدة وأمة، في حالة من التوهج والاندفاع الأقصى، دفاعاً عن الحياة والحرية والكرامة والحق والوجود النوعي والقرار الحر والسيادة . ومن الطبيعي أن يستنفر الفرد والشعب الطاقات المختزنة كلها عندما يتعرض هو أو ما يملك للتهديد الجزئي أو الكلي . والمثقفون الذين تعنيهم الدعوة، وتتوجه إليهم، وتزعم أنها ستنطلق منهم وبهم، هم أولئك الذين يشكلون طاقة الوعي والإبداع والفهم والفعل العلمي الناجز، استجابة للتحدي وتعبيراً عن الوجدان العام لأمة ومجتمع ووطن يتكثَّف تاريخه ووجوده في بوتقة توقَد تحتها النار .

إنهم كل تلك الشرائح البشرية التي تشكل طليعة في الرأي والرؤية واستشعار الخطر واستشراف المستقبل، والتي تستطيع، بالمعرفة والخبرة والمبادرة، أن تتلمس طرق الخلاص، وتحقق الانتصارات في المعارك التي تخوضها المجموعة البشرية التي تنتمي إليها وتمثل تطلعها أو طموحها.

إنهم أهل الكلمة والرأي، والأساتذة والمعلمون، والمبدعون في مجالات الفن والتربية والتعليم، وذوو الثقافة التخصصية العالية في المهن الرفيعة، والساسة المناضلون المجربون، وأهل الخبرة الرفيعة في ميادين الحرب والسلم، ممن يقودون شعوبهم بطاقات إبداعية عالية وثقة واقتدار في معارك البناء والدفاع والتقدم، وهؤلاء جميعاً هم المعنيون بالنهوض بالأمة، وبمنع انهيار كيانها وبنيانها، وباسترداد حقوقها وحضورها، وببقائها في حالة تفاعل خلاّق مع الأمم والشعوب ضمن تيار الحياة؛ وهم بالتالي الذين تتوجه إليهم الدعوة وتعنيهم القضية قبل سواهم. وانطلاقاً من ساحتهم ومن مبادراتهم وتضحياتهم وأفعالهم وأقوالهم المسؤولة، تبدأ إنارة شموع على عتبات الظلام، لتبدأ مسيرة قهر الظلم والظلام معاً .

أمّا حدود تلك الدعوة فهي تتسع وتضيق حسب الجهد والمجتهدين وحسب توافر مناخ العمل، وتوسيع فسحة الأمل، ولا بد من انطلاقة ضيقة الاتساع أولاً في كل قطر أو حتى في كل مدينة عربية، لا تلبث وأن تتسع دوائرها وتتلاقى لتشكل بتلاقيها تياراً يشكل خضمَّاً يستعصي على الحصر والقهر .

ويكون تشكَل تلك الدوائر على أساس المشترك الذي يجمع ولا يفرق، ويوحد الصف والموقف والرؤية، ويضع الطاقات في تيار عمل واحد خدمة لأهداف واضحة،ليكون من بعد ذلك توسع في نقاط الالتقاء وتركيز للمشترك، وتوسيع لرقعة الأرض العامة التي تلتقي عليها الإرادات .

 

والسبيل إلى ذلك : الحوار على أرضية احترام حق الآخر في الاختلاف، ولكن تحت سقف القيم والأهداف والمصلحة العربية العليا التي تشكل نهج التحرك وتحدده، في هذه الظروف . وقد حدد ذلك بشكل جزئي ودقيق ميثاق المثقفين العرب الذي أصبح الآن يجمع حول أهدافه ونقاطه المشتركة عدداً لا بأس به من الكتاب والمبدعين والمفكرين في الوطن العربي.

وإذا كنا سنحصر الحديث هنا في مقاومة التطبيع، ولأننا نرى ترامي عربٍ عليه من سياسيين ومثقفين وتجار، ولأننا نريد أن نتلمس طريقنا إلى مواجهته، بوصفه المنتَج السياسي والاجتماعي الذي يراد تسويقه الآن، ولأنه يشكل ثغرة لا تلبث أن تكبر في سلسلة تشكل قوام الدرع التي نصوغها ونتمسك بها ـ أعني : ثغرة في موقفنا من الصراع العربي الصهيوني، وهو صراع رئيس بالنسبة لتلك الدعوة الموجهة إلى المثقفين والمتجهة بهم وبقوتهم واختيارهم والتزامهم إلى المستقبل ـ نريد أن نصوغه بالجهد والوعي والعلم واستقراء التجربة، لنحفظ حقوقنا التاريخية، ونستعيد حضورنا الفاعل في التاريخ المعاصر.

فالصراع العربي الصهيوني هو، في نظر تلك الدعوة، صراع وجود، هكذا كان وهكذا نريد له أن يستمر، إلى أن يستعيد العرب حقهم التاريخي في فلسطين، ويلغوا المشروع الصهيوني من أرضهم، إذ هو المشروع النقيض لمشروعهم القومي والحضاري والوحدوي، وقد أقيم ليمنع تقدمهم وحضورهم الفعال، وليبقيهم قيد الاستعمار والاستثمار والاستلاب والاغتراب .ولأن الصراع العربي ـ الصهيوني يتحوّل في ضوء نظريات التطبيع، ونظرات دعاته ورموزه ومسوغيه، إلى نزاع على حدود، آخذ بالتلاشي بين " كيانات " لها الحق في البقاء على أرض " مشتركة "، ولا بد لها من " تسوية خلافاتها " بالطرق السلمية والحوار ... الخ ... لأن ذلك كذلك، فإن الدعوة الموجهة من أجل "ثقافة مقاومة التطبيع " هي في جوهرها دعوة لإبقاء الصراع العربي ـ الصهيوني مستمراً بصفته صراع وجود، إلى أن يتحقق حسم تام وشامل ونهائي للقضية الأساس، قضية عروبة فلسطين، التي هي قضية قومية بالدرجة الأولى ؛ وإلى أن يعود الشعب العربي الفلسطيني، كل الشعب العربي الفلسطيني، إلى أرضه ليمارس فوقها سيادته ويقرر فيها مصيره بحرية تامة بوصفه جزءاً من أمته العربية .

ويرتب هذا التفريع الجزئي للموضوع أهمية خاصة لمعنى : رفض الاعتراف " بإسرائيل "، ورفض تطبيع العلاقات معها، ورفض الحقيقة السياسية " العربية " أو شبه العربية التي تقول بحق " لإسرائيل " في المنطقة، لأن هذا الذي يجري في وطننا العربي اليوم يتم تحت وطأة القهر والإحباط وشبه الهزيمة المعنوية، كما يتم بتأثير الإغراء والابتزاز، وفي ظل أجواء بعيدة عن الممارسة الشعبية التامة للحقوق والواجبات والحريات .

ولذلك لا بد من أن يرتفع صوت الثقافة والمثقفين عالياً بموازاة صوت السياسة والسياسيين ليقول باستمرار الصراع العربي الصهيوني،وبرفض الاعتراف بالعدو وتطبيع العلاقات معه، إيماناً بحق الشعب العربي في وطنه، ويقول كذلك برفض الوعي العربي للهزيمة، ورفض اقتطاع جزء من وطن الأمة بقوة القهر، ولمنع الإقرار بمشروعية الاغتصاب أو شرعيته، إلى أن تتغير الظروف والمعطيات والتوازنات العربية والدولية .

إن التطبيع الذي ترعرع اليوم في الذهن العربي ويغزو الوجدان، ويمارَس تحت شعار " الواقعية " بأشكال مختلفة، في السياسة والإعلام والاقتصاد والسياحة والتجارة و " الثقافة "، هو ثمرة الإقرار السياسي العربي بالأمور الآتية ، أو مؤشر على ذلك النوع من الإقرار بها، وهي :

 

1ـ سقوط نظرية تحرير فلسطين . ومن ثم سقوط مقولة الصراع العربي الصهيوني، والحق العربي بفلسطين، أو بالجزء الأعظم منها.

2 ـ سقوط نظرية المسؤولية القومية : سياسياً وأخلاقياً وتاريخياً، وحلول المسؤولية القطرية الخالصة محلها . وهذا يعني أنه لم يسقط البعد القومي للقضية الفلسطينية فقط ـ من وجهة النظر تلك ـ وإنما سقط البعد القومي لأية قضية عربية؛ ولم يعد هناك أي التزام من أي نوع حيال حق عربي مشترك، وموقف عربي مشترك، وعمل عربي مشترك، وقضية عربية مشتركة . وهذا يتضمن الإقرار " السياسي " شبه النهائي باندثار الأحلام الوحدوية والقومية، وبحلول التجزئة النهائية في الوجدان الجمعي محل أية قيمة أخرى، حتى على الصعيد النظري وصعيد الحلم .

3ـ تسليم العرب /سياسياً على الأقل / بأن “ لإسرائيل “ الحق التاريخي في الوجود كدولة من دول المنطقة، التي أخذت تغير اسمها : من المنطقة العربية، أو الوطن العربي، حسب تسميات أهلها على الأقل، إلى منطقة " الشرق الأوسط " حسب تسليم أهلها على الأقل أيضاً . ويتضمن هذا إقراراً بأن أية مقاومة للكيان الصهيوني في فلسطين هي مقاومة غير مشروعة عربياً، لأنها تتعارض مع الإقرار العربي بحق "إسرائيل" في الوجود . ومن ثم هي لا تنضوي تحت اسم المقاومة الوطنية للاحتلال من أجل حرية الشعب وتحرير الأرض، وإنما تقع تحت مسميات : الإرهاب والعنف والعدوان ... الخ .. مما كانت تقوله "إسرائيل" والغرب سابقاً، ومما يقول به أولئك الآن.

وهذا يتضمن حكماً أخلاقياً ـ تاريخياً ضمنياً على النضال العربي، السابق والحالي والمستقبلي، الذي يتم على طريق تحرير فلسطين، ويوحي بضرورة تغيير التقويم والقيم والتاريخ وفق ما تريده "إسرائيل" وما يسود من روح انهزام قومي على المستوى العربي .

4ـ سقوط كل الحجج والمبررات والأسباب التي تفرض على العربي، أياً كان وأينما كان، أن يقاطع "إسرائيل" . لأنه حسب ذلك المفهوم، يعادي بلا معنى، ويقاوم من دون حق؟؟! وهذا التوجه يسحب البساط " قومياً وإنسانياً وأخلاقياً " من تحت أقدام المناضلين والمقاومين، سواء في داخل فلسطين المحتلة أو في خارجها، ويغير نوع الحكم على المقاوم والشهيد في آن معاً، فينقله من مقاوم ذي مكانة واجتهاد وجهد شرعي وتشريعي وإنساني مقبول ومقدس بنظر شعبه والناس، إلى معتدٍ مذموم لا شرعية معه ولا تشريع ولا مرجعية أخلاقية له، وليس هو الشهيد بل المقتول بعدوانه على الآخرين .

 

وهذا يتضمن " تجريماً " باسم الأهل والوطن والشرائع لمن يقاتل مَن " أضفى "، بقوة القهر والاغتصاب والمكر، شرعيةً على عدوانه واغتصابه وسرقته لوطن الغير وقهره لهم . ولا تنحصر خطورة هذا المنطق في هذه القضية التاريخية وحدها ـ على أهمية ذلك ـ وإنما تمتد تلك الخطورة، في الوجدان الجمعي والفردي، لتطال أي نضال مستقبلي ضد قوة ظالمة قاهرة تعنو لها الرقاب، لأن المقاتل ـ في ظل هذا التشويه للقيم والمعايير والأحكام ـ سوف يصنف خارجاً على القانون، ولأن حدود القيمة بين الخير والشر، الظلم والعدل، الحق والباطل، سوف تزول، وتتبدل المعايير والأحكام تبعاً لحكم القوة، لا لقوة الحق .

5ـ سيادة مفهوم عربي قطري نفعي ضيق إلى أبعد الحدود، يحكم الأقطار والأنظمة والأحزاب والتوجهات العامة، وينتقل إلى التربية والتعليم، ثم إلى التاريخ والاجتماع والثقافة والأدب، ويجعل ذلك المفهوم من كل تطلع قومي صادق متجاوز للمصلحة القطرية الضيقة نوعاً من خيانة وطنية، كما يجعل كل التزام قومي مبدئي، يعلي الشأن العام على الخاص، ـ القومي على القطري ـ نوعاً من عمالة لدولة ولنظام عربي آخر . وسوف يترتب على ذلك أن تذوي نهائياً بذور الاهتمام والتواصل القوميين، وكذلك النضال والعمل العربيين على كل مستوى وصعيد،وأن تُشَل المصلحة العربية العليا بكل مقوماتها وقيمها وأبعادها وآفاقها، ويضمحل حتى التضامن العربي الشكلي الهزيل.

ومن شأن ذلك أن يطلق العنان للارتماء في أحضان القوى التي تحمي دويلات وأنظمة وشخصيات تبحث عمن يحميها ، لتخوض " حربا" مطلوب خوضها " ضد من كان " الأخ " وأصبح الجار العدو ؟؟ ولتطبق شعار : ضع يدك بيد القوي واسحق الضعيف .

والتطبيع على صعيد آخر سوف يعني أيضاً :

1 ـ إزالة كل الحواجز، المادية والمعنوية، التي كانت تجعل من "إسرائيل" كياناً غريباً عن المنطقة منبوذاً منها، ليس له مستقبل فيها ولا حياة ولا حق. الأمر الذي فتح ويفتح الآمال العراض أمام الكيان الصهيوني وأطماعه وطموحاته، فيمكنّه من التوسع الشامل، أفقياً وشاقولياً، مادياً ومعنوياً، في غزوه للعرب، وفي التأسيس لمراحل قادمة من مشروعه المستمر : "إسرائيل" الكبرى ثم "إسرائيل" التوراتية، جغرافياً واقتصادياً وأمنياً، حسب الإمكان .

وهذا يعني عملياً : توفير كل مقومات الحياة الطبيعية لجسم غريب زُرع في جسم كان يرفضه، وتمكين هذا الجسم الغريب من التغذي والنمو على حساب الجسم الأصلي ؛ إنه تطعيم تام لشجرة بطعم يغيّر ثمرها وهويتها، ويجعل جذرها القوي يخدم طُعْمها الذي يزيدها هُجْنَة .

2 ـ إلغاء كراهية العدو المغتصب، أو إلغاء مسوّغات تلك الكراهية مع استمرار الاغتصاب، وتقديم العدو كصديق طال مدى " ظلمه " و " سوء فهمنا له " ؛ بل إن البعض يذهب إلى حدود " الشفقة على "إسرائيل" العنصرية لأن العرب تأخروا في فهم حقها ومشروعية وجودها ؟؟! وأن عليهم أن يكونوا حضاريين، وأن يذهبوا إلى ما هو أبعد من ذلك الاعتراف البارد .

3 - تحويل جهد بشري ـ عربي كبير، من العمل على تكريس حقائق تاريخ العرب والتاريخ الموضوعي للمنطقة، وتربية الأجيال على تلك الحقائق وتهيئتها لاستعادة حقوقها، تحويل ذلك الجهد إلى العمل على تشويه حقائق التاريخ وتثبيت التاريخ المشوه، والعمل على زرع المعطيات " الجديدة "

على أنها " قناعات "، مع ما يرافق ذلكَ من ضخ معلومات ملفقة، وما ينتج عنه أو يحدثه من خلل روحي ووجداني ـ خلقي عام، يؤسس لتشويه تكوين أجيال وتطلعاتها وطموحاتها وقيمها، ويؤدي إلى انعدام الثقة، وضياع المفاهيم والقيم والمعايير ومعالم الشخصية والهوية .

4 ـ خلق مناخ ملائم تنمو فيه تربية مريضة وعلاقات مريضة، وهيمنة للعدو، وقبول بحالة العدوان . مما يرسخ إحساساً بالدونية، وإحساساً بانعدام الكرامة، ويروِّج لها بأسماء مختلفة . أي إشاعة حالة من الكذب على الذات لا تلبث أن تكرس ازدواجية الوجه والقناع في حياة الناس، وتُحِل قيماً وسلوكاً سيئاً محل قيم وسلوك طيب فيهم . وهذا الجرثوم الفتاك من جراثيم الفساد لا يلبث أن يفتك بالمقومات السليمة للنفس والفرد، ومن ثم بعلاقات المجتمع وقيمه، ثم بالمجتمع ذاته، ملغياً ما يمكن أن يكونه أو أن يحققه .

5 ـ خلق طفيلية مالية تنشأ بسرعة، وتؤثر بسرعة وتنشر قيمها بسرعة أيضاً، وتصبح عنواناً للمجتمع الجديد أو "الشرق أوسطي " حسب التعبير المطلوب ترويجه ؛ طفيلية تقدم "أنموذجاً يُحتذى " من قبل الآخرين، وهو أنموذج فاسد مفسد لا يقيم قوام الناس على أساس من العمل السليم أو التوجه السليم .

وسوف يكون هذا و سواه أفضل الأحزمة الأمنية التي تقيمها "إسرائيل" ـ من خلال التطبيع ـ حول نفسها، لأنها ستفتك بالإنسان ذي القيمة الخلقية، والصلابة الروحية، والانتماء العربي، والنقاء العقيدي، تفتك به لأن ذلك النوع من البشر، بتلك النوعية من التربية والتكوين والصفات، هو الذي يمكن أن يستذكر حقاً ويكّون حوله موقفا ثابتا صلبا ويدافع عنه . و"إسرائيل" تعمل لتُحٍلَّ محله ذلك الأنموذج الذي يجسد الفساد والانحلال والاغتراب التام عن الأرض والشعب والتاريخ والعقيدة والثقافة.

ولن يكون صعباً على "إسرائيل"، التي يفوز فيها دائماً أنموذج /شايلوك/ المرابي اليهودي الحاقد على الآخرين، وأنموذج باروخ غولدشتاين الإرهابي العنصري الذي قتل المصلين في الحرم الإبراهيمي وهم رُكَّعٌ سجَّدٌ لله ؛ لن يكون صعباً عليها أن تستعيد المال ممن لم يتعبوا في الحصول عليه، وذلك بالطرق المعروفة لديها والمجربة من قِبَلِ عناصرها وعنصرييها .

إن التطبيع فضلاً عن كونه تسويقاً "لإسرائيل" وتسويغاً لها عربياً، رسمياً وشعبياً، هو في النهاية نخرٌ شامل للبنية الفردية والجمعية العربية التي قامت عليها تربية العقود السابقة، ورفض لتلك التربية التي كان في مقدمة أسسها وأهدافها تكوين إنسان مؤمن بقدرته على استعادة أرضه المغتصبة ومكانته تحت الشمس، وتحرير ذاته وإرادته وقراره من الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، ليستعيد حضوراً وكرامة، وليتمكن من بناء مشروعه الحضاري، وليتقدم في مناحي الحياة على أساس من الانتماء والاعتزاز والاقتدار والتمايز الخلاق .

إنه دفن لمشروع الإنسان العربي ـ المسلم الذي يحفظ حق الوطن وحرمته، وحق الإنسان وحرمته، وحق الله وحرمته . إن الدعوة إذ تتجه إلى رفض التطبيع مع العدو الصهيوني، بعد رفض الاعتراف به، انسجاماً مع استمرار مفهومنا للصراع العربي الصهيوني على أنه صراع وجود مع وجود وليس نزاعاً على حدود، تعتمد على المثقفين في انطلاقتها، بسعة ما يحدده المفهوم الشامل للثقافة، وتعتمد على الوعي المعرفي في تثبيت ذاتها وتوسيع رقعتها، وعلى الإرادة الخلاقة المستندة إلى العلم والعمل به ؛ من أجل خلق مناخ يساعد على توظيف الجهد البشري العربي توظيفاً سليما لتحقيق أهداف استراتيجية ـ حيوية لا تتحقق إلا بتعزيز مقوماتها وتركيز قيمها في النفوس، وتهيئة الإمكانات اللازمة ـ مادياً وتقنياً ـ لتحقيقها . فما هي تلك الأهداف ؟

من المنطقي أن يكون حسم الصراع العربي الصهيوني لمصلحة العرب هو ركيزة تلك الأهداف ومحصلتها النهائية، وهذا لا يتحقق إلا بتحقق نقلة حضارية نوعية، توفر وعياً معرفياً وعلمياً كبيراً، ونقلة نوعية في السلوك والممارسة، وامتلاكاً للتَّقَانَة المتطورة، واستعداداً شاملاً، لدى كثرة من الناس، لخوض ذلك الصراع بثقة وإيمان ثابتين بالحق وبإمكانية تحقيق النصر ؛ وتوظيف طاقات وإمكانيات كبيرة جداً لتكون في خدمة تلك الأهداف .

ومما لا شك فيه أن هذا سيؤدي بالضرورة وبشكل آلي، إلى نهضة شاملة في جوانب الحياة والعمل المختلفة، أي أنه سوف ينعكس على الفرد والأسرة والمجتمع، وعلى مؤسسات المجتمع المدني والدولة، وكذلك على أسلوب العمل والتعامل، وعلى الحقوق والحريات العامة والممارسات الديمقراطية، وعلى أسلوب تداول السلطة وتوظيف الطاقة البشرية، وإبداع المبدعين لتحقيق الأهداف العامة للمجتمع، التي يتداخل أمر تحقيقها مع الأهداف الاستراتيجية ـ الحيوية ؛ أو لا يكون إلا بها ولا تكون إلا من خلال تلك النهضة .

ومعنى هذا أن انطلاقة المثقفين ودعوتهم لمقاومة التطبيع ولرفض الاعتراف بالعدو الصهيوني، هي في الوقت ذاته دعوة لرفض التخلف والواقع المريض، ولرفض الطغيانية والفساد والقطعانية المفروضة على أبناء العرب في أقطارهم، ورفض لأساليب العمل والتعامل السائدة، ولانتهاك الحقوق والحريات العامة، ولكل ما يؤدي إلى قهر الإنسان أوظلمه أو تغييب دوره وحضوره ووعيه وإبداعه ؛ ومن ثم فهي دعوة للعلم والعمل والإيمان على أسس مغايرة للسائد، ودعوة للاستفادة من كل تجارب الماضي، ولا سيما تجارب سنوات الصراع مع العدو الصهيوني، والسنوات الماضية من هذا العقد التي زلزلت الكثير مما كناه وبنيناه، وصولاً إلى استخلاصات تترجم إلى برامج تثقيف وتربية وتعليم وعمل، وإلى أساليب أداء وممارسات اجتماعية وسياسية وتثقيفية وإعلامية، تساهم في خلق المناخ الجديد والإنسان الجديد وأسلوب التواصل والتعامل الجديدين المجددين .

والسؤال السريع الذي ينهض هنا هو: هل نبدأ من الصفر؟

ٌأقول بكل بساطة : بشكل مطلق : لا، ولكن بشكل أساس في بعض المجالات نعم، ولن نبدأ بكل شيء دفعة واحدة، فالهم الأول هو أن نرفع الصوت الآن برفض الاعتراف بالعدو ورفض تطبيع العلاقات معه، وأن نعمل على تصليب موقفنا وتعزيز إرادتنا، كما نعمل على هذا البرنامج الرئيس بالذات من دون أن نهمل العمل في المجالات الأخرى على برامج أخرى .

وقبل الدخول في مجال تلمس برنامج العمل الملح، لا بد من مواجهة سؤال ملح هو الآخر: على أي شيء نستند في دعوتنا، والمجرب لا يجرب ؟ وما هي المعطيات التي تدفعنا إلى خوض التجربة في الوقت الذي نرى فيه ثقل السياسة العربية التي تحكم الشارع العربي لا يمضي في هذا الاتجاه بل العكس هو الصحيح ؟!؟

إن نقطة الاستناد الأولى هي : حقانية ـ أخلاقية، فعروبة فلسطين ليست ادعاء ولا وهماً ولا نوعاً من التطلع التاريخي الحالم أو الطموح القومي المريض أو السلوك العدواني أو الشوفيني، ففلسطين، عبر تاريخها، هي أرض أقوام من العرب العموريين / الغربيين / الذين عُرفوا باسم الكنعانيين، ومن تشعب منهم، وتسمى بأسماء مشتقة من الموقع أو العمل أو سوى ذلك مما هو معروف في تاريخ الأسماء والتسميات . ولم تكن فلسطين يوماً لليهود حتى بعد مجيء أقوام منهم إلى فلسطين وقتالهم للكنعانيين وغلبتهم لبعض الوقت على بعض المدن . إن فلسطين عربية عبر آلاف السنين وعبر تكوينها السكاني، ولا يشكل تاريخ العابرين والمستعمرين لها تاريخاً أو يكون لها هويةً ولوناً وانتماءً غير هويتها العربية ولونها وانتمائها العربيين . وحين يتم اغتصابها والتواطؤ على قهر شعبها وتشريده، وتمزيق الأمة العربية صاحبة الحق فيها، فلا يعني هذا نهاية تاريخها العربي ولا نهاية التاريخ بالنسبة للعرب ؛ فقد تم قبل ذلك دور استعماري طويل للصليبيين دام مئتي سنة ثم استعاد العرب حقهم ووطنهم / فلسطين/ ولم يعترفوا بالهوية الصليبية الاستعمارية لفلسطين، ولم يتنازلوا عن أرضهم ولا عن مقدساتهم، والأمر ذاته ينبغي أن ينسحب على المواجهة المعاصرة .

والهزيمة المعاصرة لعرب اليوم أمام المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني والاستثماري الغربي / "إسرائيل" / ينبغي ألا نعدها نهائية وأبدية ولا مخرج منها ، كما ينبغي ألا تجرنا إلى التنازل عن الحق، وعما يعنيه الحق عبر التاريخ، وما يملكه من بعد أخلاقي عند الأفراد والشعوب والأمم والأوطان.

أمّا نقطة الاستناد الثانية فهي طريق الشهادة، وطريق الشهادة ننظر إليها هنا في اتجاهين لكل منهما امتدادات وتفرعات كثيرة وكبيرة، والأول منهما يساعد على جلاء معالم الثاني .

ـ الاتجاه الأول يذهب من حدود الحاضر نحو الماضي بشقيه : الماضي القريب : وتحدد بدايته افتراضاً تعسفياً ) ببداية الشهادة على طريق الخلاص من الاستعمار والتحرر من التبعية المباشرة، وببداية الشهادة على طريق القضية الفلسطينية في إطار الصراع العربي الصهيوني، ونجد زخم ذلك كله في هذا القرن العشرين، ويتصاعد ابتداء من العشرينيات منه .

الماضي البعيد : ويضرب مداه في عمق التاريخ، حيث تمتد مواجهات الأمة العربية دفاعاً عن وجودها وحقوقها، ونشراً لعقيدتها وحضارتها، وهي مواجهات في مجالات الحرب والسلم جميعاً مع أمم شتى، بأشكال شتى . وكل ذلك يقدم دليلاً ساطعاً، واستقراءً واضحاً للتاريخ يبيِّن أن الأمة قدمت تضحيات لا حدود لها، وبسخاء منقطع النظير، لكي لا تذوب أو تزول أو تركع . نعم كانت تنهزم في بعض المعارك ولكنها لا تسلّم نهائياً بأنها المهزومة إلى الأبد، ولذلك كانت تستأنف القتال والصراع من أجل الحق والحضور والكرامة .

والشهادة في منظورنا للماضي القريب، لا سيما في الشق المتعلق بالقضية الفلسطينية وبالصراع العربي الصهيوني، تقدم لنا سجلاً حافلاً بالعطاء، ولا يمكننا التنكر له أو دفنه في ظلام الذاكرة . فالشهداء الذين قضوا على طريق القضية الفلسطينية ليسو أغبياء ولم يكونوا من المغرر بهم، وليسو بلا قيمة، ولم يستشهدوا على مذابح ليست طاهرة ومن أجل قضايا تافهة أو عابرة أو جائرة، ولم يساقوا من قبل الحكام على طرق ظلم وظلام، حتى نطلب منهم الغفران وننساهم ونتجاوز عنهم وعن كل ذلك المسار الذي عبَّدوه بالدم .

الشهداء على طريق فلسطين والصراع العربي الصهيوني، مواطنون لهم أسر وأطفال وتطلعات وحقوق وأحلام، وقد استشهدوا في سبيل قضية عادلة، حسب كل المقاييس والمعايير والشرائع والقوانين، ومن أجل هدف مقدس يرتبط بحق الأمة العربية في أرضها ومقدساتها، وبحق الشعب الفلسطيني في وطنه وسيادته وكرامته ؛ ومن أجل مشروعنا القومي وأمننا وبقائنا . ولأن القضية عادلة والهدف مقدس، وحق الشعب لا يموت، ولأن الدم الذي سفك على طريق تحرير الأرض والإنسان ليس ماء، وليس بلا ثمن، ولم يهدر خطأً أو ظلماً أو عبثاً، فلابدّ من متابعة الطريق حتى تتحقق أهداف الشهداء، وتعود فلسطين لأهلها ولأمتها، عربية الوجه والانتماء واللسان والسيادة . والشهداء هنا يحكمون وجداننا ولا يمكن تجاوز حقيقة أنهم ليسو مما يُساوَم عليه أو يُتَجاوَز عن تضحياته . والشهادة في هذا المنحى أو هذا الاتجاه، من منظورنا إليها، تسجِّل حضوراً لها في الوجدان الشعبي العربي، وفي أعماق الاعتقاد، ويسيطر منطقها على كل منطق يريد أن ينبذها أو أن يتجاوزها، لتصبح دافعاً نحو مزيد من العطاء والتضحية والشهادة، فهي، من هذه الزاوية، دافع لاستمرار تيار المقاومة، ورافد لنهرها المتدفق، وحجة على الانهزاميين والاستسلاميين .

ويعزز الماضي القريب الذي أشرنا إليه، الماضي الممتد عبر التاريخ، وهو زاخر بالشهادة والمقاومة من أجل الأمة وعقيدتها وحقوقها ومقدساتها عموماً، ومن أجل فلسطين وعروبتها والقدس ومكانتها عند العرب والمسلمين على وجه الخصوص .

ـ أما الاتجاه الثاني فيمضي من الحاضر نحو المستقبل، وهو اتجاه نحو استمرار التضحية والشهادة من أجل تحرير الأرض والإنسان وعودة الشعب العربي الفلسطيني إلى وطنه وتقرير مصيره فوق ترابه الوطني المحرر، في إطار انتمائه لأمته . وهذا اتجاه مستقر، في تقديري ؛ ويشير استقراء الماضي بشقيه، القريب والبعيد، وتاريخ الشهادة ومعانيها، ومكانة فلسطين في الوجدان الجمعي، كل ذلك يشير إلى أن التضحية على طريق التحرير الشامل، واستمرار الشهادة ليتواصل نورها عبر تاريخ الأمة، إمكانية قائمة في النفوس إذا ما صدقت القيادة الرسمية، واستقامت على تلك الطريق، طريق التحرير، ووظفت الطاقات والإمكانات البشرية والمادية توظيفاً صحيحاً في طريق البناء والتحرير .

الشهادة نقطة استناد وإسناد فاعلة، ومستند فعلي وتاريخي بعطاءاتها وقدراتها واستعداداتها المستقبلية، وهي في قداستها وطهارتها وخلوصها الكلي النقي للأهداف والقضايا النبيلة، حقيقة واقعية لا يمكن القفز فوقها أو إغفال حضورها وتأثيرها في مجالات صنع القرار وتنفيذه.

ونقطة الاستناد الثالثة : هي عدم إقرار جماهيرنا العربية بالهزيمة النهائية، وعدم اقتناعها بأن لليهود حقاً في فلسطين، واستعداد تلك الجماهير للتضحية من أجل مواصلة الصراع مع العدو الصهيوني إذا ما رأت جدية في التوجه نحو ذلك، ومبدئية صلبة في المواقف، وإخلاصاً وصدقاً واقتداراً من قبل القيادات العربية في هذا المجال .

ولأن الجماهير كانت ولا تزال خارج دائرة المشاركة الفعلية في صنع القرار واتخاذه، إذ هي مكرهة على أن تكتفي بالفرجة، وتستهلك ما يقدم إليها، حتى لتكاد تشارك في تسويغ ما يقدم إليها من خلال سلبيتها التي طالت بسبب من ممارسات الأنظمة العربية على الجماهير، وتهميش دورها ذلك التهميش الذي يتسع ويزداد، وتراكم الإحباط لديها، وما يُضخُّ في كيانها من كلام ومعلومات ومواقف ومعطيات مثبطة للهمم، لا تساعد على بناء مواقفها، واستعادتها لحضورها الفاعل، ومبادراتها الإيجابية الخلاقة، وقرارها الحاسم .

وحين يحتكم إلى الجماهير، باحترام لها ولقرارها، ويؤخذ فعلياً بتوجهها الجذري العام، وتُوضع سياسةٌ وخطط وبرامج للوصول بها إلى ما تتطلع فعلياً إليه، وما يُترجم إرادتها إلى أفعال، انطلاقاً من توظيف عطاءاتها وقدراتها، تنفيذاً لإرادتها وقرارها؛ فإن طريق المقاومة واستمرار الصراع مع العدو الصهيوني لا يلبث أن يضيء ويبقى مفتوحاً ومُمدَّاً بزخم عظيم . فالجماهير العربية لم تقر بأنها خسرت الصراع مع الصهاينة، بل تعتقد بأنها لم تخضه بشكل جاد وحاسم وسليم ؛ وليس من الإنصاف الحكم على غائب ومغيَّب من خلال وكلاء عنه ثبت أن كثرة منهم تتواطأ ضده، وتتاجر باسمه، وتقبض أجورها منه ثم تبيعه في السوق كبضاعة بعد أن تتهمه بأنه ليس أهلاً ليدافع عن نفسه، وليس له حق يدافع عنه ؟!؟ ) .

إن الجماهير العربية ما زالت نقطة من أهم نقاط الرهان إسناداً للحق العربي، واستمرار الصراع العربي الصهيوني مع العدو وصولاً إلى ذلك الحق.

أما نقطة الاستناد الرابعة : فهي حقيقة أن الأوضاع العربية الراهنة، بما تحمله من تفكك وتشرذم وتناحرٍ وتخلٍ عن روح الصراع وتفريط بالحق جراء عوامل عديدة، ليس هنا مجال التفصيل فيها، وكذلك المتغيرات الدولية القائمة في عالم اليوم، بعد سيطرة قطب واحد عليه وهيمنته على شؤونه ؛ إن هذه الأوضاع العربية والدولية، ليست بالضرورة قدراً، وأنها سوف تستمر إلى الأبد .

فالأوضاع الدولية لن تبقى إلى ما لا نهاية محكومة بالمصلحة الأميركية ـ الصهيونية، إذ أن الصراع على المصالح والنفوذ لا يلبث أن يخرج إلى الوجود قطباً أو أقطاباً في الساحة السياسية الدولية، ولن يكون هذا من دون تأثير على الأوضاع والقضايا العربية . ومن جهة أخرى لن يستمر الركود في الوضع العربي الراهن إلى ما لا نهاية، ولن ترين إلى الأبد على سطح الحياة العربية سموم وشحوم وزيوت تمنع تسرب الهواء إلى الأعماق، وتقيم حاجزاً بين الشعب والحياة، وبين الأعماق وتجدد الانطلاق الحي ؛ فهذا كله مناقض لقوانين الحياة التي تقوم على الصراع ولا تعرف التوقف، فكل شيء يتجدد، وتستمر عملية التغيير المحكومة بقانون الحركة كما يستمر الصراع الذي يقوم بين الأحياء تطبيقاً لقوانين الحياة . ولن تكون الأمة العربية استثناء من قوانين الحياة واستقراءات التاريخ في هذا المجال .

وحين تستعيد الجماهير العربية حضورها ومبادراتها وقرارها فلن تبقى الأوضاع العربية المتردية الراهنة على حالها، ولن تستمر حالة التراخي والتراجع والإحباط، فدورة الحياة تحكم دورة الحضارة وتؤثر فيها، والصعود الحضاري يدفع باتجاه نوعي لمعنى الحياة .

وسوف أحاول فيما يلي تلمُّس بعض ملامح ثقافة المقاومة وثقافة التطبيع :

 

ثقافة المقاومة : تعمل ثقافة المقاومة على :

1 - أن تجدد في الذاكرة قيم النضال والأدب الذي حمل قيمه، لتكون فلسطين في الوجدان وفي الذاكرة وفي صلب الرؤية المستقبلية العربية من خلال التربية والإبداع معاً .

2 - رفض كل ما يؤدي إلى تغيير هوية المنقطة وهوية سكانها، فهي منطقة عربية ـ هويتها القومية واضحة، للوطنية فيها وجه قومي وللقومية فيها وجهها الوطني، لا فصل فيها بين العروبة والإسلام، والثقافة العربية الإسلامية فيها هي أساس التكوين والقيم، بفهمنا للثقافة العربية الإسلامية على أنها ذلك الجذر القديم للثقافة العربية منذ السومريين والأكاديين وما أضافه أبناء الديانات السماوية الأخرى / اليهودية والمسيحية / من عطاء ثقافي هو في صلب الثقافة العربية الإسلامية .

3 - استلهام النماذج الوطنية المناضلة في الحياة السياسية والفكرية والأدبية العربية المعاصرة، ورفع الأنموذج القدوة في الوعي والعمل والإنتاج وتكريسه في الوجدان القومي .

4 - التصدي للمحاولات المحمومة التي ترمي إلى تقديم الأدب والفكر والعمل الإبداعي الذي اقترن بالقضية الفلسطينية ودار في محورها واستلهم الكفاح على طريقها وكل ما اتصل بالصراع العربي الصهيوني ؛ ترمي إلى تقديمه على أنه أدب انتهى دورُه وحضورُه وتأثيرُه بعد اتفاق أوسلو ـ والحكم الذاتي في غزة وأريحا واعتراف بعض الفلسطينيين "بإسرائيل" وبحقها في البقاء .

وإظهار حقيقة أن هذا الجهد المحموم هو فعلاً مدخل ثقافة التطبيع التي لن تقوم إلا على هدم ثقافة المقاومة ومرتكزاتها وإسقاط رموزها وإلغاء تأثيرها، وبيان أن كل ما قدمته آل إلى السقوط وانتهى تأثيره في تاريخ الأدب والفكر وحركة الإبداع ؛ وانتهى تأثيره الجماهيري والتاريخي .

إن تلك مغالطات كبيرة تقف وراءها جهات إعلامية وسياسية واستخباراتية قوية مهمتها تشويه صورة الكلمة ونضالَها وصورة أبطالها وكلَّ ما قدمته على طريق المقاومة، وجعل كثير من الكتّاب المناضلين يتوبون، أو يتنصلون من مواقفهم ومن إبداعاتهم على طريق المقاومة الثقافية، وفي إطار الثقافة المقاوِمة لروح الانهزام والاستسلام، والداعية إلى التحرير والتقدم .

 

وهذا أيضاً مدخل لتغيير القيم النضالية وتشويه فترة من التاريخ وأجيال من البشر من أبناء الأمة العربية، تمهيداً لزعزعة التكوين الراهن وصولاً إلى تقديم وإنعاش صورة مغايرة يحاولون غرسها في الأذهان ويروِّجون لها من خلال ثقافة الاستهلاك ـ ثقافة التطبيع ـ ثقافة التسوية والتنازل عن الحق والذات والصفات، وصولاً إلى التنازل عن الهوية بعد أن تم التنازل عن الحقوق والأوطان.

5 ـ التأكيد على البعد القومي للقضية الفلسطينية وعلى الشمول القومي للثقافة العربية، وتواصل ذلك مع الأصول من جهة ومع الواقع المتطور المتغير من جهة أخرى .

ورفض الثقافات القطرية والسياسات الثقافية القطرية التي تحاول أن تشوه تاريخ الأدب، وترفع قيماً نضالية ضيقة الأفق غامضة الأغراض زائغة الرؤى، تقيم من العربي خصماً للعربي وتلغي العدو الحقيقي : الصهيونية والغرب المتصهين في شراكتهما لإقامة المشروع الاستعماري ـ الاستثماري الاستيطاني الصهيوني واستمراره على أرضنا وضد شخصيتنا الثقافية ووجودنا الفعال .

6 - التأكيد على البعد الإنساني للثقافة المقاوِمة فليست هي ثقافة الإرهاب والعنف المجاني والفوضى المهلكة، ولكنها لا تقبل أبداً أن يصبح الاحتلالُ مقدساً ومقاومتُه جرماً وإرهاباً، ولا يمكن أن تقبل تلك الصورة التي تقدم للمقاومين والثائرين والمناضلين من أجل حرية الأرض والإنسان في منطقتنا وتحريرهما من الكابوس الصهيوني، على أنهم : مخربون وإرهابيون ومتمردون وخارجون على القانون !؟!

إن تصحيح الصورة التي بدأت تنشر عن المقاوم، سواء في جنوب لبنان أو في فلسطين المحتلة، وتقدمه على أنه خارج على الشرعية والقانون وحدود العمل الإنساني، هي من أولى المهام الملقاة على عاتق ثقافة المقاومة وأولها في المرحلة الراهنة، وتصحيح تلك الصورة ليس أمراً يسيراً ، فهي صورة مشوهة بعناية ودراية وتصميم مدروس، وراءها المستعمرون والصهاينة وقوى الاحتلال والذين ارتبط مصيرهم باستمرار الاحتلال، ووراءها أيضاً أولئك الذين يريدون لجم الثورة الشعبية في الأراضي الفلسطينية المحتلة والإمساك بزمام الأمور ليثبتوا للصهاينة والأميركيين أنهم أهل للثقة وأنهم قادرون على وضع حد للانتفاضة وضبط الشارع العربي الذي عجزت " إسرائيل" عن ضبطه ؛ ومن ثم فإنهم يستحقون مراكزهم كما يستحقون الثقة التي منحهم إياها العدو والغرب الاستعماري ليكونوا شرطته وأدواته وعصيه الغليظة في المنطقة، وكذلك جِسوره الاقتصادية والثقافية والأمنية نحو الوطن العربي، وأدواته للسيطرة عليه مستقبلاً بعد تفتيت قوامه القومي وقيمه وتماسكه النضالي وتشويه أهداف المناضلين وتاريخهم كله وثقافتهم .

7 - إن ثقافة المقاومة مطالبة بتغيير أسلوب خطابها من جهة، وبإعادة النظر بوسائلها وأدواتها من جهة أخرى، ليكون الخطاب الذي تبناه منطقياً علمياً واقعياً مسؤولاً، والوسائل ممكنة والبرامج واضحة . كما أنها مطالبة بالدرجة الأولى بتحديد معالم الإنسان الذي تدعو إلى تكوينه، والمجتمع الذي تريده، والأهداف التي ترتادها والسبل التي تراها ملائمة للوصول إلى تلك الأهداف .

 

ثقافة التطبيع :

المداخل إليها :

أولاً : في المجال السياسي الثقافي العام :

أ - زيادة مساحة الإحباط واليأس العربيين، وإظهار أن العرب لم ينتصروا في معركة، وأن هذا الصراع الطويل مع العدو الصهيوني قد كلف الكثير من دون أدنى جدوى . وأن المنطق "الواقعي " يقتضي إعادة النظر بكل ذلك على أرضية : أن القضية لن تحل إلا بتسوية يكون فيها " لإسرائيل " حق الوجود والبقاء، وكأن ما بين العرب و" إسرائيل " من سرقة وطن وتشريد شعب هو موضوع قابل للتسوية !!

ب - إظهار أن الصراع العربي الصهيوني لم يعد منطقياً بعد أن مال العالم كله إلى خيارات الشراكة من أجل السلام، وانتهت الحرب الباردة، وانتهى وجود معسكرين يتناحران، كما انتهى الأمل بعمل قومي ناجز على أي مستوى أو صعيد، لا سيما بعد انتشار حالة انعدام الثقة عربياً .

ج - المتغيرات العربية والدولية أظهرت أنه لا مجال لامتلاك سلاح أو قدرات عسكرية نوعية، يمكن بواسطتها حسم الصراع عسكرياً مع " إسرائيل " لصالح العرب، كما أظهرت أن مزاج العالم لم يعد ميالاً للحرب . ؟! )

وعلى ذلك فإن الصراع لم يعد قائماً بالمعنى الاستراتيجي، وأن الحلول البديلة هي حلول سلمية، وأن الغاية الرئيسة أو الأهداف الاستراتيجية قد تغيرت فلم يعد تحرير الأرض الفلسطينية بكاملها هو الغاية النهائية وإنما استعادة الأرض المحتلة عام 1967 مع الاعتراف بحق " إسرائيل " في الوجود .

وهذا يستدعي :

1 - التفاوض

2 - الاعتراف

3 - التطبيع

4 - تغيير صورة العداوة .

5 - وتغيير الكثير مما كان من استراتيجيات الماضي. - ويعني بالدرجة الأولى قبول مبدأ تغيير هوية المنطقة ليغدو لإسرائيل " مكان فيها، ودور في أمنها ومستقبلها .

وعلى هذا فإن قيماً جديدة لا بد أن تنشأ ـ من وجهة نظر أولئك الدعاة ـ لتعطي الإنسان والمجتمع والعمل البشري في هذه المنطقة أهدافاً وسبلاً جديدة بأدوات مغايرة ونيات مغايرة لما كان سائداً . وذلك يستدعي تغييراً جوهرياً في قيم وتوجهات وأهداف وسلوك وأساليب تفكير وتدبير وعمل، أي في ثقافة وتربية ومناهج وأهداف سياسية واجتماعية، وطنية وقومية ؛ كما يستدعي تغييراً في الاستعدادات النفسية لقبول معطيات الجغرافيا الراهنة وما يستتبع ذلك من معطيات تطال تغييراً في التفكير والتاريخ ؛ ومن الطبيعي ـ من وجهة النظر تلك ـ أن يتم تداول مصطلحات جديدة بدلاً من مصطلحات سابقة على ثقافة التطبيع، أقدم هنا بعض الصيغ المتقابلة منها :

- الصراع العربي الصهيوني

- النزاع العربي الإسرائيلي

- تحرير فلسطين من البحر إلى النهر وتكريس عروبتها .

- اقتسام فلسطين مع العدو والرضا بجزء منها مع تحالف فلسطيني إسرائيلي يبقي الهيمنة لإسرائيل فلسطينياً وعربياً .

- العــدو الصهيوني .

- الجار الإسرائيلي والشريك في التنمية والأمن والمصير .

- الوطن العربي ـ أو بلاد الشام

- الشرق الأوسط .

- السوق العربية المشتركة

- السوق الشرق أوسطية

- العمل العربي المشترك

- العمل في إطار تحالفات دول الجوار، وهي في حقيقتها تحالفات أميركية مع دوائر عربية تبقى متناحرة وذات برامج خاصة متنافرة .

فأميركا تشرف وتتعاون مع :

1 – الخليج

2 - الأردن والفلسطينيين وإسرائيل

3 – مصر

- الوحدة

- التجزئة التامة الشاملة العميقة الجذور، مع تأكيد أن الوحدة : هوس ـ وهم ـ أحلام تجاوزها العصر والزمن .

ثانياً - في الأدب : وأنا أذكر هنا المقولات التي يقدمها دعاة التطبيع من دون تفنيد لها أو تقديم ردود عليها .

أ - إحداث قطيعة مع التراث تحت شعار التجديد والعَصْرَنَة ورفض السلفية الكامنة في " الأوراق الصفر " .

ب - الدخول في حداثة / على علات ذلك الدخول ومن دون تمييز بين حداثة وحداثة، / لأن مجرد تبني الحداثة هو تبنٍ للعصر ؟!؟) ورفض لأوهام الماضي من وجهة نظر الداعين إلى ذلك .

ج - إعلان موت الأدب المرتبط بالقضية الفلسطينية والأدب المقاوم كله والملتزم، لأن العالم تغير، والرغبات والتوجهات لدى القراء تغيرت، ولم يعد أحد يُقْبِل على ذلك النوع من الأدب الذي لم يفقد فقط مسوّغات وجوده بل فقد كل تأثير وحضور له .

د - الإعلان عن أغراض واهتمامات جديدة للأدب، وعن موضوعات جديدة للإبداع تستقطب اهتمام المبدعين مغايرة لما مضى، فالأغراض الجديدة لا صلة لها باستلهام النضال القومي أو التحريري، فلم يعد هناك توجه قومي أو همٌ قومي، كما لم يعد هناك قضية تحرير، فكل ذلك من أوهام الماضي . فالأغراض الجديدة ليس لها صلة بإعلاء قيم مثل : البطولة ـ الوطنية ـ التضحية من أجل الآخرين : بل هي في إطار نوع فردي أناني ـ نهلستي من الأداء الأدبي والفني .

هـ – بُطلان قيم خلقية في ظل الفساد المستشري، وقيم روحية في ظل المجتمع الاستهلاكي، الذي تطغى ماديته على كل شيء فيه.

و - إفراغ الإنسان من كل اهتمام عالي المستوى على الصُّعُدِ : الوطنية ـ القومية الإنسانية، وإجباره على اللهاث وراء الغريزة ـ والمصلحة الفردية الضيقة ـ والمتعة العابرة ـ والاهتمامات الرخيصة؛ والبحث عن خلاص فردي خاص ولو كان ذلك على حساب الآخرين والمثل والأوطان .

ز - ضرب كل مفهوم للتضامن الجماعي والمسؤولية الجماعية وللحلول الشاملة مشكلات شرائح اجتماعية ووطن وأمة.

ح - الإرهاص بتوجهات فنية وأدبية : غامضة ـ ضائعة ـ فوضوية ـ متعالية بجهل ـ هلامية الأدوات والأساليب والرؤى والأهداف - يائسة ـ مهزومة ـ تنظر إلى المستقبل والممتع على أرضية الحلم الفردي والخلاص الفردي .

ط - الإعلان عن هزيمة البطل في الأدب وهزيمة القيم، والموضوعات السامية ؛ والتركيز على موضوعات الجنس وصور الانحلال والفساد بعيداً عن روح النقد البناء .

ي - النداء بواقعية : "انهزامية" في العمل والنظر للمستقبل والحياة والسلوك والتفكير، ولكن لهذه الواقعية طعم الهزيمة وعقم الإحباط، وعلينا ـ من وجهة النظر تلك ـ أن نستمرئها ونستسلم لها، ونأخذ بقداستها وسيطرتها وصحتها ؟!!.

وستمهد لهذه الثقافة قوى وأجهزة وسلطات تقوم بتهيئة المناخ الملائم لانتشار مقولاتها وتهافت مقولات سواها، وتسخر لخدمتها الأموال والمنابر، وتصنع من أجلها العصي الغليظة التي تضرب بها الآخرين وتفتح بأقوالها المحفوفة بهالات مصنَّعة جيداً ومخدومة جيداً دروباً لذلك النوع من التوجه والتفكير والإنتاج .

وفي هذا المجال سيكون الهم الأول ـ أو الدور الأول ـ لسلطة الحكم الذاتي الفلسطينية، وللأنظمة العربية التي تتعهد بتطبيع العلاقات مع العدو، التأسيس لتوجهات ثقافية عامة وتربوية خاصة هدفها التحكم بتكوين الأجيال الصاعدة تكويناً مغايراً في قيمه ومعاييره ونماذجه العليا وسلوكه وممارساته لكل ذاك الذي كانت تقوم عليه ثقافة المواجهة وأهداف التحرير والعمل القومي في إطار الصراع العربي الصهيوني بمفهومه الجذري وأهدافه النهائية والأساليب التي تؤدي إلى تحقيق تلك الأهداف .

وسيكون الهم المباشر لتلك السُّلَط، ولا سيما من خلال توجيه وسائل الإعلام والثقل الثقافي المباشر ندوات ـ خطابات ـ محاضرات .... الخ ) هو السيطرة على الأجيال التي عرفها العالم باسم جيل الغضب ـ شباب الانتفاضة ـ أطفال الحجارة ... الخ ) . وإخال أن الدوائر الثقافية ومراكز الأبحاث التي تعمل في هذا المجال، مشغولة إلى ما فوق آذانها، وبتنسيق مع أجهزة الاستخبارات المعنية، بوضع الخطط للتحكم بعقول وإرادات ومنطق شباب انفلتوا من قبضة العطف الأسروي نفسه والقيد الاستكاني للواقع البائس، وانطلقوا شُرَاةً يبغون الحرية أو الشهادة ـ التحرير أو القبر، ينشدون الخلاص من جهنم العدو وحلفائه أو استخلاص الجنة بالشهادة .

وينبغي ألا نستهين على الإطلاق بقيمة الجنة ومعانيها وإيماءاتها وما يستنفره مدلولها في النفوس من استعدادات كبيرة للتضحية عندما تذكر الشهادة والجنة .

إن الأنموذج المطلوب، انطلاقاً من استعداد لتقديم مشروع مارشال ثقافي للمنطقة، هو أنموذج الإنسان العاطفي، المشدود إلى الرفاهية، المأخوذ بمعطيات الاستهلاك، المسمّر إلى وقائع الحياة اليومية وإغراءاتها وشجونها وتفصيلاتها، والذي يزين له التعلق بالراحة بعد التعب، والتعلق بشكليات الحياة لا بروحها ومعانيها وسمو مكانة الإنسان فيها وسمو مكانة الحرية في تلك الحياة . الإنسان الذي يكفر بكل نضال وبكل مناضل يقوده إلى « متاهات جديدة »، بعد أن تاجرت به الدكاكين السياسية طويلاً، وأذهله سقوط مناضلي فنادق الخمس نجوم، وجعله كل ذلك على استعداد تام لتغيير طريقه بعد أن سَدَّت النماذج الفاسدة، في السلوك والعمل والنضال، كل طرق الخلاص والأمل أمامه .

ومهمة ثقافة التطبيع الآن أن تحيي في ذاكرته صور البؤس والفساد تلك وتوظفها توظيفاً سلبياً، وتطمس الصور المشرقة للنضال والتضحية ابتداء من بطولات انتفاضات الشعب الفلسطيني قبل عام 1948 وانتهاء ببطولة زكارنة وعمارنة ) في العفُّولة والخضيرة .

إن ربط عنق المقاتل وساعده إلى الرغيف، والدفء المزيف، والأحلام اللازوردية، والنضال المؤسساتي في إطار الحكم الذاتي وآفاقه والتزاماته وتحالفاته والقيود التي تكبله ؛ سيكون هدف الثقافة التي تقتحم ميدان التطبيع رافضة ذاتها وذاكرتها وتطلعاتها السابقة، بائعة كل شعاراتها ومنطلقاتها وقضاياها ومواقفها ومبدئياتها .

وستعمل ثقافة التطبيع من خلال رموزها وخططها على أن تكون جسراً مفتوحاً بين الكتاب والمثقفين " الإسرائيليين" وبين الوسط الثقافي العربي وقرائه وعقول أبناء الأمة، وستحرص على أن تصور ذلك وتقدمه للناس على أنه النضال " الواعي الواقعي" بعد أن تسبب العرب بالهزيمة، وأجبروهم على أن يحصدوا نتائجها ... فما فعلوه وما حصلوا عليه ما هو إلا خلاصة لهزيمة العرب وللواقع الراهن الذي يعيشونه؟!؟).

إن منطق الاستسلام لا يعجز عن الْتِمَاس المسوّغات المنطقية المستقاة من الواقع والمدعومة بالوقائع، ولكن منطق المقاومة وصولاً إلى الحق وإلى واقع أفضل ـ ذاك الذي ينبع من الإيمان بالحق والقدرة على تجسيده ـ كان وما يزال وسيبقى، هو الذي يبدأ منه تغيير الواقع والثورة على كل ما يلحق بالإنسان والحق والقيم والشعب من مهانة وذل واستخذاء ؛ وهو الذي يعبِّد طرق الشعوب إلى الكرامة شبراً شبراً ومتراً متراً . ويحتاج هذا المنطق اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى تبنيه والدفاع عنه والانطلاق منه بثقة وأمل .

ـ إن ثقافة التطبيع ستكون مزودة بزهو « الواقعية » وبدعم وسائل الإعلام وهالاته الجذابة، وبدفقات من المعلومات والأموال قد تكون بلا حدود، لا سيما في المراحل الأولى، وسوف تستقطب أسماء لها تأثير وتاريخ، وسوف تصنّع أسماء وتلمِّع أخرى ؛ وتزيّن أدباً وفكراً وتروج له، وتشوه آخر وتعتِّم عليه بكل الوسائل . وسوف تعمد إلى استغلال كل التطلعات المَرَضِيَّة والنجومية لدى كثيرين لتضعهم في شباكها، وسوف تلجأ إلى تقديم خدمات حقيقية لبعض الأشخاص وبعض التوجهات، ولكنها لا تفعل ذلك أبداً خدمة للحقيقة أو لقيم الأدب وثقافة الشعب وقيمه ومبادئه، ولا من أجل أصالة الثقافات وحماية لتمايزها وتفاعلها الخلاق في إطار التنوع الذي يغني الحضارة، بل تفعل ذلك خدمة لتوجه فكري وثقافي يخدم مصالحها ويقوي) تيارها ويرسخ قيمها الانهزامية ويجعل من برامجها وأهدافها وأساليبها قدوة وأنموذجاً يحتذى، لأنها تريد أن تصبغ عالم عرب اليوم بصبغتها .

- إن ثقافة التطبيع سوف تركز على :

1 _ السلام : ومن الذي لا يعشق السلام ؟! إذن من يقاوم ذلك الذي يعشقه ؟ ولكنها لن تركز على مفهوم السلام ومبدئيته واستقراره واستمراره بالعدل والحق والكرامة .

2 _ وعلى إزالة حالة البؤس والفقر التي خلفها الاحتلال في الأرض المحتلة، والتي خلفها استمرار الصراع العربي الصهيوني واستحقاقاته وتكاليفه ؟ ومن الذي يهوى البؤس والفقر واستمرار حالة عدم الاطمئنان، والبقاء في حالة انعدام الوزن والاستنزاف المستمر ؟ ومن الذي يرغب في استمرار البؤس والفقر ومخلفات الاحتلال ؟!

ولكنها لن تركز على التضحية من أجل الوطن والأرض والحرية، ولن تلتفت إلى بؤس أولئك الذين سيبقون خارج الوطن محرومين منه ومن نعمة الاستقرار في أرضهم بعد طول نفي وغربة وتشرد، ولن تركز على لحمة الشعب ووحدته في الداخل والخارج، ولا على أحقية كل فلسطيني في العودة إلى وطنه وبيته، وأن ذلك من واجب الجميع مهما امتد النضال وارتفع ثمنه .

3 _ وسوف تركز ثقافة التطبيع الكلام على إنعاش المجتمع وإيجاد فرص عمل للعاطلين عن العمل وعلى حل مشكلات الشباب، والبحث عن بدائل ملائمة لأوضاع ضاغطة تخلق أزمات وتطورها ؟ ومن الذي يستطيع أن يدافع عن البطالة والأزمات وعن حالة الضياع التي يستشعرها الشباب في أقطار الوطن العربي؟!

4 _ وثقافة التطبيع سوف تركز أيضاً على حقائق منها :

* أن العداء لا يمكن أن يدوم إلى الأبد .

* وأن الأموات ينبغي ألا يحكموا الأحياء دائماً ويتحكموا بهم .

* وأن الإنسان أفضل من الأرض .

* وأن المرونة تحقق للشعوب وللأفراد تجاوز العقبات والعواصف
والأزمات ... إلى آخر ذلك مما تزخر به "الحكمة" .!

وسوف تغيّب تلك الثقافة حقائق ومعطيات جوهرية في حياة الأمم، وفي الوضع الحالي الذي يسود منطقتنا، وفي جوهر صراعنا مع العدو الصهيوني، ومن تلك الحقائق والمعطيات :

آ _ أن تنازل الأمم عن حقوقها التاريخية، يزري بتاريخها كله، ويُطمِع الآخرين بها، ويؤسس لاضمحلال شخصيتها وكرامتها وحضورها الفاعل بين الأمم، ويجعلها قادرة على ابتلاع الإهانة وتسويغ الذل، والْتِمَاس الأعذار لأقبح الهزائم والتنازلات وحالات الاستسلام .

ب _ أن الوضع الذي يسود منطقتنا وأمتنا ليس قدراً ولن يدوم أبداً، وأن استقراء تاريخنا وتاريخ الأمم يشير إلى استخلاصات مغايرة لاستخلاصات الانهزام والإحباط والقبول بمستوى حياة وأفق تفكير يجعلان من لقمة الخبز الممزوجة بجرعة العار : سعادة وطموحاً وغاية عليا ومحافظة على الحياة والوجود وهو مما يحمد ويطلب ؛ بينما جوهر الحياة هو نوع الحضور فيها، ونوع الوجود مرتبط بالكرامة والفعالية واستقلال الذات والإرادة والقرار ؛ واستشعار السعادة يكون في الحرية وليس في التبعية، وفي الاتحاد بالوطن فوق ترابه والجهاد من أجله وليس في التنازل عنه والسكوت على سرقته واغتصابه من قبل الغير والرضا عن ذلك كله لأن استرداده سيكلف غالياً !؟!

ج _ أن صراعنا مع “ إسرائيل “ ليس صراعاً بين جارين قديمين يختلفان على مصالح وحدود ومنافع ولا بد أن يسوى ذلك الصراع عملاً بقانون الحياة واستمرار الجوار وانتصار منطق العقل، بل هو صراع بين العدوان الأسود والدفاع عن الحق والأرض والذات، وهو صراع بين العنصرية البغيضة في سطوة قوتها، وبين ضحاياها الذين يرفضون التمييز والخضوع لقهر القوة . وهو صراع بين السارق والمسروق وطنه وأمنه وسعادة أبنائه وحقهم في الحياة، وهو صراع بين الجلاد والضحية بكل ما يمثله ذلك الصراع من قيم وما له من تاريخ في حياة الأمم والأوطان والأفراد، وما يعمل ذلك الصراع على استقراره واحترامه وصيانته من حقوق وتطلعات مشروعه، وما يملكه من مشروعية خلقية وقانونية وإنسانية تقوم على شرعية حقوقية ودينية ودولية وشعبية.

د ـ إن صراعنا مع " إسرائيل " هو صراع الشعب من أجل وطنه وقراره الحر، وتقرير مصيره، وسيادته فوق أرضه، وانتمائه الحر لثقافة وأمة وعقيدة وحضارة . وهو صراع ضد الاستعمار والتبعية بكل أشكالهما، وضد الهيمنة والاستغلال والاستلاب بكل صورها .

فهل هذه أمور تخضع للمساومة وتنطبق عليها التسويات، ويمكن أن يسود بين المتخاصمين من أجلها وعلى أرضيتها وئام وتعاون وسلام؟!؟ أم أنها أمور لا تحلها إلا الانتصارات الحاسمة، ولا تقود إلى حل لها إلا الاستعدادات لمقاومة مستمرة إلى أن يستعاد حق ووطن، وتنتصر روح وقيم، ويسود فوق أرضه شعب، ويستقر في الأفئدة أمن من جوع وخوف !؟!

إن هذا النوع من الصراع أشبه بصراع الخير والشر أو هو جزء جوهري في تكوين الخير وركن من أركانه، لا سيما إذا عرفنا أن اليهودي، بوصفه عنصرياً حسب تكوينه التلمودي وممارسته الصهيونية، هو شر متحرك وحرب دائمة على " الغوييم "، وهو شايلوك الذي يريد أن يقتطع اللحم مقابل المال من جسد " غريمه أنطونيو " ليقتله بذلك ؛ هو رابين الذي يكسر العظام بحقد أعمى، وبيغن أو شامير أو شارون لأنموذج الإرهابي الذي يمارس أبشع أنواع الإرهاب ثم يفتري متهماً الآخرين بالإرهاب، وهو باروخ غولد شتاين الذي يقتل المصلين الركع السجود في الحرم الإبراهيمي المقدس وفي رحاب أمان الله وأمن العبادة .

هـ ـ إن ثقافة التطبيع سوف تعمل على نسف كل القيم الثورية والنضالية والقومية والوحدوية من نفوس الناس وتاريخهم وذاكرتهم، لأنها تريد أن تقطع الصلة مع ما كناه بوصفه جزءاً من العالم الذي انتهى، والحرب الباردة التي حسمت، والمشروع الماركسي أو الشيوعي الذي انهار، والحلم القومي الذي طواه النسيان بعد أن " اتضح " أنه الوهم وليس الحلم، والاشتراكية التي هزمتها الرأسمالية ... إلى آخر ما هنالك من " مهزومات " ارتبطت بالمتغيرات الدولية أو نتجت عنها، ولحقت بالحياة العربية أو نتجت عنها أو أُلحقت بها .

وسوف تكون لذلك النوع الكاسح من الغزو للذاكرة والوجدان والواقع المعيش، بمكنوناته ومكوناته، سوف تكون ترجمته أو إسقاطاته وانعكاساته في الأدب والفكر و الثقافة، وفي الحياة إجمالاً .

فالتطبيع في وجه من وجوهه هو :

أدب وفن وفكر وثقافة في خدمة مشروع معادٍ لمشروع أمة أو مصالحها أو أهدافها الاستراتيجية ؛ إنه في وضعنا يوضع في خدمة "الشرق أوسطية " بصيغها : الثقافية ـ السياسية ـ الجغرافية ـ الاقتصادية ـ والأمنية ؛ يوظَّف لتفتيت الشخصية الفردية والجماعية ولتخريب القيم والعقول والنفوس والإرادات، ولتشكيك المرء بأمته ومستقبله وثقافته وحضارته ولغته وعقيدته، ويقود إلى التردي في اليأس والإحباط والتفسخ، وإلى موت الطموح والإرادة وروح المقاومة وروح الحياة الجميل .

وهو يقدم صيغة مناقضة للهوية العربية للمنطقة وفيها، صيغة نافية لها، ترمي إلى أن تكوّن تاريخاً على حساب التاريخ، وأن تنهي تاريخاً لتبدأ تاريخاً آخر، يقوم على إعادة توظيف المعلومات والوقائع والأحداث بما يخدم ما يراد صياغته للمنطقة من تاريخ .

وهذا يستدعي ـ من وجهة نظر القائمين على التطبيع والمؤمنين به والعاملين من أجله ـ توظيف طاقات ثقافية وإعلامية كبيرة، وإعادة النظر في كثير من المصطلحات والقيم والثوابت المبدئية والخُلُقية والقومية، ليتسنى لهم تحقيق الأهداف المنشودة.

كما يتطلب شن حرب من دون هوادة، وبكل الوسائل الممكنة، على المجتمع ومن خلاله، لتغيير صورته بتغيير اهتماماته وقيمه وأهدافه، ونخر ذاكرته ووجدانه وتراثه وتاريخه، وإلحاق الانحلال بأفراده والرخاوة بعناصر المقاومة فيه، والفساد بأطره العامة والخاصة .

- فلسطين بنظر ثقافة التطبيع : قضية ميؤوس منها، وليس بالإمكان أفضل مما كان، وعروبتها وهم، ولليهود الحق في البقاء على جزء منها ؛ وما دام الفلسطيني قد قبل بالحل المطروح فلماذا نكون ملكيين أكثر من الملك ؟! والبعد القومي للقضية الفلسطينية ارتبط بالمد القومي أو الوهم القومي أو الحلم القومي، وقد "سقط " كل ذلك .

- والتحرير قضية نظرية، وأحلام طوباوية أصبحت الآن غير ممكنة في ظل المتغيرات الدولية والمعطيات العربية الحالية وسياسة الحل السلمي؛ وغير واقعية في ظل توجهات سياسة عالم ما بعد الحرب الباردة .

- والثورية ـ التقدمية ـ الاشتراكية ... الخ، كل ذلك قد سقط بسقوط الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة . إذن فلا بد من تغيير التوجهات واللافتات والشعارات، ورفض الرموز، ودفن الإنتاج والذاكرة والتاريخ الماضي كله، والبحث في حضن، العالم الجديد عن ثقافة جديدة وفكر جديد » ؟؟؟) وقطع الصلة بالماضي على مستويات وصعد شتى .

وربما يصل ذلك ـ حسب هذا النوع من المنطق ـ إلى اللغة والعقيدة والهوية القومية والحضارية، فكل ما يطلبه الغرب الاستعماري المتصهين، والصهيونية العنصرية مقبول ومنطقي وواقعي وحضاري في نظر أولئك، بل هو علامة العصر وورقة المرور إليه ؛ وكل مقاومة لذلك أو اعتراض عليه تخلف وتحجر ومرض شوفيني ؟!!) وخروج على منطق العصر، كما أن كل تأخر في ولوج هذا الباب يعد ـ من وجهة نظرهم ـ إيغالاً في التيه. - والتضحية والبطولة والاستشهاد من أجل القضية والوطن، وسائر الشعارات التي كانت تخفق في الساحات العربية طولاً وعرضاً ؛ كل ذلك ـ في ظل النظرة الاجتماعية السائدة والتوجه السائر في التسوية والمساومة ـ نوع من " الغباء الوطني " الذي يقطف ثمرته أصحاب الزعامات والكراسي والمصالح، ومن يملكون الدكاكين السياسية، والشعارات البراقة، الذين يخوضون كفاحاً بخمس نجوم في الصالونات الأنيقة، ويقبضون ثمن ذلك من كل الناس، ثم يبيعون الوطن والناس للأعداء أو لأول حامل بضاعة ثورية يريد أن يدفنها بأمر الاستعمار .

ولا يرون أن البديل لذلك ـ الذي لا يخلو من حق ـ هو البحث عن الصلابة الخُلُقية والنضالية والقومية بوعي ومسؤولية تاريخية، بل يقولون بنبذ ذلك كله والكفر به ؛ والتوجه نحو نهج مغاير هو من وجهة نظرنا نهج التسوية والاستسلام والانهزام والدخول في " شرق أوسطية " بيريس، والسير في ركاب العصر الأمريكي _ الصهيوني وتحالفاته العربية ومقولاته الاستهلاكية _ الاستعمارية .

- وثقافة التطبيع تحفر خنادقها تحت أرجل الشباب لتروِّج لأنموذج حياة المجتمع الاستهلاكي وقيمه، ولأشكال الانحلال والابتذال / باسم الحرية الفردية ـ الشخصية / ولتزرع التعب الذي يسوّغ الانغماس في لذائذ الفساد والانحلال والمتع الرخيصة . وتجد مسوّغاتها بعد أن انكشفت رموز وسياسات وتوجهات ولم يعد هناك ما هو مقنع أو مقدس أو مبدئي .

وإذن لم لا يبحث الجيل المتعب المحبط المسدودة أمامه السبل ؛ عن المتعة والخلاص الفردي بأي ثمن ؟!؟ ولماذا لا يقبض على الممكن بدلاً من البحث عن المستحيل ؟؟ ولماذا لا يغوص في المتاح حتى "وشته" وقد أتيح له ذلك "النعيم"، الذي سوف يمتد بطول خمسين كيلو متراً على ضفة البحر الأحمر ليقدم أندية القمار والعري والدعارة والمخدرات والرفاه الكاذب تحت مسميات ولافتات براقة، وجذابة بالنسبة لمن تدنت اهتماماتهم وطموحاتهم إلى درجة السعي وراء ما يهم الجانب البهيمي في كيان الإنسان الذي كرمه الله سبحانه باهتمامات أعلى ؟!!

ولماذا ينتظر ليكون مجرد سلعة يتاجر بها الآخرون بعد أن أصبحت كل القيم النبيلة لا تساوي شيئاً، وأصبحت الشطارة مقياس الرجولة والتفوق والأخلاق والوطنية ؟!؟.

« اكنس من طريقك كل المعوقات التي يضعونها أمامك باسم الوطنية والأخلاق والأهداف الاجتماعية والقومية العليا لكي لا تقطف المتعة، فما ذلك إلا دريئة يختبئ وراءها أصحاب المصالح وتجار المبادئ، وليس أمامك إلا أن تقتحم الساحة بالسلاح ذاته، وليذهب كل شيء إلى الجحيم . »

هذا منطق يقدَّم لجيل يريدون أن يعدوه لنا ليكون مستقبلنا، هو جيل الهزيمة وثقافة التطبيع واتفاقيات الذل .

وفي ظل هذا التصوير للواقع تنجح ثقافة التطبيع في :

- أن تساوى بين النذالة والبطولة ... إذ النتيجة لاشيء .

- أن تغير قيم الناس ومعاييرهم وتطلعاتهم ووسائلهم .

- أن تفرغ الوجدان من كل معيار أو دافع أو قيمة، وتفتح الأبواب واسعة أمام اختيارات أنانية، تحت ضغوط وقائع ورغبات واحتياجات مادية، فتحوِّل الإنسان إلى قربة تملأ وتُفرَغ: ماءً أو لذة، ولكنها ليست مالكة لإرادتها على الإطلاق، وليست مدركة لماذا تُملأ ولماذا تُفرَغ ؟!؟

إنها في النهاية وظيفة البهيمة وحياتها ومسرود أيامها، وشتان بين الإنسان والبهيمة !!؟.

- أن تضع الفرد أمام حقيقة الممارسات التي تتم بحقه من إهمال لحقوقه وحرياته، رافعة أمامه عالماً مغايراً سوف يقدمه التطبيع ؟!؟) حيث كل شيء سيتغير بتغيير دفع الحياة وأهداف الناس والحكومات والمجتمعات وسيأتي الازدهار هرولة إلى المدن والمخادع ؟!!.

وفي هذا كله توجه خبيث نحو استخدام واقع حق لتكريس باطل فظيع، وتشويه المنطق وأدوات التقويم والمحاكمة:

فالحرية : قيمة يناضل الإنسان من أجلها وتُنال بتعميق مفهوم الحرية والالتزام والوعي والكفاح والعدل، وبإدراك قيمتها ومدى تحققها من خلال حرية الوطن وحرية المجتمع وحرية القرار وحرية الاقتصاد وحرية الإرادة وحيوية مناخ نموها، ونمو طاقة الروح في ظلها، ولذلك فالنضال من أجلها في ظل التردي والهزيمة والاحتلال وفي ظروف الانسحاق تحت وطأة الطغيانية والقهر وصولاً إلى مجتمع المساواة والعدالة والكفاية، هو بداية الطريق نحو الحرية الكامنة في التحرير الشامل للأرض والإنسان ولطاقتي العقل والروح .

(1) - نفذ زكارنة) عملية العفولة في 6/4/1994 ونفذ عمار عمارنة عملية الخضيرة في 13/4/1994 ثأرا لشهداء مذبحة الحرم الإبراهيمي في الخليل.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244