التِّنِّين - محمد بري عواني

مسرحية للأطفال في عشرة مشاهد - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1998

Updated: Sunday, September 21, 2003 04:24 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المشهد الثالث

يخترقُ جموع الفلاحين جاسم نادباً، صارخاً، مندهشاً)‏

جاسم : هي ياهُو‏

غارَ النَّبْعُ‏

غارَ النَّبْعُ‏

الطحان : ومعه أبو دعاس، وهما ينظران إلى بعضهما بدهشة)‏

ماذا؟! ... ويلي ...‏

غارَ النَّبْعُ‏

مرّوش : ساخرةً)‏

.. طبعاً.. شَرِبَتْهُ الضَّبْعُ‏

جاسم : مرّوشْ يا مروش‏

يافهمانَهْ‏

أكبرُ ضَبْعٍ لا تَشْرَبُ جَرَّةْ(1)

مرّوش : بذكاء وسخرية)‏

بصراحةْ....‏

وهي تنظر في وجوهِ الناسِ، كأنها تتأملها....)‏

شربَتْهُ الهرّةْ‏

جاسم : بدهشة) هِرَّةْ؟!‏

الطحان : بدهشة) قطَّةْ؟!‏

أبو دعاس : لا... هذي خرَطةْ(2)

مرّوش : تقلد صوت الهرة) نَوْ... نَوْ...‏

جاسم : كيفْ؟!‏

وبعينيَّ رأيتُ الماءْ‏

تَشفُطُهُ الأرضُ الصماءْ؟!‏

الفلاحون: إي؟!‏

جاسم : مستنكراً)‏

إي ماذا؟!‏

أمّا النارُ‏

فيا ويلي،‏

هدَّتْ حَيْلي(3)

كالإعصار‏

خرجتْ مِنْ بينِ الأشجارْ‏

وانفجرتْ كالزعقهْ(4)

الأطفال : يقلدون صوت الانفجار)‏

بُمْ...‏

وينبطحون على الأرض. في هذه اللحظة يدخل عرفان، الفلاح الصادق، إنه رجل يعمل في أرضه بإخلاص. وهو يحمل على كتفيه مضخةَ رشّ مبيدات حشرية. يدهش لما يرى...)‏

جاسم : آخ.. آخ‏

وأنا مِنْ خوفي‏

مرّوش : خِرقَهْ‏

جاسم : مستنكراً) ماذا؟!‏

الطحان : لم يصدق) خِرْقَهْ؟!‏

أبو دعاس : لمرّوش) سوفَ أكسِّرُ هذا الرأسْ‏

ويهم أبو دعاس هاجماً نحو مرّوش التي تهرب وتختبئُ خلف ظهر عرفان)‏

مرّوش : خبئْني ياعرفانْ‏

من هذا السكرانْ‏

العجوز : يصرخ) يكفي... بَسْ‏

أبو دعاس صار أمام عرفان، وجهاً لوجه. لحظات متوترة بينهما- يلتفت أبو دعاس ناحية العجوز مرتبكاً. العجوز يتابع).‏

هذا عيبْ...‏

مانفعلُهُ عيبْ!!‏

أبو دعاس : هي مَنْ بدأتْ‏

عرفان : بهدوء) بدأتْ ماذا؟!‏

لا يجهلُ أحدٌ مرّوشْ،‏

كلُّ القريةِ تعرِفُها‏

صادقةً،‏

طيّبةً،‏

ولهذا،‏

نسمَعُها ونمازِحُها‏

أبو دعاس : لعرفان) صَحْ!!‏

نسْمَعُها ونمازِحُها‏

أنا لا أُنكرْ‏

لكن...‏

ليسَ لها أنْ تسخرَ منّا‏

وتُشَرْ شِحُنا!!).‏

هذا عيبْ‏

يصرخ في وجه عرفانْ)‏

هذا عيبْ‏

ياسيدَ عرفانْ‏

عرفان : بهدوء) ماذا يجري؟!‏

قرَيتُنا مقلوبَهْ.‏

والدنيا مقلوبَهْ!!‏

يتقدم نحو العجوز، وخلفه مرّوش خائفة، يسأل العجوز)‏

ماذا ياجدي؟!‏

أخبرني..‏

العجوز : واللهِ ياإبني‏

لا أدري‏

ما أسمعُه حَيّرني‏

بصراحَهْ‏

ما أسمعُهُ‏

عقلي لا يقبَلُهُ‏

لكنْ...‏

أبو دعاسْ‏

لا يكذبْ،‏

والطحانْ،‏

لايكذبْ،‏

مرّوش : ساخرة) وعمي جاسمْ؟!!‏

العجوز : أيضاً جاسمُ لا يكذبْ!!‏

عرفان : لم أفهمْ‏

مرّوش : تقفز أمام عرفان وتتفاصح ساخرة)‏

ياعرفانْ‏

يافهمانْ‏

كلُّ القصةِ ياحبابْ‏

أنّ السيدْ‏

أبا دعاسْ،‏

والطحّانْ،‏

والسيدَ جاسمْ،‏

يحكونَ خرافهْ‏

يعني كذبَهْ‏

بلطافَهْ‏

أوْ بنظافَهْ،‏

كذبّهْ‏

لا تدخلُ من طاقَهْ‏

أو مِنْ بابْ‏

ياحبَّابْ‏

وتضج بالضحك، فيضحك معها بعض الفلاحين، وعرفان....)‏

جاسم : يامرّوش‏

أنا لا أكذبْ‏

أقسمُ أن الماءْ‏

غارَ إلى بطنِ الأرضِ‏

وأنا أسقي‏

الطحان : وأنا أقسمُ ياعِرفانْ‏

أنَّ رحى الطاحون الزرقا‏

مروش : بسرعة) حرنَتْ مثلَ حمارِ‏

الطحان : لعرفان) أترى؟!!‏

نحنُ نُعاني الآنْ‏

مِنْ خوفٍ وخَطرْ‏

يمكنُ أنْ يصبحَ أخطرْ‏

مع ذلكَ‏

أنظرْ..‏

ويشير إلى مروش)‏

مروشْ...‏

منّا تسخرْ‏

عرفان : بهدوء) أكملْ‏

الطحان : دهشاً) أكملُ ماذا؟!‏

انقطعَ الماءُ عن النهرِ،‏

شيءٌ مثلُ السحْرِ‏

لكنْ، فجأهْ‏

طارَ الماءْ‏

حتى صارت قاعُ النهرِ،‏

كما الصحراءْ‏

أبو دعاس : يتدخل) انظرْ ياعرفانْ...‏

انظرْ‏

يريه فأسه المكسورة، وهو يتألم)‏

فأسي انكسرتْ‏

طاخْ‏

مِنْ أولِ ضربَهْ‏

انفلقَتْ‏

أرضٌ مثلُ الصخرِ‏

أقسمُ أني لا أَخْدَعُكُمْ‏

عرفان : بهدوء) غضبُ اللهِ يحُلُّ عليكمْ .‏

يامَنْ بالنعمةِ ضحَّيْتُم‏

فتكبَّرْتُم‏

وتجبّرْتُمْ‏

جاسم : بدهشة) هل تعني أنَّا نكذبْ؟‍‍!!‏

عرفان : لا....‏

بل مايجري حقٌ‏

صدقُ‏

أصوات : متفرقة) ماذا؟!‏

حقٌ؟!‏

صدقُ؟!‏

عرفان : مَنْ لا يرعى بستاناً،‏

أو حقلاً،‏

أو كرْماً،‏

أو أرضاً،‏

مَنْ يحيا في فوضى،‏

مَنْ يقطعُ شجرا،‏

مَنْ يحرقُ زرعاً ،‏

مَنْ يَردُمُ نهْرا،'‏

مَنْ يطمُرُ نبعَا‏

لنْ يحصُدَ غيرَ الخوفِ‏

وغيرَ الرعبِ‏

وغيرَ الموتْ‏

أبو دعاس : خائفاً- يحتجّ) ياسيدَ عرفانْ‏

عرفان : يتابع وكأنه لم يسمع صوت أبي دعاس)‏

ها أنتمْ أبصرْتُمْ‏

كيفَ يجيءُ الموتْ‏

ويحاصرُكُمْ،‏

يُخْرِسُ كلَّ حناجِرِكُمْ.‏

الآنْ،‏

لَنْ يُنقذكُم صوتْ‏

مِنْ أنيابِ الموتْ‏

لحظَتها‏

ستكونونَ أرانبَ مذعورهْ،‏

بلْ مثلَ كلابٍ تنبُحُ‏

في أرضٍ مهجورَهْ‏

صمت- الكل دهشون- يتقدم عرفان من العجوز)‏

سامِحْني ياجّدي،‏

قصدي‏

أنْ يَنْتَبهَ الناسُ مِنْ الغَفْلَهْ‏

لم أقصدْ تجريحاً،‏

أو توبيخاً،‏

لكنّ القريَةَ مفجوعَهْ،‏

أينَ نظرتَ ترى زرعاً محروقاً،‏

أو أشجاراً مقطوعَهْ‏

ونحنُ نسَلّمُ رَقبَتَنا‏

لقليل الناموسْ‏

أبي فلوسْ،‏

وللدّجالِ الماكرْ‏

أبي منشارْ‏

الغادرْ‏

بأسى ومراره) ما أغبانا‏

ما أتفَهَنا‏

صمت طويل.وفجأة تقطعُ مرّوش هذا الصمت بحيويتها وهي تصرخُ وتقفز)‏

مرّوش : تَسلمْ‏

ياعرفانْ،‏

تسلمْ‏

تَسلمْ‏

يافهمانْ،‏

تَسلمْ‏

تُحمس الأطفالَ والنساءَ....)‏

كفْ.. يا أولادْ...‏

كف...‏

تصفق،ويصفق الأولاد والنساء...)‏

الاولاد:هيه..‏

تصفق مرّوش، وهي تدور بين الجميع فرحةً مرددة أهزوجة والأولاد يرددون خلفها).‏

مرّوش : كفْ ... كفْ‏

للفهمان‏

الأطفال : كفْ ... كفْ‏

للفهمان‏

مرّوش : كفْ..‏

للسيدِ عرفانْ‏

الأفال : كفْ..‏

للسيدِ عرفانْ‏

في غمرة رقص الأطفال مع مرّوش حول عرفان، يخترق المرحَ صوتُ طبل قوي. يُصيخ الجميعُ السمعَ بترقب وانتباه...).‏

مروش : لقد عرفت الطبل)‏

هَهْ...‏

"أذكرْ الديبْ"(5)

"وجهِّزِ القضيبْ"....‏

وتقلد صوت زمور السيارة، وكأنها سائق.. وخلفها الأطفال)‏

بيبْ ، بيبْ....‏

الأطفال : بيبْ ، بيبْ....‏

(1) الضَّبُعُ= حيوان كاسر . وهي مؤنثة، تطلق على الذكور والإناث.‏

(2) خَرْطةْ= كذبة، وهي لفظة عامية يستخدمها الأطفال في حديثهم كثيراً.‏

(3) حَيْلي= قوتي، وهي لفظة فصيحة.‏

(4) الزعقة: هي الصوت الشديد، والصراخ القوي المخيف، وهي هنا تعني الصاعقة النارية التي تسقط من السماء، زاعقة، وحين تصطدم بالأرض تنفجر، وتطلق صوتاً مرعباً، مدمراً لذلك سمّاها الناس زعقة) بسبب صراخها المرعب.‏

(5) مثلٌ شعبي. معناه أنك إذا ذكرت أحداً فإنه يحضر -يظهر- أمامك سريعاً وهذا من تأثير اعتقاد الناس قديماً بأن للكلمات، وبخاصة الأسماء، قوة سحرية، و"الديب" هو الذئب. و"القضيب": هو العصا.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244