التِّنِّين - محمد بري عواني

مسرحية للأطفال في عشرة مشاهد - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1998

Updated: Sunday, September 21, 2003 04:24 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المشهد الثامن

فجأة -وما زال الخوْف مسيطراً والارتباك واضحاً على الكبار خاصة، يصرخ جاسم بخوف وهو يرتجف)‏

جاسم : ماذا؟!‏

كيفَ نَبيعُ المونَهْ؟!‏

كيف نبيعُ المونَهْ؟!‏

منصور : حتى توفوا الدَّينْ‏

ستبيعونْ‏

وتجوعونْ‏

أبو دعاس : يصرخ) كلا‏

جاسم : والأطفالْ؟!‏

منصور : ما فكرّتُمْ بالأطفالْ‏

قبلَ اليومْ،‏

كان الكازينو هو الحُلمْ‏

الطحان : وهو يهز منصوراً بقوة)‏

نقِّطنا بِسُكُوتكَ واصْمُتْ‏

منصور : حتى لا أفَضحكُمْ؟!‏

حاضرْ‏

لكنْ...‏

هل تسكُتُ بنتُكَ ناهِدْ؟!‏

الطحان : أشْرُطُ فمَها بيدي‏

إنْ قالتْ كِلْمةْ‏

منصور : حتى لو نطقَتْ بالحقْ؟!‏

الطحان : يرتبك) أصلاً..‏

لا يُسْمَحُ للأولادِ بأيّ كلامٍ قدّامَ الآباءْ‏

أبو دعاس : الولدُ الطيبْ‏

يحترمُ وجودَ أَبيهْ‏

جاسم :يَسْتمعُ لِرأيِ أبيهْ‏

ناهد : تتدخل محاولة الكلام)‏

بابا‏

الطحان : هُسْ‏

ناهد : بجرأة) بابا..‏

مِنْ حقي أنْ أتكلّمْ‏

أبو دعاس : ماذا؟!‏

ناهد : وأُعبّرَ عن رأْيي‏

أبو دعاس : عالْ.. عالْ..‏

الطحان : يرتبك) ناهدْ...‏

ناهد : اسمعني أرجوكْ‏

أنت أبي الغالي‏

أغلى مِنْ روحي‏

أنتَ مسائي‏

وصباحي‏

يُرضيني ما يُرْضيكْ‏

يُؤْذيني ما يُؤْذيكْ‏

فلماذا تمنعُني مِنْ قولِ الحقْ؟!‏

أبو دعاس : البنْتُ المفعوصَةْ‏

سَتُعلمنَا كيفَ تبيضُ الصوصَةْ!!‏

ناهد : تضحك ببراءَة)‏

عمي أَبا دعاسْ‏

اَخفضْ صوتَكْ‏

حتَّى بابا لا يشْمَتَ أو يضْحَكْ!!‏

أبو دعاس : ماذا؟!‏

ناهد: تهمس) لا تُوجَدُ صُوصَةْ!!‏

بلْ صوصْ.‏

وتعرفُ أَنتَ وعمّي جاسِمْ‏

أنَّ الصُّوصْ‏

لا يُعْطي بَيْضَاً‏

جاسم : يوافق) أي واللهْ!!‏

أبو دعاس : أترى يا جاسِمْ؟!‏

هل تَسْمَعُ يا طحانْ؟!‏

بنتُكَ ناهِدْ‏

تسْتَغْفِلني‏

تسخرُ مني‏

هل تسمعُها؟1‏

الطحان : متباهياً) طبعاً أسمعْ‏

بنتي فهمانَةْ‏

أبو دعاس : أتعلّمني وأنا رجلٌ أكبرُ منها؟!‏

الطحان : أكبرُ رجلٍ فينا جاهلْ‏

أبو دعاس : دهشاً) ماذا أسمعْ؟!‏

الطحان : قولي يا بنتي، قولي..‏

علّي صوتَكِ‏

قولي رأيَكِ‏

أبو دعاس : أنا لن أسمعْ‏

الطحان : هذا أفضلْ‏

ناهد : تلاطف أبا دعاس، وتريد أن تمنع أي زعل بين الأصدقاء)‏

عمي أبا دعاسْ‏

لا تزعلْ أرجوكْ‏

بابا لا يقصُدُ ازعاجَكْ‏

وأنا -ورفاقي- نحترمُكْ‏

وكلامي في مصلحتِكْ‏

في مصلحةِ القريَةْ‏

وابنُكَ دعاسٌ مثلي‏

شاطرْ‏

تلميذٌ ماهرْ‏

نحنُ رفاقْ‏

وأنتَ وعمي جاسمْ‏

مع بابا إخوةْ‏

أبو دعاس يستدير عن ناهد ولا يرد عليها -تلتف نحوه وهو يهربُ منها)‏

عمي أبا دعاسْ‏

في كتبِ العلمِ قَرَأْنا،‏

وتعلَّمْنَا‏

أنَّ عدوَّ الصحرا‏

المطرُ،‏

أنّ صديقَ المطرِ‏

الشجرُ‏

أبو دعاس : يكفي‏

دعاس : يتدخل مخاطباً والده)‏

بابا‏

أبو دعاس : ماذا يا سيدُ دعاسْ‏

هل ستعبّرُ عن آرائِكْ؟!‏

عن أفكاركْ؟!‏

دعاس : بابا‏

لا تزعلْ إن قالتْ ناهدْ‏

إنكَ جاهلْ‏

أبو دعاس : بدهشة) ماذا؟!‏

دعاس : هل تعرفُ ما تعرفُ ناهدْ‏

وأنا‏

عَنْ أصلِ الأمطارْ؟!!‏

أبو دعاس : هذا مِنْ أفعالِ اللهْ،‏

لا يعلمُهُ إلاّ اللهْ‏

دعاس : يكمل الكلام) وأهلُ العلمِ..‏

هل تُنكِرُ ما قالَ اللهْ‏

في القرآنْ؟!‏

أبو دعاس : دهش) قولوا لي يا ناسْ‏

هلْ ما أسمعُ أمرٌ صالحْ‏

أمْ هو طالحْ؟!‏

دعاس : يمازحه) إنْ أخبرتُكَ هل نتصالحْ؟!!‏

أبو دعاس : يُمكِنْ!!‏

دعاس : بابا..‏

الأمطارُ بخارُ مياهِ البحرِ المالحْ‏

يصبحُ غيماً‏

يسبحُ مثلَ بساطِ الريحْ‏

خيْلُ الغيمِ الرّيحْ‏

تدفَعُهُ بحنانٍ نحو الأرضِ المزروعةِ بالأشجارْ‏

والجبلِ الحبلانْ‏

بالزعْتَرِ والغارْ‏

ونحوَ الصَحراءِ الحُبْلى بالشّيحْ‏

أبو دعاس : بفرح) أللهْ!!‏

دعاس : يتابع) والغَيماتْ‏

أبو دعاس : بفضول وشغف)‏

إي.. والغيماتْ‏

دعاس : يمازحه) ماذا تفعلْ؟!‏

أبو دعاس : يرتبك.. ثم) بصراحهْ‏

لا أعرفْ..‏

يتجرأ) ماذا تفعلْ؟!‏

دعاس : تعشقُ كفَّ الأرضِ الحمرا‏

ولكيّ تحتَضنَ صديقَتَها الحُلْوهْ‏

-أرضَ الخَيرِ النَضِرَه-‏

تبكي -مِنْ فَرحَتِها- مَطرا‏

فتصيرُ الأرضُ ربيعاً‏

والبريَّةُ تصبحُ خيرا،‏

تلبسُ أزياءً صفراءْ‏

جاسم : بدهشة) ماذا؟!‏

دعاس : بلْ حمراءْ‏

أبو دعاس : رائعْ‏

دعاس : بلْ خضراءْ‏

تلبسُ أزياءً لا أحلى‏

لا ألطفْ‏

يقفز أبو دعاس من فرحه وهو يلوح بيديه هاتفاً..)‏

أبو دعاس : يا ويلاه..‏

ابني يتفَلْسَفْ‏

يدور بين الناس غير مصدق، لكنه يضج بالفرح والحركة)‏

ابني يَسْتَشْعِرْ‏

ابني‏

يرتبك، فيمسك بجاسم ويهزه..)‏

جاسمْ..‏

هل سَمِعَتْ أُذُناكْ‏

ما سَمِعَتْ أُذُنايْ؟!!‏

ويندفع نحو ابنه دعاس -يحضنه ويقبله بسعادة، ثم يهتف)‏

ابني شاعِرْ‏

ابني دعاسٌ شاعرْ‏

أشطرُ مِنْ أشطرِ شاطرْ‏

يتضايق جاسم من هذا الكلام، ويريد أن يتباهى بولده أيضاً)‏

جاسم : وأنا أيضاً‏

أبو دعاس : ماذا أنتْ؟!‏

جاسم : ابني شاعرْ‏

أفضلُ منْ أفضلِ شاعِرْ‏

أبو دعاس : ساخراً) ابنُكْ؟!‏

جاسم : ابنُكَ ما أَفضلُ مِنْ ابني‏

يتقدم حسان سريعاً ليمنع الخصومة بين والده وأبي دعاس)‏

حسان : بابا‏

جاسم : ابني حسانٌ شاطِرْ‏

فهمانٌ ماهِرْ‏

ومغامِرْ‏

حسان : بابا.. بابا‏

نحنُ رفاقٌ في المدرسةِ‏

وفي الصفِّ وفي المِقعَدْ‏

جاسم : يعني؟‍‍!!‏

حسان : يعني‏

بالأشجار الدنيا أحلى في العينينِ وأجملْ‏

جاسم : يصرخ بفرح)‏

شاعِرْ‏

حسان : وتَنفُسُنَا بالأشجارْ‏

يصبحُ أفضلْ‏

جاسم : لمْ أفهمْ‏

الطحان : هل هيَ حزّورةْ؟!‏

حسان : الأشجارْ‏

تَشْفُطُ مِنْ كلِّ الكونْ‏

غازَ الكربونْ‏

-يعني الفحمَ-‏

وتعطي بدلاً منهُ الأوكسجينْ‏

جاسم : تُعطي هواءً‏

حزرتْ‏

الأشجارْ‏

تعطينا عبيرا‏

يعني تُعطينا شهيقاً يشهق)‏

نحنُ نُعْطيها زفيراً يزفر)‏

كأنه يطلب الإجابة)‏

صحْ؟!!‏

حسان : صحْ!!‏

بالأشجارْ‏

يا عمي الطحانْ‏

نصنعُ سِحْرا‏

الطحان : سحرا؟!‏

حسان : طْبعاً..‏

بالأشجارْ‏

نسحَبُ غيمَ البحرِ إلينا‏

حتى يهطلَ مطرا‏

حتى يصبحَ نَبْعَا‏

يجري ساقيةً في القريةِ‏

نَشْربُ منها‏

أو نهراً يسقي الزرعا‏

لكنْ..‏

ويصمت متعمداً. جاسم يدهش لسكوت ولده المفاجئ)‏

جاسم : ماذا؟!‏

أكملْ‏

لا تتوقفْ‏

للناس) ابني عالمْ‏

ابني حسانٌ عالمْ‏

لحسان) لكنْ ماذا؟!‏

اكملْ!!‏

يتدخل منصور بهدوء ليتابع كلام الأطفال الثلاثة)‏

منصور : واأسفاهْ‏

نحنُ ندمّرُ بجهالتَنِا‏

ما أعطانا اللهْ‏

صمت قصير.. ثم يتابع منصور وهو يتأمل وجوه الناس)‏

أمّا الآنْ‏

فسأترككُمْ لضمائِرِكُمْ‏

لكني سأعودْ‏

ومعي عرفانْ‏

والأولادْ‏

وكلُ الفلاحينْ‏

لأُفاجئَكُمْ بأمورٍ تجعُلكُمْ‏

تبكونَ على ما فعلتْ أيديكُمْ‏

ساعتها‏

مَنْ يدري‏

ماذا يجري ؟!‏

ينسحب سريعاً دون أن يلتفت خلفه -لحظة قصيرة ويخرج الأطفال الثلاثة وغيرهم وراء منصور -يفاجأ الجميع بهذا التصرف)‏

جاسم : إهْ...‏

راحوا معَ منصورْ‏

أبو دعاس : يصرخ) يا أولادْ‏

الطحان : يا أولاد..‏

يصرخ الثلاثة معاً)‏

يا أولادْ‏

يا أولادْ..‏

لكنَّ الأولاد راحوا وابتعدوا.. صمت قصير.. الطحان يرتبك، ويكلم نفسه غيرَ مصدق ما يجري)‏

الطحان : مع منصورْ؟!‏

كيفَ أصدقْ؟!‏

جاسم : عقلي طقْ‏

أبو دعاس : وأنا..‏

يصرخ..) يا أولادْ..‏

يا أولاد..‏

يكلم رفيقيه)‏

راحوا مع منصور‏

مع أَعْدا أعداءِ الضَّيْعَةْ...‏

راحوا..‏

وبشكل عفوي ينقلب الموقف إلى غناء حزين ورقص تعبيري..)‏

الجميع : راحوا راحوا.‏

مثلَ خيولَ الجنِّ انداحوا(1)

ما سألوا عنّا‏

تَركُونا‏

يَنْهَشُنَا خَوْفٌ‏

وجراحُ‏

يا خيْبَتَنا‏

كبروا فجأةْ‏

ما أتعسَنَا‏

طاروا فجأةْ‏

نَبتَ لهمْ ريشٌ وجناحُ‏

راحوا.‏

***‏

لا يُرْهِبُهُمْ إعصارُ‏

عَنْ مبْدَئِهمْ لا يمنَعُهُمْ‏

بردٌ‏

أو ريحٌ،‏

أو نارُ‏

تحضِنُهُمْ شمسُ الحريَّةْ‏

وتُناديهمْ أفراحُ‏

يا خَيْبتَنا‏

ما أتعَسَنا‏

في أعيُنِنا الدنيا ليلٌ‏

والدُنيا نورٌ وصباحُ‏

والأولادْ‏

كالأعيادْ،‏

ما إنْ طلوّا‏

راحوا.‏

(1) -انداحوا: اندفعوا بقوة في كل الجهات.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244