|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 04:27 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثاني ((في مدينة ميونيخ: المشهد ذاته عند بداية الفصل الأول، مع فارق: -ظهور حرس أكثر في القاعة ببزَّات رجال الأمن لا سيما عند الأبواب والنوافذ.)) (- جمهور النظارة أكبر ومن أعمار مختلفة من الجنسين.) القاضي : (يلقي نظرة على من في القاعة. ثم على عضوي المحكمة عن يمينه ويساره. ثم يتفرس للحظات في وجوه الفدائيين(في القفص). يتنحنح ويضع النظارات على عينيه. ينظر في ملف أمامه. يعقد ما بين حاجبيه يهم بالكلام) المتهم الثاني. خالد.. اسمك الكامل..؟ خالد : مسجل لديكم. القاضي : (متأففاً) ها قد عدنا لمهزلتكم.. اسمك الكامل.. أجب على سؤال المحكمة يا هذا.. خالد : وأي فرق سوف تحدثه معرفة اسمي.. سموني ما شئتم.. فلن أكون سوى ذلك الإرهابي في رأيكم.، كائناً من أكون ما دمت عربياً.. فلسطينياً.. القاضي : (في ضجر) ألا تعتقد أننا في مثل هذه المحكمة يجب أن نسأل المتهم عن اسمه كإجراءات قضائية.. ونعني اسمك الحقيقي وليس الحركي. خالد : (يغني) آه يا يوم مولدي.. آه يا أيها الشقي.. القاضي : (يرفع حاجبيه في دهشة. همهمة في القاعة. يهم النائب العام بالحديث. لكن خالداً يسبقه إلى الكلام) خالد : حسناً.. اسمي خالد قاسم. القاضي : (في ارتياح) آه هذا أفضل.. هذا أفضل.. هه.. بلدك..؟ خالد : بلدي فلسطين. القاضي : (مصححاً) تعني إسرائيل.. خالد : (بأصرار) بل فلسطين. القاضي : تعني ما كان قبل عقدين أو أكثر من الزمن. خالد : أعني ما كان على مدى التاريخ. بل قبل أن يكتب التاريخ. عقدان من الزمان لا يلغيان الحقب والدهور. القاضي : لكن هذا هو اسمها الرسمي الآن. القاضي : لكننا لا نعترف بغير اسمها الذي نعرف. أسماء الأوطان لا تتغير بمثل هذه السهولة. هل أستطيع أنا، لو شئت، أن أغير اسم برلين إلى ميونيخ وتقبلون مني ذلك؟. النائب العام : (يطلب الكلام) إن هذا المتهم، يا حضرات القضاة، كزميله الآخر سوف يعمد إلى المراوغة هادفاً إلى تضييع الوقت.. وقت المحكمة. ليصرفها بالتالي عن مهمتها. ها هوذا يجادل في الاسم المسجل لدولتنا في هيئة الأمم المتحدة. خالد : (مقاطعاً) ولكننا لا نُعنى بما فعلته الأمم المتحدة إلا بقدر ما أوقعت بنا من أذى. سنذكر لها دوماً ذلك الجميل.. تقسيم بلادنا أولاً.. تغيير اسمها ثانياً. ثم التواطؤ على البقية الباقية منها، فضلاً عن تشريدنا تحت كل سماء. النائب العام : (بلهجة تحريضية) ألا ترون أنه يتطاول على مقام الهيئة الدولية الأعظم في عصرنا، وعلى القانون الدولي أيضاً..؟ خالد : (متجاهلاً إياه وناظراً باتجاه المنصة) أي هيئة هذه التي أعطت لنفسها الحق بالتآمر على مجموعة من البشر كي تسحب أرضهم من تحت أقدامهم.. لتقديمها لقمة سائغة.. هدية للغرباء.. من خولَّها ذلك الحق..؟ وصاحب الأرض والحق لم يؤخذ رأيه، بل فرض عليه ذلك فرضاً بمنطق السلاح والقوة. رفض وقاوم ومع ذلك أصرَّت على قرارها الجائر وقدمت الدَّعم الماديَ والمعنوي لمعتدٍ.. لسارق.. القاضي : (يقاطع النائب العام الذي همَّ بالحديث) لننته من هذه المسألة، فكما أسلفت هذا ليس موضوعنا. محامي الدفاع : (موضحاً) إن موكلي، أيها السادة، يتحدث عما حلَّ بشعبه نتيجة لقرار تقسيم فلسطين. ذلك القرار لم يكن إلا ظلماً فادحاً بتواطؤ عام بين الدول الكبرى من خلال الشرعية الدولية الملفقة. ومن حق موكلي عدم الإقرار به. فمن ذا الذي يقرُّ بشرعية ظلم يقع عليه؟ القاضي : ولكن حضرة محامي الدفاع ينسى فيما يبدو أن ذلك قد أقرَّ من قبل الأكثرية في تلك الهيئة. محامي الدفاع : اتفاق الأكثرية على الظلم لا يجعل منه أمراً مشروعاً.. لا يكسبه مشروعية قط. وسيادتكم إذا كنتم على شيء من الإطلاع، أقصد الاهتمام بالإطلاع على الشؤون الدولية، فلا شك أنكم عندئذ تعرفون ما هي الوسائل التي اتبُّعت، من ترهيب وترغيب وتزوير وضغوط مورست على أعضاء العديد من الدول لتغير مواقفها التي كانت في الأصل لصالح الشعْب الفلسطيني، أي إلى جانب الحق، فتحولت في ربع الساعة الأخير إلى العكس تماماً، أُجلت الجلسة أكثر من مرة وترتب على ذلك كل ما تبعه من سلسلة المتاعب والحروب والمآسي.. ومازال هذا كله قائماً حتى الآن، بل ويزداد تفاقماً. اشتُريت أصوات دول، أيها السادة، يؤمئذ. فكيف يصبح هذا الافتئات على حقوق الإنسان.. على حقوق شعب كامل أمراً مشروعاً بالضرورة.. فقط لأنه صدر عن أكثرية، وأكثرية غريبة وبعيدة لا علاقة لها بهذا الشعب كي تتولى أمر تقرير مصيره. القاضي : وهل يمكن أن تُجمع دول على مثل ما تقوله؟ محامي الدفاع : ذلك ما حدث. القاضي : ولكن إذا كان هذا صحيحاً. لماذا لم يدافعوا عن موقفهم قبل أن يتم ذلك؟ محامي الدفاع : كان شعباً مغلوباً على أمره. أعزل من كل سلاح تحت حكم الانتداب البريطاني، الذي هيأ الظروف للوصول إلى تلك النتيجة، حين وضع البلاد في ظروف تهيء لنشوء الوطن القومي اليهودي، وإلى ما آلت إليه الأمور فيما بعد. القاضي : على أية حال هذا كله خارج عن الموضوع الذي نحن بصدده. النائب العام : ما حدث يومئذ، وما ترتب عليه من نتائج، وأياً كانت الظروف والملابسات بات الآن شرعياً ودولياً. وليس لأحد الحق في الطعن فيه. الأمر الواقع القائم هو الأمر الواقع المعترف به. (يحاول محامي الدفاع أن يرد ولكن القاضي يوقفه بإشارة من يده) القاضي : حسناً. استمعنا ما فيه الكفاية(ثم موجهاً كلامه إلى الفدائي خالد) لنعد إلى ما كنا فيه إلى صلب القضية. خالد : ولكن اسمح لي قبل ذلك أن أضيف، يا سيادة القاضي، أن هيئة الأمم هذه رغم كل شيء لم تعلن يوماً إلغاء اسم فلسطين. العدو نفسه عمد إلى تطبيع إخفاء اسم فلسطين بالتعتيم عليه بإنكاره، وفي نفس الوقت إبراز اسم إسرائيل كحقيقة وحيدة وأرى أنه يجب أن تربأ محكمتكم هذه عن الانسياق في هذا الاتجاه.. وراء عملية التزييف، بل التزوير الأكبر في التاريخ.. تحت مظلة الشرعية.. القاضي : يبدو أنك لا تقل ذلاقة لسان عن صاحبك الذي سبقك.. ما اسمه..؟ نضال.. خالد : أنت الذي يرى الأمر هكذا، يا سيادة القاضي. إنسان يدافع عن نفسه، الأمر الذي تقرُّه كافة الأعراف والقوانين، يتحول عمله هذا أيضاً إلى تهمة عنوانها(ذلاقة اللسان).. القاضي : (في شبه استنكار) تتكلمون دائماً عن أشياء غريبة.. وخارج الموضوع.. ميتافيزيقيون..! أنتم هكذا.. خالد : أليس ذلك خيراً من أحادية النظرة عندكم؟ الرؤية بعين واحدة؟ ومن ثم فأنتم لا تعجبون إلا بتلك النغمة الواحدة، ولا تريدون حتى مجرد الاستماع إلى غيرها، فأصبحت كأنها الحقيقة. وفي خضم ذلك ضاعت الحقيقة نفسها. القاضي : (ساخراً) ونحن ضد الحقيقة فيما ترى.. أليس ذلك ما تعنيه..؟ خالد : تماماً.. القاضي : (محتداً وبصوت عال) ألا ترى أن هذه صفاقة أيها السيد؟ النائب العام : (متدخلاً وكأنه يشد أزر القاضي) هذا كثير. أطالب بأن يوقف عند حده هذا المستهتر بحرمة القضاء في هذه البلاد. بل بنظامها الديمقراطي العريق أيضاً..! خالد : (موجهاً كلامه للنائب العام في سخرية وحقد) لا أدري إن كان حضرة النائب العام نفسه يصدق ما يقول..! (ضحك في القاعة.. تتحول إلى أخذ ورد بين فريقين -توشك أن تتحول إلى مشادة..) القاضي : (يضرب على المنضدة بالمطرقة. ثم موجهاً كلامه للجمهور) أنتم طبعاً مستاؤون من إجابات هذا المتهم اللامسؤولة.. (الجمهور بين موافق ومعترض.. تتعالى الأصوات يعاود القاضي تهدئتها بالضرب بمطرقته وبمناشدة الجميع الصمت) القاضي : (متجهماً. يقطب جبينه ليعيد الهيبة للمنصة. ثم ملتفتاً إلى خالد) إذا لبثت مصرّاً على أسلوبك هذا. ومنه إصرارك على المراوغة في إجاباتك فإنني لن أنتظر تلك الإجابات. وسأسجل ما أراه ملائماً بالاستنتاج.. نحن لسنا على استعداد لإضاعة مزيد من الوقت في هذه النقاط غير الهامة.. خالد : أهذه نقاط غير هامة يا سادة؟ فما هو الهام إذن؟ مصالحكم؟ قرارات المحافل الدولية التي تسخرونها لخدمة تلك المصالح؟ بل تصنعونها حسب رغباتكم وتصوغونها لتوافق أهواءكم؟ أما الآخرون فليذهبوا إلى الجحيم..؟ القاضي : (ساخراً) يبدو أنك تجهل خريطة الجغرافيا السياسية العالمية. لو لم تكن كذلك لعرفت أننا لسنا إحدى الدول الكبرى الدائمة في مجلس الأمن. خالد : لكنكم لا تملكون إلا الاستجابة، إما لأنكم مغلوبون على أمركم، أو لأن لكم ذات التوجه حسب القضايا أو القضية المحددة. فأنتم تنتمون إلى الحضارة ذاتها، تنهلون من النبع ذاته، تحملون المفاهيم والقيم والأفكار ذاتها. القاضي : (يصمت طويلاً.. مفكراً في الخروج من هذا المأزق) كم عمرك؟ آمل ألا تدخلنا في متاهة جديدة نمضي فيها ساعات قبل أن نحظى بجواب.. برقم تذكره فقط، تحدد لنا فيه كم لك من العمر.. خالد : (ضائقاً ذرعاً. مشيراً بكلتا يديه) لم لا تريحوننا من الشكليات أيها السادة، لم لا تختصرون الطريق. أليس كل شيء مقرراً عندكم سلفاً..؟ القاضي : الإجراءات التي تحسبها مجرد شكليات لابد من استكمالها لإكساب الحكم صورته الشرعية. خالد : ضمن اللعبة الدعائية للديمقراطية الشكلية. وهكذا تكون للشكليات مكانة القداسة. أن يقتل البشر ظلماً وعدواناً ليس مهمّاً أو موضوعياً، ما دامت تلك الشكليات متقنة الصنع والأداء..! (يخفت صوته وكأنما يحدث نفسه في شبه همس مردداً) ذلك الشاعر كأنه كان يعنيننا بقوله: قتل امرئٍ في غابة جريمة لا تغتفر/ وقتل شعبٍ آمنٍ مسألة فيها نظر... القاضي : (وهو يشير بيديه ضجراً.. وهو ينظر إلى الجمهور كالمعتذر) لننته من هذه المسألة. سوف نسجل.. سوف نسجّل.. ثلاثون سنة.. العمر ثلاثون سنة. خالد : (مقهقهاً في سخرية وينظر إلى الجمهور) هل ترون أنهم أيضاً يقرون أمر خلقي. متحكمين في الكون والزمن؟ ومتى وجدت على ظهر هذه الأرض.. بنظرة ثاقبة..! ولكن ما الغريب في الأمر ما داموا يقررون لنا، للواحد أو للمجموعة منا متى تنتهي حياته.. متى عليه أن يغادر هذا العالم.. بقرار من محكمة كهذه.. بقرار في مثل تلك الهيئة العتيدة.. بالضغط على صاعق لقنبلة تبيد هيروشيما ومائة ألف إنسان في طرفة عين.. القاضي : (ساخراً) ألم أقل أنكم ميتافيزيقيون...؟ بل رومانسيون...؟ محامي الدفاع : استكمالاً للشكليات في القضية، كما ترون، أرى أنه ليس من حق المحكمة أن تقرر بمفردها أمراً كهذا ما دام الظنين متواجداً أمامها. القاضي : (متهكماً) إذن توسَط لنا لديه -إذا تفضلت- ليقول لنا كم عمره. خالد : (يبادر قبل أن يُسأل) ست وعشرون سنة. آمل ألا يبادر أحد إلى دحض هذا الادعاء.. (همهمة في القاعة.. ثم صمت إثر ضرب المنضدة بالمطرقة من قبل القاضي) القاضي : كان هذا ممكناً بالفعل. إذ يبدو عليك أنك أكبر من ذلك. وربما أردت فقط تسفيه رأيي حين قدَّرت عمرك في الثلاثين. على أية حال لن نقف هنا أكثر مما فعلنا حتى الآن. ولننتقل إلى صلب القضية. قل لي يا خالد لماذا عمدت إلى قتل.. أعني أسهمت في قتل عدد من الرياضيين الإسرائيليين ؟ خالد : لابد أن سيادة القاضي وهيئة المحكمة الموقرة أيضاً سينفد صبرها إذ أعيد ما قاله رفيقي في الجلسة السابقة. القاضي : ولكنك جئت إلى هذه البلاد تحمل معك نية القتل على الأقل.. ومخططاً، ومُكلَّفاً من تنظيم ما.. ما معنى هذا كله في رأيك؟.. وقد كانوا مجرد رياضيين لا مقاتلين.. خالد : ولماذا لا يسألون هم عن قتل أطفال فلسطين.. وهم مجرد أطفال.. لماذا لا يأبه أحد لعمليات الإبادة الجماعية للآلاف من النساء والرجال من مختلف الأعمار، على مدى ما يقارب نصف قرن من الزمان.. مع الفارق النوعي والسببي بين حالتي الاعتداء والدفاع عن النفس..؟ وعن الوطن...؟ القاضي : هاه. والوطن.. ها أنتذا من يسأل المحكمة. خالد : ولم لا؟ أنتم تتحدثون عن الحرية والديمقراطية.. أو ترانا حالة استثنائية في دنيا البشرية..؟ النائب العام : (متهجماً كعادته) أرأيتم، أيها السادة، إلى هذه القحَّة من قبل الجناة. إحقاقاً للعدالة، وتوخياً لتفويت الفرصة عليهم في كسب الرأي العام بطروحاتهم الغريبة وحكاياتهم المزعومة من على منبر هذه المحكمة أطالب بتجريمهم، على الفور، دون الالتفات إلى أقوالهم ومزاعمهم. على أن يكون الحكم بأقصى العقوبة في المادة(...) رقم(...) من قانون العقوبات(...) القاضية بـ.... القاضي : (مشيراً إليه بيده للكف عن متابعة كلامه ثم موجهاً كلامه إلى خالد) ليس من مصلحتك يا هذا الاسترسال في أسلوبك المراوغ. لهذا أكرر سؤالي. وللمحكمة عليك واجب الإجابة: لماذا أردتم قتل الرياضيين الإسرائيليين..؟ خالد : نحن نعرف أنهم جنود جاءوا بزيّ الرياضيين. ومن حقنا أن نقتص منهم كمجرمي حرب. وأنتم لا شك تذكرون نورنبرغ.... القاضي : ها أنتذا تقرأ التاريخ جيداً. (غمغمة في القاعة.. علامات استحسان وعلامات استهجان تبدو على وجوه مختلف الحضور) النائب العام : (مهتاجاً) أليس واضحاً، أيها السادة، أنهم يتعاطفون مع النازيين، أنهم بلا شك لا ساميّون.. خالد : (ساخراً) ما أظن حضرة النائب العام يجهل من هم الساميون.. أليسوا نحن أيها السادة.؟ ألسنا ساميين أم ترانا آريين دون أن ندري. أم ترانا جئنا من كوكب آخر.. غنِّها دائماً، تلك الإسطوانة المشروخة لطول استخدامها. ألم يحن الكف عنها حتى بعد انقضاء ربع قرن من الزمان أو يزيد. وبعد أن حققوا عن طريقها الكثير الكثير.. ألم تكن هذه وسيلتهم لخلق ظلم مماثل، بل أشدّ وأقسى على شعب آخر؟ لماذا لا يؤدي وضعنا إلى خلق عقدة ذنب جديدة لدى ذلك الغرب، ما دام هو أيضاً المسبّب لها..؟ تلك الإسطوانة.. إيَّاها.. النائب العام : (متصنعاً الألم والغضب) الهولوكست.. ومعسكرات الاعتقال.. وقتل ملايين اليهود.. هذا كله تسمونه أسطوانة..؟ خالد : أليس هذا تماماً هو ما تصنعونه بنا منذ ثلاثة أو حتى أربعة عقود.. أنتم والإنتداب البريطاني والدعم الغربي بمجمله.. كم(هولوكوستاً) حل بنا أيها السَّيد: النائب العام.. ولكن معذرة نحن نقتل اليوم بوسائل أكثر حداثة.. وبتقنية متطوَّرة.. يجب أن نشكركم على ذلك..! النائب العام : (يبدو عليه الحرج بعض الشيء) ألم أقل لكم أنهم، وهذا واضح تماماً، يسخرون من هيئتكم الموقرة؟ خالد : هو واضح أيضاً أن استماع هذه الهيئة الموقرة لمزيد من تخرصات السيد النائب العام يضفي عليها مزيداً من الوقار. النائب العام : (يصرُّ على أسنانه غيظاً) إني أرى في شخص هذا الإرهابي أيخمان آخر.. محامي الدفاع : إني أحتج. إن حضرة النائب العام يحاول جاهداً إرهاب موكلي. وفي نفس الوقت التأثير على هيئة المحكمة بما هو خارج عن نطاق القضية.. بدعاوى بالية كاللاسامية والهولوكست.. ابتزازاً للعواطف.. لإيقاع مزيد من الظلم بموكلي وشعبه. (أصوات في القاعة.. تعلو شيئاً فشيئاً.. تتحول إلى مشادات بين أفراد هنا وهناك.. تصل بعضها إلى أسماع هيئة المحكمة متهمين إياها بالتحيز، والنائب العام بالكذب.. رجال الأمن يتحركون.. ويتحفزون..) القاضي : (يبدو قلقاً خشية تطور الموقف فيبادر إلى الوقوف وبيده الميكرفون طالباً الصمت والإخلاد للهدوء كي تمضي المحكمة في إجراءاتها. ولما لم يُستجب له.. يهدد بإخراج الجمهور من القاعة). أيها السادة.. أرجو ألا تنسوا أن هذه قاعة محكمة.. قاعة محكمة وليست مقهى.. القاضي : (بعد أن يجلس ويسود الصمت يتوجه إلى خالد بكلامه) أنت المسبِّب لهذه الفوضى. فلتذكر أنت أيضاً أنها قاعة محكمة وليست صالة بلياردو..! خالد : لأنها قاعة محكمة.. وهنا في هذا المكان المرموق من العالم.. ولأنها مشهودة من قبل الصحافة العالمية ووسائل الإعلام، فهذه فرصتنا النادرة.. أعني أنها إحدى الفرص القليلة المتاحة لنا لإطلاع العالم على شيء من الحقيقة التي يعمل الجميع على طمسها، بالتعتيم عليها تماماً كما يفعل مقترف الجريمة لكي يخفي جريمته عن أعين الناس والعدالة معاً. إنهم يجلبون إلى بلادنا أناساً في كل يوم، خليط من بشر لا يجمعهم شيء سوى الرغبة في الاستيلاء على بلادنا. ويطلقون عليهم اسماً مضحكاً ومبكياً في الوقت ذاته. (العائدون الجدد).. عائدون إلى أين؟ آتون من أين؟ ومتى كانوا في هذه الديار حتى يعودوا إليها؟ لماذا يحدث هذا دون أن يصنع أحد شيئاً بحق الشيطان؟ القاضي : لماذا تظنه يحدث.. ولماذا الصمت إزاءه في رأيك بحق الملائكة؟ خالد : لو أتيح لي أن أجيب لفعلت. لو أعطيت حرية الكلام كما يجب ومن الوقت ما يلزم.. ولكن.. النائب العام : (متدخلاً بعنجهية) لأنهم شعب الله المختار. وهذه الأرض موعودة لهم. أرض الميعاد. أنت لا تعرف ذلك أو لعلك تعرفه وتتجاهله. وعدوا بها من إله اليهود.. يهّوَه.. أيريحك هذا؟ خالد : يعني أن لليهود إلهاً خاصاً بهم دون خلقه أجمعين بمن فيهم أهل هذه البلاد(ألمانيا)، والشعوب كافة وحتى الدول التي تعضدهم في ظلمهم وتعينهم على تحقيق حلمهم هذا. أليس الناس في نظركم(جوييم) أيّاً كانوا؟ ألم يخلقوا على شاكلة آدميين فيما هم يملكون أرواح البهائم من أجل خدمة ذلك الشعب المختار؟ هل هناك تخلف عقلي أكثر؟ ومتى يحدث هذا؟ في عصر العلم والتكنولوجيا.. ولدى أهل العلم والتكنولوجيا أنفسهم.. النائب العام : أنت لا تفهم هذا على أية حال.. أنت لن تفهم هذا..؟ خالد : إذن اجعلني أفهم أيها السيد النائب العام على أي الأسس اختاركم الله ومنحكم هذه الامتيازات العجيبة؟ ومن قال لكم ذلك؟ النائب العام : أسفار العهد القديم المقدس.. التوراة.. خالد : تلك التي اختلقها أحباركم، ونسبوها كذباً لذلك المصدر، إذ كيف يرضى الله وهو الله، أن يقع مثل هذا الظلم على مخلوقاته.. بل كيف يوافق الله على إبادة شعب على يد شعب آخر. ثم يدعي الفاعل، مقترف الجريمة أمام الله نفسه بأنه مُنح امتيازاً خاصاً منه ومباركة أيضاً.؟ البشر أنفسهم- أعني ذوي الضمائر منهم- لا يقرون ظلماً كهذا فما بالكم بالله نفسه؟ أم ترى أن الشعب الآخر.. أعني الشعوب الأخرى ليست من خلقه؟؟ القاضي : (محتداً) صمتاً.. صمتاً.. كفى.. كفى. (موجهاً كلامه لخالد) نحن أيضاً نوقن بأنها أرضهم الموعودة التي سيهبط إليها السيد المسيح بعد معركة مجدّو القادمة. خالد : ولهذا تعملون على تصديرهم إلى بلادنا بالجملة.. بعد أن عجزتم عن إفنائهم منذ زمن ليس ببعيد - على حد زعمهم على الأقل-. ولماذا لا تحتفظون بهم كي تحلّ بركاتهم عليكم؟ القاضي : (غاضباً ومرتبكاً) لو تأكدت من أنك تعني ما تقول، وأنك على وعي كامل بهذا الذي تقول، لما ترددت في إنزال عقوبة خاصة بحقك؟ خالد : ولكن لماذا؟ ألم يحدث هذا فعلاً ألم تقضوا على الملايين منهم في الحرب التي مضت. (على الأقل كما يتهمونكم هم)؟ ألم يحدث أن الأماكن المحترمة في بلاد الغرب كانت تعلق لافتات على أبوابها تنص على منع الكلاب واليهود من دخولها؟ وذلك لم يأت من فراغ بالتأكيد، فلولا ممارسات كانت تصدر عنهم، أو أخلاق عرفوا بها، أهَّلتهم لهذا القدر من (الاحترام) لما حدث ذلك....! النائب العام : (مقاطعاً بلهجة انفعالية عنيفة) أسجل احتجاجي على مواصلة المحكمة الاستماع لهذه الإهانات الموجهة للشعب اليهودي الصديق العريق..! القاضي : (مخاطباً خالد) ولكن هذا الذي أشرت إليه وقع في عهد النازية التي نتبرَّأ منها. خالد : وما شأن البلاد الأخرى التي لم تظهر فيها النازية؟ وما قولكم في أن هذا كان موقف الغرب منهم منذ عصر النهضة. شكسبير ومارلو في إنكلترا وحدها رسموا صورة واقعية لممارساتهم نقرؤها اليوم. القاضي : حتى لو أن ذلك قد حدث، ألم يكن ظلماً حاق بهم؟ خالد : لقد جرَّ هؤلاء العداء على أنفسهم في تلك المجتمعات بسبب أنانيتهم واستغلالهم لأبناء البلاد التي استوطنتهم. شايلوك يقتطع رطلاً من لحم بريطاني لقاء مبلغ من المال هذا تسديداً لدين هذا قاله شكسبير في(تاجر البندقية) لا نحن. جزيرة مالطة...خيانتهم لها وهم من سكانها وانحيازهم للغزاة مقابل المال. هذا قاله مبدع آخر هو كريستوفر مارلوفى. (يهودي مالطا). القاضي : لهذا هم يتهمون شكسبير باللاسامية. ويعتبرونه معادياً لهم.. هو شخصياً..! خالد : يظل السؤال قائماً: لماذا؟ ثم بماذا نفسر رواج تاجر البندقية وإقبال الناس عليها قراءة وتمثيلاً حتى اليوم.؟ أما مسألة لاسامية شكسبير فأمر مضحك حقاً. القاضي : مادام الأمر كذلك فكيف لك أن توفق بين هذه الدعاوى المتناقضة. عداؤنا المزعوم لهم بالأمس. ووقوفنا إلى جانبهم اليوم..؟ خالد : إنها المصالح الاستعمارية المشتركة التقت مع العداء المشترك لنا أيضاً. كذلك هي عقدة التفوق أصابتكم عدواها. فبالأمس القريب كان مرفوعاً هنا شعار(ألمانيا فوق الجميع). ومنذ زمن نادى كبلنج البريطاني بتفوق الجنس الآري والرجل الأبيض تماماً كما يعلنون هم عن حكاية شعب الله المختار. (يصمت قليلاً ثم يتابع فيما القاضي يقلب في الملف أمامه) يا حضرات القضاة (ثم ناظراً إلى الجمهور) ويا حضرات السيدات والسادة. أسألكم سؤالاً واحداً وحسب: هل لو حدث لكم مثل ما حدث لنا. هل كنتم تلجأون إلى الصمت قانعين بتفسير الطرف الآخر؟ وإذا رفضتم ذلك وقاومتموه غدوتم إرهابيين حقَّ عليهم العقاب. هل من بينكم من يقبل ذلك؟ (تُتبادل أحاديث ونظرات وإشارات في القاعة) القاضي : (ملتفتاً نحو القفص.. ثم إلى الجمهور) صمتاً أيها السادة.. والآن قل لي يا.. خالد.. ما الذي حفزك على السير في هذا الطريق؟ خالد : هم دفعوني إلى ذلك دفعاً. بل وأرغموني عليه. القاضي : من تقصد بقولك هم؟ المطلوب هنا التحديد وليس التعميم. خالد : الصهاينة. هم صنعوا مني فدائياً يقاتلهم حتى تقوم الساعة أو يسبقها التحرير الوطني. وحين أستشهد سيقاتلهم أبنائي وأحفادي. وما لا يتحقق اليوم يمكن أن يتحقق غداً. لدينا مثل يقول: ما ضاع حقِّ وراءه مطالب. القاضي : حسناً.. ومنذ متى قررت أن تكون..!.. حسناً لتكن فدائياً كما تُفضِّل أن تدعى..! خالد : منذ ذلك اليوم المشهود في قريتي كفر قاسم. النائب العام : (متهكماً) ألا ترى أنها غريبة هذه المصادفة؟ زميلك من دير ياسين.. وأنت من كفر قاسم. خالد : ستقع هذه المصادفة مع أيٍّ منا وأيٍّ منا.. فما من قرية أو مدينة في بلادنا إلا وشهدت مذابحهم.. القاضي : (مستفسراً بلهجة استنكارية) ما هذه الأخرى التي تسميها ماذا..؟ خالد : (مشدِّداً على الحروف) كفر قاسم.. كفر قاسم.. ألم تسمع سعادتك بهذا الاسم من قبل؟ القاضي : كفر.. كفر قاسم.. حسناً أنت من هذه القرية.. ولكن هل كان هذا هو سؤالي؟ خالد : (مواصلاً) نعم أنا من كفر قاسم. وليُسمح لي بدقائق قليلة. لن تسقط السماء على الأرض، يا سادة، لو سمحتم بتلك الدقائق، من الديمقراطية أن أُسمع صوتي على الأقل... أليس كذلك؟ (ران الصمت تماماً.. وتطلعت إليه العيون سواء مَنْ في القاعة أو مَنْ على المنصة فتابع) كنت يومئذ في التاسعة. كنا عائدين من الحقول إلى القرية، قبل الغروب بقليل. رجال وغلمان ونساء، مجموعة من الفلاحين. بعضنا في سيارة شحن، وأفراد يمتطون الدراجات.. نغني.. نهرّج.. نتشاجر. أوشكنا أن نبلغ مشارف القرية حين فوجئنا بمصفحات محمَّلة بالجنود تسدّ الطريق إليها. أشاروا إلينا بالوقوف. ثم الترجُّل. لم نكن نحمل سلاحاً. لم يكن معنا سوى الفؤوس والمناكيش وأدوات الزرع والحصاد.. أمرونا بأصوات زاجرة كالرعد.. (يسرح بعيداً.. تشرد نظراته.. مستذكراً صورة ما حدث...) |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |