المحاكمة - يوسف جاد الحق

مسرحية -من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Sunday, September 21, 2003 04:27 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المشهد الثاني

((جنود من الجيش الإسرائيلي، يحملون الرشاشات والبنادق. يشيرون إلى عدد من الرجال والنساء يأتون على دفعات بالوقوف جانباً. يدخل راكب دراجة.. ثم آخر.. ثلاثة أو أربعة يحملون أدوات الزراعة، بملابس الفلاحين الفلسطينيين. ملابس النساء أيضاً ريفية فلسطينية..‏

الجنود يواصلون الزجر، وإصدار الأوامر، إلى أن كبر عدد الموجودين.. في هذه الأثناء كانت تدور مشادات..‏

.. وأوامر.. وصرخات.. ومشاورات بين الضباط اليهود...))‏

ضابط يهودي : (يصيح بصوت كالرعد)‏

يالله أنت وهو.. قف هناك.. قفي هناك.. أنتِ أيضاً..‏

امرأة : (في استياء وخوف) خير إن شالله يا خواجة.‏

ضابط ثان ٍ: (زاجراً) خيراً؟ وجوهكم تبشر بالخير..!‏

امرأة ثانية : (ثائرة) لكن ما معنى هذا..؟ نحن عائدون من الحقول إلى بيوتنا.. ماذا فعلنا؟.‏

(الضابط يدير ظهره.. لا يرد.. غير مكترث)‏

الضابط الأول : (مواصلاً زجر القادمين فرادى أو جماعة) عند الجدار قفوا هناك.. أنتم مخالفون لأوامر منع التجول..‏

رجل : (مستغرباً) أيّ منع وأي تجول حتى نخالفه.؟.‏

الضابط الأول : تتظاهرون بأنكم لا تعلمون بمنع التجول..!‏

رجل ثاني : (ثائراً) نعرف ماذا؟ عن ماذا تتحدث؟‏

الضابط الأول : (بعنف) منع التجول يا بني آدم... أُعلن قبل نصف ساعة..‏

رجل ثالث : (في دهشة) ما دمت تقول قبل نصف ساعة. فكيف لنا أن نعرف ونحن في الحقول..؟‏

الضابط الثاني : تعرفون أولاً تعرفون.. ليس هذا مهمّاً.. المهم هناك أوامر أنتم الآن مخالفون لها؟‏

الرجل الأول : (حانقاً) هذا غريب.. كيف نكون مخالفين لشيء لا علم لنا به.. أنت متعلم وبتفهم يا خواجة..!‏

الضابط الثاني : طبعاً متعلم وأفهم.. ولهذا أطبقّ عليكم القانون.‏

الرجل الأول : يعني بصفتك متعلم تفهم أننا لم نرتكب خطأ ولم نخالف تعليمات.‏

الرجل الثاني : (مستفسراً) يعني إذا سمحتم.. هل حدث في القرية شيء؟‏

الضابط الثاني : (متهكماً) لا يا حبيبي حدث في القاهرة.. زعيمكم عبد الناصر.. وقناة السويس التي أغلقها. أهو زعيمكم أم لا عبد الناصر؟‏

امرأة : ولكن ما لنا ومال عبد الناصر.. وقناة السويس..؟‏

الضابط الثاني : أنتم عرب..؟ تنكرون أنكم عرب؟‏

امرأة ثانية : ننكر كوننا عرب؟ كيف يا خواجة..؟ احنا عرب.. وماذا يعني إذا كنا عرب؟‏

الضابط الأول : (متدخلاً) يعني كلكم في الهواء سوا‏

المرأة الأولى : (خائفة وفي فزع) يا خواجة أولادي بدون أكل طول النهار.. خلونا نمشي الله يخليك..!‏

الضابط الثاني : (مقهقهاً وفي سخرية) طولي بالك.. بتمشوا إن شاء الله مرة واحدة..! يعني على طول.. (يضحك بصوت مرتفع ومنغَّم)‏

المرأة الثالثة : (في مزيد من الخوف) وماذا تنتظر يا خواجه؟‏

الضابط الأول : نصيبكم.. المسؤول الكبير هناك(يشير إلى بعيد حيث ضابط عند سيارات جيب) هو الذي يقرر أمركم.‏

(في هذه الأثناء لا يزال يتوافد بعض الأشخاص من الفلاحين.يُدفعون نحو رفاقهم إلى قرب الجدار المتهدم.. خلف الجدار بستان وكروم. العسكر يقفون شاهرين أسلحتهم كأنهم في معركة. الضباط يتشاورون.. الشمس توشك على المغيب)‏

الضابط الأول : (يقترب، يستنفر) هل هناك غيركم في الحقول؟‏

(ينظر بعضهم إلى بعض في حيرة)‏

الرجل الثاني : لا نعرف إذا كان هناك أحد.‏

الضابط الأول : أنتم تكذبون.‏

الرجل الثاني : (منفعلاً) ولماذا نكذب.. نحن لم نصنع شيئاً نخاف منه.‏

الضابط الثاني : (فيما هو يتبختر جيئة وذهاباً) ستعرفون بعد قليل إن كان يجب أن تخافوا أولا..! (ثم وهو يغمز بعينه لضابط آخر) أليس كذلك يا ارييل؟‏

المرأة الأولى : (حين يقترب الضابط اريل) أولادي ماتوا من الجوع يا خواجة‏

الضابط اريل : أليس هذا أحسن من موتهم بالرصاص..؟‏

المرأة الثانية : (مرتجفة) الرصاص؟ لماذا الرصاص يا خواجة؟‏

الضابط ارييل : (ضاحكاً) لأن صوته حلو..!‏

المرأة الثانية : يلعن الرصاص ويلعن صوته..! إن شالله ما نسمعه..‏

الضابط ارييل : كل شيء عندكم إن شالله.. قولي لي هل تحبون عبد الناصر؟‏

(لا يجيب أحد.. يصيح فيهم)‏

لماذا لا تردون؟ تحبون عبد الناصر؟‏

المرأة الأولى : لماذا لا نحبه؟‏

الضابط ارييل : بل لماذا تحبونه؟ ماذا صنع لكم؟‏

المرأة الثانية : انقلب على فاروق.. وحسَّن بلاده..‏

الضابط ارييل : لا.. أنتم تحبونه.. لأنه وعدكم برمي اليهود في البحر.. هاه.. في البحر.. أليس كذلك؟‏

المرأة الأولى : يا خواجة مالنا ومال ها لكلام.. خلونا نمشي الله يخليك.‏

(ينصرف عنهم لينضم إلى الضباط الواقفين قرب السيارات. يتحدثون ويشيرون بأيديهم.. يبدو أنهم يقررون أمراً..‏

وفي هذه الأثناء تسمع طلقات من حين لآخر.. تتبعها أو تسبقها صيحة أو صرخة..‏

الضابط ارييل : (فجأة يصيح بالجنود فيقفون وقفة استعداد.. ويحركون آليات بنادقهم..‏

يفزع الفلاحون.. يقتربون بعضهم من بعض.. الفزع في عيون النساء. يبدأن بالصراخ.. فيصيح بهم أرييل)‏

اخرسوا.. لا صراخ ولا أصوات.. اسمعوا ما سأقوله لكم. ويردّ علي رجل واحد منكم. أنتم خالفتم أوامر منع التجول. هل تعرفون عقوبة ذلك..؟‏

رجل : نحن لم نسمع بأوامر أو غيره.. كنا في الحقول.. ألا تفهمون أن كوننا في الحقول يعني أننا..‏

الضابط ارييل : نعرف.. نعرف.. ولكن القانون هو القانون.‏

الرجل : أي قانون يا عمي.. نقول لكم لم نسمع بالأوامر إذن لم نخالف.. تقولون قانون..؟‏

الضابط ارييل : سمعتم.. ما سمعتم.. هذا ليس شغلنا.. هذه مشكلتكم أنتم..‏

الرجل : (صائحاً.. والآخرون منكمشون.. النساء يلذن بالرجال)‏

يا عمي كيف..؟ فهِّمونا كيف بتحاسبونا على..‏

الضابط ارييل : (مقاطعاً.. وبصوت مرعد) لا كيف ولا غيره.. أديروا ظهوركم.. اقتربوا من الجدار.. ارفعوا أيديكم إلى أعلى.. بسرعة.. من يتلكأ يا ويله..‏

(عندما يتلكأ بعضهم.. ويتردد بعض، بينما ينصاع آخرون يهجم عدد من الجنود لدفعهم نحو الجدار.. وما أن يرجعوا إلى الوراء(الجنود) حتى ينهمر الرصاص من الرشاشات كالعاصفة.. يتساقطون.. تفيض الدماء فيما يتعالى الصراخ وترتفع الصيحات من النساء والرجال والغلمان.. ثم تخفت لتنقلب إلى حشرجات وأنات احتضار...)‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244